الخسارة الكبرى
الأستاذ متألم * - 21 / 5 / 2008م - 5:06 م - العدد (49)

رحمك الله يا أبا الحسن، ورحم الله وطنك القطيف بعدك.

إنها خسارة كبيرة، قد منينا بها بفقد الراحل العزيز، ولا شك أنها لم تشمل أبناءه وذويه دوننا، بل شملت جميع سكان القطيف، من شمالها لجنوبها، ومن شرقها لغربها، وذلك لما له من مكانة سامية في قلوب المواطنين، ولست أعني بالمواطنين الرجال فقط. كلا، بل وحتى النساء والأطفال على اختلاف طبقاتهم، ونزعاتهم، وتوجهاتهم ومشاربهم، لما له على الجميع من أياد بيضاء وناصعة النور.

وأعتقد أنه ليس في القطيف من ينكر عليّ قولي هذا، فأعماله الجليلة وخدماته النافعة غير خفية على أحد، ولم تختص بالأفراد ولكن على المجتمع بأسره، فلا يكاد ينتهي من حلّ مسألة فردية، ينقذ من براثنها بائساً وقع في ورطة، أو فقيراً منكوباً فينتشله ويوجهه حيث يقضي الواجب، ويرشده لما فيه الخير والسعادة حتى يسعى لحل قضية اجتماعية ليبعد عن البلاد مضرة، أو يجلب إليها منفعة.

وما شمل المجتمع فقد شمل الأفراد، وهل يتكون المجتمع إلا من الأفراد؟ وما الفرد إلا جزء لا يتجزأ من المجتمع، وهذا ما أعني بقولي: إن أيادي الراحل -العزيز- قد شملت جميع المواطنين.

إنه قد يخدم المرء امرأً آخر إذا توفرت فيه الصحة، وهدوء البال، وراحة الضمير، أما إذا كان مريضاً، أو متعباً فإنه عاجز حتى عن خدمته لنفسه، وفقيدنا المحبوب قد قام بخدمات إنسانية جليلة لا تحصى، فقد خدم الأفراد، والمجتمع، وهو مع ذلك يئن فوق فراش المرض الذي لازمه سنين عديدة، ناسياً مرضه المؤلم، إذ لا شيء أحب إلى نفسه من القيام بأداء ما عليه من الواجب نحو وطنه، ما دام يعتقد بأن في عنقه أمانة يجب تأديتها، فكم من سجين أطلق سراحه من سجنه، وتحمل المسؤولية عنه؟

وكثيراً ما نراه يتأوه ويتألم إذا استعصى عليه حلّ مشكلة اجتماعية أو فردية وهو على فراش مرضه فيغادر ذلك الفراش، وأهله، وأولاده، ويخرج متوكئاً على عصا بيده إذ لا يطيق المشي لشدة مرضه إلى حيث يمكن حلّ تلك القضية، فلا ينكفئ حتى يفتح الله على يديه، ويوفقه لما يريد، ليؤدي رسالته المجيدة عملاً بقول الرسول الأعظم K: «كلكم راع وكل راع مسؤول عن رعيته» لا يعروه الكسل والملل، بل يندفع اندفاع المكافح عن نفسه ليخدم مجتمعه بكل نشاط ونزاهة وإخلاص.

لهذا ومثله من أعماله الجليلة الناصعة كان الحزن عليه عميقاً قد تمكن في النفوس، فمنذ الساعة التي فوجئنا فيها بهذا النبأ المُمِضِّ والناس في موجة عاتية من الحزن والألم، وسيبقى ذلك -ولن يزول- كلما تعاقبت الليالي والأيام، والسنون والأجيال. ولابد لكل امرئ أن يذكر «عليًّا» إذا عرته أو صحبته مصيبة -لا قدر الله-.

وليست القطيف خالية من الرجال المصلحين، الذين يخدمون مجتمعهم، ولكن ليس فيهم من يتمتع بكل الخصال التي تمتع بها الراحل العزيز، فقد تكون للرجل الواحد خصلة واحدة أو اثنتان. أما فقيدنا فقد نشأ ونشأت معه جميع المزايا الطيبة، كدماثة الأخلاق، وحديثه الشهي الممتع، وإنسانيته السامية، ووطنيته الصادقة، ورحابة صدره، وتفكيره السليم، وقدرته على إقناع المتنازعين، وتقديره لجميع الناس على اختلاف طبقاتهم، وصلابته في الحق، وقوة شكيمته في ردع الباطل، وصفاء قلبه، وتجشمه للمصاعب والأخطار في سبيل أمته وبلاده.

هذه الخصال لم تجتمع في شخص سواه، وبها بزّ جميع الشخصيات في بلادنا، فنال ما نال من حب الناس له، وحزنهم عليه بجدارة واستحقاق، لا يماثله فيه سواه، فقد كون لنفسه مجداً لا يمَّحي، وبنى ما لا تهدمه الأجيال والقرون.

وإن البلاد بعده لكالذي يتخبط في صحراء ممتدة الأطراف في الليل الأسود البهيم، ما لم يقيض لها من يخلفه في أعماله، وليسد الفراغ الذي أحدثه بموته، وليسير على هديه، ويترسم خطاه، فقد أدى رسالته تجاه وطنه، وقضى ما عليه من واجبات نحو أمته، فتغمده الله برحمته، وخلف على أسرته ووطنه بالصبر الجميل.

25/4/1374
* كذا رمز لاسمه
307189