المواطنة والوحدة الوطنية
التحرير - 21 / 5 / 2008م - 4:15 م - العدد (49)

في ظل التطورات الكبرى والمتسارعة التي تمر بها المنطقة، تتأكد أهمية تمتين الجبهة الداخلية ورص الصفوف وتقوية أسباب الوحدة الوطنية. إذ أن من الخيارات الحيوية التي نستطيع من خلالها مجابهة التحديات والاستجابة الواعية لها، هي خيار تأكيد وتعميق الوحدة الوطنية، وتجاوز كل ما يسيء إلى مشروع الوحدة الوطنية.

وإن الخطوة الأولى الضرورية في هذا السياق، هي أن نتجاوز الخطابات الإطلاقية أو الكلانية، التي ترى الوحدة بمنظور شوفيني، ينزع إلى إلغاء التنوعات وإقصاء كل حالات التنوع والاختلاف، ويعتبرهما جميعا من عوائق الوحدة ومضادات التوافق الداخلي. لهذا فإن مفهوم الوحدة بحاجة أن ينفتح ويتواصل مع كل التجارب الوحدوية والتوافقية، التي استطاعت أن تؤسس لذات وطنية قوية، قوامها المزيد من الاحترام الوجودي والمؤسسي لكل التعبيرات الثقافية والمجتمعية ومكونات المجتمع.

فالوحدات الوطنية في الكثير من الدول والتجارب لم تبن على أنقاض حقائق المجتمع وتعبيراته القائمة. وإنما بنيت على خلق معادلة حضارية في التعامل مع هذه الحقائق. فالوحدة بنيت في هذه التجارب على قاعدة احترام حقائق المجتمع، وإفساح المجال لها، لكي تعبر عن ذاتها في سياق إثراء وتعزيز مفهوم الوحدة الوطنية. ومن يبحث عن الوحدة بعيدا عن هذا السياق، فإنه لن يجني إلا المزيد من التشظي والانقسام.

وهذا يتطلب بناء المواطنة وصياغة العلاقات الداخلية للمجتمع الواحد على أسس المساواة والعدالة. وذلك لأن المواطنة ليست هوية جامدة، وإنما هي حيوية ومفتوحة على جميع الروافد، وتستفيد من كل الاجتهادات والآراء وذلك لإثراء مضمونها وتوسيع قاعدتها الاجتماعية والإنسانية.

لذلك فإن الوحدة الوطنية الصلبة، هي التي تبني مواطنة قوية تتواصل مع كل التعبيرات وتنفتح على كل المكونات.

وهذا يتطلب الاعتراف بالآخر وجودا وفكرا، لا للانحباس المتبادل، وإنما لانطلاق فعل تواصلي - حواري، ينمي المشتركات، ويسعى نحو مراكمة مستوى الفهم والاعتراف.

فالمطلوب من أجل بناء مواطنة متساوية في الحقوق والواجبات، هو أن ننفتح على مساحات الاختلاف ونتواصل مع المختلفين، من أجل استنبات مفاهيم وقيم جديدة،تزيد من فرص تقدمنا، وتحررنا من آليات العجز، وتجعلنا نقتحم آفاق جديدة، تحملنا على نسج علاقة جديدة مع مفهوم الوحدة والتوافق الداخلي.

فالوحدة الحقيقية لا يمكن أن تعيش إلا في ظل المواطنة الكاملة. ومن الأهمية أن ندرك أن وحدة مصادر العقيدة والأحكام، لم يلغ الاختلافات بين المسلمين، وذلك لاختلافهم في مناهج النظر والاستنباط. وفي هذا التعدد والتنوع في مناهج النظر إثراء للمسلمين في مختلف الجوانب، ولا ضرر نوعي لهذا التنوع على المستوى النظري أو العملي. ولكن الضير كل الضير، حينما يفضي الاختلاف خلافا وقطيعة وخروجا عن كل مقتضيات الأخوة الدينية والوطنية، وسيادة هوس التعصب الأعمى.

والإنسان الذي يعيش الوحدة، هو الذي يحترم خصوصية صاحبه كما يريد من صاحبه أن يحترم خصوصيته. عندما تكون وحدويا، فإن عليك أن تفتح المجال لتحمي حرية صاحبك بأن يقول ما يشاء، تحميه من كل عواطفك وانفعالاتك، تحميه من كل ذلك وتقاتل في سبيل حريته.

وإننا في هذه اللحظة التاريخية، نهيب بجميع مكونات المجتمع الوطني، إلى ضرورة الانفتاح والتواصل مع بعضهم، وذلك من أجل تمتين الجبهة الداخلية وتعميق خيار التوافق وتجذير أسباب الوئام والالتحام الوطني. فلتتحول كل الجهود والطاقات صوب فريضة الوحدة، وذلك من أجل حمايتها وتطويرها.

والدول الوطنية المعاصرة في كل أصقاع الدنيا، تنطوي وتحتضن كل التنوعات والتعدديات التقليدية والحديثة، وإن الإدارة السياسية وطبيعة خياراتها، هي التي ستحدد مستوى وعمق الوحدة الوطنية في هذه المجتمعات. فإذا كانت إدارة استعلاء وتجاوز لكل حقائق ومقتضيات ما تنطوي عليه المجتمعات من تنوع وتعددية، فإن الوحدة الوطنية ستكون هشة وشكلية. إما إذا كانت الإدارة السياسية استيعابية ومرنة وتحترم خصوصيات مجتمعها، وتبني خياراتها السياسية على ضوء حقائق وطنها وشعبها، فإن الوحدة الوطنية ستكون صلبة وعميقة.

فالوحدة الوطنية في كل التجارب والدول، ليست معطى جاهز، بل هي مرتبطة بشكل أساسي بطبيعة النظام السياسي وخياراته الداخلية.. وعليه فإن المطلوب في كل دولنا ومجتمعاتنا، بناء الوحدة الوطنية على قاعدة المواطنة الجامعة والمتساوية، بعيدا عن كل عناوين الانتماء التقليدية كالمذهبية والقبلية والعشائرية.. فكل مواطن بصرف النظر عن دينه أو مذهبه أو قبيلته أو عشيرته، له ذات الحقوق وعليه ذات الواجبات. فهي دولة المواطنين جميعا، بدون تحيز أو تهميش لأحد. ولا شك أن هذه مرحلة نصل إليها، وليست حقيقة ناجزة، ولكن الخطوة الأولى في هذا المشروع هي إنجاز مفهوم المواطنة. فالاجتماع الوطني يحتضن التعدد والاختلاف، ولكن دولة هذه الاجتماع موحدة وواحدة، وتضبط حراك المجتمع بالقانون.. فالقبول بالتعددية لا يعني التشريع للفوضى، والاعتراف بالتنوع لا يعني تغييب حقائق وضرورات الوحدة. فنحن مع الوحدة بكل مستوياتها، التي تبنى على قاعدة المواطنة واحترام الخصوصيات وصيانة حقوق الإنسان.

وعليه فإن الوحدة الوطنية كعملية مفتوحة على كل المبادرات والعطاءات، لا تبنى على حساب الحريات وتطوير شبكات ومؤسسات المجتمع المدني. وإنما تبنى من خلال هذه الحريات ومؤسسات المجتمع المدني. فهي الأطر الحاضنة لكل مفاهيم وحقائق الوحدة الوطنية. ومن يبحث عن بناء وحدة وطنية، بعيدا عن قيم الحرية والشراكة والمسؤولية، فإنه لن يصل إلا إلى شكل الوحدة دون مضمونها، وإلى اسمها دون حقائقها. فحقائق الوحدة وتجلياتها العميقة، لا تبرز إلا بقيم التسامح والتعددية وصيانة حقوق الإنسان. فهذه هي بوابة الوحدة الوطنية الصلبة والسليمة في كل التجارب والممارسات.

231835