شاعر من واحة الأحساء
(حسن بن محمد الباذر)
ناجي بن داوود الحرز * - 13 / 10 / 2007م - 9:31 ص - العدد (46)

لقد وضع النقاد والفلاسفة مئات التعريفات للشعر، ولم يكونوا مخطئين، ولا مختلفين، فلكل شاعر عالـَمٌ مختلف ينطبق عليه من تلك التعاريف ما لا ينطبق على غيره.
يقول الشاعر(اندريه بروتون): (الشعر هو الشكل الوحيد لانعتاق الإنسان في معركته ضد القوى التي تضطهده). ويقول (رامبو): (الشعر هو ذلك الفعل الشعري القابل لكل المعاني)
ويقول (مخائيل نعيمة): (الشاعر كاهن لأنه يخدم إلها هو الحقيقة والجمال).
وهذه هي التعريفات التي وجدتها تناسب أكثر من غيرها شاعرنا الأستاذ (حسن بن محمد الباذر).
فهو المتمرد، والناقم -دائما- على كل ما يحسه يتعمد كرامة الإنسان و حريته، وهو المحلق بجناحين فضفاضين في آفاق اللغة ومساربها، وهو المفتون بالجمال، والباحث عن الحقيقة.
ولد الأستاذ حسن الباذر في الأحساء عام 1376هـ، حاصل على شهادة (البكالوريوس) في اللغة العربية من جامعة الملك سعود بالرياض عام 1399هـ، ويشتغل بتعليم اللغة العربية وآدابها في المدارس الثانوية بالأحساء. كما أمضى ثلاث سنوات في تعليم اللغة العربية لغير الناطقين بها في مملكة (تايلند) مبعوثا من وزارة المعارف السعودية.
* عضو (الجمعية العربية السعودية للثقافة والفنون)، وكان مقررا للجنة الثقافية بالجمعية لسبع سنوات متواصلة.
* عضو (منتدى الينابيع الهَجرية الأدبي).
* نشر بعض عطاءاته الشعرية والنثرية في عدد من الصحف المحلية.
* له حضور بارز في الإحتفالات والمهرجانات الثقاقية، والولائية والإجتماعية بالأحساء.
* له مجموعة شعرية مخطوطة.
يُعتبر الأستاذ حسن الباذر من الرواد المؤسسين للحركة الشعرية المعاصرة في الأحساء حيث لمع اسمه، وذاع صيته في وقت مبكر من انطلاقة نهضة شعرية جديدة وواسعة في الأحساء بدأت ملامحها تظهر قبل ما يقارب الخمسة والعشرين عاما، أي حوالي العام 1400هـ. فقد انفرد بكثير من الأضواء والإعجاب من الجماهير الأحسائية التي كانت مأخوذة بقوة شاعريته، وبأدائه المتميز وبجرأته النادرة آنذاك. فكان فارس الإحتفالات والمهرجانات الولائية المجلي، ونجمها المتألق يزدحم إليه عشاق الشعر، ويتلقفون قصائده تلقف الجواهر واليواقيت.
وقد انضم الأستاذ حسن إلى (منتدى الينابيع الهجرية الأدبي) الذي تأسس نهاية عام 1407هـ كشاعر معروف، وكعضو فاعل، وشارك في الكثير من الاحتفالات والأمسيات الشعرية التي يقيمها المنتدى في نواحي الأحساء وفي مختلف المناسبات.
كما يُعتبر الأستاذ حسن الباذر من رواد الحداثة الشعرية في الأحساء أيضا؛ فقد كان ميله مبكرا للخروج عن السائد آنذاك وهو القصيدة العمودية الكلاسيكية؛ فقد كان يكتب قصيدة التفعيلة، و(قصيدة النثر) ومن المرجح أنه أول من كتبها من شعراء الأحساء الشباب في العصر الحديث.
هذا إضافة إلى بقائه رائدا من رواد القصيدة العمودية الأصيلة، وفارسا من فرسانها الذين لا يشق لهم غبار. فلم يقلب لها ظهرالمجن، ولم يتنكر لمكانتها، وسأعرض بعض الشواهد من شعره أرجو أنها تعطي صورة واضحة عن تجربته المميزة.
يقول في قصيدته (الخفافيش):
الخفافيش على نافذتي
تنقر بابي
وأنا أسأل ُ عن حالي ومابي
أنا لا أفهم شيئا
أنا لا أعرف أسباب اغترابي
ما مصابي؟
ما الذي يحدث حولي؟
لم جاؤوا؟ ما الذي جاء بهم؟
ما الذي جاء بهم من غرف المسخ وكثبان الترابِ؟
ما الذي أيقظ فيهم
نزعة السطو وشيطان الخراب؟
ما الذي جاء بهم في بيتنا؟
في قرننا العشرين؟
من عصر النفايات وأكداس الذبابِ؟
من عهود الغي من عصر الحراب؟
ما الذي جاء بهم في بيتنا؟
ولماذا يركضون الآن من بابٍ لبابِ؟
أنا لا أعلم شيئا
غير أني غارقٌ أقرأ في هذا الكتاب
وكتابي مزقوهُ مثلما
مزقوا من قبله حتى ثيابي
وثيابي صادروها مثلما
صادروا من قبلها حتى حضوري وغيابي
ويقول في الشاهدة الثانية من قصيدة (خمس شواهد على قبر مسلم بن عقيل):
تجيء كما الحلم المستشري
على صهوة ٍ لا تُردّ
في البر مَدوا
وفي البحر مدوا
وأنت على نخلة بالعراق تشد
لا تمروا.. لا تمروا
فوجهي صار عاصمة ً
وقميصي سفارة ً
يسعفني السيفُ أو الحتفُ
ولا يسعفني التزلف في دهاليزهم
ويقول في الشاهدة الرابعة:
مسلم بن عقيل
يجوب فلاة الربع الخالي
ووادي الدواسر.. وصحراء اليمامة
يبحث عن زوادةٍ يسند بها قامته المنهكة
وعن شفرة ٍ للحلاقة
وابن عقيلٍ هذا
يرفض طوابير اللاجئين
والبطاقة الحمراء، و كروت الإعاشة
تماما كأطفالنا

ويقول في قصيدة (مدخل لأبجدية الحزن):
قلت لهذا المحطم من أول العمر: ارتحل.. فارتحلتُ
قلت لهذا المُعنّى:
احمل حقائبك المشتهاة وسافر
بكيتُ على دكة الباب حين الوداع
فكفكفتُ دمع الخواطر
ورحتُ ووشم العشيرة يمتد يمتد
ما بين خاصرتي، وحزن النواظر
سافرتُ بالنوق والربو والجدري والكبت والنكبة
ووجهي المشاع
يا وجه أمي
صارالحزن أغنية
وصار الجوع أغنية
وصار الموت أغنية
على الطرقات، وفي الفجاج، وفي الحقول الذابلة
ياوجه صاحبتي القروي
فيك ينكسر الظل فأنكسرُ مرتين
مرة حين ترحل القافلة
ومرة حين تبكين في الحافلة

ويقول في قصيدة (لكل المواليد.. إلى محمد المولود في 12/3/1412هـ):
لكل الطفولة هذا الصباح
أقدم حبي
وروحي فداء
وباقة وردٍ جميلة ْ
فحبي نهار وفتحٌ مبين
وروحي مخلقة من تراب بلادي
من البدء ممزوجة بجرح الصبا
ودواعي الحنين
وباقة ورديَ
حلم المدينة بالنصر
وعطر البنفسج والياسمين
سلام ٌ عليهم
ومنهم يجيء السلام
هم الطيبون (الذين يمشون على الأرض هونا)
ومنهم يجيء السلام الذي لا يغادر الأرض
منذ زمان الغزاة
الأولى غيروا شكل الطفولة
داسوا الأجنّة
بأحذية الفاتحين
لوثوا وجه البراءة
لوثوا الشمس بالشاحنات
وباللافتات الهزيلة
إلى أن يقول:
مواليد هذا الصباح الجديد
تغير وجه الطبيعة
تزين وجه الكرة الأرضية
تجيء المواسم فيها ابتداءً
تصير الفصول
كتبا مدرسية، حقائبَ، دفاتر، أقلاما
ألوانا سحرية
يصير القمر العربي رغيف خبز
والأرض أرجوحة
والوطن قصب سكر
ويتزوج الأطفال اليوم قضيتهم
وتلد الأرض العربية
بشتى الخيول الأصيلة
سلاما سلاما
سلاما لهذي الوجوه الجميلة.

ويقول في قصيدة: (من تداخلات الرمل والبسملة):
يدحو (أبو حسنٍٍ) باب خيبر
تـُرد له الشمس، تسلم الكواكب
تصهل خيول الفتح
تخفق السنابك مزهوة على الطرقات
مابين (زويلة والقيروان)
تهتز نواويس الظلمة
تندك عروش الدراويش
تتشكل الصلبان غيما من الوحل والقار
فتشرع الشام أبوابها للنور
تتهاوى حصون فارس بين عينيه
تخر قباب (هرقل)
تتساقط قلاع الروم واحدةً واحدة
ترتفع منائر، منابر، قباب
حمائمُ تطلق اجنحتها للفجر
فترفرف فوق قمة (أحد) راية خضراء
مخطوط عليها بماء الذهب:
(قل هو الله أحد
الله الصمد
لم يلد ولم يولد
ولم يكن له كفؤا أحد)

ويقول في قصيدة تداعيات في زمن الانتظار:
هم سورة النور والفرقان منزلهمْ
آيُ الكتاب، وهم هديٌ وهم قِيَمُ
وهم شفاءٌ لمن في قلبه مرضٌ
وهم نجاةٌ لمن زلـّتْ به قدمُ
تنفّس الصبحُ عن ترتيل مئذنةٍ
بالرافدين فأصغى من به صَمَمُ
وانزاح جنح الدجى عن نور غرته
ومزق الستر برهانٌ ونـزّ دمُ

تحية كبيرة إلى الأستاذ الشاعر حسن بن محمد الباذر
مع رجاء أن لا تطول هذه الدعة التي بدأ يميل إليها، وأن يعود مجلجلا ضخمًا كما كان.
أن يقدم عطاءاته للقراء وللدارسين مطبوعة بين دفتين بأقرب وقت، ليأخذ حقه من الدراسة والثناء

شاعر وكاتب
219240