اللغة الثالثة
محمد رضي الشماسي * - 21 / 5 / 2008م - 6:18 م - العدد (49)

اللغة الثالثة، هي لغة الأدب السمح، الأدب الذي يفهمه الناس جميعاً. هي لغة سكان القاع، الذين يشكِّلون القاعدة الاجتماعية الكبرى.

هي لغة الشاعر نزار (رحمه الله) كما يراها هو في كتابه (قصتي مع الشعر).

أولاً: اللغة الثالثة، أو (اللغة النزارية) هي كما يقول نزار: «التي تأخذ من الأكاديمية منطقها، وحكمتها، ورصانتها، ومن اللغة العامية حرراتها، وشجاعتها، وفتوحاتها الجريئة؛ هي بعد الفصحى والعامية، مزيج منها».

من هذا المنطلق النزاري نشأت لدى الجيل المعاصر هذه اللغة السهلة اليسيرة، لغة الصحافة، والتلفزة. ومن يتابع مسيرة أدب الشباب، في شعره ونثره، يقف بوضوح على حقيقة هذه اللغة الشبابية.

أقول هذا من خلال الواقع الأدبي الذي نعيشه من جيل الشباب، هذا الجيل الذي يمكن وصفه بجيل التمرد على نهج القصيدة التقليدية؛ لذلك فأنا أرى أن اللغة الثالثة - مع كونها وجوداً فرض نفسه على الساحة الأدبية - إلا أنها لا تخلو، أحيانًا، من الجوازات اللغوية في الاشتقاق، والقواعد النحوية، والأخطاء الشائعة. بل هي اختراقات، فعلاً، في فضاء النص الأدبي حسب تعبير المحدثين. وما دامت هي جوازات أو اختراقات، فلا يمكن ضبطها بموازين لغوية صحيحة، ولا التحكم فيها بحيث يستحيل الصحيح إلى خطأ، والخطأ إلى صحيح. إذاً لا بدَّ من الرجوع إلى القواعد المحترمة، والموازين الدقيقة في اللغة والأدب والفكر.

ثانياً: الإعلام مسموعاً ومرئياً ومقروءاً؛ إعلام الفضائيات هو من آيات هذا الزمان، ولا يشك أحد في أهمية الإعلام، وتأثيره في حياتنا الفكرية والثقافية، بل في حياتنا الخاصة والعامة.

الإعلام بفضائياته طبع عصرنا بطابعه، كما طبعه (الإنترنت) بطابع آخر، حتى وُسِم عصرنا بعصر (الثورة المعلوماتية)، ولكن هذا الربط الإعلامي لدول العالم لا أراه ملزماً لإيجاد لغة واحدة أو موحدة تنظم العالم من أدناه إلى أقصاه كما أريد من لغة (اسبرنتو) العالمية؛ لأنَّ في هذا ما فيه من الصعوبة بل الاستحالة. أما إذا كان المراد بصياغة اللغة الموحدة هي طرح اللغة الأولى، وهي لغة الأدب الكلاسيكي، أو طرح اللغة الثانية، و هي اللغة العامية، أو طرح اللغة الثالثة، وهي اللغة الإعلامية لهذا العصر، فأنا أرى طرح اللغة الثالثة إعلامياُ، ولكن مع اشتراط المحافظة على سلامتها من حيث الموازين اللغوية، والقواعد الصرفية والنحوية، ولا يسمح لأي جواز أو اختراق بأن يقترب من النص، حتى ولو كان ذلك النص ساذجاً. وأرى، أيضاً، ضرورة الاقتراب من اللغة الأدبية المشرقة التي كان يمارسها الرواد في العقود الماضية من هذا العصر، وهم يزاولون مهنة الصحافة كجماعة الديوان، وجماعة أبولو، وأحمد حسن الزيات في مجلة (الرسالة)، ومحرري المقتطف، والأهرام، والهلال؛ وذلك لأجل المحافظة على روعة البيان، وجمال الأسلوب.

ثالثاً: أما عن مجامع اللغة العربية؛ فإن المحور في هذا الأمر ليس في مجامع اللغة بقدر ما هو في أهل اللغة. إن مجامع اللغة العربية في مصر سوريا والأردن والعراق والسودان وليبيا تقوم بجهود مشكورة في تعريب المصطلح العلمي الأجنبي، وترجمة المصادر العلمية ونشرها في مجلاتها لتكون بين أيدي ذوي الاختصاص من أساتذة وطلاب.

أقول إن المسألة محصورة في أهل اللغة، فهم في حاجة إلى وعي لغوي يساعد المجامع على نشر رسالتها؛ فالمجامع - حسب تتبعي لثمرة جهودها - لا تفتقد الصلة بالواقع اللغوي بل تعيش فيه بما تصدره من أبحاث ومقالات ونشرات في مجلاتها وفي مجلة (اللسان العربي) التي يصدرها مكتب تنسيق التعريب في الرباط من المغرب العربي.

إنما مجامع اللغة العربية - وهي المسؤول الرسمي عن المحافظة على سلامة اللغة ونصاعتها - تصدر عن وعي كامل لعظمة لغة العرب، لغة القرآن الكريم، لذلك هي ترى ضرورة المحافظة على أصالة اللغة بجميع المقاييس اللغوية. وأنا أشجع مجامعنا المحترمة على هذا الموقف تشجيعاً مطلقاً؛ لأنها المؤسسات الرسمية المسؤولة عن اللغة في عصور تحاول الابتعاد باللغة عن مكانتها التي كرمها الله بالقرآن.

رابعاً: المدرسة مركز تعليمي، يفترض فيه أن يقوم بدور كبير في تعليم اللغة، والمحافظة عليها، ونشر الوعي فيها، وعرضها في أساليب بيانية متنوعة من خلال النصوص الشعرية والنثرية والقرآنية خاصة. والصحيفة هي، أيضاً، مدرسة أخرى، مدرسة سيارة، يفترض فيها الجودة في المادة، والإجادة في اللغة. وكما يجب أن يقوم بعملية التعليم أساتذة أكفاء (بتخفيف الفاء)؛ كذلك يجب أن يقوم على الصحافة صحفيون أكفاء.

فالمدارس على اختلاف مستوياتها، و الصحف على تعدد اتجاهاتها، هي مراكز تثقيفية تعليمية، وأفترض فيها كذلك أن تكون مراكز لغوية قديرة، تعلم مريديها العربية الفصحى، وتوصلهم إلى مناهلها العذبة، ومصادر أساليبها الرفيعة في مختارات من النصوص الأدبية الشائقة.

وبهذا النوع من الاعتداد في هذه المراكز يجب عليها أن تحرك البوصلة اللغوية نحو مواطن الفصاحة، ومصادر البلاغة والبيان المتمثلة في القرآن الكريم والمرويات الشريفة، وأدب العرب في شعره ونثره، في أصالته ومعاصرته غير الهابطة.

خامساً: الفصحى والعامية لغتان بينهما صلة قرابة، هما أختان، الأولى سليمة معافاة، والأخرى مريضة مرضاً لا يمكن علاجه.

اللغة أو اللهجة العامية هي في الأصل فصيحة، انزلق بها اللسان العربي، فظهرت في شكل مائل أو منحرف عن مبناها السليم. فكلمة (عصاة) العامية تحريف من (عصا) الفصحة، و(ليش) العامية هي من عبارة (لأي شيء)، و(معاك) من (معك)، وهكذا في كثير من الألفاظ، فالعامة من الناس تناولوا الألفاظ الفصيحة وصاغوها في قوالب لفظية تقترب من القوالب الفصيحة.

وأنا أعتقد، جازماً، أن ليس هناك خطر من العامية على الفصحى، بحيث تلغى العامية الفصحى، بل هناك استحالة في الإلغاء؛ لأن الله سبحانه حافظ كتابه، وهو كتاب الفصحى الأول ومصدرها وحجتها البالغة. قال تعالى: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ، وحفظ القرآن الكريم يستلزم، بالضرورة، حفظ لغته.

نعم؛ يأتي تأثير العامية في الفصحى في الساحة الثقافية، وفي الساحة الإعلامية. فالشعر العامي يحتل مكاناً واسعاً في صحافتنا الخليجية، ويشغل فترات طويلة على الشاشة التلفزيونية، ومع تأييدي لشعراء العامية في حق التعبير عن أفكارهم باللغة التي يجيدونها، ومع تقديري الكبير لهم؛ أقول: لا ينبغي إعطاء كل تلك المساحة المكانية والزمانية في الصحافة والتلفزة؛ لأن ذلك يأتي على حساب أدب الفصحى الذي يجب أن يرتفع إليه العامة، لا أن ينزل الخاصة إلى مستوى العامة.

سادساً: اللغة الثالثة - كما تقدم في مطلع حديثي - هي نتاج لتبسيط الفصحى، وليست نتاج مزيج بين الفصحى والعامية. فإن اللغة الثالثة هي لغة الصحافة اليوم، وكذلك لغة الإعلام. هذه اللغة التي يفهمها حتى الأميون، وذوو التحصيل الثقافي القليل.

أعود فأقول: إن اللغة الثالثة حقيقة واقعة فرضت نفسهــا في الساحة الأدبية، وبخاصة في أدب الشباب.

سابعاً: في الإجابة عن هذا السؤال: (هل نحتاج إلى لغة وسيطة بين الفصحى والعامية؟) أقول: في الأصل لا نحتاج إلى اللغة الوسيطة، لا نحتاج إلى اللغة الثالثة، ولكن علاجاً للوضع اللغوي المتردي بين صفوف حتى المثقفين والمتأدبين أرى أنه لا ضير في وجود ما يعرف باللغة الثالثة، بشرط أن تكون سليمة في المبنى والمعنى.

التعقيبات المنشورة لا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع
» التعليقات «1»
hadi hood
[1]
[ sa - qatif ]: 18 / 10 / 2008م - 1:30 ص
والعجب لا ينقضي من مثلك يا أستاذنا الجليل أن تترحم على مثل نزار قباني الشاعر المسيحي بل الملحد الاباحي والذي سن شعر الاباحية في منطقتنا العربية ؛ دون مراعاة للأعراف ولا للتقاليد ؛ هذه ملحوظة صغيرة فقط فاقبلها أستاذنا الكبير ولا تغضب .
أستاذ اللغة العربية بجامعة الملك فهد للبترول والمعادن بالظهران - السعودية
305234