في وطن الخيّام
انطباعات عابرة عن إيران بعد غياب عنها دام ستة وعشرين عاما
محمد الجلواح * - 9 / 9 / 2008م - 3:47 م - العدد (41)

قبل البدء

يمكنني أن أزعم، صادقاً، أن كل حرف ورد في هذه المقالة هو محاولة لكتابةٍ (حيادية خالصة) بعيدة عن أي توجّه أو فكر أحملُهُ أو أعملُ به، فالصورةُ هي الصورة. ينبغي أن يتم نقلها للقارئ بإطارها هيَ لا بإطار مُصوّرِها.

لعلّ أجمل مقطعين، من وجهة نظري المتواضعة، في (الرباعيّات) التي طبّقت شهرتها الآفاق، والتي نقشها علاّمة (نيسابور) الخالد الشاعر: أبو الفتح غياث الدين عمر بن إبراهيم الخيّام، وترجمهما لنا الشاعر الكبير أحمد رامي هما:

1 - غدٌ بظهر الغيب، واليوم لي

وكم يتيه الظن في المقبلِ

ولست بالغافلِ حتى أرى

جمال دنيايَ، ولا أجتلي

2 - إن لم أكن أخلصت في طاعتكْ

فإنني أطمع في رحمتك

وإنما يشفع لي أَننّي

قد عشت لا أشرك في وحدتك

أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.

تَتَابع على ترجمة، ونظم (رباعيات الخيام) عدد كبير من أبرز الشعراء المعاصرين الذين وجدوا فيها جملة من الأفكار الناهضة، والصور المتباينة، والصادقة في آنٍ واحد، ولست هنا في معرض التعريف بهذه الرباعيات، لكنني لا يمكن أن أتجاوز ذكر أبرز من تَرجَمها من أولئك الشعراء المعاصرين وهم: الشاعر العراقي الكبير أحمد الصافي النجفي، الذي تُعدّ ترجمته من أروع، وأَتَمّ وأدقّ الترجمات قاطبة، والشاعر البحراني الكبير إبراهيم العريَّض، والشاعر المصري البارز أحمد رامي.

ولد الشاعر النيسابوري عمر الخيام في مدينة (نيسابور) شمال شرقي إيران، والتي لعبت دوراً، بل أدواراً متعددة في العصر الذهبي للدولة العباسية، وقد أَوْلَدَتْ الكثير من رجالات الفكر، والأدب، والسياسة، والفقه، والعلوم، والقضاء، والفنون. وكانت عاصمةً لمقاطعة (خراسان) حتى منتصف العهد (القاجاري)، ثم تحولت العاصمة إلى مدينة (مشهد) المقدسة، وباتت نيسابور مدينة صغيرة ضمن مقاطعة (خراسان)، وتسمى الآن (نيشابور) - بالشين المعجمة.

 في مدينة نيسابور ولد الشاعر عمر الخيام حوالي عام 433هـ، وتوفي حوالي عام 517 ه، ودفن فيها، ولقد وقَفتُ على قبره الذي يحتوي على نصب فني فريد، وناجيته برباعيته الأخيرة التي ختمها بهذا الإبتهال إلى الله تعالى:

يا عالم الأسرار علم اليقين

يا كاشف الضرّ عن البائسين

يا قابل الأعذار فِئنا إلى

ظِلّك فاقبل توبة التائبين

ويرقد في نيسابور - أو نيشابور- أيضاً شاعر فارسي آخر كبير لم ينل حظاً من المعرفة في العالم العربي اسمه: فريد الدين العطار، وهو عالم، وفلكي، وقاضٍ عاش ما بين 528 حتى 616 ه تقريبا. بالإضافة إلى عدد من الزعماء والملوك الإسلاميين السابقين، وترتبط نيشابور بمشهد بخط برّي تزَيِّنه الجبال والاستراحات.

مشهد المقدسة

أما مدينة (مشهد) فقد كانت تُعرف بمدينة (طُوسْ)، وكان هذا الاسم يطلق أيضاً على مقاطعة (خراسان)كلها، ثم اقتصر على مدينة (طوس) التي تغير اسمها إلى مدينة (مشهد) والتي يرقد فيها الخليفة العباسي الشهير هارون الرشيد، والدُ الخليفة المأمون، ويرقد فيها كذلك الإمام علي الرضا بن موسى الكاظم بن جعفر الصادق حيث توفي أي الإمام الرضا بعد وقت قصير من استلامه ولاية العهد للمأمون. كما سنذكر لاحقاً.

* * *

بنهاية نهار يوم الأربعاء 28/ 5/ 1423هـ، الموافق 7/ 8/ 2002م، أكون قد انتهيت من زيارة (الجمهورية الإسلامية الإيرانية) للمرة الثالثة بعد غياب عنها دام 26 عاماً. نعم، فلقد كانت آخر زيارة لي عام 1396هـ، 1976م، وقبلها كانت الأولى التي كنت حينها غلاماً لم أصل بعد إلى جنة السنة الثالثة عشر - كما ذَكَرَتْ ذلك لي أمي (يرحمها الله) - حيث كنت مع والِدَيّ، وقد بقي في الذاكرة من تلك الزيارة بعض الأطياف، والملامح، والمشاهد الغبارية التي أتخيلها كالحلم.

وكانت الزيارة الثانية في عهد الشاه، والبعض يرغب أن أكتب: الشاه المقبور كما تذكره وسائل الإعلام الإيرانية الحالية - وكلنا مقبورون، وكنت حينها في المرحلة الثانوية، وكنت قد حاولت أن أتعلّم بعض المفردات والجمل الفارسية، وأول ما تعلمته عبارة: بسم الله الرحمن الرحيم، ثم العبارات اليومية الأخرى، وعبارات الترحيب، والبيع، والشراء، والمساومة، وعبارات المديح، والشتم أيضاً، والعبارات العاطفية الدافئة، اللازمة لاستخدامها في المواقف المناسبة، وأتذكر أن سيدة إيرانية قد أمسكت بيدي بقوة بعد أن أسمعتها عبارة: (شما خيلي خوشكل، ومعناها بالعربية: أنت جميلة جدا)، وأخذتني وهي تزداد قبضا شديدا على عضدي الضعيف سحبا إلى شخص إيراني أمطرني كلاما لا أفهمه، ثم صرخ في وجهي، فلذت بالفرار.

ولا بأس أن أذكر للقراء الكرام أيضاً شيئا من ذكريات تلك الزيارة التاريخية الخالدة – بالنسبة لي - فقد كنت أحفظ شعراً (حلمنتيشيا) شعبيا طريفاً على الحروف الأبجدية، وكانت القصيدة تقطر بالعبارات الإجرامية والوقائع الكيدية والشتم وغيرها.. جَمعتُ عدداً من الزوار الشباب، ومعهم بعض الإيرانيين، وأوصيت العرب منهم أن لا يتكلموا أو يعملوا شيئاً أبداً حين أقوم بإلقاء الشعر. بدأت ألقي القصيدة (الإجرامية) بلحن حزين ثم أتباكى، ويبدأ السامعون جميعاً يتباكون معي، وفي هذه الأثناء يمرّ أحد طلبة الدين الإيرانيين وكان يجيد اللغة العربية فيلحظ الأمر، ويفهم القصيدة فيتكلم مع الإيرانيين بذلك، فيَنقلبَون عليّ ضرباً، ولطماً على وجهي، ورفساً، وشتماً، وقذفاً بكل ما وجدوه أمامهم، فأسبق الريح هرباً، وأعود للمنزل مُمَزقّ الثياب، مخدوش الوجه، مُهَلْهَل الحالة، وربما لاحظ القارئ الكريم الفرق بين الهروبَيْن، والله المستعان.

هذا ما كان من بقية تلك الأيام (الشقية) في السبعينيات الميلادية الجميلة، وما دمنا في اللغة فقد عدت من زيارتي الأخيرة بحصيلة لغوية كبيرة، واستطعت أن أفهم أغلب ما يقوله المتحدث دون استطاعتي أن أردّ عليه بدقّه، أو بالسرعة نفسها، ولكني وجدت بعض (المفارقات) اللغوية الطريفة عند هؤلاء (العَجَمْ) أو (الفُرْس)، أو (الإيرانيين)، منها كلمة (ماهِيْ)، ومعناها (سَمَك)، ومن خلال الكلمة تعرف أنها منسوبة للماء، فمن المفروض أن يكون اسم الماء ماء، ولكن اسمه (آبْ)، وعليه فمن المفروض أن يكون اسم السمك (آبي)، لا (ماهي)، ومن المفارقات أيضاً أنني وجدت الكثير من الإيرانيين ينفر من كلمة (فارسي) جنساً، ويستأنس لكلمة (عَجمْي)، أو (إيراني)، ولله، في (العَجَم)، شؤون. على أنني لم أعجب من شيء هناك أكثر من عجبي من قبض الفُرْس على لغتهم الفارسية التي يستخدمون فيها الحروف العربية كتابة وقراءة، وما يقارب من 70% من لغتهم مفرداتٌ وعباراتٌ عربية صرف، بصيَغٍ مختلفة قديمة وحديثه، مع الإشارة إلى أنني لاحظت في زيارتي الأخيرة أن عدداً كبيراً من الكلمات الأجنبية بدأت - للأسف- تغزو أسماء المحلات والأماكن (كما هو موجود لدينا، أيضاً).. فمثلاً كلمة (رستوران)، ومعناها مطعم، وهي مأخوذة من الكلمة الأجنبية، ولم تكن - بحسب تصّوري - موجودة في السبعينيات، ولكنها تلفحك في كل مكان، مع أن كلمة مطعم بالفارسية الفصحى هي (سالُن غِذا خوري)، أو (غِذا خانه)، وهنا تجد أن معناها (مكان الغذاء)، ف (خانه) معناها مكان.

معلومات جغرافية

بكل الزخم الحضاري العظيم الذي تتمتع به إيران، قديماً وحديثاً، تبرز مكانتها الجغرافية والبشرية الضخمة، وذلك من خلال المعطيات التالية:

تقع في جنوب غرب آسيا، ومساحتها 168000 كلم، ويحدها من الشمال: بحر قزوين، وجمهورية تركمانستان، وآذاربايجان، وأرمينيا، ومن الشرق أفغانستان، وباكستان، ومن الغرب تركيا والعراق، ومن الجنوب الخليج الفارسي/ العربي، وبحر عُمان، وطقسها معتدل في معظم المناطق، وحار في المناطق الساحلية والوسطى وبها جبال شاهقة، ووديان كثيرة، وعيون، وأشجار طبيعية، وينابيع، ويبلغ سكانها (حسب إحصاء نهاية عام 2000) حوالي 62 مليون نسمة، وعاصمتها طهران، وأهم مدنها: أصفهان، ومشهد، وشيراز، وقم، وإيلام، ولغتها الرسمية (الفارسية)، وعملتها: الريال الإيراني، وهو يعادل نحو كل (200000) ريال إيراني ب 100 ريال سعودي (تقريبا)،

وتتعرض إيران سنويا لعدد من الهزات الأرضية، والبراكين الحِممية في مختلِف مناطقها ومدنها وجبالها، ولا تزال تعاني من تأثير هذه الكوارث الطبيعية، ومآسيها المؤلمة بشريا واقتصاديا و تنمويا.

وإيران - كما نعلم - كانت إمبراطورية قديمة تعاقب عليها عدد من الأباطرة والملوك حتى تحولت إلى (جمهورية إسلامية) في شهر فبراير عام 1979م على إثر صحوة إسلامية شعبية قادها الإمام آية الله الخميني أحد رجال الدين الإيرانيين، وكلمة (آية الله) هي رتبة، أو لقب ديني إيراني، يُعطى لمن وصل قمة المرجعية الدينية في إيران، أو عند المسلمين الشيعة، كما أن هناك ألقابا دينية شيعية أخرى أقل درجة (بحسب ما لديهم) كحجة الإسلام والمسلمين وغيرها.

أعود للحديث عن السيد الخميني فأقول أنه استطاع بكل ما لديه من قوة ومن ظروف وفقه الله لها أن يطيح بالنظام الإمبراطوري الجائر، ويقيم جمهورية إسلامية دستورية عصرية بتصويت عام من الشعب الإيراني بأكمله، قائمة على تداول وتدوير السلطة وانتخابات البرلمان في نظام ديمقراطي (غالبا وظاهرا)، لم يتوصل إليه معظم دول العالم الإسلامي بشكل عام، ومنطقة الشرق الوسط والعالم العربي بشكل خاص.

وتعتبر إيران من أبرز الدول الآسيوية (غير الصناعية الكبيرة) إنتاجاً واكتفاءً محليًّا في الصناعات الخفيفة، وهي عضو في منظمة الدول المنتجة والمصدرة للنفط (أوبك)، وتعتبر ثالث منتج للنفط بعد المملكة والكويت، وثالث مصدّر للغاز الطبيعي، والنفط بعد قطر والمملكة، إلى جانب ثروات طبيعية أخرى كالحديد، والزنك، والذهب، والرصاص، وصناعة السجاد الفاخرة اليدوية الطبيعية التي تمتاز بها إيران دولياً منذ عهد طويل. أما المنتجات الزراعية فتتركز في المنطقة الساحلية الشمالية على ضفاف (بحر قزوين)، ويبرز إنتاج مسحوق وورق الزعفران، والفستق، والشاي، والقطن، والقمح والتوت وغيره بشكل واضح في معظم نواحي البلاد.

وقد لا أجد مفرًّا من ذكر شيء عن معطيات مدينتين إيرانيتين بارزتين تقفزان في ذاكرة الكثير هنا حينما نذكر إيران، وهما أصفهان، وشيراز.

أصفهان

تقع في قلب الخريطة الإيرانية تقريباً، ويسكنها حوالي مليون نسمة، وهي أحد مدن الدولة الرئيسة، ومن كبرياتها، وقد عرَفت هذه المدينة تاريخا حافلا ومجيدا في العصر الإسلامي الذهبي، وكانت تعرف بإصبهان أيضاً - بالباء - ومنها عرف العالم الإسلامي الأديب الكبير (أبو الفرج الإصبهاني).. صاحب موسوعة (الأغاني) التراثية المعروفة، وكذلك المرجع الديني الكبير السيد أبو الحسن الإصفهاني، وتحضن هذه المدينة مجموعة كبيرة من الفن الفارسي الإسلامي العريق، كالمسجد الملكي ذي العتبة الفيروزية، والواجهات المزخرفة بفن وذوق رائعين - شأنها شأن سائر الأماكن، والمزارات، والأضرحة، والمشاهد، وغيرها في إيران، والتي تتقاسم مع جاراتها الجمهوريات الإسلامية، في تلك النقوش، والمنمنمات والفسيفساءات الرائعة. كما إن في مدينة أصفهان لوحات مكتوب عليها الآيات القرآنية الكريمة المُشَكَّلَة بتجانس فني قلّ نظيره، كما يوجد فيها أيضا عدد من (الآثار النبوية والهاشمية) الموثقة والمحفوظة، والمتواترة الذكر كإحدى رسائل الإمام علي بن أبي طالب A بخط يده، وغير ذلك.

شيراز

تقع في الجنوب الأوسط من الخريطة تقريباً، ويسكنها نحو مليون ومائة ألف نسمة، ومساحتها نحو 280 كلم مربع، وتتضمن عددا من الشواهد، والقبور من بينها قبر عالم اللغة العربية المعروف (سِيْبَوَيه)، واسمه: أبو بشر عَمْرو بن عثمان بن قمبر المتوفى عام: 188هـ، والمولود في عام 148هـ، وقبر اثنين من أبناء الإمام موسى الكاظم بن جعفر الصادق A، وكذلك قبر الأديب والعالم المعروف (حافظ الشيرازي) المتوفى عام 792هـ.

وفي هذه المدينة رأيت الكثير يتحدث اللغة الإنجليزية مما كان له الأثر المريح في نفسي، خلافاً لما سواها في أغلب المدن الإيرانية بما فيها العاصمة (طهران) حيث تتمازج الشعوب الأجنبية المتعددة التي تزور هذه المدينة الشارحة للصدر عمقاً، وطقسا، وسياحة جميلة، ومطاعم وفنادق فاخرة، وحدائق ترفيهية وتراثية متعددة.

- آه! تعود بي الذاكرة مرة أخرى إلى الشعر والشعراء، ففي منتصف الثمانينيات وقع في يدي كتاب باللغة العربية عن شاعرة إيرانية كبيرة اسمها (بَرْوين اعتصامي) عاشت ما بين عامي:1907م و1941م، و(بروين) معناها: ثريّا. وكتبتُ عنها تحقيقا في إحدى المطبوعات الخليجية في عام 1994م. كما إن مؤسسة البابطين للإبداع الشعري أقامت ضمن أنشطتها المتعددة مهرجاناً يحمل اسم (سعدي الشيرازي)، وهو شاعر إيراني كبير عاش ما بين عامي 623هـ و691هـ، وافتتح المهرجان في طهران الرئيس الإيراني السابق السيد محمد خاتمي، وكان ملتقى لمناقشة تمازج الثقافتين العربية والفارسية.

قبل الثورة كان يصدر في إيران عدد من الصحف والمجلات باللغة العربية كمجلة (الإخاء) التي لديّ بعض أعدادها، و (الهادي)، وعندي منها عدد واحد، و(النور)، و(التوحيد)، وغيرها. أما بعد الثورة فلم أجد غير صحيفتين يوميتين فقط هما (الوِفاق)، و(كيهان العربي)، وكيهان معناها: الدنيا، أو العالم، أو الكون.

تصدُر الوفاق في 8 صفحات ملونة، وهي صحيفة الإصلاحيين، أو لِنَقُلْ إحدى صحفهم، وإن كانت تبدو حيادية. أما صحيفة (كيهان العربي) فهي أيضاً تميل إلى الحياد قليلا، وتكاد تكون صحيفة (نَقْلِ) عن الصحف الإيرانية المختلفة، وتصدر في 16 صفحة غير ملونة، وتمتاز بتحليلاتها وتحقيقاتها المختصرة. بَيْدَ أنني لم أجد في هاتين الصحيفتين عموداً أو زاوية ثابتة لكاتب إيراني، أو مقيم سوى زاوية (أُسعدتم صباحاً) في (الوفاق) لمحمد بهمن، وكلمة العدد أو رأي الصحيفة في المطبوعتين المذكورتين.

الناس

قبل كل شيء هنا لا بُدَّ من الإشارة إلى أن الشعب الإيراني من بين أحسن الشعوب الآسيوية حرصا على النظافة (بعكس الهند التي هي من أوسخ البلدان الآسيوية بامتياز، وذلك بحسب وقوفي المباشر على ذلك).

وفيما يتعلق بالناس فلا يمكن وضع تصوّر ثابت، و عام لهؤلاء الذين ذاب جسدي بينهم ذهاباً وإياباً بأعدادهم الغفيرة في طهران، وقم، ومشهد، ونيشابور، وشيراز، (وهي المدن التي زرتها في رحلتي الأخيرة). فالناس هم الناس. يختلفون، ويتفقون، وتتباين آراؤهم ونظرتهم للأمور، وقد يكون من الصعب والنادر أن يُجمع الناس على شيء واحد.

وجدت الكثير من الناس قد أنهكهم الوضع الاقتصادي المتدنِّي للبلاد كثيراً، وبخاصة التجار، وأصحاب المحلات الكبيرة والصغيرة، ويكادون يُجمعون على أن الحكومة غافلة تماماً عن دعمهم، وإصلاح أوضاعهم الاقتصادية، وغير مكترثة بازدياد أعداد العاطلين عن العمل، حتى الأكاديميين، ورغم إدراكهم التام أنهم لم يخرجوا بعد من تبعات حرب الثمان السنوات، وتقلبات الظروف الإقتصادية العالمية، وأحداث 11 سبتمبر 2001م، إلا أنهم يضعون في ذلك تبريرات عديدة، منها تدنيّ القيمة الشرائية للريال الإيراني بين العملات العالمية الأخرى رغم أنهم بلاد نفطية، وهم لا (يرون ضوءاً يلوح في آخر النفق) (حسب التعبير السياسي الشائع مؤخراً)، (وهو بالمناسبة تعبير جميل، ورشيق ومُعَبّر، وأصبحت أستخدمه في الكثير من كتاباتي)، لكن الذي لفت نظري في السوق (البازار) هو انتشار البضائع الروسية المختلفة رغم حضور الصناعات الوطنية المحلية بقوة.

وفي الواقع العملي فإن إيران تحتاج إلى سنوات عديدة مقبلة حتى تتخلص من آثار الحرب، والوضع الإقتصادي المنهار الذي انسحب على كل الأصعدة الاجتماعية والتنموية.

ولفت نظري عدم وجود صور كثيرة لزعماء البلاد الحاليين الذين جاؤوا بعد الثورة، سوى صورة للإمام الخميني، والزعيم الروحي السيد الخامنئي، أو كما تجد اسمه أحيانا مكتوبًا هكذا: (خامنه إي)، والرئيس السابق خاتمي، وحتى هؤلاء الثلاثة لا تجدهم بالكثرة التي كانت في أيام الشاه، ولا بالكثرة التي تراها في معظم شوارع ومحلات وأماكن أغلب الدول العربية، وبخاصة العراق الذي لا ترفع حجراً، في الشارع، إلا وتحته صورة لطاغية العراق.

بل وجدت في الكثير من الأماكن: آيات قرآنية، وابتهالات دينية مختلفة، وبخاصة عبارة (اللهم صلّ على محمد وآل محمد)، و(يا قائم آل محمد)، والمقصود بالقائم هو الإمام الثاني عشر (المهدي المنتظر) عند المسلمين الشيعة، وهو محمد بن الحسن العسكري بن علي  الهادي بن محمد الجواد بن علي الرضا, و(يا زهراء) والمقصود بها السيدة فاطمة الزهراء بنت الرسول محمد صلى الله عليه وآله وسلم، وتجد هذه العبارات الروحية العقائدية وغيرها على خلفيات الباصات، والسيارات الصغيرة، ومقدمات الفنادق، وبدايات الأَزِقة المحلية، وداخل الحوانيت، وفي ميداليات المفاتيح، وفي تزيين السيارات الخاصة والعامة وغير ذلك. إلخ.

وبالمناسبة، أيضا، فإن الكثير من أسماء رجال الدين الشيعة وبخاصة الإيرانيين منسوبة إلى الأماكن أو القرى أو المدن التي جاؤوا منها أو ولدوا فيها شأنهم في ذلك شأن الكثير من الأدباء والزعماء والكتاب في العالم الإسلامي منذ القدم؛ فالسيد الخميني من قرية اسمها (خمين) قرب الساحل الشرقي لبحر قزوين، والسيد (الخوئي) أحد أشهر المراجع الشيعية السابقين في العالم هو من قرية اسمها (خوء، أو خويء) في شمال غرب إيران، وكذلك (رافسنجاني) من رافسنجان، وكذلك السيد الخامنئي من (خامنه) على الحدود التركية، وهكذا.

وفي إيران ينتفض الحسّ الديني بنبضه القوي على كل أطياف وفئات المجتمع الإيراني، ويُشَكّل، مع جذوره العريقة، تمازجاً - في حدود معينة - مع ثقافة الثورة الإسلامية التي تواجه إفرازات وإرهاصات وتحدّيات ومسؤوليات وواجبات والتزامات وغيرها.

فرغم مرور عشرين عاماً على بزوغها لم تستطع أن تترك تلك البصمة الجلية على رجل الشارع البسيط، والتاجر الصغير، ولم تستطع أن تسيطر على الوضع الفكري والعملي. فهي تحتاج إلى مزيد من الوقت شأنها في ذلك شأن الكثير من الثورات التي جاءت منقذة ومُصْلحة، وبخاصة لدى الجيل الحالي من الشباب في طهران ومشهد و شيراز وتبريز.

وفي هذا السياق كنت أسأل سائقي سيارات الأجرة عن وجود المذاهب الإسلامية الأخرى والأديان الأخرى ومدى ممارستها من لدن حامليها. فيجيبون عن ذلك بكل إيجاب.

وحيث أن حوالي 95% من الإيرانيين هم من المسلمين الشيعة الإثني عشرية فقد حرصتُ أن أبحث هذا مباشرة من أفواه المواطنين أنفسهم، فسألت عن المسلمين السُّنَّه، والمسيحيين، واليهود، والزرادشيين، والبهائيين، وبقية الأقليات الدينية الأخرى، فقيل لي بعد تكرار من ذلك أنهم قلّة، لكنهم لا يجدون، أي ضير من ممارسة كل طقوسهم الدينية واحترام مناسباتهم.

وصادف أن كان السائق الذي معي مسلما سُنّياً، فسألته عن مساجد السُّنّه، وفيما إذا كان هناك أي نوع من الإضطهاد الحكومي والشعبي، أو وجود إهمال مقصود في النواحي العملية والإجتماعية والتنموية. فأجاب بالنفي المطلق، وأخذني إلى أحد المساجد السُّنّية فوجدته مسجداً كبيراً، ونظيفاً، ومحاطاً بالأشجار ومواقف السيارات والمحلات التجارية، وبالقرب منه دورات كبيرة وكثيرة للمياه، وفي داخله نسخ جديدة ونظيفة من القرآن الكريم من مجمع الملك فهد لطباعة القران الكريم، وقال لي: إن المسلمين السّنة منسجمين مع إخوانهم المسلمين الشيعة، ويتبادلون إحياء المناسبات الخاصة بالطرفين، أما بقية الأديان الأخرى فهي كذلك ليس عليها أي ضغوط.

وما دام الحديث عن الجانب الديني فالإيرانيون يمجّدون كل من يَمُتُّ بصلة لآل البيت النبوي الشريف. تمجيداً عظيماً، ويفتخرون كثيراً أنه يرقد في أرضهم أحد أئمة الشيعة الإثني عشر، وهو الإمام علي الرضا بن موسى الكاظم بن جعفر الصادق عليهم السلام أجمعين، وهو الذي طلب منه الخليفة العباسي عبدا لله المأمون ابن هارون الرشيد أن يكون وليّا لعهده فرضيَ بعد رفض طويل، وتم ذلك في مهرجان مهيب، حين قدم الإمام علي الرضا من المدينة المنورة حتى مدينة (طوس) الوارد ذكرها هنا سابقاً، ولبث الإمام لفترة وجيزة سمحت له بسَك اسمه على فئة من النقود المعدنية أطلق عليها المؤرخون (الدينار الرضوي)، وقد شاهدُتها في متحف الإمام الرضا في مشهد، إلا أن الظروف بشكلها الإجمالي لم تسمح له بإتمام ذلك إلى النهاية، فلقد توفي الإمام الرضا أثناء ذلك، وأظهر المأمون حزنه البالغ عليه، ولكن الكثير من المؤرخين السّنّة والشيعة يذهب إلى توجيه أصابع الاتهام للمأمون مباشرة بأن له يداً خفية في (تصفية) الإمام الرضا عن طريق السم، لأسباب سياسية وعائلية واجتماعية، وقديماً قيل (الملك عقيم).

ويتناقل المسلمون إحدى آثار الإمام الرضا عبر (الرسالة الذهبية)، وهي أول رسالة في الطب النبوي، وقد كتب عنها، بالتفصيل، الأستاذ الدكتور محمد علي البار، وهو عالم وطبيب سنّي من اليمن، ويقيم في مدينة جدة السعودية منذ فترة طويلة، وقام الدكتور البار في كتابه الموسوم بـ(الإمام علي الرضا ورسالته في الطب النبوي، أول رسالة في الطب النبوي). الطبعة الثالثة 1413هـ 1992م.. دار المناهل، بيروت / لبنان.. وهو كتاب فريد جميل مليء بفضائل ومناقب وأحاديث أهل البيت. أقول قام هذا الدكتور الفاضل بنقل الحديث النبوي المعروف بـ(السلسلة الذهبية) الذي يرويه الإمام الرضا عمن سمعه مباشرة من آبائه الأئمة واحداً بعد الآخر حتى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في قوله « كلمة لا إله إلا الله حصني, فمن دخل حصني أمن من عذابي.. ولكن بشرطها وشروطها.. وأنا من شروطها».

وتبلغ مساحة الحرم الرضوي بعد التوسعة الأخيرة أكثر من 350 ألف متر مربع، ويشتمل الحرم على قبر الإمام الرضا، ومتحف ضخم، ومكتبة ضخمة، و14 مسجدًا و8 ساحات رحبة، ونوافير، ومضيف يقدم وجبة مجانية يومية لكل الزائرين الجدد، ومكتب للعلاقات الدولية يقدم المطبوعات الإعلامية عن الحرم ومشهد وإيران، وقاعة سينما ومسرح، وقاعات لتعليم القرآن الكريم، ودروس الفقه المختلفة، وغيرها.

ويرتاد هذا المكان أكثر من (مليون) زائر (أسبوعيا) في الإجازة الصيفية، والمناسبات الأخرى من مختلف أرجاء إيران ودول العالم، ولقد التقيت بعدد من الأفريقيين والبرازيليين والبوسنيين وغيرهم، وقد لا تكفي هذه الأوراق كلها لوصف جمال مبنى واحد يؤدي إلى قبر الإمام الذي حرصت الحكومة الإيرانية أن لا يكون أمام المُصَلين أثناء صلاتهم، فضلاً عن القبر نفسه، من روعة التصميم المُذَهَّبْ، والآيات القرآنية البالغة الجمال في الخط والزخرفة والكريستال المُعشق بالمرايا الصغيرة والفن القاجاري والمماليكي والصَّفَوي الإسلامي الذي ينطق بأروع ما صَنَعَتْهُ اليد البشرية.

تقفُ في ركن صغير، تتأمل هذا الفن الكبير، لوقت طويل. أقول ذلك وكفى، وهذا اللون من الفنون المعمارية تجده في معظم أماكن العبادة في إيران، وتجده كذلك في الكثير من الدول الإسلامية المنتهية بكلمة (ستان)، والتي تحد إيران من الشرق والشمال.

ستان

وعلى ذكر كلمة (ستان) فقد تجد بعض الأسماء الطريفة لعدد البلدان ينهون اسمها في إيران بكلمة ستان. فمثلاً: المملكة العربية السعودية.. اسمها بالفارسية: عربستان سعودي. بريطانيا اسمها بالفارسية: انجلز ستان. الهند اسمها بالفارسية: هندوستان. وفي هذا الصدد اقترحتُ على أحد المسؤولين في إدارة السياحة أن يكون اسم إيران: إيرانستان أيضاً.

البيئة والسياحة

أما البيئة، أو قل تلوث البيئة، فهي الوجه الآخر لكل ما ذكرت عن إيران، وتتجلى في ذلك بيئة المدن الكبيرة كطهران، وشيراز، ومشهد، وغيرها.

ازدحام شديد للغاية من كثرة السيارات المنهكة المصنوعة في الأربعينيات من القرن المنصرم ومن الدراجات النارية الهائلة العدد، وما تتركه من دخان أسود، ومن بحر متدفق من البشر في كل شارع، ونافذ، وزقاق. طوابير كبيرة وطويلة على كل شيء وفي كل شيء. حتى على (دورات المياه)، أعزكم الله، وما يصاحب ذلك من عدم التزام بقوانين المرور وفوضى عارمة في قيادة السيارات وتوجيهها، وعدم وجود أدوات السلامة فيها، ولا إشارات ضوئية في السيارات لتغيير الإتجاه، ولا، ولا، ولا.....الخ

- أَخْرُجُ في مدينة طهران ومشهد صباحاً بملابسي النظيفة الناصعة فأعود ظُهراً، أو قبل الظهر، وقد تَحَولَّتْ إلى داكنة، وسوداء من الجوّ الملوّث.

أُصْبتُ باختناق حاد في التنفس لمدة يومين، ثم طلبت الخروج إلى خارج المدينة لاستنشاق الهواء الطبيعي، ويبدو لي أن هذه الصورة لا تخصّ مدن إيران وحدها. فالقادمون من كل المدن العالمية الكبرى المشابهة كالقاهرة، ودمشق، وطوكيو، ومومباي، ونيويورك، ولندن، وغيرها يذكرون ذلك. لكنني لا أعفي الدولة من المسؤولية حول هذا التلوث البيئي. أما السياحة فإيران بلد مناسب للسياحة في أغلبه لما يتمتع به من طقس معتدل، وجبال جميلة ذات طرق مُعبَّدة وملتوية، وأماكن سياحية قد لا تكفيك زيارة واحدة لتغطية منطقة واحدة كأصفهان، وشيراز. وتبريز، مثلاً.

هناك منطقة قرب مدينة (نيشابور) إسمها (شانديز) هذه عبارة عن غابات خضراء هادئة، وشلالات طبيعية، ومطاعم راقية، وصور واقعية تضجّ بتطبيق وتجسيد الآية القرآنية الكريمة بصورة فعلية (جنات تجري من تحتها الأنهار). مع معرفة الفرق بين هذه الصورة الدنيوية والصورة الأخروية التي وعد الله بها عباده المؤمنين. منطقة لا تعرف الشمس إلا عن إطلالات خجلى تفتح شهيتك لكل شيء: للأكل، للنوم، للقراءة، للسمر، للهو البريء وغير البريء، للغناء، للرسم... إلخ.

في هذه المنطقة قرأتُ كتاب (حول العالم في 22 يوما) للأديب والكاتب الإماراتي الصديق: محمد المر، الذي أهدانيه في إحدى زياراتي السابقة إلى دبي. لم أشعر بشيء في (شانديز) إلاّ وأنا أَلْتَهِمُ الكتاب في هذا الجو، وبمزاج وروح وقابلية لا أحلى ولا أصفى.

آه! لقد تذكرت، أيضاً، منطقة (شمال طهران) بين الثلوج والجبال العالية المرتفعة فوق سطح الأرض حوالي 250 متر. كم هي رائعة، رائعة، جو بديع، وسوق رخيص، وناس طيبون. إنك لم تزر إيران بالفعل إذا لم تكن زُرت منطقة (جالوس) السياحية، في شمال طهران، التي رافقني فيها ديوان الشاعر العراقي الصديق يحي السماوي، وبالطبع قس على هذين المثالين المذكورين مئات، بل آلاف، الأماكن والمعالم السياحية في كافة أرجاء إيران؛ بطقسها الصيفي المعتدل نهاراً، والبارد ليلاً، ومع ذلك كله فلا يمكن تجاوز الحديث عن منطقة سياحية جميلة أعتبرها، شخصيا، من أجمل مناطق إيران السياحية، وأعني بها: كلاردشت.

كلارْدَشت

هي منطقة سياحية جميلة شمال إيران، وفي الساحل الجنوبي لبحر قزوين بحر (الخزر). تمتاز هذه المنطقة بطقسها البديع في الصيف، بل إنها أبرز وأشهر مصيف لإيران، فالجبال الشاهقة تحيط بها، وهي مكسوة بالخضرة، ويجري فيها عدد من الأنهار الصغيرة التي تكونت من سيول الماء الهابطة من أعالي الجبال، وماء هذه الأنهار بارد جدا، وعذب للغاية.

ويمكن للسائح البقاء في أعلى منطقة بها على ارتفاع يزيد على 1200 متر فوق سطح البحر، في فلل ومساكن معدة لذلك عن طريق شبكة من الطرق المعبدة الملتوية التي تأخذك إلى الأعلى، أو تهبط بك إلى الأسفل، أو تخترق جبلا خلال نفق طويل جدا، أو تعبر واديا شديد الهبوط عبر جسر، أو ترتفع إلى قمة من جبل، أو العكس، حتى تصل إلى المنطقة المقصودة وحين تكون هناك، سيكسوك الهواء البارد المنعش نهارا والبرودة القارصة المقبولة ليلا، كلما اشتد لهيب الصيف في الخليج خلال شهوره. في كلاردشت تقف في أعلى منطقة في العالم سياحيا عبر أعلى تلفريك في العالم، حيث يصل بك إلى منطقة ترتفع عن سطح البحر 1300 متر، حسب النشرة التعريفية التي يتم توزيعها على السياح. وأحسب أن هذه المعلومة صحيحة، فلقد امتطيت تلفريك في ألمانيا، فوق جبال الألب، ومومباي في الهند، ولبنان، وكاليفورنيا في أمريكا، ولم أر مثل ارتفاع كلاردشت.

حين تجلس في ساحة فيلتك المفتوحة، وتطلب شيئا من الطعام أو الفاكهة، تأتيك طازجة من الشجر المحيط بك، وترى صاحبة الفيلا تقطفها أمام عينيك، وتقدمها إليك، ومن أبرزها التوت، والتفاح الأصفر، والتين، والعنب الأخضر، وغيرها تفتح فمك للرذاذ الخفيف الأبيض البارد الذي لا يتوقف طوال اليوم تستمتع به فالمنظر بديع خلاب بمعنى الكلمة، جبل مرتفع، وخضرة محيطة، وهواء منعش، وماء بارد، وفاكهة طازجة، وهدوء تام، وأنهار جارية، وأناس طيبون. آه! لقد تذكرت. في هذه المنطقة ممنوع دخول السيارات، والبقاء فيها خارج غرض تحميل العفش، ووسيلة المواصلات هي الدراجة العادية فقط، لذلك تجد الهدوء هو المستبدَّ بالمكان حتى ليمكنك أن تسمع جانبا من حديث جارك البعيد بوضوح، إن كان صوته مرتفعا، وعليه فقد مارست مع عائلتي الكلام بصمت وهمس طيلة بقائي في المنطقة. في أحد الأيام نزلت إلى قرية محاذية للمنطقة اسمها أحمد أباد، كل أهلها فلاحون، وكان معي مترجم، ووقفت أشتري تحفة تذكارية، فما إن عرف صاحب المحل أنني من المملكة حتى انخرط في البكاء وهو يردد كلاما لا أعرفه سوى مكة، مدينة، فقال لي المترجم إن أمنيته أن يؤدي فريضة الحج، ويذهب إلى مكة المكرمة، والمدينة المنورة، لأن ظروفه المادية الصعبة لا تسمح له بذلك، فأخذت اسمه وعنوانه لرفعها إلى مقام وزارة الحج ووزارة الشؤون الإسلامية للنظر في تحقيق رغبته. إن الحياة في كلاردشت لنا، نحن الخليجيين، ليست مرتفعة بل رخيصة للغاية، ويمكنك أن تقضي وقتا ممتعا إن كانت سياحتك خارجية، في هذه المنطقة بمقدار مرة ونصف من تكاليف منطقة سياحية عربية، أو أجنبية أخرى معروفة،

وعليه فإن الخليجيين لا يعرفون كثيرا عن هذه المنطقة، وكنت قد بحثت في ذلك فوجدت أن بجوارنا عائلتين كويتيتين، وثلاث عوائل سعودية أخرى، وعائلة من البحرين، وعوائل أخرى من غرب إيران. إن هناك الكثير من المدن والبلدان الإسلامية، وحتى العربية، تتمتع بمعالم وعوامل سياحية عالية، لكنها تحتاج إلى من يعرفها، ويكتشفها، ويصل إليها كما إن هذه المناطق نفسها تحتاج تعريفا إعلاميا بها. فالناس تذهب أكثر ما تذهب إليه المناطق والبلدان المشبعة معرفيا وإعلاميا.

لقد كان الصيف، هذا العام، كلاردشتيا، إيرانيا ممتعا، وقد طلب مني أولادي أن أشتري لهم فيلا للسفر إليها سنويا في هذه المنطقة.

في الوجه السياحي الآخر ربما قد يخطر على بال البعض البحث عن المرأة والزواج المؤقت الذي يسميه الشيعة بـ (المتعة)، وهو زواج.. بحسب أدلتهم  صحيح وشرعي..وتشتهر به ايران أو هو منتشر فيها بشكل لافت .

وأتجنب بقصد الكتابة والحديث في هذا الموضوع لحساسيته الشديدة من الناحية الدينية و الاجتماعية والعرفية..ولأنني .. أصلا .. لست الشخص المناسب لا من حيث العلم به .. حيث أجهله تماما، ولا من حيث الخوض فيه لطرْقه ..صحيح أن النساء الإيرانيات عموما يتمتعن بجمال ساحر عجيب .. لا يقبل التنافس.. جمال يمتزج فيه الحسن الآسيوي والأوروبي .. وبخاصة النساء الأصفهانيات.. ويمكن للسائح بسهولة أن يقيم علاقة بريئة أو غير بريئة (شرعية أو غيرها) .. لكن لا يعني ذلك اللهاث ورائهن..

والمتعة  في إيران سلاح  ذو حدين.. وهي قد أُسيء استغلالها بصورة بشعة على مر السنين من قبل التجار والجهال وقليلي الوازع الديني.. من الإيرانيين  والزائرين معا.. حتى ساهمت كثيرا في تشويه سمعة إيران بشكل خاص، وسمعة الشيعة بوجه عام وزواج المتعة نفسه بشكل أعم..

إيران بالنسبة لي كمصر، تتشابه فيها صور كثيرة. فمصر انقطعت عنها 22 سنة ثم عدت إليها، وإيران 26 سنة، والكل يعلم ما لمصر وإيران من عمق وثقل حضاري وتراثي وثقافي وديني وبشري وعلمي وفني وسياسي أيضاً، وأرى أن كل مفردة من هذه المفردات تحتاج إلى بحث كامل بمفرده، بل كتاب مستقل.

في عام 2002م تدفق المواطنون السعوديون على إيران، بعد السماح لهم رسمياً بزيارتها، فتجد أحبتنا هناك في كل مكان، مما يعكس عمق الأواصر بين شعبَيْنا المُسْلِميَنْ، ولقد وجدت أن لخادم الحرمين الشريفين الملك عبد الله بن عبد العزيز مكانة كبيرة لدى الإيرانيين، ويذكرون مدى عمق صداقته الشخصية مع الرئيس السابق رافسنجاني.

إيران سياسياً

قد لا أكون الشخص المناسب أبداً للحديث عن الوضع السياسي الداخلي الإيراني لعدة أسباب لا داع لذكرها.

المرأة في إيران

أما المرأة فيها فلم يمنعها (اللباس الإسلامي الحقيقي) من ممارسة عملها المنزلي والاجتماعي، فهي موجودة بهذا اللباس المحتشم الذي لا يجعل منها (جثة بشرية) ملفوفة بكفن أسود، وليست لديها حساسية من هذا الحجاب كما هي موجودة لدى الكثير من نسائنا، فتجدها بقوة في المصارف، والفنادق، والمدارس، والمستشفيات، وتقود السيارة بجدارة، وتجدها كذلك في المحلات التجارية وغيرها. بل إنك لا تتفاجأ حينما تقوم سيدة ما (بمبادرتك) الحديث وأنت تمشي في الشارع وقد حَمَلْتَ شيئا ما. تسألك عن ثمنه، أو عن الشارع الفلاني الصحيح... الخ.

يصدر في إيران عدد كبير جدا من الصحف اليومية و10 مجلات نسائية لمختلف الأطياف والتوجهات القومية، والعرقية، والعقائدية، والإجتماعية، والرياضية، والفنية، والفكرية، وترأس تحرير إحداها السيدة (فائزة هاشمي رافسنجاني).

وأخيرا؛ فإن الإيرانيين على رغم نفورهم العام من أغلب العرب يحتاجون لمعرفتنا أكثر، ويحبون أن تتحدث معهم عن بلادنا، وهم يستمعون إلينا بإنصات بالغ، ومع أن جُلّهم يتعصب بصورة عمياء للغة الفارسية، ولا يقيمون وزناً لأي لغة أخرى، لكنهم يحاولون التحدث باللغة العربية الفصيحة، ولعل من المناسب أن يكون مسك الختام هذا المقطع الجميل من قصيدة لشاعر إيران الشهير (سعدي الشيرازي) الذي مرّ ذكره في هذا المقال بعنوان: (متى جَمْعُ شملي):

متى جمْعُ شملي بالحبيب المغاضب

وكيف خلاص القلب من أيْدِ سالب؟

لقد هَلكتْ نفسي بتدليهَةِ الهوى

وكم قلت فيما قبل يا نفس راقبي

أُشَبّه ما ألقى بيوم قيامة

وسيل دموعي بانتشار الكواكب.

شاعر وكاتب
319347