ترجمة رحلة بلجريف
ترجمة تحتاج إلى ترجمة (2)
عدنان السيد محمد العوامي * - 21 / 5 / 2008م - 4:29 م - العدد (49)

مدخل

لضآلة اطلاعي على ما كُتِب عن هذه الرحلة؛ حسبت أنني أوَّل المتنبهين لكذب بلجريف في ادعائه دخول الجزيرة العربية؛ إذ إنَّ كلَّ ما قرأته عنها يتأرجح بين العرض المحايد للرحلة، والإعجاب المفرط بها، من مثل ما عرضته في الحلقة الماضية.

تلك الآراء وما شابهها كانت كلَّ حصيلتي من المعلومات عن الرحلة، حتى لفتني الصديق الكريم الأستاذ محمد عبد الرزاق القشعمي - (أبو يعرب) جزاه الله خيرًا - إلى ما كتبه «هاري سينت جون فلبي» في كتابه (قلب جزيرة العرب)، فوجدته ينكر، جملة وتفصيلا، مزاعم بلجريف في زيارة القصيم والرياض والأفلاج والأحساء، ﴿وَلاَ يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ[26].

في قلب العاصفة

رحلة بلجريف، هذه، أصبحت محلَّ تجاذب وتنازع بين ثلاثة اتجاهات؛ أحدها مصدِّق بها، ومدافع عنها، ويأتي في مقدمة هذا الفريق - على ما أعلم - الرحالة «هوجارث»؛ فبرغم أنه سلك الطريق بين «بُريدة» و«الزلفي»، فوجدها على خلاف وصف بلجريف، إلا أنه دافع عنه بحرارة[27]، ويشبه «هوجارث»، في هذا، «س. م داوتي»، وهذا اقتصرت زيارته على «القصيم»، والصورة التي رسمها لأحوال الناس هناك تناقض تصوير بلجريف تمامًا، إلاَّ أنه، مع ذلك، لم يشكَّ في صدقه[28]، ويعضد هذين الرحالين «ويلفرد بلنت»، فهو على هذا الرأي من صدق بلجريف[29]، ومن أولئك المعجبين ببلجريف ورحلته «رودريك ميرتشيزون Sir Roderick Murchison»؛ فقد أثنى عليه كثيرًا أمام الجمعية الجغرافية الملكية بلندن[30]، أما «لورنس» فلعله أخبث الشهود المشاركين في هذه القضية؛ فقد جاء في شهادته من المراوغة أكثر مما فيها من الوضوح، قال: «إننا لا نستطيع الجزم في القول حول ما ذكره بلجريف صدقًا أم لا، ولكننا نستطيع أن نأخذ برأي هوجارث الذي قال عنه: لا شك أنه قام بمعظم الرحلة التي ذكرها في كتابه، ولكن القصة كما رآها بلجريف (هي مجرد عمل فني لا يمكن إفساده ببعض الحقائق»[31]، وهكذا تملَّص - تملُّصَ الثعلب - من القضية، وكأنه يرُدُّ على «هوجارث» بما يبدو تأييدًا له، بالاستناد إلى رأيه نفسه في عدم الضرورة للحقائق؛ لأنَّ من شأنها إفساد العمل الفني.

الفريق الثاني هو الفريق المتشكك، وبعضه يتابع «لورنس» في طريقة تهربه الذكية غير المباشرة، ومن هذا الفريق الرحالة «يوليوس إيوتنج Julius Euting»؛ فهذا لاحظ ألاَّ وجود لبعض القرى التي ذكرها بلجريف؛ لكنه اكتفى بهذا القول: «أمَّا الأماكن الأخرى التي أشار إليها الرحالة الآخرون مثل «سحارة» و«الجون» و«حاسيا» و«جوا» و«مويسن» فيبدو أن سكانها قد هجروها»[32]، وهذه الإشارة تبرر، إن لم تعزز، بصورة غير مباشرة، رأي الفريقين الآخرَين المشكك والمكذب، إذ إن انعدام هذا العدد الكبير من القرى لا يصح أن يعزى إلى هجرة السكان إلا في ظروفٍ استثنائية، خصوصًا عند النظر إلى قصر المدة بين رحلة بلجريف 1862م، ورحلة «إيوتنج» 1883م، ومقدارها 21 عامًا.

يمكن أن نضيف إلى هذا الفريق، أيضًا، من ألقى التبعة على بلجريف نفسه في شك الناس فيه؛ كالرحالة «جيرالد دي جوري»، مترجم كتاب الرحالة الدانمركي «باركلي رونكيير» إلى الإنجليزية، فهذا الرجل قد استعرض عددًا كبيرًا ممن جابوا الجزيرة العربية شرقًا وغربًا وجنوبًا وشمالاً، ولم يشك في أحد منهم إلا في بلجريف، فنراه يلخص رأيه فيه بقوله: «الشخص الآخر الذي وصف الرياض هو «دبليو، جي، بالجريف» الذي كان قد وصل الرياض قبل وصول «بيلي»، وإذا شككنا أنه وصل الرياض؛ فإن اللوم يقع عليه، فقد تحدث إلى (الجمعية الملكية الجغرافية) بـ«لندن» ولم يلقَ قبولا حسنًا عندهم، مع أنه استقبل استقبالاً حسنًا من القراء»[33]، وواضح أنه اعتمد في هذا الرأي على «رونكيير» نفسه، فقد نقل عنه قوله: «عندما ندرس جغرافية شرق ووسط الجزيرة العربية لا بدَّ لنا أن نعقد مقارنة بين محاولات «بيلي» و»بالجريف» لتسليط بعض الضوء على طبيعة جغرافية المنطقة، ولا نكون مبالغين إذا قلنا إن قيمة المعلومات التي أتى بها الرجلان لا ترقى إلى القبول الذي لقياه. إنَّ «بيلي» لم يطعم قصته بمقتطفات من أعمال «شكسبير» أو «تنيسون» أو «دانتي»، أو «بايرون»، كما إنه لم يتحدث بإسهاب عن الرعب الذي يشعر به الإنسان وسط رمال الصحراء، لكنه أعطى صورة واضحة ومختصرة عن البلد وملامحها، دعَّمها بنتف من المعلومات أكثر وأوضح مما أتى به بالجريف. كما إن «بيلي» أعطى وصفًا جغرافيًّا شاملاً عن المنطقة مما لم يستطع بالجريف أن يأتي بمثله»[34].

ويأتي، في هذا السياق، «دوجلاس كروزرس»، وهذا يبدو رأيه متسمًا بالتناقض شيئًامَّا، إلا أنه في غير صالح بلجريف بأية حال، فهو من جانب يقول: «بالقرب من المكان الذي كنا فيه؛ كانت هناك المسارات المتجهة شرقًا التي سار فيها الاثنان اللذان سبقاني، وهما والين Wallin، وبلجريف، وبالرغم من أنهما بدآ من نقطتين مختلفتين – إذ بدأ والين من تفيلة Tafila، وبدأ بلجريف من مَعان، إلا أنهما يقصدان هدفًا واحدًا في وادي السرحان – أبيار الوسيِّط التي كانت تقع على مسافة أربعين ميلاً شرقي المخيم الذي كنت فيه في منطقة الأحساء، ولكن أحدًا من هذين الرحالة (كذا) لم يضف الكثير إلى خريطة تلك المنطقة...»[35]. فرأيه هنا يبدو منحصرًا في نقد بلجريف لأنه لم يضف للخريطة أي جديد، لكن رأيه ما يلبث أن يتبلور بجلاء فيضع رحلة بلجريف في خانة «القص الخيالي»، فيقول: «تَلوُّن الكثبان الرملية البهيج يعدُّ معلمًا من المعالم التي حظيت بتعليق الرحالة جميعهم، ولعل ذهن بلجريف الخيالي قد أعطانا صورة ناصعة وبهيجة لذلك التلون البهيج، ومع ذلك لم تكن الصورة على ذلك النحو...»[36]. إذن، الخيال وحده هو الذي أعطاه بلجريف إياه.

أمّا الأكثر شكًّا من هؤلاء جميعًا؛ فهو بلجريف نفسه؛ إذ سبقهم بالتوجُّس من شكوك الناس فيه، وفي رحلته، فنراه يمهِّد لرواية مشاهداته في الرياض بقوله: «وقبل أن أدخل في تفاصيل الخمسين يومًا التي مضت في هذه المدينة الغريبة، وكل ما يتعلق بهذه المدينة، فلا بد أن أكون قريبًا ما أمكن من مخزون الثقة والصدق اللذان (كذا) يوليني القارئ إياهما بوصفي إنجليزيًّا، برغم أني رحَّال، وأنا أعلم تمامًا أن الأحداث، والشخصيات، والمشاهد التي يتعين أن أضعها الآن أمام القارئ عرضة، من حيث روايتها، لأن تكون مصدرًا لكثير من الإزعاج من ناحيتين؛ أولاهما ما يتعلق بمظهر هذه الأحداث والشخصيات والمشاهد التي لا يصدقها البعض، وثانيهما أنني أجعل نفسي في كثير من الأحيان بطلاً لهذه القصة. الأصل جـ1/395، والترجمة جـ1/454». ليس عجيبًا أن تراود بلجريف، أثناء تحبيره الكتاب، كل هذه الثقة بأن البعض لن يصدقه؛ لأنه، ببساطة شديدة، يروي قصة ألبسها قناع الرحلة والمشاهدة؛ فكيف لا يتوجس من شك الناس فيها أو تكذيبها؟

الفريق الثالث هو الصريح في تكذيب بلجريف؛ وإن كان بعضهم لم يخْلُ رأيُه من التصديق ببعض ما جاء في كتابه، إلا أنه لم يتحرج من الجهر صراحة بتكذيبه في البعض الآخر، كما توقع بلجريف نفسه، فهذا الأستاذ خالد بن سليمان الخويطر لم يعترض على شيء من وصف بلجريف لحائل والرياض، لكنه كذَّبه صراحة فيما عدا ذلك، فقال: «وفي أحسن الأحوال يمكن لنا القبول بمدوَّنات زيارة بلجريف لحائل والرياض، أما غيرها من المناطق التي قال إنه زارها فهو يكذب فيما دونه عنها»[37]. وفي ظني أن الدكتور الخويطر لم يفطن لزعم بلجريف مشاهدته كثرة الدِّببة والخنازير البرِّيَّة في جبال طويق، (الأصل، جـ1/451، والترجمة جـ1/517)، وإلا لكان له رأي آخر، بكل تأكيد؛ فمثل هذا القول لا يصدر عن شخص زار الجزيرة العربية بأي وجه من الوجوه.

على أن أكثر هذا الفريق تشدُّدًا في كذيب بلجريف - كلٌّ حسب معرفة بالمنطقة التي تطرق بلجريف إليها - هم: الممثل البريطاني في عمان الكولونيل «س، ب، مايلز»، والدكتور «روبين بِدْوِل»، و«هاري سينت جون فلبي»، فالكولونيل «س، ب، مايلز»، نفى أن يكون بلجريف قد رأى عمان[38]، كما أنكر روبن بِدْوِل Robin Bidwell»، كثيرًا من دعاوى بلجريف بما في ذلك حادثة غرق السفينة، يقول بِدْوِل: «وهناك، على أية حال، كثير من الاتهامات الجادة التي طرحت ضد بلجريف [بخصوص ما كتبه عن الجزيرة العربية]، وأول هذه الاتهامات، حول تقريره عن مقابلته للأمير عبد الله، فالتقرير تنقصه الدقة، وتخللته الكثير من الأخطاء، بالإضافة إلى ذلك؛ فإن بعض مشاهداته في الجزيرة العربية كانت خالية من الصحة، فمثلاً نجده يكتب عن سلسلة جبال لم يشاهدها الرحالة الذين جاءوا من بعده وسلكوا نفس طريقه، والظاهر أنه لم يلاحظ البحيرة الوحيدة في الجزيرة العربية في منطقة الأفلاج جنوب الرياض، وليس هناك أحد من الذين زاروا كلاًّ من قطر والبحرين ذكر أن تعداد سكان قطر يكاد يكون ضعفي تعداد سكان البحرين، كذلك فإنَّ من جاء بعده من الرحالة وجد أن خريطته للهفوف غير صحيحة، وإذا كان ما قاله عن غرق السفينة في مسقط صحيحًا؛ فلماذا لم يَقُم بزيارة المندوب السامي البريطاني هناك؟»[39]، وأما «فلبي» فقد تكفل بتكذيبه في كل ما قاله عن القصيم والرياض والأفلاج والخرج والأحساء، ويبدو لي أن «فلبي» لم ينتبه إلى زعم بلجريف رؤية الجاموس في الأحساء، وكذلك دهشته من مشهد نخيل الأحساء: «محملة بأفضل رطب الجزيرة العربية، أو بالأحرى أفضل رطب الدنيا كلها، الأصل جـ2/154، والترجمة جـ2/178»، وهو في الثلث الأخير من شهر ديسمبر لكان أصدق برهان يقدمه ضده في مرافعته أمام الجمعية الجغرافية الملكية.

الرحلة شخوص ورواية

إن منتقدي الرحلة وجدوا فيها فيوضًا عارمةً من الملاحظات والشواهد المثيرة للشك أوصلتهم إلى تكذيبه في كثير مما ادعاه من المشاهدات في الجزيرة العربية، ومع ذلك فالكتاب ما زال بحاجة إلى بحث وتدقيق، ففي كل قراءة ينكشف دليل ومعطى جديد يؤكد كذب الرجل وتدليسه، لكن قبل سرد ما تكشف لي من الشواهد؛ يحسن التوقف عند بعض الملاحظات، ولنبدأ بإشارة أوردها بلجريف، عَرَضًا، أثناء حديثه عن شخص إيراني سمَّاه «محمد علي الشيرازي»، ولقَّبَه بالنائب، ووصفه بأنه مبعوث من الحكومة الإيرانية لبحث شؤون الحجاج مع الحكومة السعودية، هذا الرجل قال عنه إنه كان يكتب مذكراتٍ يدوِّن فيها الأحداث يومًا بيوم، فتجمع لديه كتاب كبير. لقد دون هذا النائب مذكراته بالفارسية، ولكنه كان يقرؤها على بلجريف بلغة «عربية ركيكة، أو هندوستانية سليمة. الأصل جـ1/349 – 350، والترجمة جـ1/401 - 402»، وبلجريف يخشى أن «تُطيح» تلك المذكرات بكتابه، وتضعه في الهامش عندما تترجم، وتنشر، ولم يعلل هذه الخشية ودوافعها أو مبرراتها.

قد لا تبدو هذه الملاحظة ذات دلالة أو مغزى لحظة المرور السريع عليها للوهلة الأولى، لكن بالتدقيق والتأمل في حكاية محمد علي الشيرازي نجدها تجيء في سياق حديث بلجريف عن «حكاية» نشرها الشاعر الفرنسي «لامارتين» بعنوان: «يوميات «فتح الله السُّعير»، الترجمة جـ1/408)، أو Fath-Allah Sey’yir الأصل جـ1/355، وفتح الله الساير هذا كان مرافقًا لرحالة فرنسي اسمه «لاسكاريس Lascaris، فما هي حكاية هذا الرحالة، ومرافقه، وما حكاية مذكراتهما؟

«فتح الله السعير» كما في الترجمة، أو «فتح الله الساير Fath-Allah Sey’yir» كما رسمه بلجريف في الأصل، صوابه: «فتح الله الصايغ». ولد ونشأ في حلب سنة 1790، وتجوّل في بادية الشام، وصحاري العراق، وبلاد العجم، إلى حدود إيران الشرقية، والجزيرة العربية، وزار الدرعيّة، ودامت رحلته عدّة سنوات (1810 ـ 1815). في حلب تعرف إليه رجل إفرنجي اسمه «تيودور لاسكاريس»، وطلب منه أن يعلمه العربية، وبعد أن أتقنها طلب منه أن يرافقه في رحلة إلى البادية، وكلفه بأن يدون، يوميًّا، كل ما يقع لهما من حوادث، وفيما كان لاسكاريس، أيضًا، يدوّن ملاحظاته بالفرنسية، دوَّن الصائغ مذكراته باللهجة السورية الدارجة، مفصلاً فيها العادات والأعراف البدوية، والقبائل التي لقيها، وأسماء شيوخها، ووصْف النساء والخيل، والبلدان والقرى وبعض الأماكن الأثرية، ومنها مدينة الدرعية، وأسواقها ونساؤها وحاكمها، مما نجد الشبه واضحًا جليًّا بينه وبين مضامين رحلة بلجريف.

انتهى المطاف بـ«لاسكاريس» إلى القاهرة، حيث تُوفي فيها، فوضع القنصل البريطاني يدَه على تركته، بما فيها مذكراته وأوراقه، وعلم «الصايغ» بوفاته، فسافر إلى القاهرة بغية الحصول على أوراق لاسكاريس، فلم يتمكن.

لقد حازت مذكرات الصائغ إعجاب «لامارتين» فاشتراها منه سنة 1832م، وترجمها إلى الفرنسية، وصدرت في الجزء الرابع من كتابه «رحلة إلى الشرق»، الطبعة الأولى سنة 1853م[40].

شكوك كثيرة أثيرت حول مذكرات «فتح الله الصائغ» ورحلته، وهذه الشكوك بذاتها لا تعنينا كثيرًا، وإنما يعنينا تلك المذكرات التي دونها لاسكاريس، وانتهت أخبارها باستحواذ القنصل البريطاني عليها، تلك هي التي تفتح لنا أبواب الشك في أن بلجريف ربما استقى بعض معلوماته منها، وقلدها حتى في اتخاذه شخصية «محمد علي الشيرازي» ومذكراته؛ تشبُّهًا بـ «لاسكاريس وفتح الله الصائغ»، وما يقوي هذا الاحتمال؛ تلك النهاية الغريبة التي وصلت إليها الرحلة في حلب، وهي موطن «فتح الله الصائغ».

إن تلك الرحلة - على ما شهدناه فيها من بطء استغرقت به من الزمن عامًا كاملاً، ومن الورق جزأين تامَّين؛ عدة الأول منهما 466 صفحة، وعدة الثاني 389 صفحة، فتمت، بذلك، عدتهما 855 صفحة من القطع الاعتيادي – هذه اختطف بلجريف نهايتها في صفحتين اثنتين وربع صفحة (الأصل جـ2/387 – 389، والترجمة جـ2/387 - 389)، فقط، في لقطات سينمائية خاطفة عبَر فيها من مسقط بعُمان إلى بندر عباس، ثم إلى جزيرة هنجام، (هنيام)، ومنها إلى «شيرو» ثم إلى «أبو شهر» دون ذكر أي تفاصيل أو وصف لتلك البلدان، كل ذلك في جو عاصف، وهو مصاب بحمَّى التيفود، حتى اضطُرَّ البحارة إلى أن يحملوه على الأكتاف ليطرحوه في منزل الخادم المطواع «أبو عيسى»: «الذي له معارف وأصدقاء في كل مكان، والذي جعلته أخلاقة «الدمثة» محبوبًا من الزنوج كبارًا وصغارًا. الترجمة جـ2/219»، ومن هذا المنزل الأثير في «أبو شهر» إلى البصرة، ومنها إلى بغداد، ثم إلى الموصل، فـ«الرها، أو أورفه Orfa»، فديار بكر، فإلى حلب، حيث انتهت الرحلة كما بدأت، فقد نسي أن يخبر أين ذهب بعد وصوله إلى حلب، تمامًا كما لم يخبر عن المكان الذي انبثق منه، في بدء رحلته، قبل «غزة» أو «العقبة».

إن المرء ليحار، حقيقةً، في هذا التطواف العجيب، بعد أن أنجز مقاصده من الرحلة في الرياض، ولم يبق إلاَّ عودته إلى وطنه، فما الغاية والهدف من تجشم عناء الأسفار إلى عمان حتى الرها وديار بكر وسط الجنوب من تركيا، ثم ينعطف إلى حلب في الشمال الغربي من سوريا حيث تنتهي هذه الرحلة العجائبية؟ أفلا توجد طريق يعود منها إلى وطنه من كل تلك البلدان التي مر بها إلا هذه الطريق؟ لو كان خادمه الأمين «أبو عيسى» معه في هذا التطواف؛ لأمكن تلمس المبرر، بأنه ربما حنَّ إلى أرض أجداده «حلب» ومجاملة له أو مكافأة لجهوده أحبَّ أن يرافقه إلى هناك، وإن كان هذا المبرِّرُ واهيًا، لكن هذا الرفيق فارقه في أبو شهر عائدًا إلى الأحساء. أما إذا وجد من هواة التبرير من يحتج برفيقه بركات فهذا وطنه زحلة، وليس حلب.

- أبو عيسى، نفسه الشخصية الفذة التي أسبغ عليها ثوب خادمه الأمين (سمسم، «حلال المشاكل»، وفاتح «الحصون الموصدة)، هذه الشخصية، أيضًا، من مبررات الشك في صدق الرحلة، فهو «مواطن من حلب شمالي سوريا، وابن واحد من المشهورين في تلك المدينة... وهو بدوي بحكم سلالته النسَبيَّة نظرًا لأن جده ينتمي إلى قبيلة المجادمة Mejàdimah الذين هم فخذ من بني خالد. الأصل جـ1/288، والترجمة جـ1/333»، ويسكن «مدينة الهفوف بالأحساء. الأصل جـ2/140، والترجمة جـ2/161»، ومتزوج من «حبشيَّة. الأصل جـ2/148، 181، والترجمة جـ2/171، 209»، فمع كل الجهد الذي بذلتُه في محاولة إماطة اللثام عن السر الذي يحمل «أبا عيسى»، هذا، على كل تلك الطاعة العمياء، والإخلاص، والتفاني في خدمة بلجريف، لم أتوصل إلا إلى أنها «سيناريو» أوجبته دواعي التشويق، ومستلزمات الإثارة في السرد القصصي، ناهيك عن إظهار التعالم بمعرفة الأنساب؛ بنسبة هذه الشخصية إلى عشيرة «المجادمة» متوهما أن التقاء هذه القبيلة السورية، نسبًا، بقبيلة بني خالد المقيمة في الأحساء، سبب وجيه للتمويه، ولم ينتبه إلى أنه هو نفسه أضاف عنصر تكذيب آخر قوي في رحلته، بدون وعي، حين قال: «وبينما كانت تدور كل هذه المؤامرات بيننا ومن حولنا، وقعت ظروف عديدة لا بدَّ من الإشارة إليها هنا، لأنها تعد ضرورية لخيوط القصة، برغم أني حذفتها عن عمد؛ حتى ينساب الموضوع الرئيسي انسيابًا واضحًا، لأن هذا الموضوع هو الذي يعتمد على كل شيء، وليسمح لي القارئ بأن أعود خطوة إلى الوراء في سياق هذه القصة حتى أصل بها إلى نقطة التوقع، ثم أجعل القصة تتبع بعد ذلك مسارًا منهجيًّا سلسًا. الأصل جـ1/421، والترجمة جـ1/481». هذه هي حقيقة رحلة بلجريف باعتراف بلجريف نفسه، كما كثير من وقائع هذه الرحلة، وليأذن لي القارئ العزيز بوقفة تأمل في «أبي عيسى» هذا، وحكايته؛ فقد لقيه في القصيم، (الأصل جـ1/288 جـ1/333)، ورافقه حتى الأحساء، (الأصل جـ2/148، 181، والترجمة جـ2/171، 209)، وتخلَّف عنه هناك فلم يذهب معه إلى القطيف، لكنه لحق به في البحرين، (الأصل جـ2/220، والترجمة جـ2/ 255)، وبقي فيها، ولم يواصل سفره معه إلى قطر وعمان فنجا من الغرق ليجده ينتظره في «أبو شهر»، (الأصل جـ2/388، والترجمة جـ2/454) لا لشيء إلا ليودعه من هناك ويعود أدراجه إلى الأحساء، وأما الدور الذي أداه فهو - كما وصفته آنفًا – حلاَّل المشاكل، وخوَّاض الغمرات، ومفرِّج الكربات.

الرواية على المحك

كما رأينا من آراء الدارسين لرحلة بلجريف؛ فإن تلك الآراء، سواءٌ المؤيدة منها والمعارضة، لم تتعرض للرواية بفحص تحليلي جِدِّي، وإنما اكتفت بالعرض المجمل، ومنه إلى النتيجة تصديقًا، أو شكًّا، أو تكذيبا، إذن، لا ندحة من تحليل القصة، وإلا فلن نصل لمعرفة أوجه الوضع والتدليس فيها، فلنبدأ مع الرحلة من بدايتها.

منفذ الدخول إلى الجزيرة العربية

يلاحظ المدقق في مجريات الأحداث التي يقصها بلجريف عدم ورود أية إشارة إلى الجهة التي قدم منها بلجريف إلى «مَعان»، ولا إلى التاريخ الذي وصل فيه إليها، وكل ما ذكره هو مغادرته لها يوم 16 يونيو 1862م، قاصدًا الجزيرة العربية، ولكننا نراه، يشير إلى ذلك، أحيانًا، بطريقة الارتجاع (Flash back)؛ فأثناء وجوده في القطيف، نراه يستعيد ذكرياته فيقول: «عجبًا إن مياه الخليج مختلفة تمامًا عن مياه البحر المتوسط الرقراقة التي تنبض بالوميض والحياة، والتي ودعناها عند «غزة منذ ثمانية أشهر». جـ2/217»، فبناء على هذا التحديد يكون دخوله القطيف في منتصف فبراير، ولكن بالتدقيق في الفترة التي أمضاها منذ خروجه من الأحساء بتاريخ 19 ديسمبر نجد أنه وصل القطيف آخر نهار 22 ديسمبر، والفرق بين 16 يونيو و22 ديسمبر هو بالتمام والكمال 6 أشهر و6 أيام، لا ثمانية أشهر كما يقول، ولا يصح أن نفترض أنه بقي طيلة مدة الفرق هذه في مَعان؛ لأنها ليست هدفَه من رحلته، وإنما هي منفذ عبور، بقطع النظر عما سنعرفه من تناقضه في تحديد ميناء دخوله بين غزة تارة، والعقبة تارة أخرى، ولا تعجب إذا رأيت هذه الثمانية أشهر لم تتغير حتى بعد أن مضت مدة أخرى عليها، فقد كرر التحسر على «غزة» مرة أخرى وهو في البحرين، هكذا: «كانت ثمانية أشهر قد مضت علينا منذ آخر جلسة جلستها في مقهى عام في أحد أحياء غزة جـ2/239»، فالواضح، هنا، أنه يشير إلى مغادرته «معان»، وليس إلى دخوله إليها، وهذا لا يختلف عن وصفه المدة التي أمضاها في الرياض، فقد حددها بخمسين يومًا. الأصل جـ1/370، 395، والترجمة 1/425، 454، لكن بالتدقيق في تاريخ دخوله الرياض وخروجه منها نجد أنه دخلها في 13 أكتوبر (تشرين الأول)، وغادرها بتاريخ 24 نوفمبر، تشرين الثاني، وهذه المدة هي اثنين وأربعين يومًا[41]، وكان ممكنًا التجاوز عن هذه الدقة في الحساب لو لا طغيان هذه الزلات عنده.

عندما نعود لبداية انطلاقته من (مَعان)، نراه يؤرخها في مساء اليوم السادس عشر من شهر يونيو 1862م، (جـ1/18)، وهذا المساء يقابل مساء الاثنين التاسع عشر من ذي الحجة عام 1278هـ، وفي هذا التاريخ يكون قد مرَّ على انقضاء موسم الحج عشرة أيام، ومع ذلك يزعم أنه وصل إلى (مَعان) قادمًا إليها من العقبة في منتصف موسم الحج، (جـ1/24)، وهكذا كشف، بهذه الغفلة، صورة تناقضه في رسم المنفذ الذي عبر منه إلى (معان)، فجعله مرَّة من (غزة) الواقعة على ساحل البحر الأبيض المتوسط، ومرة أخرى من (العقبة) الواقعة على ساحل خليج العقبة المتفرع من البحر الأحمر[42]، ولم يَصْدُق حتى في الزمن، فإذا كانت هذه الشواهد غير كافية لإثارة الشكوك في الرحلة وصاحبها، ففي الكتاب فيوضٌ لا تنضب من الأدلة.

مشاهداته في الجزيرة العربية

من الملاحظات، أيضًا، أنه تحدث كثيرًا عما صادفه في الصحراء من مخلوقات؛ كالنعام، والخيل والجراد، وهذا الأخير أطال فيه وعرَّض، مسهبًا في الحديث عن حب البدو لأكله، وخوف الجمال منه، ومقارنات بين فصائله طالت حتى لا تكاد تنتهي، ومثل الجراد الثعابين والعقارب، والأرانب، وهذه الأخيرة أقام فيها مجالس حوار فقهي بين الشيعة والسنة؛ من يحرم أكلها، ومن يحلله، ولم ينس إن يضيف إليها حيوانات ليست من حيوانات الجزيرة العربية مثل الدِّببة، والخنازير، والجاموس، لكنه لم يصادف أن رأى حيوانات أخرى مشهورة في الصحراء؛ اثنان منها يعدَّان من أخطر حيوانات الصحراء، هما الذئب والضبع، وبعضها يعتبر من أشهى اللحوم المفضلة في البادية، مثل (الضب)، والجربوع، (اليربوع) هذه الحيوانات لم يرد لها ذكر في مشاهداته على الإطلاق، على الرغم من طول المدة التي أمضاها مع البدو، في الصحراء، أضف إلى ذلك أشجار الصحراء، فهذه، أيضًا، لم يذكر منها إلا القتاد، والغضا، والثمام، والإثل، والسدر، فكأن ليس في الصحراء سَلَم ولا عشر، أو ينبوت... إلخ. زد على ذلك خلو كتابه من أية إشارة أو ذكر لوادي (الرمة)، وهو أعظم أودية نجد، ولاسيما عند القصيم حيث تلتقي به سيول عالية نجد كلها[43]، وإنما استعاض عنه بواد وهمي أسماه عفتان «Aftan»، (الأصل حـ1/339، والترجمة جـ1/ 391).

هذه الملاحظات التي ترشح في الكتاب من حين لآخر تَحتَّم وضعها أمام نظر القارئ الكريم مقدمة لمسرد طويل من الشواهد والأدلة لم يلتفت إليها مفندو بلجريف، وأولها:

1- الطريق الذي دخل منه إلى الجزيرة العربية: يقول المحققون الجنائيون إنَّ المذنِب لا بدَّ أن يَغفَل عن دليل إدانته، وهو ما يسمُّونه الغلطة القاتلة (Fatal mistake)، وبلجريف - كما سنرى - قد غفل عن كثير من أدلة إدانته، فلئن كان من المقبول، أو المحتمل، أن ينسى أحد أو يخطئ في بعض الجزئيات الصغيرة؛ كأسماء بلدات، أو قرى صغيرة، أو شخصيات ليست ذات شأنٍ في طريق رحلته، فمن غير المعقول أن ينسى البلد الذي بدأت منه رحلته، وهو ما وقع فيه بلجريف، فعلاً، فلنر كيف عالج الرجل هذا الموضوع؟ قلت إنَّ بلجريف لم يذكر شيئًا عن البلد الذي بدأ منه رحلته إلى الجزيرة العربية، وإنما انبثق فجأة - كانبثاق الكمأة - من الميناء التي دخل منها إلى الجزيرة العربية، وحتى هذه الميناء نراه يضطرب فيها، ويتردد بين أن تكون مدينة غزَّة، أو ميناء العقبة، فلنقرأ وصفه لكيفية دخوله: «أما أنا ورفيقي فقد كنا نرتدي زي اثنين من الرحالة ينتميان إلى الطبقة المتوسطة جاءا من المناطق الداخلية من سورية، وهذا الزي نفسه هو الذي مررنا به من (غزة)، على ساحل «البحر الأبيض المتوسط» إلى بلدة مَعان. الأصل جـ1/5، والترجمة جـ1/21»، وتبرئة لذمة المترجم من أي لبس يجسن أن أقتبس النص الأصلي الذي كتبه بلجريف بلغته، وهو:

«Myself and my companion were dressed like ordinary middle-class travelers of inner Syria; an equipment in which we had already made our way from Gaza on the sea-coast to Ma’an»

إذا استثنينا عبارة: (ساحل البحر: sea-coast) التي أخطأ السيد المترجم في تعريبها إلى (البحر الأبيض المتوسط) لا نجد أي خطأ في هذا النص، وهو واضح الدلالة على أن (غزَّة) كانت منفذ دخوله إلى مَعان، ومنها إلى الجزيرة العربية، ومثل هذه الإشارات لغزة باعتبارها منفذ عبوره تكررت مرارًا عديدة أحصيت منها، غير ما مرَّ: جـ1/68، 145، 256، 399، وجـ2/171، و217، لكنه رغم تكرار هذا التأكيد على عبوره من غزَّة؛ جاءت لحظة الحقيقة على حين غفلة منه، في عبارة ندَّت عنه دون أن يشعر حين قال: «وقد ورد وصف هذه البلدة في الكتاب الذي كتبه السيد والن Wallin عن الرحلة التي قام بها إلى شمال الجزيرة العربية، وعندما وصلنا إلى بلدة مَعان قادمين من وادي العقبة، في منتصف موسم الحج، وجدنا حامية تركية صغيرة تحتل البلدة وتتمركز فيها طوال أشهر الحج. جـ1/24». لقد توقفت مليًّا مدقِّقًا في هذه الفقرة خشية أن يكون الكلام المثبت فيها للسيد والن وليس لبلجريف، لاحتمال سقوط علامات التنصيص من الترجمة سهوًا، لكن بالرجوع إلى الأصل الإنجليزي وجدته مطابقًا للترجمة، وهذا هو حرفيًّا:

«The locality it self has been sufficiently described by Mr. Wallin in his north Arabian journey. Now as we happened to arrive there, on our way from Wadi Akabah, just in the midmost of the pilgrim season, we found the town occupied by a small Turkish garrison, stationed there during the months of the Hajj»

واضح ألا اقتباس لأي نص منقول عن السيد «والن» في الفقرة مطلقًا، وإنما الكلام كله لبلجريف، والضمير «we» بعد نقطة الوقف بداية لجملة جديدة قصد بها بلجريف نفسه ومرافقيه، وهذا في منتهى الوضوح.

2- موسم نضج الرطب في الجزيرة، يقول عنه رحالتنا الصدوق: «الواقع أنه خلال الفترة من شهر مايو حتى شهر سبتمبر من كل عام يندر تمامًا أولئك الذين يُعرِّضون أنفسهم أو ماشيتهم لمخاطر هذه الرمال الحارقة، وترتيبًا على ذلك كان كل أولئك الذين ردُّوا على استفسارنا حول هذا الموضوع يقولون: «انتظروا إلى أن تنضج الرطب»، وهذه الرطب لا تنضج قبل سهيل Soheyl أو الوسم Canopous جـ1/107 - 108». لا تأبه بالأخطاء اللغوية كإعطاء الرطب نعت المؤنَّثِ، أو خطأ التهجية الإنجليزية لكلمة Canopous، ولا الخطأ في ترجمتها إلى (الوسم)، فلعله أراد الموسم، أو (الوسمي)، وهو أول مطر الخريف، بل ولا بيان الخطأ في علامات الترقيم، فهي كلها، يتحمل تبعتها المترجم، إلا أن القضية الأهم تتمثل في تصوِّر المؤلف أن الرطب لا ينضج إلا في طلوع سهيل، وطلوع سهيل، في الحساب الفلكي، هو آخر أنواء الصيف[44]، وفي هذه الفترة تكون معظم أصناف الرطب، قد انتهى إلى المخازن، ولم يبق على العروش إلاَّ أصناف قليلة.

خذ أيضًا، هذا التفصيل الأكثر دقة: «وكذلك التمور تنضج في شهر أغسطس وسبتمبر، وفي أقصى الجنوب، في نجد، على سبيل المثال، تزيد هذه المواقيت بمعدل شهر تقريبًا، وفي عمان بمعدل شهرين. جـ1/81». معنى هذا؛ أن الرطب ينضج في عمان في شهر نوفمبر، أما في الأحساء فسوف نرى قريبًا أنه يؤخره حتى نهاية ديسمبر وكأنه يعتبر الرطب من الثمار الشتوية.

3- تراجيديا «هرقلية» مرعبة أظهر خلالها بطولة نادرة في مصارعة الأمواج يوم تحطمت سفينته قبالة مدينة «بركاء» بساحل عمان، لقد غرقت السفينة بأكثر ركابها وبحارتها، والقلة الذين نجوا منهم خرجوا عراة «جـ2/399 - 409»، ولقد قرأناه متحسِّرًا على مدوناته التي ابتلعتها الأمواج العاتية، فيقول بهذا الخصوص: «وقد تضايقت لأنني لم أتمكن من تسجيل كثير من التفاصيل الدقيقة التي من هذا القبيل، ولكن منظر القلم والرصاص والمفكرة ربما بدا غير مألوف، بل وغير مناسب أيضًا، مما جعلني أعتمد على الذاكرة في كثير من الأحيان، والتي خانتني في هذه المرة، وفي مرات أخرى، زد على ذلك أن مذكراتي التي كنت أدونها كلما سنحت لي الفرصة والظروف بذلك، ضاع جزء منها عندما تحطم المركب بنا في «بركة» Barka، (الصحيح: بركاء، أو بركا، بتسهيل الهمزة)، كما اختفى أيضًا بعض تلك المذكرات، التي كنت قد دونتها على أوراق مستقلة، ولا أعرف كيف اختفت، عندما كنت أعاني من حمى التيفوس عندما كنت في أبو شهر والبصرة. جـ1/313».

كما رأيت، وزع بلجريف مشاهداته في أربع سلاَّت:

أ - تفاصيل دقيقة لم يتمكن من تسجيل كثير منها.

ب- اعتماد على الذاكرة تحاشيًا لمخاطر التدوين بالقلم والورق.

جـ- مذكرات فُقد جزء منها بسبب الغرق عندما تحطمت به السفينة، وهذه تحتوي كل تفاصيل الرحلة التي دونها منذ بدايتها من «مَعان» حتى لحظة الغرق في عمان.

د - مذكرات مستقلة فُقدت منه أثناء مرضه بالتيفوس، ويفترض أنها المذكرات التي دونها بعد نكبة الغرق.

يضاف إلى ذلك «ملاحظات» و«مقتطفات» دونها من كتب وجدها في مكتبة رئيس الوزراء السعودي «محبوب»، وهي مكتبة وصفها بأنها: «أغزر المكتبات التي شاهدتها في الجزيرة العربية، إذ كانت تحتوي على دواوين كبار الشعراء وأشهرهم، مثل أبي العتاهية Ben- El -atiheeyah، والمتنبي وأبي العلاء Abu-l-‘olla، إضافة إلى ديوان الحريري، والحماسة، وأعمال أخرى من الأدب العربي القديم، إضافة إلى أبحاث في الشريعة والدين كتبها مؤلفون من المالكية والحنابلة، كما كانت المكتبة تحتوي أيضًا على تعليقات على القرآن، وكتب عن الرحالة، وكانت كل هذه اللمسات توحي بأن تلك المكتبة تم تشكيلها منذ زمن غير بعيد جـ2/118»، هذه المقتطفات التي دونها بعضها، فقط، هو الذي غرق مع ما غرق في حادثة غرق السفينة، فبعد أن أبعد كثيرًا في وصف مكتبة محبوب، وما تحتويه من أبحاث جغرافية، وأهم الكتب التي لفتت انتباهه: «مخطوط الإمبراطورية الوهابية التاريخي الذي يحتوي أيضًا على مخطط عام لحوليات التاريخ العربي والقسم المعادي للإسلام يشبه إلى حد كبير ذلك الذي أورده أبو الفداء، وربما يكون ذلك القسم منسوخًا من كتب أبو الفداء (كذا)». هذا الاستغراق في وصف المكتبة المدهشة أذهله عن نفسه فانسربت منه هذه العبارة: «وكانت السجلات المحاسبية وسجلات الوحدات والجنود وكذلك المراسلات الرسمية، وما في حكمها، كل هذه الأشياء كانت محفوظة في دولاب كبير، ولكن أبواب ذلك الدولاب كانت مفتوحة، وبذلك كنت أستطيع، بين الحين والآخر، أن ألقي نظرة على هذه المستندات، التي تعد الإحصائيات التي أوردتها في الفصل السابق جزءًا منها، والواقع أن محبوبًا لم يعارض، ولم يجد أي حرج في الملاحظات التي كنت أدونها، والمقتطفات التي كنت أنسخها، وبخاصة من الكتب الأدبية، وأنا نادم أشد الندم لأنني فقدت بعضًا من هذه الأوراق بسبب الأحداث التي وقعت خلال الجزء المتبقي من الرحلة. جـ2/118».

كما عودنا دائمًا؛ غفلة هنا، وزلة هنا، ومحاولة استغفال يقع هو في شركها، على الدوام، وليس غيره. إن أسفه لشديد على غرق «بعض» الأوراق والمدونات، سواء تلك التي استنسخها من مكتبة رئيس الوزراء السعودي «محبوب»، أو غيرها، لكن أسفه وندمه سوف يكونان أقسى وأعنف لو فطن إلى خطورة هذه الزلة، ولن تجدي كل التبريرات التي أبداها تعبيرًا عن هواجسه وتوجُّساته من عدم تصديق القراء له، وعلينا أن نلتمس له العذر في ذلك حين يقول: «ومن المؤكد أن القارئ لا بدَّ أن يكون من النوع المتشدد إذا لم يقتنع بهذه السلسلة من الأحداث السيئة التي سقتها إليه من باب الاعتذار عن عدم الترابط الذي أصاب القصة التي أرويها. جـ1/313».

إن تأكيده على تسبب غرق السفينة في فقدان جزء من مدوناته لهو أوضح الأدلة وأصرحها على أنه اخترع حادثة الغرق اختراعًا من أجل تبرير الأغلاط الشنيعة التي ملأت كتابه من الوريد إلى الوريد. فحادثة الغرق وقعت له في عمان؛ حينها لم يكن لديه أي شيء من كل ما دونه من مذكرات، فحسب زعمه أنه قد أودعها كلها مع رفيقه السوري «بركات» الذي افترق عنه في البحرين، متَّجهًا إلى «أبو شهر»، ولم يلتق به إلا في بغداد. لنقرأ ما يقول بهذا الصدد: «وبعد أن رتبنا أمورنا على هذا النحو رحنا ننتظر اللحظة المواتية التي تتهيأ لنا خلال فرصة الإبحار، ولكن الريح كانت معاكسة، وينصرم يوم بعد يوم إلى أن وصلنا إلى اليوم الثالث والعشرين من شهر يناير وفيه أصبحت الريح مواتية، وتزامن ذلك مع سفينة جديدة حملت أبا عيسى هو وخدمه ومعهم بركات إلى أبي شهر، في حين تعين علي أنا ويوسف أن نعبر القنال في اليوم التالي إلى مدينة المحرق ومنها إلى البداع (الصواب: البدع) على الساحل القطري الذي يقيم فيه محمد بن ثاني، أول وأقرب الرؤساء الذي سنقوم بزيارته، ونقدم له الهدايا التي اصطحبناها معنا، وقد راودني حدس داخلي من ذلك النوع الذي لا يمكن أن يكون له تفسير واحد في معظم الأحيان، عند أولئك البشر الذين يمرون به، وكان يتعلق باحتمال تحطم المركب التي سنستقلها، مما جعلني أعهد إلى بركات بالاحتفاظ بكل أوراقي، ومذكراتي، وكل ما له قيمة عندي، ولم أحتفظ معي سوى بمبلغ صغير من النقود لأواجه به طوارئ الرحلة، وقد جاء ذلك تحوطًا حسنًا، إذ لو لاه لضاع هذا الكتاب وهو ما زال جنينًا ومعه أشياء كثيرة على جزر السوادة Sowadah جـ2/260».

هكذا يبدو التهافت واضحًا في تخوفه من تعرض سفينته للغرق، فبركات، أيضًا، استقل سفينة، وهي معرضة للغرق، أيضًا، فالأولى، منطقيًّا، أن يحتفظ هو بأشيائه تحوطًا من اختفاء بركات لأي سبب من الأسباب، وبمثل هذا التهافت يسقط المبرر الذي علل به انفصاله، في البحرين، عن رفيقه «بركات» بأنه بناء على نصيحة أبي عيسى، التي لخصها بقوله: «وكان من رأي أبي عيسى أن مسألة مرافقة بركات لي كانت محفوفة بالمخاطر، إضافة إلى أن بركات لا يمكن أن يحل محلي في القيام بهذه المهمة، كانت الخطة بارعة بكل تأكيد، وربما كانت لها قيمتها ومغزاها عند أولئك الباحثين، إذا ما سمحت ظروفهم لهم باتباع الخط نفسه، ومع ذلك فإن الخطة تنطوي على كثير من المخاطر، وتحتاج إلى قدر كبير من التخطيط الفكري الناضج المسبق والحرص في عمل الترتيبات اللازمة. جـ2/257». إن هذه التبريرات والعلل مجرد زخرف لا قيمة له، فبركات رافقه في رحلته منذ بدايتها واجتاز وإياه مجاهل البادية ذات المخاطر الجدية، فأي خطر يحف به في اصطحابه إلى قطر وعمان وهما من البلدان التي تعج بالأجانب وخصوصًا الإنجليز؟

في كل الأحوال يكون المهم، هنا، هو تأكيده على أنه استودع كل أوراقه ومدوناته، وأهم الأشياء عنده، لدى رفيقه «بركات»، ومقتضى المنطق أنها جميعًا نجت من الغرق، وليس جزء منها أو بعضها، وهذا يعني أنه استردها كلها منه عندما التقى به في بغداد، فأي معنى لتأسفه على فقدان بعضها أو جزء منها في حادثة الغرق؟ ربما قبلنا منه ادعاءه فقدان مذكراته التي دوَّنها بعد حادثة الغرق، لو لم يكذب في زعمه فقدان بعض المذكرات والأوراق بالغرق، وهي التي زعم أنه استودعها لدى بركات في البحرين. بهذا ونحوه يحق لنا أن نعتذر عن تصديق بلجريف، والذنب ذنبه هو في ذلك كله.

البلدان والمناطق

1- سدير:

تمنيت لو توفرت لي بعض المعلومات الكافية عن المناطق التي تحدث عنها في رحلته، بدءًا من معان، والجوف مرورًا بحائل والقصيم، لكان من الجيد مقارنتها بالمعلومات التي أوردها بلجريف عنها، وسعيًا لهذه الغاية طلبت من الأخ الأستاذ محمد القشعمي أن يسعفني بما يتوفر له في هذا المجال، فأحال إلي رسالة تلقاها من الأخ الدكتور أحمد فهد العريفي، جوابًا لطلبه، يعتذر فيها عن التعرض للمعلومات و«الروايات التاريخية الواردة في كتاب بلجريف فهي بحاجة إلى قراءة متأنية، ومقارنة بمصادر تاريخ حائل». وقد أُرفِق بالجواب أوراق حملت عنوان: (ملاحظات على كتاب وسط الجزيرة العربية وشرقها - الجزء الأول)، وبه بعض التصويبات لأخطاء الترجمة، وهي أخطاء واضحة وغير خافية إلا أن البيان لم يخل من الفائدة، وسأعول عليه عند الحاجة، شاكرًا للأخوين العزيزين أبي يعرب والدكتور العريفي تفضلهما بالاستجابة، لكنني كنت أطمع في الحصول على معلومات تمكنني من المقارنة بين ما ورد في وصف بلجريف لتلك المناطق مدنًا وسكانًا... إلخ، فمثلاً ورد بين التصويبات تصويب لعبارة (بدو التعياها) الواردة في جـ1/122، الصواب: «التياها، قبيلة عربية».

قبيلة «التياها» هذه مرت في الجزء الأول ص: 108، برسم التئياها، وكلا الرسمين خطأ، وهما تعريب للفظة (Tey’yãhha) الواردة في الأصل الإنجليزي جـ1/84، و96. ما أعلمه عن هذه القبيلة؛ أنها من القبائل الفلسطينية، ومساكنها الأراضي الواقعة بين قضاء الخليل والبحر الميت، أما بلجريف فقد ذكرها ضمن القبائل المجاورة لتيماء، ولم أر لهذه القبيلة أي ذكر أو إشارة عند من جاء بعده من الرحالة الأجانب ممن وصل إلى تيماء، مثل: يوليوس إيوتنج[45]، ودوجلاس كروزرس[46]، وكلاهما تعرضا لذكر القبائل في المنطقة، ولأني لا أدري إن كان لها وجود في شمال المملكة أم لا؛ فينبغي أن يأتي الحكم على صدق بلجريف إما من أهل المنطقة، أو ممن له دراية ومعرفة بها.

لهذا السب ونحوه سوف أتجنب الخوض في شأن تلك المناطق، و(رحم الله امرأً عرَف قدر نفسه)، وسأترك للباحثين من أهلها أمر التدقيق فيما ذكره بلجريف عنها، فكل ما قرأته بهذا الخصوص لا يعدو عرض أقواله دون تمحيص، وحتى «سدير» هذه ليس لي إحاطة بها، كذلك، لكنه تعرض، أثناء عبوره بها، لذكر عدد من المواضع بعضها واقع في المنطقة الشرقية، كما سنرى، وبعضها وصفه بما يخالف المصادر المتاحة من خرائط وغيرها؛ إمَّا من حيث تحديد الموقع أو أصل الوجود، فمما أخطأ في موقعه: أنه بعد أن تجاوز «جلاجل»، قاصدًا «التويم»؛ وصل «الروضة» قبل «التويم»، الأصل جـ1/352، والترجمة جـ1/404، والصحيح العكس، إذ يتعين أن يصل «التويم» قبل الروضة[47].

بعد مغادرته «التويم» مرَّ ببلدة سماها «الحفر Hafr» (الأصل جـ 1/356، والترجمة جـ1/408)، ولا تذكر المصادر الجغرافية بلدةً بهذا الاسم في سدير.

2 - المحمل

من الحفر وصل إلى «التمير» (في الترجمة الأصل: «الثمير». الترجمة جـ 1/408، 410، 411، والأصل جـ1/356، 357)، وبعد خروجه منها، في طريقه إلى «ثادق»، (في الترجمة صادق. جـ1/411، وفي الأصل: Sadik، جـ1/359)، وقبل وصوله إليها اجتاز بعدة أماكن يحسن الوقوفُ قليلاً عند وصفه لها: «والممر الذي سرنا فيه في هذه المنطقة يطلق عليه «ثنية عطا الله» بمعنى الأرض الجرداء، برغم أنها يطلق عليها في أغلب الأحيان اسم «الثنية» أو إن شئت فقل الممر في أفضل الأحوال، والسبب في ذلك أن لفظ الثنية لا يطلق إلا على المنطقة العليا من الأرض، والجبل الشرقي يطلق عليه اسم «جبل عطا الله» الذي ورد ذكره في الأغاني العربية، وفي هذا الجبل توجد بلدة يابرون Yabroon، تلك المدينة التي كانت لها أهمية في الماضي، ثم تحولت الآن إلى مجرد قرية، وقال لي أهل المنطقة عنها إنها تمثل نهاية وادي السليع في تقاطعه من ناحية الشمال مع جبل طويق. جـ1/411». هذا الجبل عاد لذكره بالصورة ذاتها تقريبًا في تحديده لوادٍ سماه وادي الرياض؛ جـ1/449.

حين نعود للنص الإنجليزي نجد أن المترجم أخطأ في تعريب الاسم بثنية (عطا الله)، أو (جبل عطا الله) فرسمه في الأصل الإنجليزي: (Theneeyat Atãlah)، و(Djebel Atãlah)، والقراءة الصحيحة لهذا الاسم هو «ثنيات عطالة»، أو «جبل عطالة»، وهذا هو المطابق لمصادر الجغرافيا المتاحة، قديمها وحديثها، فهي لا تذكر جبلاً اسمه «عطا الله» في منطقة «المحمل»، ولا في غيرها من بلاد الله العريضة، وحتى الأصدقاء من الخبيرين بالمنطقة الذين استفسرت منهم عن وجود جبل بهذا الاسم في الموضع الذي حدده بلجريف، أو في غيره؛ جاءت إجاباتهم قاطعة بالنفي، وما تذكره المصادر البلدانية قريبًا من رسم «جبل عطا الله» هذا هو قارة «عطالة» في البحرين القديمة[48]، وذكر البكري أنه «جبل عمان»[49]، وهو اشتباه، والصحيح ما نقله هو نفسه عن ابن الأعرابي في رسم المشقر، قال: «المشقر مدينة عظيمة قديمة في وسطها قلعة على قارة تسمى «عطالة»، وفي أعلاها بئر تثقب القارة، حتى تنتهي إلى الأرض، وتذهب في الأرض، وماء هجر يتحلَّب إلى هذه البئر...»[50]، وفي رأي الشيخ حمد الجاسر (F) أنه الجبل المعروف، في أيامنا، بجبل «القارة»[51].

من هذا يتبين أن بلجريف لم ير هذين الموضعين، وإنما استقى معلوماته عنهما من المعاجم البلدانية التراثية كمعجم ياقوت، أو غيره، لكنه عجز عن الضبط، وتحديد الموقع الصحيح؛ يدل على ذلك إشارته لورود اسم الجبل في «الأغاني العربية»، فقد اعتاد البلدانيون على إيراد النصوص الشعرية التي يرد فيها ذكر تلك البلدان، وفي معجم ياقوت بعض الشواهد من شعر سويد بن كراع العكلي وجرير على جبل عطالة[52]، وأما التي دعاها: «بلدة يابرون Yabroon» فلا شك عندي في أنه اقتبس الاسم، أيضًا، من معجم البلدان لياقوت الحموي، وتسألني كيف قطعت بهذا؟ فأقول؛ ياقوت أطنب، كثيرًا، في النقاش حول «يبرين» وأكثر من إيرادها برسم «يبرون»[53]، فتوهم بلجريف أنها كذلك، وأيضًا أورد بعض الشواهد عليها من شعر أبي زيد الكلابي، وجرير[54]. أيضًا كلا الموضعين كانت له شهرة وأهمية[55]. تقع يبرين إلى الجنوب الغربي من الأحساء[56]، وتاريخيًّا كانت من منابر الأحساء، أما ما دعاه المترجم «وادي السليع»، فهو: «وادي السلي»، مصغَّر سلي، ويقع بين الخرج والرياض، وقد امتد إليه عمران الرياض في وقتنا الحاضر.

جدير بالإشارة أن الدكتور محمد بن زلفة ترجم الموضع بـ«جبل عطا الله» أيضًا، ولم يحقق في «بلدة يابرون»، مكتفيًا بهذا التعليق: «يبدو هذا الاسم غريبا، ولم أجد ما هو قريب منها فيما نعرفه من البلدان في هذه المنطقة التي يتحدث عنها المؤلف.

- بعد تجاوزه «ثادق» وصل إلى مدينة أسماها «الحولة الترجمة جـ1/414، وفي الأصل جـ1/361: Hoolah»، الدكتور بن زلفة عربها اسم هذا الموضع بـ»حوطة سدير»، (ترجمته جـ4)، ولا أرى وجهًا لهذا فرسم الكلمة واضح بأنه (الحولة Hoolah)، وهي، كذلك، لا وجود لها في المحمل، نعم؛ ذكر الشيخ الجاسر (F) عن صاحب المناسك[57] بلدة اسمها «الحولة»، لكنه شك فيها، مفترضًا أنها بالخاء المعجمة، والظاهر أن هذا هو الصحيح ولكنها ليست في المنطقة التي عناها بلجريف، وإنما هي قرب تيماء[58]، فلا يبعد أن بلجريف اقتبسها، كما اقتبس غيرها، من بعض المصادر، ولكنه أخطأ في تحديدها.

3- الرياض:

معلوماتي عن الرياض ليست أحسنَ حالاً منها عن تلك البلدان التي تخطيتها، لكنَّ توفُّر بعض المعلومات التاريخية عنها ربما سمح بإضافة بعض الملاحظات لما أورده «فلبي»، وأولها:

- حوْل الخارطة التي رسمها لها، والأحياء التي ذكرها فيها؛ فقد اختصر تلك الأحياء في أربعة، دون أن يسميِّ أيًّا منها عدا حي واحد سماه «Khazik» جـ1/443، وعرب المترجم الاسم بـ«الخزيق جـ1/508»، مع أنه استغرق في وصف تلك الأحياء صفحتين من الأصل (جـ1/442 - 443)، وثلاث صفحات من الترجمة (جـ1/506 - 508)، ولم تذكر المصادر البلدانية في أحياء الرياض حيًّا بهذا الاسم، أو قريب من رسمه، ومن غير المتصور أن يكون قصده (الحيزا)، المسمى أيضًا، (ظهرة شيبانة)[59]، أما إذا كان قصده “الخريزة” فيتعين أن تكون من توابع منفوحة لأنها الأقرب إليها[60].

إن ما تذكره مصادر التاريخ عن أحياء الرياض، في الفترة القريبة من زيارة بلجريف لها، هي ذاتها أحياء: «مدينة حجر حين كانت قائمة، فلما ضعفت تفرقت محلاتها وعرفت بأسماء متعددة مثل: مقرن، ومعكال، والبنية، والعود، وجبرة، والصليعاء، والخراب، وغيرها حتى كان في عهد «دهام بن دواس»... فجمعها داخل سور واحد لا تزال بعض آثاره مشاهدة»[61]، وأما الخارطة فتظهر فيها مباني المدينة ملاصقة للسور، وهذا مخالف للواقع الذي كانت عليه الرياض في الفترة التي أقامها فيها من (أكتوبر 1862م، جـ1/399، و450، إلى أواخر نوفمبر من نفس العام، جـ2/142)، فهو نفسه ذكر شخصًا سماه «الدعاس» وصفه بأنه حاكم منفوحة، وحاكم اليمامة، ومناوئ للشيخ محمد بن عبد الوهاب، (جـ1/429، 434)؛ هذا الشخص هو «دهام بن دواس»، الذي سماه «الدعاس»، وهو الذي يقال إنه بنى السور (الحامي) حول مدينة «الرياض»، وكان يضم الأحياء والمزارع والبساتين[62]، وكان يتعين أن تبين الخارطة تلك المساحات المزروعة التي تفصل بين السور والمنازل، لو أن من رسمها كان قد اطلع عليها، لكنها في الحقيقة لا تظهر شيئاً من هذا مع أن أحد القريبين عهداً من بلجريف هو ج ج لوريمر وهو إنجليزي مثله يصف الرياض بسورها المحيط بضواحيها ومزارعها وحدائق نخيلها و«بصفة خاصة، في الجوانب الجنوبية والغربية» وصفاً صحيحاً لا لبس فيه[63].

ولا ننس في هذا السياق وضعه لبلدة «منفوحة» على مسافة أربع ساعات سيرًا بالجمال (الترجمة، جـ2/144)، وهي التي توصف، قديمًا، بأنها ملاصقة للرياض، وشخصيًّا استوطنتها لبعض الوقت، إبَّان دورة دراسية في الرياض فكانت على مسافة يسيرة إلى الجنوب من بوابة الثميري.

- أقام في الرياض خمسين يومًا، في ضيافة الإمام فيصل بن تركي، واستغرق في سرد أحداث تلك الإقامة 140 صفحة من كتابه من جـ2/3 - 143، وهو وإن لم يجتمع بمضيفه أثناء تلك الفترة إلا لمامًا، فإنه لم يبق أحدًا لم يزعم أنه اجتمع به، حتى أنه تأسف على عدم تمكنه من رؤية وجه ابنة الإمام فيصل التي تقوم بأعمال السكرتارية لأبيها، وهذا نص ما قال: «وقد سبق أن تحدثت عن تلك الفتاة العجوز، ابنة الملك فيصل التي لم تتزوج، وسكرتيرته الخاصة، وأنا على ثقة أنها جميلة جدًّا، ولكني لم أتمكن قط من النظر إليها خلسة من خلال الرداء الأسود الذي تلف نفسها فيه، مما يجعلها تشبه كومة من القماش أكثر منها ابنة ملك. جـ2/86». ومع كل ذلك لم يتمكن من ضبط اسم مضيفه الملك، حسبما يصفه هو، فمرة قال عنه: «وفي العام 1830 الميلادي أو ما يقرب من ذلك نظرًا لأنني لم أستطع، بسبب إهمال العرب الحصول على هذا التاريخ وغيره من التواريخ الدقيقة، الخاصة ببعض الأحداث الهامة قرر الأمير تركي غزو الأحساء، واحدة من أثرى ملحقات التاج النجدي القديم وأغناها، ونظرًا لأن شؤون البلاد العامة لم تكن تسمح له، بتغيبه هو شخصيًّا عن الرياض فقد عين أخيه فيصل (الصواب أخاه فيصلَ) قائدًا للجيوش الملكية. جـ1/152». كما رأيت: فيصل هنا، هو أخو تركي وليس ابنه. أتريد أكثر؟ إذن اقرأ: «وما أن وصل الجيش الوهابي حدود الأحساء، وبعد أن اجتاز شعاب الغوير Ghoweyr التي سنجتازها نحن، أيها القراء الكرام، أيضًا في الوقت المناسب، كي يحاصر مدينة الهفوف، وصلت فيصل بن عبد الله بن سعود، أنباء تفيد أن شقيقه تركي قد اغتيل. جـ1/153». هل بوسعنا أن نصدقه في ما قال عن الرياض، وهو لم يعرف أبرز شخصية فيها وهو الحاكم، بعد كل هذه الإقامة الطويلة في ضيافته؟

- أقام في مدينة الرياض مدة 50 يومًا: من 7 أكتوبر جـ1/399، و450، إلى 24 نوفمبر. جـ2/142، وهذا يعني مضي ثلثين من فصل الخريف، ومع ذلك يصف الرطب فيها، في تلك الفترة، بالوفرة وتعدد الأصناف: «أشكال وأشكال. جـ1/502».

- وصف منفوحة هكذا: «كان وسط الجزيرة العربية، في تلك الفترة، مقسم (الصواب: مقسمًا) بين عدد من الرؤساء الذين كان ابن معمر أقواهم وأشهرهم في مدينة العيينة، في وادي حنيفة، والدعاس (الصحيح: دواس)[64] في مدينة منفوحة المهمة في منطقة الخرج. جـ1/429». غني عن البيان أن منفوحة كانت مجاورة للرياض، من الجنوب، وهي معدودة في نطاقها في عصر بلجريف، فكيف عدها من منطقة الخرج؟ الجواب بسيط، وهي أن الرياض كانت تعرف، قديمًا، بحجر اليمامة، ولأن بلجريف يرى كتب البلدان[65] تضع منفوحة في اليمامة، والخرج قاعدة اليمامة؛ اقتدى بها وهو لا يعلم بتغير المصطلحات الجغرافية في زمنه.

- في استعراضه لتأسيس الدولة السعودية الأولى، وسيرة الشيخ محمد بن عبد الوهاب، ذكر من معارضي دعوة الشيخ؛ شخصًا سماه «ابن مفلق»، وصفه بأنه الحاكم الأعلى في القطيف، كان «يكره الدين الإسلامي كراهية القرامطة. جـ1/432»، و«كان تابعًا ومولًّى من قِبَل الأمراء القرامطة في كل من الأحساء والقطيف. جـ1/429»، وقد أرسل إلى ابن معمر يأمره بمنع الشيخ من نشر دعوته، فاضطر ابن معمر إلى طرد الشيخ من العيينة. (جـ1/432).

المعروف أن الذي كان يحكم القطيف والأحساء، زمن إظهار الشيخ دعوته، هو سليمان بن محمد بن عريعر، من بني خالد، وهو الذي بعث لابن معمر طالبًا منه منع الشيخ من نشر دعوته، ومهددًا بوقف المعونة عنه، وهو الذي ناوأ الدولة

السعودية، وبلجريف نفسه ذكره عرضًا لكنه تخبط فيه بهذه العبارة: «وفي الوقت نفسه كان عرار Arar ولد مفلق قد خلف أبيه (الصواب: أباه) على عرش الإمارة القرموطية جـ1/434 - 435»، لاحظ أن هذا الحاكم بينه وبين انقضاء عهد القرامطة أكثر من سبعة قرون، ومع ذلك فهو يتصور أنه تابع لهم بأثر رجعي، كما يقول القانونيون، فمن هو «ابن مفلق» هذا؟ المطلع على سيرة الشيخ يجد بين أساتذته شيخين أحسائيَّين؛ هما الشيخ عبد اللطيف العفالق، والشيخ محمد العفالق، أحد هذين الشيخين هو الذي سماه “ابن مفلق” وهو من أساتذة الشيخ لا من مناوئيه، كذلك الحال مع مؤازر الشيخ الإمام محمد بن سعود الكبير، الذي سماه: «سعود ولد عبد العزيز الكبير. جـ1/432».

فهل، بربك، هذه معلومات زائر مشاهد فعلاً، أم نقل ملتبس مشوش من مصادر قديمة لم يوفق ناقلها في فهمها فأشبعها تحريفًا وتشويها؟

[26] قلب جزيرة العرب، هاري سانت جون فيلبي، ترجمة د. صلاح علي محجوب، مراجعة د. فهد بن عبد الله السماري، ود. محمد الخضيري، ود. عبد الله المنيف. وأ. عبد الرحمن الشقير، نشر مكتبة العبيكان، الرياض، الطبعة الأولى، 1423هـ 2002م، جـ2/168 - 220.
[27] قلب جزيرة العرب، هاري سانت جون فيلبي، مرجع سبق ذكره، جـ2/168 - 220.
[28] الرحالة الغربيون في الجزيرة العربية، روبن بِدْوِل، ترجمة د. عبد الله آدم نصيف، جامعة الملك سعود، الرياض، 1409هـ، 1989م، ص: 70، 75.
[29] الرحالة الغربيون في الجزيرة العربية، مرجع سبق ذكره، ص: 71، و75.
[30] الطريق إلى الجزيرة العربية، د، راشد شناز، الدار العربية للموسوعات، بيروت، ط1، 1427هـ، 2007م، ص: 103.
[31] الرحالة الغربيون في الجزيرة العربية، مرجع سبق ذكره، ص: 75.
[32] رحلة داخل الجزيرة العربية، يوليوس إيوتنج، حرر أصله بالألمانية كرستين، وأوفه بفلمن، ترجمه وعلق عليه د. سعيد بن فائز السعيد، منشورات دارة الملك عبد العزيز، طبع مؤسسة مرينا لخدمات الطباعة، الرياض، 1419هـ، 1999م، ص: 71.
[33] عبر الجزيرة العربية على ظهر جمل، باركلي رونكيير، نقله من الإنجليزية إلى العربية منصور محمد الخريجي، نشر مكتبة العبيكان، الرياض، ط 1، 1419هـ. ص: 29.
[34] المصدر نفسه، ص: 30.
[35] مغامرة في الجزيرة العربية، دوجلاس كروزرس، ترجمة صبري محمد حسن، كتاب الجهمورية، عدد يونية 2005م، ص: 45.
[36] مغامرة في الجزيرة العربية، دوجلاس كروزرس، مرجع سبق ذكره، ص: 91.
[37] مشاهدات الرحاله الأجانب في مدينة عنيزة خلال قرنين، خالد بن سليمان بن على الخويطر، موقع دكات عنيزة، الرابط:
http://www.unaizah.net/index.php?showtopic=16785
[38] قلب جزيرة العرب، هاري سانت جون فيلبي، مرجع سبق ذكره، جـ2/172، 218.
[39] الرحالة الغربيون في الجزيرة العربية، مرجع سبق ذكره، ص: 75.
[40] رحلة فتح الله الصايغ الحلبي، تحقيق د. يوسف شلحد، دار طلاس، دمشق، سوريا، 2005، وانظر أيضًا: رحلة فتح الله الصايغ الحلبي، فيصل خرتش، جريدة البيان الإماراتية، ع: 9969، الجمعة، 5 أكتوبر، 2007م 23 رمضان 1428هـ.
[41] قلب جزيرة العرب، هاري سانت جون فيلبي، مرجع سبق ذكره، جـ2/172، 205.
[42] انظر خارطة فلسطين والأردن، الموقع الجغرافي الأردني، الرابط: http://www.rjgc.gov.jo/arabic_web/map12.htm
[43] الموسوعة الجغرافية للأماكن، الجمعية الجغرافية السعودية، نقلاً عن معجم بلاد القصيم، تأليف محمد بن ناصر العبودي.
[44] انظر الأزمنة والأمكنة. أحمد بن محمد بن الحسن المرزوقي. الموسوعة الشعرية، الإصدار الثالث، لعام 2003م، إعداد المجمع الثقافي، الإمارات العربية، قرص مدمج. CD.
[45] رحلة داخل الجزيرة العربية، يوليوس إيوتنج، مرجع سبق ذكره.
[46] مغامرة في الجزيرة العربية، دوجلاس كروزرس، مرجع سبق ذكره.
[47] انظر الخارطة على الرابط: http://www.athagafy.com/maps/al%20riyadh.jpg
[48] انظر: معجم البلدان، ياقوت الحموي، دار صادر، بيروت، لم يذكر رقم الطبعة ولا تاريخها، جـ4/129.
[49] معجم ما استعجم، عبد الله بن عبد العزيز البكري الأندلسي، حققه وضبطه مصطفى السقَّا، عالم الكتب، بيروت، ط 3، 1403هـ، 1983م، جـ 3/947.
[50] معجم ما استعجم، مرجع سبق ذكره، جـ 4/1233.
[51] انظر: الموسوعة الجغرافية للأماكن، مرجع سبق ذكره، نقلاً عن المعجم الجغرافي للبلاد العربية السعودية – المنطقة الشرقية، للشيخ حمد الجاسر.
[52] انظر: معجم البلدان، ياقوت الحموي، مرجع سبق ذكره، جـ4/129.
[53] معجم البلدان، مرجع سبق ذكره، جـ1/71 - 72.
[54] معجم البلدان، مرجع سبق ذكره، جـ5/427.
[55] معجم البلدان، مرجع سبق ذكره، جـ1/71، وجـ5/427.
[56] الموسوعة الجغرافية لشرقي البلاد العربية السعودية، عبد الرحمن بن عبد الكريم العبيد، منشورات نادي المنطقة الشرقية الأدبي، ط 1، 1413هـ، جـ 2/355.
[57] انظر: الموسوعة الجغرافية للأماكن، مرجع سبق ذكره، نقلاً عن المعجم الجغرافي للبلاد العربية السعودية – شمال المملكة، للشيخ حمد الجاسر.
[58] رحلة داخل الجزيرة العربية، يوليوس إيوتنج،، مرجع سبق ذكره، ص: 132، و151.
[59] انظر: الرياض، مدينةً وسكَّانًا، أحمد بن مساعد عبد الله الوشمي، منشورات مكتبة العبيكان، الرياض، الطبعة الأولى، 1424هـ 2003م، ص: 41.
[60] انظر: الأطلس التاريخي للملكة العربية السعودية، إعداد وتنفيذ مركز نظم المعلومات الجغرافية بدارة الملك عبد العزيز، مؤسسة مَرِينا لخدمات الطباعة، الرياض، ط 2، 1421هـ ص: 50.
[61] انظر: أسماء أحياء الرياض القديمة، حمد الجاسر، مجلة العرب، العدد 11، السنة 23، ص820-824، والرياض؛ مدينةً وسكَّانًا، مرجع سبق ذكره، ص: 41.
[62] انظر: الموسوعة الجغرافية للأماكن، مرجع سبق ذكره، نقلاً عن معجم المجاز بين اليمامة والحجاز، تاليف الشيخ عبد الله بن خميس، والرياض، مدينةً وسكَّانًا، مرجع سبق ذكره، ص: 33، و36.
[63] انظر: دليل الخليج، ج ج. لوريمر، منشورات قسم الترجمة بمكتب أمير دولة قطر. قطر. بدون تاريخ. ج 6/ 1993.
[64] هو: دهام بن دواس العبد الله الشعلان، حاكم منفوحة، والرياض.
[65] انظر هذه البلدان في معجم البلدان، مرجع سابق: حجر جـ2/221، والخرج جـ2/357، ومنفوحة جـ5/214.
مدير التحرير
323561