فن المراجعة
التحرير - 9 / 9 / 2008م - 2:17 م - العدد (42)

عندما تصاب أمة أو جماعة بصدمة كبيرة تفقدها ثقتها بنفسها فتصبح على استعداد لرؤية كل العيوب في تاريخها ورؤية كل المحاسن في تاريخ غيرها.. وتنتقل من الدراسة الموضوعية المحددة، إلى اتهام النفس أو الواقع السيئ أو التاريخ أو التراث، ومن الواضح أن هذه المواقف لا تقدمها في شيء، بل تحرمها من ميزة الرؤية الواضحة الصحيحة، وتدفعها إلى الغرق أكثر فأكثر في الحالة التي تعيش فيها.

فتتحول هذه النكسة أو النكبة إلى معول هدم وتفتيت لكل أعمدة البناء التاريخية والعقدية والاجتماعية حيث يعتبرها هي السبب في هذه الهزيمة، ويفقد المجتمع من جراء ذلك كل مقومات الرؤية المتزنة والرشيدة التي ترى الأمور على حقيقتها، وتوضح الأسباب والعوامل الحقيقية لتلك الظاهرة وسبل الخروج منها أو تجاوزها وهذا يقودنا إلى القول إننا بحاجة دائما أن نتعامل مع هزائمنا وانتصاراتنا بموضوعية بحيث إننا لو انتصرنا لا نصاب بداء الغرور والتعالي، فنلغي الآخرين من خريطة الوجود التاريخي.. ولو انهزمنا ندرس أسباب هزيمتنا بشكل موضوعي وهادئ، ودون أن يؤثر هذا على جوهر وجودنا وثوابت كياننا ولا شك أن للإنجازات أسبابها وعناصرها كما أن للإخفاقات عواملها. والرؤية الموضوعية تحتم علينا دراسة المسألة من جميع أبعادها لإزالة عوامل الإخفاق وتأكيد عناصر النجاح والإنجاز.

وبما أن العالم بأسره يعيش زلزالاً أيديولوجيًّا وسياسيًّا فأننا أحوج ما نكون إلى فن مراجعة ظروفنا وإمكاناتنا وثغراتنا لا لكي نجلد ذواتنا ونبكي على أمجادنا وإنما لكي نستعيد عافيتنا ونسد ثغراتنا ونستوعب نقاط الإيجاب في هذا التطور الرهيب الذي يجري في العالم ونبتعد عن السيئ منه.. إذ أننا أمام هذه التطورات السريعة بحاجة إلى الاتزان النفسي والمعرفي لدراسة الأمور وتقويم القضايا والأفكار ولا شك أن فن المراجعة هو الذي يوفر هذا الاتزان، ويبعدنا عن ردود الأفعال المرتجلة القائمة على استلاب ذاتنا ونفي إمكاناتنا وفضائلنا التاريخية والمعاصرة.

وتتأكد هذه المسالة في وقتنا الحاضر “ لأنه في هذه الأيام كثرت دعوات المراجعة الشاملة لأصولنا وطرائق تفكيرنا دون بيان المنهجية السليمة والواضحة لعملية المراجعة.

لاشك أن النكبات المتلاحقة والتطورات السريعة في مختلف الميادين تلزمنا جميعا أفرادا وجماعات من الوقوف مع النفس والتأمل في هذه المتغيرات ودراستها بموضوعية واتزان، والعمل وفق النتائج المترتبة على ضوء تلك الدراسة الموضوعية.

إما أن نصرخ مع الصارخين حول ضرورة المراجعة الشاملة لوجودنا وكياننا وأفكارنا ومنظوماتنا المعرفية والمنهجية دون أن ندرك تداعيات هذه الصرخة المنهجية المقترحة لعملية المراجعة.. لاشك أن هذه الصرخة اللامنهجية سيؤدي إلى المزيد من الانهيارات ونبذ الأبنية الذاتية التي تشكل في المحصلة النهائية جزءا من خطوط دفاعنا الحضارية.

ولا يوجد على المستوى التاريخي مجتمع مكتوب عليه أو قدره الهزيمة دائما أو الانتصار دائما.. وإنما هما (الهزيمة والانتصار) ظاهرتان إنسانيتان تتحكم فيهما جملة من العوامل الذاتية والموضوعية. فالمجتمع الذي تتوفر فيه عوامل المنعة والتفوق يحقق ذلك على الصعيد العملي، والمجتمع الذي يتخلى عن تلك العوامل يصاب بالإحباط والتراجع والتقهقر. فالرؤية الموضوعية تعني، الابتعاد عن التهويل والتهوين، والبعد عن الشطط والمغالاة وعن اليباس والتيبيس الدافع إلى الاستقامة المعنوية الفردية والجماعية.

وإن فقدان الثقة بالذات من جراء نكسة أو هزيمة يؤدي حتما إلى الاستسلام إلى المنظومات الفكرية والثقافية للغالب.. وقد أشار إلى هذه المسألة ابن خلدون بقوله: أن المغلوب مولع دائما بمحاكاة الغالب والاقتداء به لأنه يعتقد أن انتصاره راجع إلى صحة مذهبه وعوائده.

كما أن تجريح الذات وجلدها على مختلف الصعد والمستويات ما هو في حقيقة الأمر إلا إخفاء لابتعاد المثقف أو المفكر أو الأديب والنخبة بشكل عام عن مواطن الإبداع الفكري والثقافي والأدبي وتحولهم في الكثير من الأحيان إلى إحالة للماضي وحجابا لعدم رؤية الحاضر.. فالقراءة الموضوعية إلى الظواهر الاجتماعية والإنسانية المفرحة منها والمحزنة تحتم علينا النظر إلى الأمور انطلاقا من أسبابها الحقيقية وعواملها المباشرة.

203305