في النقد القديم والحديث
السرقة الأدبية
عدنان السيد محمد العوامي * - 9 / 9 / 2008م - 2:32 م - العدد (42)

أخطاء وأوهام شائعة (9)

تمهيد

شاع، كثيرًا، لدى الأدباء المعاصرين أنَّ أيَّ تشابه لفظي أو معنوي أو حتى اشتراك في الموضوع بين شاعرين أو أكثر هو سرقة تعمَّد اللاحق سلبها من السابق مع سبق الإصرار والترصد. فيكفي أن يشترك شاعران في موضوع واحد كالغزل بالمرأة، مثلاً، ليفوز أحدهما بوسام السرقة من رصيفه بلا نزاع.

السرقة الأدبية في النقد القديم

السرقة الأدبية قضيةٌ قديمة شَغلت مساحةً ذات بال في دنيا النقد العربي منذ بداياته الباكرة. فعنترة، شاعر عبس وفارسها المعلم، ضاق ذرْعًا بنقد معاصريه حتى جأر بشكواه من تجانفهم عليه فقال:

هل غادر الشعراء من متردَّم؟

ثم جاء بعده كعب بن زهير فحذا حذوه فقال:

ما أرانا نقول إلا مُعارًا

أو مُعادًا من قولنا مكرورا

هذان الفحلان، عنترة وكعب، لم يُقنِعا أحدًا من النقاد المتربصين بالشعراء من أمثال ابن وكيع التنيسي، فهؤلاء تناولوا نقد الشعر بذات الكيفية التي يحقق بها ضباط البوليس، فنراهم يتشمَّمون أبيات الشاعر بحثًا عن كلمة، بله الجملة، أو العبارة. لنأخذ نماذج من نقد ابن وكيع مثالا، كرأيه في قول المتنبي:

إن أكن مُعجَبًا، فعجب عجيب

لم يجد فوق نفسه من مزيد

في هذا البيت يفتخر المتنبي، مظهرًا إعجابه بنفسه، معبرًا عن حالة نرجسية إنسانية شائعة ربما ربطها علماء النفس بغريزة التوازن المنشعبة من غريزة تنازع البقاء، لكن ابن وكيع ينتهج فيها ذرائعية القنَّاصة فيقول(1): «وقد رأيت أبياتًا ترجمتها لبعض المحمَّقين هي تشبه هذا البيت، وهي:

أتِيهُ على جِنِّ البلاد وإنسها

فلو لم أجد خلقًا لتهت على نفسي

أتيه فما أدري من التيه من أنا

سوى ما يقول الناس فيَّ وفي جنسي

فإن يزعموا أني من الإنس مثلُهم

فما لي عيب غير أني من الأنس»

لملم ابن وكيع هذا الشتات المبعثر كي يوفِّق، عبثًا، بين معانيه وبين بيت المتنبي، رغم ما بين النصين من بونٍ شاسع في الغرض والمفردة والصياغة، كأن كل ما يهم هو الموضوع.

ومن ملاحقاته للمتنبي اقتناصه قوله(2):

جُهد الصبابة أن تكون كما أرى

عينٌ مسهّدةٌ وقلبٌ يخفق

فيلصق به السرقة من قول الحماني:

قالت: عييت عن الشكوى؟ فقلت لها

جهد الشكاية أن أعيا عن الكلم

أشكو إلى الله قلبًا لو كَحَلْت به

عينيك لاختضبت، من حرِّه، بدم

وكما ترى؛ لا يوجد بين البيتين من نسب، اللهم إلا في لفظة، واحدة هي: (جُهد).

ولا يترك ابن وكيع الرجل وشأنه، بل يتابع تعقبه له حتى آخر رمق فيأخذ قوله(3):

كثير سهاد العين من غير عِلَّة

يؤرِّقه، في ما يشرِّفه، الذكر

فيلصق به تهمة سرقته من قول عبد الله بن المعتز:

وأسهر للمجد والمكرمات

إذا اكتحلت أعين بالكرى

فمع أن السهر في طلب المعالي وغيرها من المعاني الشائعة المشتركة إلا أنه ما دام في البيتين كلمة تشير للسهر من أجل الفضل والذكر الحميد فثمة سطو لا محالة، وأما فنِّيَّةُ النص، وروعة الصياغة، وجمال الصورة فلا عبرة لها ولا قيمة، بل إن الرجل يشتط حتى ليتهمه بالسرقة من ابن الرومي في قوله(4):

أقسمت بالله ما استيقظتم لِخَنًا

ولا وُجِدتم عن العليا بنُوَّام

تأمل في تباعد المعنى والقصد، بين البيتين لتعلم أن المهم عنده هو الإشتراك في اللفظ أو الموضوع وحسب. وخذ مثلاً رأيه في سرقة المتنبي قوله(5):

ما مقامي بأرض نخلةَ إلا

كمقام المسيح بين اليهود

فهو مسروق، لا محالة، من قول القائل:

أخلاَّنَ النبيذ، برئت منكم

كما برئ المسيح من اليهود

وقوله(6):

أرى في فِرَنْدي قطعةً من فِرَنْده

وجودة ضرب الهام من جودة الصقل

فهو، في رأي ابن وكيع، مسروق من قول أبي تمام:

في كل جوهرةٍ فِرَنْدٌ مشْرِقٌ

وهُمُ الفرند لهؤلاء الناس

خلائف ابن وكيع

ليس من المعقول ولا المقبول ملاحقة ابن وكيع في (توكيعاته) كلها فهي كتاب بتمامه وكماله، إنما أردت من هذا الإستطراد إعطاءَ صورةٍ أوضح لهذا التجانف الغالي في النقد وحسب، لكن الغريب أن ابن وكيع - الذي غادر دنيانا قبل انصرام القرن الرابع الهجري بسبع سنين - لا يزال يعيش بين ظهرانينا بشحمه ولحمه ودمه. في صحافتنا المحلية له جلبة، وفي محافلنا الأدبية وصالوناتنا الخاصة له هينمة وزجل؛ على الرغم من مجيء نفرٍ من النقاد بعده كالجرجاني، وابن رشيق، وابن أبي طاهر، وغيرهم ممن (وكَعُوه)، رافضين منهجه في النقد، حتى لخص ابن أبي طاهر رده على أصحاب هذا المنهج في قوله(7):

والشعر ظهر طريق أنت راكبه

فمنه منشعبٌ، أو غير منشعبِ

وربما ضم بين الركب منهجه

وألصق الطُّنُبَ العالي على الطنب

فقعَّدوا لمدرسةٍ أساس منهجها أن الشعر (محجَّةٌ يقع فيها الخاطر على الخاطر وقوعَ الحافر على الحافر).

السرقة بين الأكاديمية

والمدرسة (الوكيعية)

بمرور الزمن تطوَّرت هذه المدرسة إلى ما اصطلح على تسميته، في العصر الحديث، بـ(التناص)، وهو لغةً: الإسناد، والتزاحُم، والغَلَب في النقاش، لكنهم صرفوه لمعنى (التناظر)؛ وبعضهم سمَّاه (التعالق)؛ كأنهم أرادوا تشابك نَصٍّ، أو تشابهه مع نص آخر بكيفيات مختلفة، منها المعارضة، وتعريفها، عندهم، بأنها: (عمل فني يحاكي فيه مؤلفه عملاً فنِّيًا آخر) (8)، لكن الظاهر أن هذا التعريف لا ينطبق إلا على المجاراة حتى وإن لم يقع التشابه المعنوي بين المجُارِي والمجُارَى كما اتفق لشوقي في قصيدة (نهج البردة)، فقد نظمها مجاراة لقصيدة البوصيري (البردة) لكنها لم تخل من الإتكاء في معانيها وصورها على شعراء غيره منهم الشريف الرضي. لنأخذ مثلاً مطلع القصيدة (البردة:

أمِنْ تَذَكُّرِ جِيرانٍ بِذِي سَلَمٍ

مَزَجْتَ دَمْعاً جَرَى مِنْ مُقْلَةٍ بِدَمِ؟

ونقرنه بقول شوقي في مطلع نهج البردة:

ريم على القاع بين البان والعلم

أحلَّ سفك دمي، في الأشهر الحرم

فليس فيه شيء من قول البوصيري، وإنما هو لصيق بقول الشريف الرضي:

وظبيةٍ من ظباء الإنس عاطلةٍ

تستوقف العين بين الخمص، والهِضَم

لو أنَّها بفناء البيت سانحةٌ

لصدتها، وابتدعت الصيد في الحرم

أما قول شوقي فيها:

يا لائمي في هواه، والهوى قدرٌ

لو شفَّك الوجد لم تعذل، ولم تلم

فإنه قول الرضي لا محالة:

أَقولُ لِلاَّئِمِ المُهدي مَلامَتَهُ

ذُقِ الهَوى فإِنِ اِسطَعتَ المَلامَ لُمِ

وإن كان ذات المعنى واردًا في قول البوصيري:

يا لائِمِي في الهَوَى العُذْرِيِّ مَعْذِرَةً

مِنِّي إليكَ ولو أَنْصَفْتَ لَمْ تَلُمِ

فليس في بيت شوقي شيء من اعتذار البوصيري، وإنما الذي فيه هو تمرد الشريف وتحديه.

أمَّا المعارضة، فهي النقيضة كما بين جرير والفرزدق والأخطل، وهذه لا تأتي محاكاةً بل نقضًا، والفرق بيِّنٌ بين النقض والمحاكاة.

من وجهة نظري المتواضعة أن مدرسة النقد هذه ما تزال حبيسة الدراسات الأكاديمية، لم تجاوزها إلى الفضاء الأدبي الواسع، وما زال الميدان مفتوحًا على مداه لابن وكيع وأخلافه، فها هم (يوكعون) الشعراء ليل نهار، والرؤوف الرحيم منهم من يكتفي بوصم الشاعر بالتأثر من هذا الشاعر، أو ذاك، تعفُّفًا عن وصمه بالسرقة، حتى تعدى الأمر حدوده؛ فأصبحوا يحاسبون على (الموضوع واللفظ)، ناهيك عن الفقرة والعبارة والمعنى، وما أظن أن المعركة التي دارت رحاها قبل سُنَيَّات حول قصيدة أحمد الكوفي (رحمه الله) وقصيدة محمد سعيد الشيخ علي الخنيزي اللتين نظمهما الشاعران في رثاء (القلعة)، حاضرة القطيف، بعد هدم مبانيها من قبل البلدية - قد مسحت من الذاكرة، فقد شغلت ساحتنا المحلية بالسجال الدائر في جريدة اليوم بين متَّهمي الخنيزي بالسرقة من الكوفي والمدافعين عنه، مع أن قصيدة الكوفي لم تبرح دفتره عندما نشر الخنيزي قصيدته، مما يصعب معه الجزم بأن الخنيزي قد علم، أصلاً، بوجود قصيدة لدى الكوفي في القلعة.

تذكرني هذه القضية بحادثة حصلت لي شخصيًّا؛ ففي بداية مشاركاتي في المحافل الخطابية دعيت، مرَّة، للمشاركة في حفل خطابي ديني، وحين سلمت كلمتي للمشرف على الحفل شرع في مطالعتها، ثم فوجئت به يتوقَّف عند بعض المواضع من الكلمة، ويضع تحتها خطًّا، معلِّقًا بعبارة: «هذه لي»، ويا لشدة دهشتي عندما اكتشفت أن ما يقصده الرجل هو مجرد بعض ألفاظ كان يستعملها هو في كتاباته، وليست صِيغًا ولا جُملاً أو تراكيب.

المدرسة الحديثة

إلى هذا الحد من الغلو وصلت الحال في فهم السرقة الأدبية. ولكن على عكس المدرسة المتشددة هذه جاءت مدرسة النقد الحديث بمصطلح (التناص)، فاشتطت هي الأخرى، ولكن في التساهل والتسامح، حتى صارت لا تقرُّ، أصلاً، بوجود السرقة، وقد وصلت، في هذا التسامح المفرط، حدًّا جنح بها نحو الغلو في التساهل المتطرف أيضًا. فهي مثلاً لا ترى في نظرية بارت Barth «أنا أكتب لأني نسيت»(9) سرقة لنظرية ابن رشيق: (النسيان)، حيث عدَّه واحدًا من العوامل الموجبة لاشتراك الشعراء في المعاني. لقد لخص ابن رشيق نظريته بقوله: «إمَّا نسيانًا يمرُّ الشعر بمسمعَي الشاعر لغيره فيدور في رأسه، أو يأتي عليه الزمان الطويل فينسى أنه سمعه قديمًا. أمّا إذا كان للمعاصر فهو أسهل على أخذه إذا تساويا في الرقة والإجادة»(10)، ومعلوم أن هذه النظرية في زمن ابن رشيق ليست من المشتركات الشائعة، فهي من حق ابن رشيق وحسب.

ومن السطو الأدبي، أيضًا، نظرية (التكرار) المنسوبة للناقد الغربي (ليتش)(11)، وهي ليست، في الحقيقة، إلا نظرية عربية يسميها قدماء النقاد العرب (التداول)(12).

يشرح ابن رشيق نظرية التداول هذه بعد أن يمهد بنماذج شعرية فيقول: «ولما كثر (المعنى) هذه الكثرة، وتصرف الناس فيه هذا التصرف لم يُسَمَّ آخذه سارقًا، لأن المعنى يكون قليلاً فيحصر، ويدعى صاحبه سارقًا أو مبتدعًا، فإذا شاع وتداولته الألسن بعضها من بعض تساوى فيه الشعراء إلا المجيد، فإن له فضله، أو المقصر فإن عليه درَك تقصيره، إلا أن يزيد فيه شاعر زيادة بارعة مستحسنة يستوجبه بها، ويستحقه على مبتدعه ومخترعه... غير أن أهل التحصيل مجمعون، مع ذلك، على أن السرقة إنما تقع في البديع النادر، والخرج من العادة»(13)، ولا يختلف رأي ابن رشيق هذا عن رأي علي بن عبد العزيز الجرجاني، فهو يرى أن المعنى المخترع إذا كثر تداوُله صار في حكم الشائع العام، وتفصيل رأيه يقول(14): «فمتى نظرت فرأيت أن تشبيه الحسَن بالشمس والبدر، والجواد بالغيث والبحر، والبليد البطيء بالحجر والحمار، والشجاع الماضي بالسيف والنار، والصبّ المستهام بالمخبول في حيرته، والسليم في سَهره، والسقيم في أنينه وتألّمه، أمور متقررة في النفوس، متصورة في العقول، يشتركُ فيها الناطق والأبكم، والفصيح والأعجم، والشعر والمفحَم، حكمتَ بأن السرقة عنها مُنتَفية، والأخذ بالاتباع مستحيل ممتنع، وفصلتَ بين ما يشبه هذا ويباينُه، وما يلحق به وما يتميز عنه، ثم اعتبرت ما يصح فيه الاختراع والابتداع؛ فوجدتَ منه مستفيضاً مُتداوَلاً متناقلاً لا يعدّ في عصرنا مسروقاً، ولا يُحسَب مأخوذاً، وإن كان الأصل فيه لمن انفرد به، وأوّله للذي سبق إليه».

هذا هو المقصود بـ(التداول) الذي يسميه النقد الحديث بـ(التكرار)، وتغيير الإسم لا يغير من الحقيقة شيئًا، وهي أن هذه النظرية من حق نقادنا الأوائل، لسبقهم إليها كما كثير من المنجزات التي سبقوا إليها، لكن المحدثين - عفا الله عنهم - صرفوها عنهم، ونسبوها للأجانب، وكأنما المراد أن لا تعطى فضيلة ابتداع للسابقين من نقادنا الأوائل.

نظرية (التكرار) هذه تقوم على: «نفي أية حدود بين نصين، وتقرر، بدلاً من ذلك، مبدأ الإقتباس وتداخل النصوص باعتبار أن أي نص أو جزء من نص، معرَّض للنقل إلى سياق أخر في زمن آخر من حيث أن كل نص أدبي هو خلاصة تأليف لعدد من كلمات هي أصلاً موجودة قبله، وبعده، وقابلة للإنتقال لغيره حاملة معها تاريخها القديم، وهذا الإنتقال سيبقى مستمر الحدوث، مقيمًا سياقات جديدة لا قيود لها، ولا حدود، وما دام هذا هو شأن النص، وتفريخاته في تتابعية السياقات المتكررة؛ فهو نتاج عديد من النصوص السابقة عليه»(15).

هذه هي وجهة النظر الحديثة في تفسير التكرار المنسوبة لـ(ليتش)، وهو تفسير يوصلنا إلى نتيجة محزنة مؤداها حتمية إلغاء الإبداع، أو إنكاره أصلاً. هذه النتيجة هي الوليد الشرعي للإسترخاء والتساهل المفرط في تعامل النقد الحديث مع النصوص.

قواعد لتمييز السرقة

عندي أن القواعد والشروط التي وضعها القدماء لتمييز السرقة الأدبية هي قواعد وشروط متزنة واقعية يمكن وصفها بالعدل والإنصاف، وبموجبها يبرئون اللاحق من تهمة السرقة من السابق، فيحسن أن نلم، في عجالة، بتلك القواعد وأولها:

1- المشتركات، وهي الأمور التي يشترك فيها عامة البشر؛ كالحزن، والفرح، والخيبة من وفاء الأحبة، والحب، والكره، والوفاء، والتفاؤل، والتشاؤم، والقنوط، والشعور بالسعادة، وما شابه هذه الأحاسيس والمشاعر.

2- المرئيات، وأقصد بها تلك الأشياء التي يراها الناس كافة، كمنظر البحر والغاب والأنهار والجبال ومشاهد الصحراء، والسماء والنجوم، إلى آخر ما هنالك من مناظر الطبيعة، مما تراه وتسمعه الناس، فهذه صور شائعة عامة تخطر لكل بال، فلا غرابة أن يتشابه الشعراء في وصفها. مثال ذلك قول الشيخ يوسف أبي ذئب الخطي في وصف النياق:

ألا هل إلى وادي العراق تروح بي

وتغدو رخيَّات النسوع حيام؟

من الأرحبيات الهجان كأنها

على الآل سفنٌ في الحضارة عاموا

كأن ابن آوى موثقٌ في خفافها

إذا وطئت حصباءَ رنَّ بغام

فتشبيهه النياق بالسفن ليس بالضرورة مقتبسًا من قول طرفة بن العبد:

كأن حدوج المالكية غدوةً

خلايا سفين بالنواصف من دد

فالرجل يعيش في بلد ساحلي تكتنفه الصحراء، فهو يرى سلاسل السفن، وقوافل النياق وهي تتهادى حاملة الهوادج مشكلة صورًا لا تغيب عن عينيه.

وحتى تشبيهه وقع الحوافر بنحيط ابن آوى فهو صوت لا يستبعد أن يكون قد سمعه هو نفسه من ابن آوى، ومن حوافر الناقة، وليست بالضرورة سرقة من قول أوس بن حجر:

كأن ابن آوى موثق تحت ضرعها

إذا هو لم يكلِم بناسمه ظفرا

أو قول أوس كذلك:

كأن هرًّا جنيبًا تحت غرضتها

والتف ديك بحَقويها وخنزير

وإلا لوجب اتهام أوس بالأخذ من ذي الرمة في قوله:

كأن صليل المرو حين تشدُّه

صليل زُيوف يُنتقَدن بعبقرا

فهذا كله وصف لوقع أخفاف النياق في الحصباء، وهي صورة مشاهدة في الطبيعة.

3- اتحاد الموضوع، كاشتراك شاعرين أو أكثر في وصفٍ شيءٍ بعينه، أو مدح أو هجاء أو تأبين شخص اشتهر بصفات وأخلاق مخصوصة، أو سجايا معروفة.

4- الشياع، وهو ما سماه الأقدمون (التداول)، ويسميه المحدثون (التكرار)، وهو أن يتداول الشعراء معنى من المعاني حتى يصبح شائعًا بين الناس.

ومن أمثلته قول السيد مصطفى جمال الدين (رحمه الله):

ضمئ الشعر؟ أم جفاك الشعور؟

كيف يظما من فيه يجري الغدير؟

هذا المعنى متداول. قال أبو تمام:

وكيف احتمالي للسحاب صنيعة

بإسقائها قبرًا وفي لحده البحر؟

وقال عبد الله بن المعتز:

لست مستسقيًا لقبرك غيثًا

كيف يظما وقد تضمَّن بحرا؟

ولابن أبي حصينة في المعنى:

سَلهُ وَحاذِر مِن أَنامِلِ كَفِّهِ

غَرَقاً فَإِنَّ نَداهُ بَحرٌ طامي

وللشيخ جعفر الخطي يرثي عبد الله بن ناصر بن المقلد:

بصير له في كل جارحة فكر

جوادٌ له في كل أنملة بحر

5- الإحسان، وهي أن يأخذ شاعر معنى رديء لشاعر آخر، فيعيد صياغته بأحسن من مبتدعه، كما هو الحال بين بشار والمتنبي، قال بشار:

إذا أنشد حماد

فقل أحسن بشار

أخذ المتنبي هذا المعنى فقال:

أجزني إذا أنشِدتَ شعرًا فإنما

بشعري أتاك المادحون مردَّدا

فانظر كيف حلق المتنبي بما أسف به بشار، لكنه في موضع آخر تردى كأبشع ما يكون التردي حين أخذ معنى قول أشجع السلمي:

وعلى عدوك، يا بن عم محمد

رصدان ضوء الصبح والإظلام

فإذا تنبَّه رعتَه، وإذا غفا

سلَّت عليه سيوفك الأحلام

فقال المتنبي:

يرى في النوم رمحك في كلاه

ويخشى أن يراه في السهاد

6- الإضافة، وهي أن يتناول شاعر معنى لغيره فيضيف إليه إضافة تضفي عليه رونقًا وجمالاً، أو تضيف لمعناه شرفًا، كقول أبي حية النمرى:

فألقت قناعًا دونه الشمس واتقت

بأحسنَ موصولين كفٌّ ومعصم

فالسابق إليه النابغة الذبياني بقوله:

سقط النصيف ولم ترد إسقاطه

فتناولته واتقتنا باليد

لكن جاء النمري في بيته بإضافة حسنة هي الشمس المختبئة وراء القناع، ووصف الكف والمعصم بأنهما أحسن موصفين.

نقل المعنى من موضعه إلى موضع آخر، كقول الشاعر:

وقد كتب الشيخانِ لي في صحيفتي

شهادةَ عدلٍ أدحَضَت كلَّ باطل

يريد أن والديه خلَّفا سيماءَهما في وجهه، فنقل ابن الرومي هذا المعنى إلى الذم، وفرقه في بيتين فقال:

لك وجه كآخر الصكِّ فيه

لمحات كثيرة من رجال

فخطوط الشهود مختلفاتٌ

شاهدات أن لست بابن حلال

7- النقض، وهو أن يأتي الشاعر بمعنى ناقضٍ لمعنى سبق إليه، كقول الشريف الرضي:

رأوا ورق البيض الخفاف هشائمًا

وشَوكَ الأعالي فازعًا ومُنَزَّعا

فهو نقض لقول ابن هانئ الأندلسي:

وجنيتمُ ثمر الوقائع يانعًا

بالنصر من ورق الحديد الأخضر

وكلاهما متصرِّف في معنى قول البحتري:

حملت حمائلَه القديمةَ بقلةٌ

من عهد عادٍ غضَّة لم تذبل

فالبقلة الغضة، في سيف البحتري، ظلت كما هي عند ابن هانئ، لكنَّها انتقلت إلى ورق هشيم عند الرضي

8- التوليد، وهو ما يستلُّه الشاعر من قول شاعر آخر فيخترع منه معنى آخر جديدًا، وهو الذي عناه ابن رشيق بقوله: «والشاعر يورد لفظًا لمعنى فيفتح به لصاحبه معنى سواه لو لا هو لم يفتح»(16)، ومن أمثلته قول عبد الجبار بن يزيد الكلبي:

نفُرُّ فرارَ الشمس ممن وراءَنا

ونَدلُج في داجٍ من الليل غيهب

فقد تناوله المتنبي، وتصرف فيه مولِّدًا منه معنى آخر فقال:

وألقى الشرق منها في ثيابي

دنانيرًا تفرُّ منَ البنان

9- توارد الخواطر، وهو أن يتوارد شاعران على معنى واحد دون سابق علم لأحدهما بقول الآخر، وهذا، غالبًا، ما يقع في المعاني الشائعة المشتركة، وهو ما يلتبس، في غالب الأحيان، على كثير من النقاد فيحسبونه سرقةً، وليس بالسرقة، وإنما هو، على رأي ابن رشيق اتفاق قرائح، وتحكيك من غير أن يكون أحدهما أخذ من الآخر.

10- الاستبطان، وهو ما يستبطنه الشاعر أثناء قراءاته المتعمقة، فيتخلَّق منه نسيج ثقافته، وقوام ديباجته، وأسلوبه، ثم يستدعيه وعيه الباطن، دون وعي منه، حين يعتاده مخاض الشعر، وتلك الصور، والمعاني المستبطنة حين تتداعى على الشاعر، ساعة تجلِّياته، يكون انثِيالُها عَفوًا من غير أن ينتبه إلى ذلك، وهذا ما سبقت الإشارة إليه بأنه »النسيان« عند ابن رشيق، فهو عنده ليس في عداد السرقة؛ فهو يقول: «إمَّا نسيانًا يمر الشعر بمسمعَي الشاعر لغيره فيدور في رأسه، أو يأتي عليه الزمان الطويل فينسى أنه سمعه قديمًا أمّا إذا كان للمعاصر فهو أسهل على أخذه إذا تساويا في الرقة والإجادة»(17).

11- الالتقاط، ولا ننسى أن نضيف إلى ما تقدم ما يلتقطه الشاعر من أفواه الناس من أقوال ليست منظومة في الأصل، لكن الشاعر بموهبته، ربما استحسنها فأدخلها في شعره، قصدًا أو عفوًا، وفي ذلك تروى أقاصيص منها أن امرأة من أهل البصرة قالت لبشار بن برد: «أيُّ رجل أنت؟ كنت أسود الرأس واللحية» فأجابها: «أما علمت أن بِيض البزاة أثمن من سود الغربان؟»، فأدخل البحتري هذا المعنى في المدح فقال:

فبياض البازيِّ أحسن لونًا

إن تأمَّلتَ، من سواد الغراب

ومثل ذلك ما قيل أنه كان لأبي الأسود الدؤلي جيرانٌ يؤذونه برجمه بالحجارة ليلاً، فشكاهم فقالوا: «لسنا نرجمك، وإنما يرجمك الله»، فقال: «كذبتم، لو رجمني الله لما أخطأني، وأنتم تخطئون»، فوجد هذا المعنى في قصيدة أبي تمام في مدح المعتصم بفتح عمورية، وهو قوله:

رمى بك الله بُرجَيها فهدَّمها

ولو رمى بك غيرُ الله لم يُصِبِ

وهذه المواقف وشبيهاتها ربما علقت بذهن أكثر من شاعر، ولذا يصعب الحكم بالسرقة.

12- التضمين، وهو عند نقدة الشعر القدماء، أربعة ضروب؛ مرادنا منها هنا الأول وهو ما يسمى (الاستعانة)، وهو أن يستعين الشاعر ببيت لغيره على سبيل التمثُّل، ويشترطون لهذا الضرب أن يمهِّد الشاعر للبيت المراد الإستعانة به تمهيدًا لطيفًا يدل على أن البيت ليس له، كي يتَّقِيَ مَضَنَّةَ السرقة إذا كان البيت غير مشهور، كما في تمهيد الشيخ جعفر الخطي بقوله يستمنح تتنا من بعض أصدقائه:

ما كان عذركما؟ قولا لأسمعه

فإن تتنكما من أعطم التتن

لو سمتمانيه بيعًا كنت جئتكما

سعيًا بما شئتما فيه من الثمن

إني لأنشد، إذ خيبتما أملي

بيتًا لبعض ذوي الأفهام والفطن

ما كنت أول سار غرَّه قمرٌ

ورائد أعجبته خضرة الدمن

فالبيت الأخير ليس له، وإنما هو للحريري صاحب المقامات، ومعه بيت ثان هو:

فاختر لنفسك غيري إنني رجل

مثل المعيدي فاسمع بي، ولا ترني

وهكذا جاء بيت التمهيد بمثابة إقرار من الخطي بأن البيت المنشد ليس له كما نفعل نحن اليوم بإثبات المصادر في أبحاثنا

ومع ذلك فينبغي أن يتجنًّب الشاعر هذا التمهيد إذا كان البيت مشهورا وإلاَّ عدوه سارقًا، أو قليل الإطلاع، وهذا غريب، مع أنهم يُجيزون له التصرف بتغيير بعض أجزاء البيت الذي استعان به.

13- المعارضة، ومن الأمور المسوغة للشاعر، علاوة على ما سلف، المعارضة: وبعضهم يسميها النقيضة، والمجاراة، وقد سبق الحديث عنهما.

14- المساجلات، والمطارحات، وهي أن ينشئ الشاعر أبياتًا أو قصيدة يساجل فيها شاعرًا آخر، وفي هذه الحال لا بد أن تكون المعاني متعالقة بين القصيدتين.

تلك هي الأسس التي تعارف عليها المنصفون من نقادنا القدماء. بها يميزون بين السرقة وغيرها لدى الشعراء، فليس كل معنى مسروق، ولا كل لفظ سطو أو إغارة. أما السرقة فأهم أدلتها عندهم أخذ البيت أو شطر منه دون التمهيد الذي ذكرناه، وتقصير الآخذ عن مدى المأخوذ منه. أما إذا تفوق الآخذ على المأخوذ منه في رشاقة اللفظ، أو شرف المعنى فهم يعدُّونه أحق بالبيت من السابق إليه بفضيلة تفوق الآخذ، وتقصير المأخوذ عنه.

الخلاصة

بعد هذا هل يمكن القول بأن لدى شعراء هذا العصر إبداعٌ خارج عن الموارد التي ذكرنا؟ لا أظن أن بالإمكان إخراج الشعر المعاصر منها إلا إذا قطعنا صلته بالحياة. أما إذا اعترفنا بأن الشعر، كغيره من الفنون الإنسانية، نَتاج مؤثِّرات ثقافية متراكمة تكوَّنت لدى الشاعر بفعل احتكاكه بعوامل التأثير في بيئته ومحيطه، فمن الطبعي أن تتمازج ثقافات الشعراء بقدر ما يتاح لهم من اطلاع بعضهم على نتاج البعض الآخر. من هنا تأتي صعوبة التسليم بخلو مصطلحي «الإبداع، والتناص» من التحفُّظ، ويكون من الإسراف في التجني اتهام أي شاعر بالسرقة ما لم نقم بدراسة الشعر دراسة متأنية متوخين تطبيق القواعد النقدية التي ذكرنا، أو أن نكون قد غضضنا الطرف عن مسلمة ثابتة مؤداها أن الثقافة الإنسانية أشبه بالنهر يستقي من روافد متعددة متصلة متشابكة، وبموجب هذه المسلَّمة تكون ثقافة الشاعر مزيجًا من ثقافات متعددة لا بدَّ أن تُستدعى عفو الخاطر لحظة مخاض القصيدة شاء الشاعر أم لم يشأ، ولعل هذا هو السر الذي تنبه إليه النقاد القدماء من مسألة السرقة في الشعر، وأغفله، وما يزال، كثير من المتأدبة المحدثين.

(1) المنصف (في الدلالات على سرقات المتنبي)، ابن وكيع التنيسي، دراسة وتحقيق حمودي زين الدين عبِد المشهداني، عالم الكتب، بيروت، الطبعة الأولى، 1414هـ 1992م، ص: 190.

(2) نفسه، ص: 195.

(3) نفسه، ص: 320.

(4) نفسه، ص: 320.

(5) نفسه، ص: 183.

(6) نفسه، ص: 153.

(7) الوساطة بين المتنبي وخصومه، علي بن عبد العزيز الجرجاني، تحقيق وشرح أبي الفضل ابراهيم، وعلي محمد البجاوي، المكتبة العصرية، صيدا وبيروت، بدون تاريخ، ص: 214 - 215.

(8) التناص، مقال عن سرقة إيليا أبي ماضي قصيدة الطين من الشاعر النبطي علي الرميثي، عبد الحميد المحادين، مجلة البحرين الثقافية، العدد الثاني، اكتوبر 1994م، جمادى الأولى 1415هـ. ص: 66 وما بعدها.

(9) نفس المصدر.

(10) قراضة الذهب في نقد أشعار العرب، الحسن بن رشيق القيرواني الأزدي، تحقيق د. منيف موسى، دار الفكر اللبناني، بيروت، الطبعة الأولى، 1991م، ص: 78.

(11) التناص، عبد الحميد المحادين، سبق ذكره.

(12) قراضة الذهب، مرجع سابق، ص: 41.

(13) قراضة الذهب، مرجع سابق ص: 20 - 21.

(14) الوساطة بين المتنبي وخصومه، سبق ذكره، ص: 183 – 188.

(15) التناص، عبد الحميد المحادين، سبق ذكره.

(16) قراضة الذهب، مرجع سابق ص: 41.

(17) قراضة الذهب، مرجع سابق، ص: 78.
مدير التحرير
295319