ألَمٌ يضيء فوانيسه
قراءة في ديوان الشاعر محمد الحرز (أخف من الريش، أعمق من الألم)
مليحة الشهاب * - 20 / 5 / 2008م - 4:03 م - العدد (48)

نستطيع أن نراهن على وعي محمد الحرز بقصيدة النثر، ونراهن على رؤيته الأكثر وضوحاً كشاعر. الحرز يعمل على استكشاف الطاقات الإبداعية لقصيدة النثر كمقترح شعري أكثر مواءمة وانسجاماً وتعبيراً وتمثيلاً للعصر، وهو يدفع بها إلى أقصاها بما يتيح للقصيدة إظهار إمكاناتها الهائلة في التعبير والإيحاء والتمثيل.

جاء ديوانه (أخف من الريش أعمق من الألم) في قسمين منفصلين تماماً، وبعنوانين مختلفين؛ القسم الأول موسوم بــ (ألم بحجم دبوس)، واحتوى نصوصًا نثرية مكتوبة بلغة شعرية متقنة، وحينما سئل عنها الشاعر أجاب: بأنها هَنَاتٌ تعبر عن ثغرات الكائن، وهي جزء حقيقي من علاقته بالحياة لا يجوز إخفاؤها، ولقد جانب الصواب حينما أسماها بهنات؛ فهو في نثريته يذهب عميقاً حدّ الغياب ببوح يتشظى أسئلة، وإضاءات، نتاج تأملات في العمق، تتلاحق كفيض الحكمة. (لقد كتبتنا الأيام كتجربة، ولم نكتبها كإيقاع، وأعطتنا الحياة طرف الخيط، لكننا لم نحسن الاستماع، أليس وهمًا أن أظن بعد ذلك أننا نكتب شعرًا؟!).

القسم الثاني بعنوان: (لن أرفع حياتي كفانوس)، مجموعة نصوص تنتمي إلى قصيدة النثر برهانها على الإيقاع في اللحظة التي تتمرد على الشكل المتوارث للقصيدة، وهو - في قسمه الثاني - كأنه يؤكد بأن القصيدة هي الوصف الأعلى للشعر بوصفه شعوراً مرهفاً يدخل في جميع الألوان الأدبية، وهو لا يتكئ على الشكل الحداثي للقصيدة، بل يتجاوز إلى تقديم مضامين جديدة وكأنه بتجاوزه الأطر الشكلية للقصيدة العربية يكتشف أطراً تعبر عن حالات مختلفة تصب في محاولة التيار الحداثي لترسيخ رؤية مغايرة للأشياء، أو الذهاب إلى العميق منها واستجلائه.

التجربة الحقيقية تستوقف حتى العابرين، والحرز يقدم مقترحه على المشهد الثقافي بقصيدة لها حضور لا تؤطره بيئة أو مكان ليعبر بها عن الذات الإنسانية بحمولاتها، هواجسها، خيباتها، آمالها، على نحو لا تجد لها أفقاً خارج قصيدة النثر وكأنها خيار وجودي، وذلك دون الانشغال الفلسفي، أو التحليق في أفق صوفي، بل تناول لليومي والحياتي بعين لها رؤيتها الخاصة التي صنعتها مشارب ثقافية متعددة دون أن تلغي شاعريتها، وهو يتوغل في هذا المسار وكأنه يراهن على ما سيكتشفه أو سيقدمه.

ما الغواية عند الحرز؟ ربما هي الفلسفة؛ فلسفة ليست بالمعنى الميتافيزيقي أو الاتكاء على الرموز الأسطورية، وإعادة إنتاجها، بل الخروج من الذاتية الرومنطيقية إلى الذات الإنسانية بأزماتها النفسية والروحية وآلام الإنسان وحيرته وعذاباته وغربته، هنا الذات ولا شيء سواها. القصيدة مرآة الذات، بكثافة إيحاءات تعيد ترتيب الأشياء بنرجسية شغوفة بالتجريد بجمالية الدهشة لحظة الاكتشاف دونما الولوج في فلسفة تثقل المتلقي والقصيدة في آن واحد.

ولا يعيب القصيدة أنها ترسم ملامح لا يتلمس القارئ ملامحه فيها بقدر ما تخرجه من ذاتيته إلى تباين آخر وكأن القصيدة لم تعد معنية بالتعبير الجمعي بقدر ما تهتم بالتعبير عن الفرد وذاته بفرادتها، واختلافاتها عن الآخرين لأنها ليست مهتمة بتجميع أكبر عدد من الجماهير من حولها، فليس التصفيق ما يغريها بل متعة إضاءة لون كان في العتمة. ربما هذا ما يجعل لقصائد الحرز تمايزًا، وإن كانت تخلو من الجاذبية المستهلكة، لتبدع لها جاذبيتها الخاصة التي تبقيك ممسكاً بالديوان لآخر دفقة فيه بمتعة مغايرة، فهو - كما أسماه - (أخف من الريش، أعمق من الألم ).

والحرز يقدم قصيدة تقوم على مشهد مسرحي كأنه يسعى إلى تقديم قصيدة بصرية بطقوس شعرية ممسرحة بمشاهد تتوالد وتتوالى وتتعاقب بسرعة، وتمتد على مساحة مكانية دون أن يشغلنا عن الدلالة، بل هو توظيف لدلالة واحدة هي الغاية من القصيدة؛ ففي قصيدة (حكاية عن جنازة)، صور مسرحية تتعاقب من اللحظة الأولى للوصول إلى المقبرة. ما الذي يفعله الأحياء في حضرة القبور؟ الأموات أشياء انتهت صلاحيتها، لذا لم تكن منازلهم فسحة للتأمل، ووجودهم -الأحياء- في اللحظات الأخيرة كان مجرد روتين لا يرتقي إلى الطقوس، لذا كانت الأدعية بلا أجنحة تصعدّها إلى أبواب الجنة.

(حينما أردنا أن نترحم على أسلافنا الموتى؛ اكتفينا بالشفاه فقط، وعندما خطا الدعاء خطوات باتجاه الخارج؛ تجمد هو أيضاً).

لكن الأحياء بتوالي الأحداث لا يخرجون بنفس اليقين، بل يسترجعون ما قاله ريتسوس: (وحالا تذكرنا ما قاله ريتسوس: علينا أن نحرس قبور موتانا /..../كيف لنا أن نحيا دون بيوتنا...).

وأنت تقرأ الديوان هناك سؤال يلوب في الداخل؛ ماذا يريد أن يقوله الشاعر؟ فأنت لا تعيش حالة وجدانية بل عقلية متحفزة، فالقصيدة تطرح الواقع بطريقة إشكالية لأن منظورها مختلف، وبزاوية منفرجة تدعو القارئ لأن يكون شريكاً في النص لو أراد. لا قوالب جاهزة تستريح على عتباتها الذائقة دون الشعور بملل، فهو يقدم مقترحاً جديداً دون صخب لغوي، أو تقعُّر في الصورة بمنعرجات تفضي إلى فوضى أشبه باللاجدوى كمن أراد أن يزيح الغبار لكنه قام ببعثرته، فجاءت القصيدة بإيقاعات خفية هادئة أشبه بمن يتداعى همساً على الرغم من سعار الأفكار، ومغامرة البوح.

وهو - الديوان - في اللحظة التي يذكرك، شكلاً، بأنسي الحاج في ديوانه: (الوليمة) (من حيث الشكل المتمثل في القسم النثري، والآخر الشعري)، إلا أنه ظل محتفظاً بصوته المتفرد بتمايز من حيث الأسلوب والمضمون، فهو يشق طريقاً خاصًّا له وبه، وبمحاذاة من سبقه دون أن يكون مرآة تعكس صورهم، أو يستعير أصواتهم، فأنت أمام نص لا يذكرك بنص آخر لغة ومجازًا وإن بدت القصيدة في اتجاهها الفكري والانفعالي متأثرة بالتيار الحداثي الذي يتلبس اللبوس الغربي؛ فشبيه الحرز ما هو إلا زوج إليثا في رواية (ابنة الحظ)، ولا يسأل عنه إلا إيزابيل: (وهذا شبيهي الذي تتكئ عليه عربة حياتي، غاب من الحانة، أظنه قفل راجعاً إلى زوجته إليثا. في رواية (ابنة الحظ) لابدَّ لي أن أسأل عنه إيزابيل ألليندي يوما ما !).

وهذا يشكل - في رأيي -حاجزاً نفسيًّا بين القصيدة والمتلقي العام الذي غالباً يجهل الرموز الغربية فضلاً عن بطل في رواية ما.

ما الذي يضطر الحرز إلى التشبه برمز غربي على كثرة رموزنا العربية؟ ربما لأن ما يحاول ترسيخه ليس نتاج حركة تاريخية ثقافية عربية تماماً، بل ربما تأثر بالغرب مما أظهر الرمز الغربي على حساب الرمز العربي.

ناقدة، السعودية.
239424