عَين مُحَلِّم (عين أم سبعة)
فضل بن عمار العماري * - 21 / 5 / 2008م - 4:22 م - العدد (49)

يحدد القدماء «عين محلم»، على أنها:

نهر عظيم، بهَجَر[1] .

عين فوّارة، بالحرين، ولها -إذا خرجت في نهرها- خُلُج كثيرة تتخلَّج منها، تسقي نخيل جواثاء، وقُريّات من قرى هجَر[2] .

ويحددها المعاصرون، على أنها:

هي ما يُعرف الآن باسم: أم سبعة، أقوى عيون الأحساء، شمالي المبَرَّز[3] .

أو كما قال العبيد:

الحارّة: تتفرّع إلى نهرَي الشمال ومغيصيب، ثم يتفرّع نهر الشمال إلى خمسة أنهر، ويتفرّع مغيصيب إلى سبعة أنهر[4] .

عين أم نهر؟

رأينا أن القدماء وصفوا «محلم» بأنه «نهر»، ووصفوه أيضاً بأنه «عين»، والجاسر يجعله عين أم سبعة، والعبيد يجعله نهراً. وكلا القولين صحيح، غير أن بيانه هو أن «محلم» يخرج من (عين أم سبعة) التي كانت تفيض -وحتى وقت قريب كانت مترعة جدًّا بالماء- ثم يتّجه الماء متدفِّقاً شرقاً نحو بريّة العقير، فيصبّ في البحر، جهة العقير. شاقًّا الطريق على هيئة مجرى مائيٍّ دون انقطاع، فكان نهراً، وكان عيناً، تتفرّع عنها جداول. وسنرى من الشعر أن منطقة الأحساء، ولاسيما هذه المنطقة كانت غزيرة المياه، وكانت نخيلها مضرب المثل في الإثمار والكثافة، والامتلاء، والإنتاج. ويدل على أن «محلم» كان نهراً جارياً قول الهمداني بعد وصفه السابق بأنه «نهر عظيم»:

«البحرين: إنما سمّيت من أجل نهرها محلم».

الخلط بين «هجَر» و «اليمامة»:

جاء في البكري:

«قال الخليل: محلم: نهر باليمامة»[5] .

على أن ياقوتاً قال:

«قال صاحب العين: محلم، نهر بالبحرين»[6] .

والذي يبدو أن البكري استقى معلوماته من مصدر غير الذي رجع إليه ياقوت، فوقع لديه الاضطراب، إذ لا يكون الرأيان منسوبين للخليل، وإنما هما رأي واحد، على أن:

«محلم: بالبحرين».

على أن صاحب اللسان استشهد بقول الفرزدق:

فراحا بِجُرجور كأن إفالها

فَسيلٌ (دما) قُنوانه من محلم[7] 

وهذا خطأ من ناحيتين: الأولى: أن صاحب اللسان نسبه إلى مجهول، على أن الموضع باليمامة، والثانية: أن الرواية الصحيحة هي ، على الرغم من أن ناشري ديوان الفرزدق توافقوا على هذا الخطأ:

فسيلٌ دنا جبّاره من محلم[8] 

لقد أضاف الهمداني إلى قوله السابق:

«البحرين: إنما سمّيت من أجل نهرها محلم». وهذا دليل على عِظَم النهر وسعته، بل طوله.

«محلِّم»/ «العين»/ «فُطيمة» في قول الأعشى:

ونحن غداة العين يوم فُطيمة

منعنا بني شيبان شرب محلم[9] 

تتّفق المعاجم كلها، قديمها وحديثها، على أن «محلم»: يقع في الأحساء، ناحية المبرَّز، ويعني قول الأعشى هذا:

1- أن بني قيس، من بكر، في منطقة المبرز، وأن بني شيبان هاجموهم، فردتهم قيس على أعقابهم.

2- كما يفترض مبدئيًّا أن «محلم» لقيس، وأن كلتا القبيلتين الأختين والمتعاديتين متجاورتان.

وهذا ليس بصحيح، فهذه المنطقة كانت لعبدالقيس، ووجود جماعات بكرية فيها لا يشكّل ثِقلاً. بل إن قيس، قبيلة الأعشى، لم تكن في هذه الجهة من الأحساء، وكانت شيبان، في عصر الأعشى، تسكن الجزيرة الفراتية. يقول الأعشى بعد ذلك البيت:

جبهناهم بالطعن حتى توجهوا

وهزوا صدور السمهري المقوَّم

وأيام حَجر إذ يحرِّق نخلَه

ثأرناكم يوماً بتحريق أرقم

كأن نخيل الشط غبّ حريقه

مآتم سود سَلَّبت عند مأتم

ويتكرر هذا في قوله:

يوم حَجر بما أُزل إليكم

إذ تُذكي في حافتيه الضراما

وبعده:

ثم بالعين عُرَّةٌ تكسف الشمـ

ـس ويوماً ما ينجلي إظلاما

إذ أتتكم شيبان في شارق الصبـ

ـح بكبش ترى له قُدّاما[10] 

ويرى محقق الديوان أن:

«العين: عين التمر»[11] .

اي: غربي الكوفة. بينما الاتفاق على أن «العين» هي «عين محلّم». وفيها يقول:

نحن الفوارس يوم العين ضاحية

جنبي فُطيمة لا مِيل ولا عُزل[12] 

وواضح أن «فطيمة»: اسم مكان، يقول البكري:

«فطيمة: موضع في ديار بكر»[13] .

فكيف يجتمع هذا التفسير، وديار بكر التي يعنيها البكري في الجزيرة الفراتية، شمالي العراق؟ يقول ياقوت:

«فُطيمة: اسم موضع بالبحرين، كانت به وقعة بين بني شيبان وبني ضُبيعة وتغلب من ربيعة، ظفر فيها بنو تغلب على بني شيبان»[14] .

وهذه ليست من منازل ربيعة أيضاً، وإنما منازل ربيعة الجزيرة الفراتية. ولم تقع قط حرب بين تغلب وشيبان، عدوها اللدود، في شرق الجزيرة العربية، وإنما كانت وقائعهم الأولى في وسطها، مما يشكل أعلى وادي (الجرير)، بوسط نجد، نقطة ارتكازها. والأعشى لا يشير إلى تغلب في شعره، وإنما يشير إلى شيبان. وهناك ملاحظة مهمة تتعلق بالعلاقة بين الطرفين، وهي أن كلتا القبيلتين لم تكونا تسكنان البحرين القديمة، وإنما كانتا ترتادانها للامتيار، وهذا واضح من قول الأعشى السابق:

ثم بالعين عُرَّةٌ تكسف الشمـ

ـس ويوماً ما ينجلي إظلاما

إذ أتتكم شيبان في شارق الصـ

ـح بكبش ترى له قُدّاما

أما قول محقق الديوان:

«فطيمة من بني سعد بن قيس كانت عند رجل من بني سيار من بني شيبان؛ وله امرأة غيرها من قومه، فتعايرنا، فعمدت السيارية، فحلقت ذؤابة فطيمة، فاهتاجت الحرب»[15] .

فحتى لو كان هذا صحيحاً -والدلائل ضده- فالحادثة لم تخرج عن «هجَر»، وليس بعيداً عنها. وبهذا تكون «العين»: هي عين محلّم (عين أم سبعة)، ناحية (المبرز)، ويدل قول الأعشى على تلك الحادثة، حادثة الامتيار من البحرين:

فإن تمنعوا منا المشقر والصفا

فإنا وجدنا الخط جمًّا نخيلها[16] 

وذلك في اصطدام بين الحيَّين، وهما يمتاران فقط من البحرين، مما يشير إلى حرب وقعت بينهما في جهات «محلم»، في زمن سابق، فبكر التي كانت تمتار من الأحساء، تحوّلت إلى الامتيار من القطيف (الخط).

ونقل الجاسر عن الأغاني، في تعليق على قول الأعشى:

«منعنا بني شيبان شرب محلم».

تأكيد ذلك، وهو:

«حذّرهم أن تلقي شيبان مثلما لقوا يوم العين: عين محلم، بهجر»[17] .

(العين): عين «أُباغ»: غربي الأنبار، بالعراق:

قال الحارث بن حلزة:

فنحن غداة العين يوم دعوتنا

أتيناك إذ ثابت عليك الجلائب[18] 

وهنا نجد ذكر «العين» مجردة من أية علاقة، والعلاقة التاريخية توضحها، في فخر بكر بانتصارهم في هذا اليوم نجدةً لعمرو بن هند، بحيث لا يمكن الخلط بين «العين»: «عين محلم»، و «العين»: «عين أباغ».

«محلم» بهَجر - في الشعر:

قال بشر بن أبي خازم:

كأن حمولهم لما استقلوا

نخيل محلم فيها انحناء[19] 

كما قال:

كأن حمولهم لما استقلوا

نخيل محلم فيها ينوع[20] 

وقال لبيد:

نخل كوارع في خليج محلم

حملت فمنها مُوقَر مكموم[21] 

وقال أعشى همدان:

ولما نزلنا بالمشقّر والصفا

وساق الأعاريب الرِّكاب فأبعدوا

بدأنا فغوَّرنا مياه محلم

لعل بقايا جِمَّة القوم تنفد[22] 

وقال الأخطل:

تسلسل فيها جدول من محلم

فلو زعزعتها الريح كانت تميلها[23] 

وفي تعبير مشابه لما قال أعشى همدان، قال خَبّال بن شبّة:

وبهن أيام المشقر والصفا

ومحلم يبكي على قتلانا[24] 

وقال ابن الدمينة:

كأنهم دُلُحٌ يسقي جداولها

محلم حيث أدت خرجها هجر[25] . 

[1]  الحسن بن أحمد بن يعقوب الهمداني، صفة جزيرة العرب، تحقيق محمد بن علي الأكوع (الرياض: دار اليمامة، 1394هـ/ 1974م) ص306. وانظر: ص281.
[2]  شهاب الدين، أبو عبدالله ياقوت، معجم البلدان (بيروت: دار صادر، 1399هـ/ 1979/) «محلم».
[3]  حمد الجاسر، المنطقة الشرقية (الرياض: نشر دار اليمامة، ط 1، 1399هـ/ 1979م) ج4، ص1767. وانظر ص ص 1581 - 1586؛ ج3، ص1214.
[4]  عبدالرحمن بن عبدالكريم العبيد، الموسوعة الجغرافية لشرقي البلاد العربية السعودية (الدمام: نادي المنطقة الشرقية الأدبي، ط 1، 1413هـ/ 1993م) ج1، ص273.
[5]  أبو عبيد بن عبدالعزيز البكري، معجم ما استعجم، تحقيق مصطفى السقا (القاهرة: لجنة التأليف والترجمة والنشر، 1368هـ/ 1949م) «محلم».
[6]  ياقوت، معجم البلدان، «محلم».
[7]  أبو الفضل، جمال ادين بن منظور، لسان العرب (بيروت: دار صادر، 1375هـ/ 1955م) «حلم».
[8]  ديوان الفرزدق، عناية عبدالله إسماعيل الصاوي (القاهرة: مط الصاوي، ط1، 1354هـ/ 1936م) ج2، ص759.
[9]  البكري، معجم ما استعجم، «محلم».
[10]  ديوان الأعشى، تحقيق محمد محمد حسين (القاهرة: مط النموذجية، 1950م) ص ص248 - 249.
[11]  المصدر نفسه، ص127.
[12]  المصدر نفسه، ص247.
[13]  البكري، معجم ما استعجم، «محلم».
[14]  ياقوت، معجم البلدان، «فطيمة»، «العين». وانظر: «عين التمر»، «عين محلم».
[15]  ديوان الأعشى، حاشية ص177.
[16]  المصدر نفسه.
[17]  الجاسر، المنطقة الشرقية، ج4، ص1582.
[18]  ديوان الحارث بن حلزة، تحقيق عمر فاروق الطابع (بيروت: دار القلم، 1404هـ/ 1994م) ص71.
[19]  ديوان بشر بن أبي خازم، تحقيق عزة حسن (دمشق: مديرية إحياء التراث القديم، 1379هـ/ 1960م)، ص2.
[20]  المصدر نفسه، ص130.
[21]  البكري، معجم ما استعجم، «محلم».
[22]  المصدر نفسه.
[23]  المصدر نفسه.
[24]  ياقوت، معجم البلدان، «محلم».
[25]  ديوان ابن الدمينة، تحقيق أحمد راتب النقاخ (القاهرة: مط المدني، 1377هـ/ 1959م)، ص76.
التعقيبات المنشورة لا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع
» التعليقات «1»
ابو علي
[1]
[ Saudia Arabia - qateef ]: 20 / 10 / 2008م - 9:01 ص
الظاهر الكاتب ماسمع عن عين داروش في صفوى والجداول التي تتفرع منها مثل قميح و العوسيي ؟؟؟ لو بس السالفة ان كل يجر النار الى قرصه وخصوصا اخوانا الحساوية.
تعليق الإدارة:
الكاتب من الرياض ويدرس في جامعة الملك سعود . هيئة التحرير
كاتب وأستاذ جامعي
323559