جـرة قــلـم
مبارك بوبشيت * - 12 / 10 / 2007م - 3:41 م - العدد (45)

(جرة قلم).. وأعود لهذه الجملة، أو قل، إن شئت، شبه الجملة، أعود إليها لأنها رفضت أن تغادر ذهني بعدما كررتها في مقالي السابق، وعشت معها في صراع. أحاول أن أفك فحواها، وأسبر غور معناها، وهي تستعصي في تمرد عنيد.
 سألت نفسي: من الجار ومن المجرور؟ أهو القلم الذي يجر صاحبه؟ أم إنَّ صاحب القلم هو الجار فعلاً؟
 عندما تأملت هاتين الكلمتين: (جرة قلم)، وجدت ما يلي: في ظاهر الحدث نرى أن الإنسان هو القائم بعملية الكتابة، إذن هو الجار، والجار هنا (فاعل)، وهذا بعيد عن قصد النحويين، وإن كانت كملة (جار) بتشديد الراء اسمَ فاعل. أقول، إن الإنسان (الكاتب) هو الفاعل، ولكن - في حقيقة الأمر، وبتأمل غير موغل في الفلسفة والسفسطة - يظهر لنا العكس؛ أي إن الإنسان ينقلب إلى اسم مفعول فيكون بعد الكتابة (مجروراً)، فالكلمة طالما هي بين جنبيك أو في عقلك تكون أنت المالك لها. أما إذا تكلمت بها، أو، بالأحرى، كتبتها ونشرتها تكون أنت ملكا لها. تجرك ـ رغما عنك ـ إلى حيث أرادت هي من حيث معناها لا حيث أردت أنت وقصدت، ولقد صدق الشاعر:
ما أن ندمت على سكوتي مرة ولقد ندمت على الكلام مرارا

وإن كانت هذه المقولة تعكس حالة فردية، وليست قاعدة عامة، إلا أن الكلمة تملك قائلها، أو كاتبها بمجرد ما تنزلق من فمه أو قلمه، وإني تأملت قولة حكيم فأعجبت بها أيما إعجاب أنها: (وحظي من الكلام لغيري، ووباله راجع علي). آه! كم هي تترى مثل هذه الكلمات داخل صدر الكاتب؟ وكم يؤلمه سماع: (خذ الخير من أهله، ودع الشر لأهله)؟ إن لم يسمعها فإنه يعيشها، فيرى نفسه كالنخلة العوجاء يتعب عليها صاحبها وثمرها للمارة في الطريق. ولكن يعزيه قول العرب: (إحسان المسيء أن يكف عنك أذاه، وإساءة المحسن أن يمنعك جدواه).
والقلم والكاتب ملازمة قدرية، فمن أدركته هذه الحرفة لا بد له أن يتعايش معها في حذر كتعايش مريض الضغط والسكر مع مرضه.
إن القلم وما يلفظ من قول لهو عقل الكاتب، وقلبه هو شخصيته ولبه. فإذا ما رأيت صاحب قلم يهدي بل ينفق من نور عقله ونور عينيه رغم أنه يعيش الكفاف والتعفف و (الستر) فتذكر قول (محمود الوراق):
لعمرك ما بالعقل يكتسب الغنى ولا باكتساب المال يكتسب العقل

إن الكاتب عندما يجر قلمه بإخلاص للعلم، وبإحسان للنية، وباحترام للكلمة التي يسطرها لهو الذي يسهم في إعمار العقول والعقول هي التي تعمر الكون.
فما أسعد من جرته جرة قلمه إلى نفع الناس وكسب رضا رب الناس.
(جرة قلم) عبارة سهلة القول، سهلة الاستماع سهلة التداول، ولكنها في قلب الكاتب مرة قبل الكتابة، ومرة أثناءها، مرة بعدها، وهنا مربط الفرس، ويكفي دليلاً قول القائل:
وما من كاتب إلا سيفنى ويبقى الدهرَ ما كتبت يداه
فلا تكتب بكفك غير شيء يسرك في القيامة أن تراه

* كاتب
232138