في شرق الجزيرة العربية
مسكوكات ما قبل الإسلام
نزار عبدالجبار * - 9 / 9 / 2008م - 3:43 م - العدد (41)

الكاتب: د. دانيال توماس بوتس (Daniel Thomas Potts).

صدر عن دائرة الثقافة والإعلام بالشارقة سنة 1998م النسخة العربية من الكتاب بترجمة الدكتور صباح عبود جاسم، ويقع الكتاب في (308 ص) من الحجم الكبير.

الكتاب من الكتب المهمة في علم النميات Numismatics لشرق الجزيرة العربية، وربما يكون الأول والوحيد في ذلك. ولأهميته سوف نستعرضه بشي من التفصيل.

كان الاعتقاد سابقاً أن الجزيرة العربية - وخاصة الجانب الشرقي منها - لم تسك عملات خاصة به في حقبة ما قبل الإسلام، وهذا ناجم عن جهل بحضارات الجزيرة العربية وشرقها، وعدم الاهتمام بها، وندرة الاكتشافات؛ بسبب قلة التنقيبات، والمسوحات الأثرية حيث كان الإتجاه الأثري منصبًّا على بلاد الشام، والعراق، ومصر، واليمن. ولكن أثبتت الدراسات الحديثة أن شرق الجزيرة العربية سكت عملات خاصة به.

تمكن بوتس من الإطلاع على الكثير من عملات شرق الجزيرة العربية التي تعود إلى ما قبل الإسلام، وذلك بفضل اشتراكه في بعثات تنقيبية في المملكة العربية السعودية، وبعض من بلدان الخليج العربي، واطلع على مجموعات خاصة لأشخاص، وكذلك على بعض من المجموعات في المتاحف العالمية مثل: (المتحف البريطاني)، وواصل اطلاعه على ما هو موجود في بعض الجمعيات الأجنبية مثل: >جمعية النميات الأمريكية<، وقد أعجب بتلك المجموعات، مع أنه كان -فيما سبق- لا تثيره تلك العملات. بوتس هو أحد الباحثين الآثاريين والمتخصصين بآثار شرق العربية، وعمل في كثير من الحفريات الأثرية، وأخذ على نفسه الاهتمام بتلك المسكوكات، ودراستها، فخرج إلى النور كتابه هذا.

احتوى الكتاب على دراسة ووصف وتحليل لـ(985) مسكوكة جاءت جميعها من مواقع في شرق الجزيرة العربية. تنوعت الإصدارات بفئاتها، واختلفت في تسلسلها الزمني، وتنوعت مادة صنعها.

في بداية الكتاب استعرض المؤلف، بشكل مختصر، مصادر عملات شرق الجزيرة العربية حيث جاءت عملات الدراسة من منطقتين وهما:

1- المنطقة الشرقية

من المملكة العربية السعودية وشملت على المواقع التالية:

* ثاج: من أهم المواقع الأثرية بالمملكة العربية السعودية، ويعد أكبر موقع هلينستي معروف في المنطقة الشرقية حتى الآن، وتقع ثاج على بعد 95 كم تقريباً غربي مدينة الجبيل، وعلى بعد 150كم تقريباً إلى الشمال الغربي عن مدينة الظهران، وعلى بعد 300 كم عن مدينة الدمام، عند خط طول 33 43 48شرقاً، وخط عرض 38 22 26 شمالاً، ويعتقد بان ثاج كانت أحد مراكز سك العملة للعدد الكبير من العملات المكتشفة، واكتشاف بعض من قوالب سك العملة، فخلال اشتراكي بالتنقيب في موقع ثاج لعدة مواسم كشفنا عشرات من تلك العملات لم تدرج في دراسته لحد الآن.

* جاوان: أحد المواقع الأثرية المهمة ويقع ضمن نطاق المواقع الأثرية بالقطيف، ويتكون من تل استيطاني كبير، وكشف به عن بعض المدافن، وشواهد قبور، كما عثر على كمية لا باس بها من العملات.

* الشعبة: تقع الشعبة شمال شرق واحة الهفوف، وهي قرية من قرى الأحساء، وكان الموقع مصدراً لألفي مسكوكة على الأقل ضمت مسكوكات إسلامية، وما قبل الإسلام.

* منجم الملح: مستوطنة واسعة، وتم العثور بها على مدافن، وتقع على بعد 25كم شمال غرب العقير.

* جبل كنزان: يمثل هذا الموقع منطقة واسعة من تلال المدافن القديمة، وأنقاض مستوطنة تحيط بها كثبان رملية، ويحتوي الموقع على قاع بحيرة متحجرة، والموقع يقع بالقرب من مدينة الهفوف، وتم الكشف فيه عن مئات من العملات، كما أنه تم اكتشاف ثمان سبائك نحاسية، وعند تحليلها وجد أن الموقع يحتمل أن يكون مكانًا لسك العملة.

2- الإمارات العربية المتحدة:

* الدور: يعتبر موقع الدور من أكبر المواقع الأثرية التي تعود إلى الفترة البارثية والساسانية الواقعة في جنوب الخليج العربي. عثر في هذا الموقع على مبانِ سكنية كبيرة، ومئات من المدافن، وعلى كثير من المعثورات الأثرية.

* مليحة: تقع مليحة على مسافة 50كم شرق الشارقة، وتم التنقيب فيها من قبل عدة بعثات، وعرفت مليحة فترة من الزمن بأنها من أهم مواقع الفترة السلوقية في جنوب شرق الجزيرة العربية.

صنف بوتس الدراسة إلى عدة أصناف، وهنا نستعرض أهم تصنيفات المؤلف مع شرح ما يلزم ذلك، وهي كما يلي:

1- مسكوكات أبياثة:

وُصِف هذا النوع أول مرة من قبل العالم (هيد) عام 1880م.

الوصف:

يظهر على الوجه رأس هرقل مرتدياً فروة الأسد النمي وهو ينظر نحو اليمين، وتظهر حاشية من النقاط، وفي الظهر يظهر شخص متوج يمثل زيوس(1) >كما كان يظهر في مسكوكات الإسكندر< يظهر الشخص بدون لحية، ويتجه نحو اليسار، وذو شعر طويل وهو عارِ من منطقة الخصر فما فوق، قدماه ملفوفتان بغطاء فضفاض، ذراعه اليسرى منحية، وتلتف حول عصا. توجد قصبة رفيعة مسكوكة بين الإبهام والسبابة المنحية، تظهر الأقدام مستقرة على كرسي. كما توجد كلمة (بيت) خلف زيوس بخط المسند الجنوبي. وظهر العملات المكتشفة في جبل كنزان يظهر زيوس رشيقًا جدًّا، أو هزيلاً وأمامه حرف (أ) بخط المسند. وبعض من الدوائر خلف زيوس. وعملة ثاج ذات وزن 16.71غرام، بقطر 2.1سم وذات قيمة أربعة (دراخما).

ومجموعة العملات المكتشفة من هذا النوع تبلغ ثلاث عملات (1/ ثاج، 2/ جبل كنزان). ومادة الصنع الفضة.

2- مسكوكات (أب) آبي إيل(2):

ظهرت الإصدارات المضروبة من قبل الملك المسمى >آبي إيل< لأول مرة خلال موسم التنقيبات عام 1934م في سوسة.

مجموعة العملات المكتشفة من هذا النوع تبلغ ثلاث عملات (1/ ثاج، 2/ جبل كنزان).

الوصف:

يظهر على الوجه رأس هرقل(3)، ويبدو أكثر تشويهاً من صورة الإسكندر الأصلية، وفك الأسد بارز على نحو خاص على شكل شبه دائرة منحية تحيط بأذن هرقل، ومازالت ملامح الوجه تتسم بالواقعية بالمقارنة مع العديد من الأنواع، ويظهر في الظهر شخصٌ متوج وهو يشبه ما هو موجود في مسكوكات أبياثة، ولكن هناك بعضًا الفروق بينها، منها: لم يعد الشخص >زيوس< يمسك قصبة في يده اليمنى الممتدة، ولكنه - بدلاً من ذلك - يقف حصان صغير على يده، واستبدلت علامة الألف بشجرة نخيل ذات هيئة تجريدية لعلها ترمز للحياة والبقاء عند سكان شبه الجزيرة العربية، ويوجد نقش آرامي ترجم إلى >آبي إيل<، والعملات مصنوعة من معدن الفضة.

3- أوبولات ذات علاقة بإصدارات آبي إيل:

عددها أربع عملات (3/ ثاج، 1/ جبل كنزان).

الوصف:

لا يعني أنها ضربت من قبل >آبي إيل<، ولكنها اعتبرت ذات علاقة بإصداراته، وذلك بسبب ظهور الحصان الذي يقف على يد >زيوس<.

4- دراخمات عليها صورة نايكه(4):

مجموعة من الدراخمات الفضية.

الوصف:

في الوجه صورة هرقل مشوه يرتدي فروة الأسد النمي، وتختلف ملامح الوجه، وخصلات شعر الأسد عن عملات الدراخمات الرباعية لـ>آبي إيل و أبياثه<.

يظهر على الظهر زيوس وفي يده اليمنى طير، وهو النسر الذي يوجد على عملات الإسكندر، ونلاحظ صور مختلفة وفريدة إلى نايكه بوضعية مصغرة تقدم إكليلاً أمام زيوس الجالس على العرش. وأن استعمال نايكة بهذه الطريقة ربما مستوحىً من المسكوكات السلوقية في القرن الثاني ق. م.

5- أوبولات فضية مشوهة لآبي إيل:

درس بوتس ما يقارب من (17) عملة متنوعة من ثاج، وجاوان، وجبل كنزان، والشعبة، والدور.

الوصف:

صور خشنة إلى حد بعيد على الوجه، وفي الظهر زيوس بشكل بسيط ينظر نحو اليسار، ويمسك بيده اليسرى الصولجان، وعلى يده اليمنى نسر، وأمام ركبتيه نخلة ناعمة، ولا يظهر أي نص كتابي ما عدا في ثلاث عملات يظهر بقايا ضئيلة لنقش غير واضح.

6- أوبولات فضية مشوهة لآبي إيل:

تم فصل هذا الصنف عن الصنف رقم (5) بسبب وجود فروق واضحة من حيث الأسلوب، فنجد هنا وجه الشخص ذا طابع أكثر تشكيلية، وصور على هيئة مجموعات من الأشكال المنفردة، وحل محل النخلة سعف النخلة بثلاث دوائر وضعت بدقة في شكل ورقة برسيم فوق جذع النخلة، وجزء من نقش مكتوب وهو غير مقروء.

7- أوبولات فضية مشوهة لآبي إيل:

تم فصلها عن غيرها بسبب أن الشخص الجالس على العرش “زيوس” يواجه اليمين وليس اليسار، وجميع العملات المكتشفة، وعددها (5) عملات، وجدت في ثاج.

8- دارخمة فضية مشوهة لآبي إيل:

هذه العملة فريدة من نوعها بسبب الأسلوب التجريدي في العملة، ولا يوجد ما يوازيها لفترتها، يظهر على الوجه رأس مزيف لهرقل يواجه اليمين، وعلى الظهر زيوس جالس على العرش يواجه اليسار، ومصدرها “الشعبة”.

9- نسخ مشوهة ذات علاقة بأوبولات فضية مشوهة لآبي إيل:

ثلاث مسكوكات، يظهر الوجه خاليًا، وفي الظهر يظهر الشخص الجالس على العرش يواجه اليمين.( 1/ ثاج، 2/ جبل كنزان ).

10- أوبولات متنوعة ذات إيحاء سلوقي:

ثلاث مسكوكات ( 1/ جاوان، 2/ جبل كنزان) يظهر على الوجه صورة مستوحاة من حاكم سلوقي ذو أنف بارز، وذقن نحيف. وربما تكون الصورة أقرب إلى انطوخيوس الأول، علامة غير واضحة من المحتمل أن تكون نخلة تظهر أمام ركبتي الشخص، وجزء من كتابة منقوشة من المحتمل أن تكون اسم الإسكندر.تمتد بصورة عمودية إلى أسفل الجهة اليمنى للمسكوكة.

11- أوبولات سلوقية ذات كتابة (شمس):

يظهر على الوجه وجه رأس هرقل يرتدي فروة الأسد النمي، وفي الظهر شخص جالس على العرش بشكل رديء للغاية يقف على يده اليمنى النسر الممتدة إلى الخارج، وهناك نقش مكتوب يمتد بصورة عمودية أسفل الجهة اليمنى من المسكوكة مكتوب “الإسكندر”، ويمكن قراءة (شمس) بحروف خط المسند الجنوبي أمام ركبتي الشخص.

11- أوبولات (شمس) ذات إيحاء سلوقي:

مسكوكتان تختلفان عن سابقاتها بسبب ظهور صورة الوجه متطابقة، نسبيًّا، مع الأصلية إلاّ أن الشخص الجالس على العرش في الوجه أكثر علاقة من أولئك الأشخاص المزيفين الذين نراهم على العديد من الأصناف البدائية. وقد استعمل قالب جيد، نسبيًّا، لسك الوجه. وصورة الوجه تمثل، بوضوح، رأساً يحمل إكليلاً ذا إيحاء سلوقي.

12- أوبولات تحمل حرف (ش) بوضعية أفقية بمجوع (6) عملات.

13- أوبولات تحمل حرف (ش) بوضعية عمودية.

يكون حرف (ش) منحوتًا بشكل عمودي.

أوبولات ذات مشاهد طبيعية غير قابلة للنسب وهي بحالة رديئة بعدد (14) مسكوكة (4/ثاج، 1/ جاوان، 9/جبل كنزان) ويمكن تمييز الوجه في أكثر المسكوكات بأنه خالٍ من أي رسومات أو نقوش ما عدا مسكوكتين يظهر رأس هرقل المرتدي فروة الأسد النمي، وعلى الظهر زيوس جالس على كرسي العرش وبيده اليمنى الصولجان.

14- أوبولات تحمل حرف (ش) عمودي مشوه:

تفتقر هنا العملات إلى التمثيل الطبيعي، ولكن ربما يكون الشخص الجالس (زيوس) شبه طبيعي، والوجه هنا خال.

15- دراخمات ثنائية تحمل حرف (ش) عمودي مشوه:

ذو وجه واحد فقط، زيوس جالس على العرش يمكن وصفه كشخص يشبه قضيباً أو على شكل أعواد.

16- مسكوكات تحمل اسم (شمس) بصورة مشوهة:

عدد ثلاث مسكوكات ذات وجه خالٍ، يظهر على الظهر شخص على شكل قضيب والرأس والرقبة والجدع مثلت جميعها كخط منفرد مستقيم.

17- مسكوكات تحمل حرف (ش) عمودي مشوه مع حصان:

الفرق أن هنا يظهر الحصان وهو على يد زيوس الممتدة مع حرف (ش).

18- مسكوكات تمثل حرف (ش) عمودي مشوه مع نسر

مثل سابقه، ويختلف بوجود النسر مع حرف (ش) بدلاً من الحصان، والرسم لزيوس تجريد (عودي).

19- مسكوكات تحمل حرف (ش) عمودي مشوه مع نسر ودائرة واحدة مفتوحة كل ذراع.

20- مسكوكات تحمل حرف (ش) عمودي مشوه مع دائرة واحدة مفتوحة فوق كل ذراع.

21- مسكوكات متنوعة تحمل حرف (ش) عمودي مشوه.

22- مسكوكات تحمل أشكالاً هندسية، وحرف (ش) عمودي مشوه مع نسر

الفرق الرئيسي بين هذا الصنف والأصناف السابقة هي أنه بينما تكون ذراعا الشخص الشبيه بالعصا منحنيتان عند المرفق فهنا أقرب إلى التجريد الكامل، وذلك أن الجذع والذرعان يتكونان من خطين يقطع أحدهما الآخر في زوايا قائمة. سيقان زيوس والعرش ظهرت كخطوط ممتدة على زوايا قائمة على بعضها الآخر، وأضيفت علامات دائرية لهذا الصنف من الخطوط المتقاطعة.

23- قطع نقدية فريدة:

وجدت مجموعة من المسكوكات الفريدة، وأغلبها من موقع (مليحة).

الوصف:

على الوجه صورة مزيفة لرأس هرقل يرتدي فروة الأسد النمي، وبعض من المسكوكات يكون الوجه مصور بصورة حز خشنة. الظهر يظهر زيوس وعلى رأسه عمامة، وبجانبه ربما يكون كلب، وعلى جانبه الأيمن كتابة إغريقية.

(1) زيوس (جوبتر) الحاكم الأعلى ورب الآلهة والناس، وكبيرها في الأساطير الإغريقية، وكان مركزه أشبه بمركز رب الأسرة وحامي ديارها عند اليونان.

(2) يعتقد بعض الباحثين بأنه ملك بلاد هجر، أو ربما يكون شخصية عظيمة، وله مكانة في تاريخ شرق الجزيرة العربية مثل ما كان لشخصية الإسكندر المقدوني ، فقد سك هذا الاسم على كثير من عملات شرق الجزيرة العربية غير الذي درسها بوتس. (اللقاء العلمي الثالث لجمعية التاريخ والآثار بدول مجلس التعاون لدول الخليج العربي، 1423هـ ص 113.

(3) البطل الأسطوري، وإله الزراعة والتجارة والجيوش. اشتهر بقوته الخارقة.
عضو هيئة التحرير
323530