فن من الطائف المأنوس
حماد السالمي * - 9 / 9 / 2008م - 3:26 م - العدد (42)

الفن ولد في اليمن. وتربى وترعرع في الحجاز، وبكى في العراق، ورقص في مصر، ومات في السودان. هكذا يقول الأقدمون من أهل الفن الأصيل حينما يتتبعون رحلة وتاريخ السلَّم الموسيقي في الوطن العربي، ونحن نتحدَّث عن ظاهرة غنائية صوتية نسائية ظهرت في الحجاز حيث ظل الفن، وما زال، يتربى ويترعرع فيه، وبالتحديد في الطائف، ولكن سرعان ما نسيها أولئك الذين ينفرون من الفن، بعمومه، لأسباب تخصهم، أو يمنحون اهتمامهم للفنانين من الرجال دون التفات للفنانات القديرات حتى ولو تفوقن على الذكور، ولعل للتركيبة الفكرية الذكورية. والثقافة المنحازة للرجل في كل شيء دخل في ذلك.

أكتب عن فنانة شهيرة من الطائف هي (ابتسام لطفي). لأنها معروفة مشهورة حتى في الخليج العربي، ومصر، والمغرب، والطائف، مثل بقية مدن الحجاز، ما زالت تتوفر على بيئة ثقافية واجتماعية وفنية تسهم في تربية وصقل الفنانين جيلاً بعد جيل؛ فمنها ظهر الراحل طلال مداح (رحمه الله)، والموسيقار الكبير طارق عبد الحكيم، وعبد الله محمد (رحمه الله)، وعبد الله مرشدي، وعلي شيخ، وعبد الله رشاد وغيرهم كثير.

ولدت الفنانة (ابتسام لطفي) عام 1951م في الطائف في حي البخارية، واسمها الحقيقي هو (خيرية قربان عبد الهادي). أما الاسم الأول فهو اسم الشهرة الفني؛ سماها به طلال مداح (رحمه الله)، وكانت أول أغنية لها: (بتقلي فات الأوان) من كلمات لطفي زيني، وألحان طلال مداح، وقد غنت في مشوارها الطويل القصائد القديمة، والحديثة، والفلكلور، وكتب لها شعراء كبار مثل أحمد رامي، وفاروق شوشة، والأمير بدر بن عبد المحسن، وراضي صدُّوق، وإبراهيم خفاجي. كما لحن لها السنباطي، من مصر، وعبد الحميد إبراهيم، من المغرب، وطلال، ومحمد عبده، وآخرون من الكويت.

كتب عنها الأستاذ (علي فقندش) في كتابه: (نساء من المملكة العربية السعودية) فأنصفها، وعنه أخذت، في هذا المقال، بعض معلوماتي البسيطة عن فنانة لا ندري أين هي اليوم؟ خاصة بعد وفاة والدتها (رحمها الله). هل لفتها الأحزان فلم نعد نسمع ذلك الصوت الشجي الذي ألفناه في السنوات الجميلة؟

أتذكر ابتسام لطفي وهي تغني في الإذاعة قبل سنوات خلت، وفي بساتين المثناة وحدائقها، فأتذكر الصوت العذب الرخيم لمطربة سعودية طائفية كانت كفيفة البصر منذ الصغر. وقدمها للساحة الفنان طلال مداح (رحمه الله).

في عام 1970م زارها الشاعر الكبير أحمد رامي في منزلها بجدة، فأعجب بقوة وجمال صوتها، وحسن أدائها، وقال: هي كوكب الجزيرة، وشادية العرب. وسماها: (أم كلثوم الصغيرة) مقاربة لها مع كوكب الشرق الفنانة الكبيرة أم كلثوم (رحمها الله)، وكان السنباطي لحن لها، وقال: هي من أفضل جيل أم كلثوم، وفيروز، وسعاد محمد، وامتدحها كثيراً محمد الموجي.

قدمت في مشوارها الفني عشرات الأعمال المميزة، فغنت لـ 36 شاعراً، و20 ملحناً. من المملكة والكويت ومصر والمغرب، وصوتها ما زال منتشراً على مستوى الوطن العربي كله. فهل ننسى صوت أم كلثوم الصغيرة؟ خاصة وهي من الطائف المأنوس..؟!

نائب رئيس النادي الأدبي بالطائف
232138