النخليون في المدينة المنورة
فهد إبراهيم أبو العصاري * - 9 / 9 / 2008م - 4:00 م - العدد (41)

يُعدُّ النخليون من أشهر سكان المدينة المنورة، وهم من الشيعة الإمامية لا يغالون في أهل البيت عليهم السلام، فيرونهم ﴿عِبَادٌ مُّكْرَمُونَ لاَ يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ وَهُم بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ. ولذا فكل أثر ورد في حقهم يتعارض مع ما جاء في كتاب الله المجيد المتداول بين المسلمين اليوم، الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه ساقط لا اعتبار له.

والنخليون -كباقي الشيعة الإمامية- يشهدون لله عز وجل بالوحدانية، ولمحمد صلى الله عليه وآله وسلم بالرسالة، ولعلي عليه السلام بالإمامة. مستندين، في كل ذلك، إلى النصوص المعروفة لدى الجميع سواء كانت قرآنيةً أم حديثية. وبناءً على هذا فكل ما ألصق من تهم بالنخليين مخالفة لهذا القول؛ تفتقر إلى الدليل، وتدخل في دائرة الحملات الطائفية المغرضة التي تعرض ويتعرض لها أتباع مذهب أهل البيت (عليهم السلام) عبر العصور. وفي ذات الوقت يتفهم النخليون وجوه الاستدلال الأخرى التي يطرحها علماء المذاهب الأخرى، ويحترمون حقَّهم في الإجتهاد في فهم النصوص التي ليس لها -بالطبع- قدسية الإلزام للغير. ويتفهمون، أيضا، الآثار السلبية للخلافات المذهبية التي يرون ضرورة بقائها في مجالس العلم والعلماء الذين يعون آداب الحوار والنقاش العلمي الرزين، وعدم تعريضها لأبواق الإعلام ليخوض فيها السفهاء، وكل متزيٍّ بزي العلم، والعلم منه براء.

ويأخذ هذا التفهم منحى عمليًّا عندما يلتزمون بما حث عليه الإمام الحادي عشر من أئمة الشيعة الإمامية؛ الحسن العسكري (عليه السلام) أتباعه بقوله: «أوصيكم بتقوى الله، والورع في دينكم، والاجتهاد لله، وصدق الحديث، وأداء الأمانة إلى من ائتمنتكم من بر أو فاجر، وطول السجود، وحسن الجوار، فبهذا جاء محمد (صلى الله عليه وآله وسلم). صَلَّوا في عشائرهم، وأشهدوا جنائزهم، وعودوا مرضاهم، وأدُّوا حقوقهم؛ فإن الرجل منكم إذا ورع في دينه، وصدق في حديثه، وأدى الأمانة، وحسُن خلُقُه مع الناس - قيل هذا شيعي فيسرني ذلك. اتقوا الله وكنوا زينا، ولا تكونوا شينا، جُرُّوا إلينا كلَّ موَدَّة، وادفعوا عنا كل قبيح؛ فإنه ما قيل فينا من حسن فنحن أهلُه، وما قيل فينا من سوء فما نحن كذلك. لنا حق ٌّ في كتاب الله، وقرابة من رسول الله، وتطهير من الله لا يدعيه أحد غيرنا إلا كذاب»(1).

ويرتِّب فقهاء الإمامية اليوم -كما هو موجود في مصنفاتهم- كامل الآثار الشرعية لتلك الصلاة، ويرون صحتها، وإجزائها. كل ذلك حفاظا على الأمة من الطائفية الممزقة لشملها، والمشتتة لفكرها.

أما عن نشأة النخليين، وتاريخهم؛ فهو واضح من خلال بعض ما كتب عنهم، وما يؤيد ذلك من قرائن عديدة، وتصريحات لكبار السن منهم أخذوها كابرًا عن كابر، وخلفًا عن سلف، وما بأيديهم من وثائق قديمة. فمن المعروف أن وجودهم في المدينة المنورة ليس حديثا، وكلمة النخلي قد تكون نسبة إلى النخل الذي عرف أهل المدينة بزراعته منذ أن كانت تسمى يثرب. فهم ينحدرون من أصول عربية موغلة في القدم يعيدها البعض إلى قبيلة هُذَيل كما ورد عن السمعاني في كتابه الموسوم بـ(الأنساب) حيث يقول: «النخلي، بفتح النون وسكون الخاء المعجمة، وفي آخرها لام، هذه النسبة إلى النخلة، وظني أنها القرية المعروفة التي على ستة فراسخ من مكة، وأهلها أكثرهم من هذيل، والمشهور بهذه النسبة عمران النخلي يروى عن سفينة، وروى عنه شريك بن عبد الله القاضي، وله ولد يقال له حماد بن عمران النخلي روى عنه أبو النعيم الفضل بن دكين الكوفي، وأبو عبد الله إبراهيم بن محمد النخلي صاحب التاريخ، ومن ولده أبو عبد الله محمد بن عمران النخلي له علم بالرجال، ومعرفة بالأسماء والكنى والأنساب، روى عنه أبو بكر بن الأسود»(2). ويعيدهم البعض إلى ذرية الأنصار، ولعل فيهم إلى اليوم من يحمل -مثلا- لقب الخزرجى، نسبة إلى قبيلة الخزرج التي كانت تسكن المدينة المنورة مع قبائل أخرى حينما هاجر إليها النبي (صلى الله عليه وآله وسلم).

وهناك كلام يدور على الألسنة، وربما وجد في بعض الكتابات عنهم حيث يقال إن

بعضهم من اليمن، وبعضهم من المغرب، وبعضهم من الهند، وبعضهم من مصر، وبعضهم من الحجاز، وغير ذلك. يقول صاحب تحفة المحبيين: «بيت النخلي -والعوام يقولون النخولي وهو المشهور اليوم- نسبة إلى فلاحة النخل، وهم طوائف كثيرة، وخلائق كبيرة كلهم شيعة... ». ويقول في موقع آخر: «صنعة النخاولة المزبورين فلاحة النخيل لا يكادون يحسنون غيرها، ولا تصلح إلا بهم غالبا،  وغالبهم من أجناس متعددة، ولهم قدم بالمدينة المنورة<(3).

أما عن وضعهم الحالي؛ فإن لقب النخلي يضم تحته أفرادًا لا ينتمون إلى هذه العشائر، أو القبائل (إن صح لنا أن نطلق عليهم قبائل)، وإنما شملهم اللقب نتيجة للارتباط المذهبي من جانب، ونتيجة للأحلاف التي كانت شائعة بين القبائل العربية في الأزمنة السابقة من جانب آخر، وكان النخليون يرتبطون بعلاقات وثيقة، وعرى قوية بمن حولهم، سواء من البادية أو الحاضرة، تمثلت في حسن الجوار، وطيب المعاشرة. يعي ذلك كبار السن هذه الأيام من الطرفين، لكن هذه العلاقات مرت بحالة فتور نتيجة لتقلب الأيام، وما جرى ترويجه من شائعات طائفية غذتها الظروف الاجتماعية والإقليمية التي لا تخفى على أحد حيث تسبب ذلك بالانغلاق النسبي للنخليين على أنفسهم.

ولم تتوقف آثار العنصرية البغيضة عند هذا الحد بل امتدت -كما هو معروف- لتشمل أبناء الحاضرة الذين جاءوا من شرق الأرض وغربها لأداء شعيرة الحج المقدسة، ومجاورة سيد الكائنات، ليجدوا من ينبزهم بألقاب سخيفة مثل (طرش البحر) وينتقصهم بعبارة (بقايا حجاج) دون أن يدري أنها تمثل إساءة لضيوف الرحمن، وزوار رسوله (صلى الله عليه وآله وسلم). وعلى ألسنة هكذا سفهاء تم تحوير كلمة (نخلي) إلى (نخولي)، واستخدمت كنبز يراد منه الانتقاص والتحقير - إذ ليس لها أصل في كتب التاريخ والأنساب، ولا في الوثائق الرسمية الموجودة بأيديهم الآن. فكلمة (نخلي) تجمع على (نخليين)، وهم يعتزُّون بهذا اللقب سواء أتاهم عن طريق الأصل، أو عن طريق الأحلاف؛ لأنه يذكِّرهم بعمل أنصار رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)، وبشرف مهنة الزراعة التي يقتات منها الغني قبل الفقير.

وأما كلمة (نخاولة) فهي لفظة عامية درجت الألسن على تداولها، ولا أصل لها في فصيح اللغة أيضا. جاء في تاريخ مكة ما نصه: >واسمهم الرسمي في الدوائر الحكومية (النخليون)، وأحدهم (نخلي)(4)، ومعظم النخليين يسكنون جنوب المدينة المنورة، ولكن لهم سكنى في داخلها

وأطرافها من جهاتها الأربع أيضا. جاء في كتاب ذكريات العهود الثلاثة: «النخاولة في حوش السيد، أو في الزقاق المعروف باسمهم، أو في العوالي، وقربان، وقباء، والعيون فهم النخليون يعملون بالفلاحة، وداخل المدينة يعملون جزارين وخضرية»(5).

كما يتحدَّث الكتاب عن حوش السيد بالذات فيقول: «وبعده إلى الغرب الحوش المستقل بذاته؛ حوش السيد، سكَّانه ينسبون أنفسهم إلى مُزينة، وهم نخليُّون، كان أنظف الأحوشة لأنه لا تدخله الحيوانات، فهو نظيف يرش بالماء، وفي الليل يجتمع الرجال في وسط الحوش، والنساء أمهات وبنات يجتمعن بعيدا عن الرجال...»(6)، وليس للنخليين عادات وتقاليد تختلف عن سكان المدينة المنورة إلا كثرة المناسبات ومجالس الذكر. فهم من ناحية يحيون المناسبات التي تعود إلى النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)، أو تلك التي تعود لأهل بيته سواء كانت أفراحا أو أحزانا مثل مولد النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)، ومولد السيدة فاطمة الزهراء(عليها السلام)، وموالد الأئمة جميعا، ولا سيما مولد أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (عليه السلام)، ومولد ابنيه الحسن والحسين(عليهما السلام). وكذلك ذكرى المبعث النبوي، والإسراء والمعراج،وذكرى غدير خُم، وذكرى وفاة النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)، وكذلك الوفَيَات الأخرى لأهل بيته (عليهم السلام) وخصوصا ذكرى استشهاد الإمام الحسين (عليه السلام) في عاشوراء.

وتوجد مجالس أخرى أسبوعية يحضرها أعداد قليلة، نسبيا، تسمى الدوريات، وهي مفتوحة للجميع يحضرها من شاء، وتكون فقراتها في الغالب كالتالي:

1- تلاوة آيات من القرآن الكريم.

2- قراءة حديث الكساء الذي يرويه الصحابي الجليل جابر بن عبدالله الأنصاري (رضي الله عنه) عن السيدة فاطمة الزهراء (عليها السلام).

3- محاضرة دينية ذات طابع تربوي، أو اجتماعي، أو تثقيفي

4- مسائل فقهية في العبادات، أو المعاملات.

5- قراءة لأحد الدعية المأثورة عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)، أو عن أحد الأئمة الأطهار من أهل البيت (عليهم السلام).

6- بعض أبيات شعرية في مديح النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)، وأهل بيته، أو رثائهم

وفي هذه الدوريات يقتصر الحضور على أبناء الطائفة الإمامية من نخليين وغيرهم، ولذا يتوهم البعض أن هذه المجالس محاطة بالسرية. لكن الواقع غير ذلك، فليس لدى أصحاب المجالس، أو مرتاديها مانع في أن يحضر من شاء من المسلمين، بل يرون ذلك عاملا على تلاشي الأوهام والظنون التي روَّج لها الجهل من جهة والتعصب من جهة أخرى.

ومن المظاهر التي عرف بها النخليون كما سائر المسلمين في بلادنا ظاهرة التكافل الاجتماعي والإنفاق وإطعام الطعام، ومواساة الأغنياء للفقراء فهم كبقية أفراد الشعب على تفاوت في مركزهم المالي فهناك رجال أعمال أثرياء وهناك طبقة متوسطة -وهم الأغلب- وهناك الفقراء الذين يحتاجون إلى مديد العون والمساعدة، والنخليون على تواصل مع إخوانهم المسلمين من أبناء المذاهب الأخرى في المدينة المنورة، بل وفي كل أنحاء المملكة وخصوصا مع أولئك الذين يتصفون بالأدب والإنصاف واحترام حقوق الآخرين، فالمشتركات -كما يعرف الجميع- أكثر بكثير من نقاط الاختلاف. وحيث أن النخليين يزورون الدول المجاورة، ولاسيما سوريا والعراق وإيران لزيارة مراقد أهل البيت(عليهم السلام) هناك. وحيث أنَّ المدينة المنورة تستقبل الحجاج والمعتمرين والزوار على مدار السنة؛ فمن الطبيعي أن تنشأ علاقات احترام مع المسلمين في تلك الدول. لكن ذلك لا يعني، ولن يعني أبدًا، التساهل في مسالة الولاء الوطني لهم، فحب الوطن أمر فطري، وطبع إنساني قبل أن يكون فريضة شرعية، فولاء النخليين لوطنهم أمر لا يمكن التشكيك فيه، ويرون من يحاول إثارة مثل هذه الأمور من النوع الذي يحاول الاصطياد في الماء العكر، ومن الذين يحبُّون إذكاء الفتنة الطائفية المخالفة لأخلاق الرسول محمد (صلى الله عليه وآله وسلم) الذي جاءت دعوته لدحر الفرقة ولم الشمل. قال تعالى: ﴿وَاعْتَصِمُواْ بِحَبْلِ اللّهِ جَمِيعًا وَلاَ تَفَرَّقُواْ وَاذْكُرُواْ نِعْمَةَ اللّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنتُمْ أَعْدَاء فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُم بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا وَكُنتُمْ عَلَىَ شَفَا حُفْرَةٍ مِّنَ النَّارِ فَأَنقَذَكُم مِّنْهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ (الأعراف: 103)، وفي آية أخرى يأمر المولى عز وجل بالطاعة، وينهى عن النزاع والتشرذم لأنه أحد أسباب فشل المسلمين مقابل أعدائهم. قال تعالى: ﴿وَأَطِيعُواْ اللهَ وَرَسُولَهُ وَلاَ تَنَازَعُواْ فَتَفْشَلُواْ وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ وَاصْبِرُواْ إِنَّ اللّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ (الأنفال: 46)، ووفقا لهذه التعليمات الربَّانية فان النخليين -برغم قناعتهم التامة بما هم عليه من مبادئ ليس لأحد محاسبتهم عليها إلا الله عز وجل- إلا أنهم يمدُّون أيديهم إلى بقية إخوانهم من شرائح المجتمع للعمل في ظل المشتركات من أجل عزة الإسلام، وكرامة الوطن كما يعذرون إخوانهم من الطوائف الأخرى فيما يختلفون معهم فيه، ويطلبون من إخوانهم أن يعذروهم أيضا في تلك الأمور، وذلك نبذًا للعصبية، وتركا للتدخل فيما يعده المرء للقاء ربه، والتركيز على المصالح العليا للمسلمين، والحفاظ على أمن الوطن، والمواطنين جميعا بل وجميع من يسكن هذه البلاد من المقيمين أيضا سواء كانوا مسلمين أم غير مسلمين، حيث أنهم دخلوا في ذمة الدولة الاسلامية.

(1) أبو محمد الحسن بن علي بن الحسين بن شعبة الحراني، تحف العقول عن آل الرسول، مؤسسة الأعلمي للمطبوعات، بيروت، لبنان، الطبعة الخامسة، 1394هـ1974م، ص: 364.

(2) الإمام أبو سعد عبد الكريم بن محمد بن منصور التميمي السمعاني، الأنساب، مجلس دائرة المعارف العمانية، مطبعة حيدر آباد، الدكن، الهند، الطبعة الأولى، 1402هـ 1982م، جـ 13/ 70-71.

(3) عبد الرحمن الأنصاري، تحفة المحبين والأصحاب في معرفة ما للمدنيين من الأنساب، المكتبة العتيقة، تونس، الطبعة الأولى 1390هـ 1970هـ.

(4) أحمد السباعي، تاريخ مكة، دار مكة للطباعة والنشر والتوزيع، مكة المكرمة، الطبعة الرابعة، جـ1/95. الهامش.

(5) محمد حسين زيدان، ذكريات العهود الثلاثة، مكتبة ضياء، المدينة المنورة، الطبعة الأولى، 1408هـ، ص: 23.

(6) نفس المصدر ص: 24.
كاتب - السعودية
322878