نقشٌ شاهديٌّ من القطيف
محمود بن يوسف سليمان الهاجري * - 9 / 9 / 2008م - 3:41 م - العدد (41)

تعود أقدم الشواهد الكتابية في المنطقة الشرقية للملكة العربية السعودية إلى الألف الثاني والأول قبل الميلاد ويتمثل ذلك في النص الثمودي الذي عثر عليه بأحد المدافن جنوب الظهران، أعقبه ظهور الخط المسند الجنوبي على شواهد عديدة عثر عليها بمواقع عدة بالمنطقة أبرزها ما عثر عليه بموقع ثاج الأثري، أما في الفترة الاسلامية المبكرة فتكاد تكون معدومة، فإلى الوقت الحاضر لم يصلنا أي نتاج عن تلك الفترة.

ومابين أيدينا نقش شاهدي تم انتشاله من مقبرة الحباكة بالقطيف(1) يرجع للفترة الإسلامية المتأخرة وبالتحديد منتصف القرن التاسع الهجري وهي فترة قليلة المصادر ومهملة تاريخياً، وسنتحدث عنها بإيجاز مما توفر لنا منها تمهيداً لقراءة النص، وعلى الرغم من قلة المعلومات الموجودة على الشاهد إلا أنه يعتبر مكسباً علمياً جيداً ويعكس الثقافة بجميع أصنافها كما يكشف لنا نوع الخط السائد في المنطقة، كما تعد وثيقة مهمة يعتد بها مستقبلاً في كتابة تاريخ المنطقة.

 ويعتبر هذا ثالث نقش من حيث الأسبقية التاريخية – حسب علمي -، فقد سبق وأن قدمت دراسة لنقش تأسيس مسجد بالقطيف تم العثور عليه بنفس المقبرة، يسبقه بمائة عام تقريباً(3).

وقدم الأستاذ الدكتور أحمد الزيلعي دراسة لنقش شاهدي لامرأة من القطيف مؤرخ بعام 801هـ، ذكر أنه من القطيف من غير يقين(2).

فترة الشاهد

إن التاريخ المدون على الشاهد 837هـ والتي تشير المصادر فيها أن القطيف والأحساء والبحرين في تلك الفترة خضعت لحكم آل جروان منذ عام 805هـ، حيث انتزعت السلطة من آل عصفور من بني عامر اللذين حكموا المنطقة بعد سقوط الدولة العيونية عام 636هـ، ويبدو أن مواجهة حدثت بين الطرفين (ففي عام 805هـ حدثت انتكاسة مروعة في تاريخ دولتهم -أي بني عصفور- وبعد مايزيد على مائة وخمسين عاماً على نشأتها اذ قام شخص يدعى جروان باقتطاع جزء من دولتهم والاستقلال به عن طريق القوة العسكرية كما اقتسم فيروز شاه -سلطان هرمز- الجزء الأعظم منها واستمر سلطانه فيها وفي الأحساء والقطيف وهرمز حتى سنة 819هـ ثم اعقبه ابنه سيف الدين مهار الذي استمر حكمه الى سنة 840هـ) وتشير المصادر أنه بعد وفاة جروان (خلفه ابنه ناصر ثم تلاه ابنه ابراهيم الذي كان حياً عام 820هـ)، كما أن هناك مصادر تتحدث عن تاريخ 705 هـ كبداية لحكم آل جروان، حيث قضى جروان هذا على سعيد بن مغامس بن سليمان بن رميثة.

وقد تميزت فترة الجروانيين على الرغم من قصرها بازدهار العلوم الإمامية حيث برز العديد من علماء المنطقة في تلك الفترة كالشيخ أحمد بن الشيخ عبدالله بن محمد بن علي بن حسن بن متوج البحراني والشيخ جمال الدين حسن المطوع الجرواني - ت بعد سنة 806 هـ والشيخ ناصر الدين ابراهيم بن نزار الأحسائي، وقد يعكس هذا الشاهد الازدهار المذكور مع ندرة هذه النقوش في فترات مختلفة، وقد ذكر السخاوي (بأن الجروانيين يعتبرون بقايا من القرامطة وهم اسماعيليون)، ولم تدم فترة حكم آل جروان طويلاً إذ لم يلبث أن استعاد بنو عامر انفاسهم منتصف القرن التاسع الهجري بزعامة الجبور اللذين سيطروا على اقليم البحرين حيث قتل سيف بن زامل الجبري آخر حكام آل جروان واستولى على الحكم وخلفه أخوه أجود بن زامل الذي استطاع تخليص الأقليم من سيطرة حكام هرمز لفترة من الزمن.

من هنا نستطيع القول أن هذا الشاهد نقش في آواخر حكم ابراهيم بن ناصر الجرواني أو من تلاه من الحكام، وكذلك آواخر حكم سلطان هرمز سيف الدين مهار 819 - 840 هـ الذي كان يبسط سيطرته على موانيء البحرين والأحساء والقطيف، وهي سيطرة اقتصادية غير مباشرة في أغلب الأحيان.

الشاهد

نقش على حجر جيري مستطيل الشكل مقوس من الأعلى، يبلغ ارتفاعه 49 سم وعرضه 27 سم، سماكته 6 سم نقش من الجانبين، ويندر تنقش الشواهد من الجانبين.

نقش على وجه الشاهد أسم المتوفى وتاريخ وفاته والدعاء له في ثلاثة أسطر بحروف بارزة.

أما ظهر الشاهد فقد تمثلت بآيات قرآنية في ثلاثة أسطر أيضاً، تعرض للكسر في الجزء العلوي للشاهد مما تسبب في تلف بعض الحروف(3)، وذلك يعود لرداءة نوع الحجر لتميزه بالهشاشة، يمكن ملاحظة ذلك على بعض الكلمات التالفة بظهر الشاهد بفعل عوامل التعرية والمناخ.

والنص كما يلي:

وجه الشاهد:

1- توفي الراجي للمجير بشير في

2- شهر ربيع الأخر سنة سبع وثلثين وثماني ماية

3- هجرية يغمده الله تعالي برحمته

ظهر الشاهد:

1- لا يحزنهم الفزع (الأكبر) (وتتلقا)

2- هم الملائكة هذا (يومكم) (الذي)

3- كنتم توعدون، أدخلوها بسلام آمنين

الكلمات داخل الأقواس غير واضحة على ظهر الشاهد وأمكن التعرف عليها من سياق الآية الكريمة كما سيأتي.

الجانب الفني:

كتبت كلمات الشاهد بحروف بارزة بخط الثلث بجمال واتقان في الخط، في ثلاثة أسطر ¸كل سطر منها داخل إطار مستطيل نقشت كلماته بأسلوب بسيط بعيد عن التعقيد والتداخل وأسلوب التموج، بحيث تستغل جميع الفراغات المتاحة للناقش، كما أن الفراغ المتوفر أيضاً يحدد وجود النقط والتشكيل من عدمها، وخلا الشاهد من العناصر الزخرفية للأحرف والاطار المحيط بالنص. بلغ عرض كل سطر 9.5 سم، وحد فاصل- عرضه 1.5 سم مابين السطر والأخر، وقد برع الناقش في الحفر، نرى ذلك في عمق الحفر الذي يصل أحياناً 0.5 سم في مساحات ضيقة خاصة إذا ماعلمنا برداءة وهشاشة هذا النوع من الحجارة.

(ويعد خط الثلث من أروع الخطوط العربية جمالاً وأصعبها، كتابةً و اتقاناً وتتعدد أشكال معظم الحروف فيه ويمتاز بكثرة المرونة، وهناك نوع آخر من الثلث وهو الجلي الثلث.

ويقتصر استعمال خط الثلث على كتابة المصاحف وعناوين الكتب والآيات والأحاديث والعبارات التجميلية وعادة ما تزخرف به المساجد، ويأخذ خط الثلث وقتاً طويلاً في الكتابة، وقد لوحظ من التاريخ المنقوش على الشاهد عام 837هـ أن تلك الفترة هي فترة ازدهار للخط العربي في جميع أقطار العالم الإسلامي ونستدل من ذلك براعة خطاطي المنطقة في تطويع الخط على الشاهد خاصة وأنه نقش على الحجر).

تحليل النص

- بالنسبة لافتتاحية النقش فقد اتخذ الكاتب أو الناقش اسلوب السجع مابين الوصف أو اللقب والاسم حيث حاول التوفيق ما بينهما من خلال حرفي الياء والراء بنهايتهما (الراجي للمجير) و(بشير)، ونرى أمثلة كثيرة لهذا الأسلوب على الشواهد الحجازية كالراجي عفو ربه والفقير إلى الله تعالى وغيرها من شواهد القرن السابع الهجري وما بعده.

اسم صاحب الشاهد (بشير) جاء غير كاملاً وهو الأسم الأول فقط، وهذا من غير المتعارف عليه في كتابة الشواهد إذ أن الوظيفة الأساسية للشاهد إعلامية، لذا فقد يتبادر للذهن عن سبب إغفال الناقش لنسب المتوفى، هل هو لعدم معرفة نسبه أم هو من الموالي أو قد يكون غني عن التعريف لمكانته الاجتماعية.

مهما يكن فإن وجود الإسم الأول فقط يدل على الإكتفاء بمعرفة الشخص المعني بالنسبة للمتلقي، كذلك يدل على عدم شيوع هذا الإسم وإلا لاستوجب التمييز، ولا نعلم عن المكانة الإجتماعية التي يتمتع بها المذكور وإن كنا نعتقد بعلوها بحيث تسمح له امكاناته بنقش شاهد لقبره ويعف عنها غيره.

أما تاريخ الشاهد (في شهر ربيع الآخر سنة سبع وثلثين وثماني ماية) فقد جاء بالسطر الثاني أي بوسط الشاهد وهو خلاف المتعارف عليه حيث يذيل الشاهد غالباً بالتأريخ، وقد نقش التاريخ كاملاً، أحرفاً وليس أرقاماً، الشهر والسنة وأغفل اليوم، والسنة جاءت في كلمتين منفصلتين - ثماني ماية -، ثم جاء تذيل الشاهد بالدعاء له بعبارة (تغمده الله تعالى برحمته) جاءت النقطتين في كلمة (تغمده) أسفل الكلمة بحيث أصبحت تقرأ (يغمده) ربما لضيق المساحة أو لخطأ لغوي.

أما بالنسبة لظهر الشاهد فقد ورد به الآيات القرآنية في ثلاثة أسطر قد أنهكتها عوامل المناخ وأثر ذلك على غالبية النص ويتضح منه فقط بضع كلمات استطعنا من سياقها معرفة الآية الكريمة، الآية ﴿لاَ يَحْزُنُهُمُ الْفَزَعُ الأَكْبَرُ وَتَتَلَقَّاهُمُ الْمَلاَئِكَةُ هَذَا يَوْمُكُمُ الَّذِي كُنتُمْ تُوعَدُونَ الآية 103 سورة الأنبياء، هذه الآية وردت ببعض الشواهد الحجازية خاصة شواهد القرن الرابع الهجري كالشاهد رقم 348 - 413 (12)، الآية الأخرى ﴿ادْخُلُوهَا بِسَلاَمٍ آمِنِينَ الآية 46 سورة الحجر وهي كثيراً ما ترد على شواهد القبور.

المصادر:

1 - يوريس زارنيس - علي المغنم - محمود كمال 1404 هـ. 1984م، تقرير مبدئي عن حفرية جنوب الظهران / الموسم الأول 1403هـ.1983م - الأطلال 8.

2- محمد صالح قزدر - دانيل ت. بوتس - اليستر ليفجستون 1404هـ. 1984م، تقرير عن أعمال ونتائج الموسم الأول لحفرية ثاج / 1403هـ. 1983م - الأطلال 8.

3- الهاجري، محمود يوسف 2000م، القطيف في القرن الثامن الهجري – مجلة الواحة. الربع الثالث. العدد 18

4- الزيلعي، أحمد عمر 1423هـ، نقش إسلامي لامرأة من القطيف بمتحف الدمام، مجلة أدماتو - العدد السادس 2002م

5- النزر، خالد 2005م، آل عصفور في إقليم البحرين - مجلة الواحة. العدد 37.

6- العبد القادر، محمد بن عبدالله بن عبدالمحسن 1379هـ. 1960م، تحفة المستفيد بتاريخ الأحساء في القديم والجديد.

7- العبدالقادر، محمد بن عبدالله بن عبدالمحسن 1379هـ. 1960م، المصدر السابق.

8- آل رمضان، جواد حسين آل الشيخ علي 1419هـ - 1999م، مطلع البدرين في تراجم علماء وأدباء الأحساء والقطيف والبحرين، الجزء 1 - 2.

9- الخليفة، مي محمد 1999م، من سواد الكوفة إلى البحرين.

10 – رأي خاص غير منشور للأستاذ الفنان ابراهيم الهبوب.

11- الخليفة، خليفة عبدالله، عبدالله بن سليمان الهدلق، عبدالعزيز بن فهد النفيسة 1425 هـ - 2004م، أحجار المعلاة الشاهدية بمكة المكرمة.

12- الخليفة، خليفة عبدالله، عبدالله بن سليمان الهدلق، عبدالعزيز بن فهد النفيسة 1425 هـ - 2004م، أحجار المعلاة الشاهدية بمكة المكرمة.

الهوامش:

(1) تفضل الأستاذ / محمد حسين رضوان بإهدائه للمتحف الإقليمي بالدمام بعد زيارة الكاتب له برفقة الزميل الأستاذ موسى رضوان، ولدي قناعة بوجود الكثير من الشواهد والوثائق ننتظر ظهورها لتضيف لنا بعض الحقائق المهمة في تاريخ المنطقة.

(2) أعتقد أن النقش الذي قدمه الدكتور الزيلعي حجازي لوجود ما يماثله من حيث النصوص والعناصر الزخرفية بشواهد مقبرة المعلاة بمكة المكرمة (انظر كتاب أحجار المعلاة الشاهدية بمكة المكرمة شاهد رقم 380 - 420).

(3) حاول مالكه ترميمه بشكل لا بأس به . كما نشير لتعرض الشاهد لبعض مواد البناء والتي لا يمكن إزالتها لصلابتها.
كاتب - متحف الدمام الإقليمي - السعودية
322891