(عنترة بن شدّاد نموذجًا) 2/3
إنصاف الخصم في شعر الحرب عند شعراء العصر الجاهلي
عبدالله فيصل آل ربح * - 9 / 9 / 2008م - 4:30 م - العدد (41)

الفصل الثاني: إنصاف - امتداح الخصم في الشعر الجاهلي

المبحث الأول: تعريفه ومصادر دراسته:

بالرغم من أنّ هذا الموضوع لم يُفرَد بالدراسة المستقلة في بحثِ مستقل، فإنّنا نجده قد عُرف، قديما، بـ(شعر المنصفات)، وقد أشار له الدكتور عفيف عبد الرحمن في كتابه (الشعر وأيام العرب في العصر الجاهلي) بقوله: «والمنصفة: مقطوعة، أو قصيدة من الشعر يقولها الفارس مصوِّرا خصمَه، أو خصومَ قومه، ومحاولا إنصافهم بإعطائنا صورة حقيقية لشجاعتهم ونبلهم»(1). ولو رجعنا لمعجم المصطلحات العربية في اللغة والأدب لوجدنا تعريف المنصفات يقول: «هو لقب للقصائد الجاهلية التي لم يبدّل قائلوها الحقائق فيها، فيعترفون بهزيمة أقوامهم إن هزموا، وبفرارهم إن ولولا الأدبار، ولا يبخلون على أعدائهم بوصف شجاعتهم وبلائهم في الحروب»(2).

كذلك كل من غازي طليمات، وعرفان الأشقر اللذين عدّاه من أبواب الفخر؛ إذ قالا: «وربما كانت المنصفات أروع ما في هذا الشعر، وأحفله بمشاعر إنسانية راقية، وأبعده عن الحقد والكراهية. في هذا النمط من الشعر تخفت أصوات الفخر، وتنسرب قصة الأخذ بالثأر في منسرب إنساني، وتضعف العصبية القبلية، وتمازج العداوة الصداقة، والاحتقار الإكبار، ويصور العدو اللدود بصورة الصديق الودود، ويضع الشاعر نفسه موضع خصمه، فيعبّر عمّا في نفس الخصم، فإذا الذي يحسّه الفريقان واحد. وإذا العداوة التي تلمع في الظبى والأسنة برقٌ خلّب يومض ثم يختفي»(3).

ومع ذلك لا نعدم من عدّ هذا الغرض من أبواب الفخر مثل الدكتور علي الجندي في كتابه (شعر الحرب في العصر الجاهلي) عندما عدّ قتل العظماء أو إيذاءهم ضمن أبواب الفخر(4) وصنّفها بحسب الجدول رقم (1) الذي سيجيء عرضه.

وترجع أقدم منصفة عُرفت في الشعر الجاهلي للمهلهل الذي يذكر له الأصمعي في أصمعياته قصيدة قالها يوم عنيزة في حربهم مع بكر؛ يقول فيها:

غَداةَ كَأَنَّنا وَبَني أَبينا

بِجَنبِ عُنَيزَةٍ رَحيا مُديرِ

كَأَنَّ الجَديَ، جَديَ بَناتِ نَعشٍ،

يَكُبُّ عَلى اليَدَينِ بِمُستَديرِ

وَتَخبو الشُّعرَيانِ إِلى سُهَيلٍ

يَلوحُ كَقِمَّةِ الجَبَلِ الكَبيرِ

وَكانوا قَومَنا فَبَغَوا عَلَينا

فَقَد لقَّاهُمُ لَفَحُ السَعيرِ(5)

ونجد لها عدّة أمثلة عند المفضل الضبي؛ منها قصيدة عوف بن الأحوص التي يعترف فيها بهزيمة قومه أمام كنانة وبكر وقريش، يقول فيها:

أُتيحَت لَنا بَكرٌ وَتَحتَ لِوائِها

كَتائِبُ يَرضاها العَزيزُ المَفاخِرُ

وَجاءَت قُرَيشٌ حافِلينَ بِجَمعِهِم

وَكانَ لَهُم، في أَوَّلِ الدَهرِ، ناصِرُ

وَكانَت قُريشٌ لَو ظَهَرنا عَلَيهِمُ

شِفاءً لِما في الصَدرِ وَالبُغضِ ظاهِرُ

حَبَت دونَهُم بَكرٌ فَلَم نَستَطِعهُم

كَأَنَّهُمُ بِالمَشرَفِيَّةِ سامِرُ

وَما بَرِحَت بَكرٌ تَثوبُ وَتَدَّعي

وَيَلحَقُ مِنهُم أَوَّلونَ وَآخِرُ(6)

وفي حماسة أبي تمام نجد أيضا جوانب من المنصفات لعلّ من أبرزها قصيدة زاهر أبي كرم التميمي عندما قتل خصما يقال له تيم فأنشد فيه قائلا:

لله تيم أي رمح طراد

لاقى الحِمام به، ونصل نجاد

ومحشّ حربٍ مقدم متعرض

للموت غير معرّد حيّاد

كالليث لا يثنيه عن إقدامه

خوف الردى وقعاقع الإيعاد(7)

ويطول بنا الحديث لو استعرضنا المقطوعات الشعرية الواردة في هذا الباب. ولكن، لو لاحظنا التعريفات التي جاءت لوجدنا اتفاقا بين عفيف عبد الرحمن ومعجم المصطلحات العربية في اللغة والأدب على أنّ المنصفات هي: إظهار ٌ للحقائق كما وقعت وإعطاء الخصم حجمه الطبيعي، وبالتالي فهما قد أعطيا المصطلح قدره اللغوي.

ونجد الدكتور الجندي قد حجّم المنصفات في باب الفخر، فجعلها موضوعا من موضوعاته! على عكس طليمات والأشقر اللذين حلّّقا بها - رغم إيرادهما إياها في باب الفخر القبلي - ونظرا لها على أنّها مشاعر إنسانية تسمو بنظر الشخص إلى أبعد من الفخر بأنه يقتل عظيما من العظماء، بل إنّ الشاعر يقف متأملا هذا العدو الذي يقاتله، وما به من المزايا، بل يضع نفسه مكانه حين يحاول فهم موقفه.

لكنّنا نلاحظ أن التعريفات التي تناولناها تغفل شيئا مهما هو: أن هذا اللون من الشعر - في كثير من الأحيان - يعطي للخصم صورة الممدوح، فالشاعر لا يقف من خصمه - في أحيان كثيرة - موقف الحياد، بل يسبغ عليه من الصفات ما لو قرأناه بمعزل عن الأبيات الدالة على المواجهة والقتال لما شككنا في أنه مدح، بل ربما عدَّا مدح غاليًا في ذلك البطل - الأبطال.

كذلك نجد تلك التعريفات قد ركّزت على إبراز الصفات القتالية، وهذا شيء ناقص! إذ إننا نجد بعض الشعراء قد امتدح خصمه بأكثر من صفة لا علاقة لها بالقتال؛ مثل: الكرم، رفعة النسب، الوسامة، الفحولة... إلخ.

وأخيرا أجد أن التعريف المناسب لهذا الفن هو: (إعطاء العدو صفات الممدوح) بغضّ النظر عن كون هذه الصفات تتعلق بالقتال أم بغيره، وبغض النظر عن السبب الذي يحمل الشاعر على فعل ذلك.

المبحث الثاني: لماذا يمتدح الشاعر خصمه؟ وبماذا يمتدحه؟

يتبادر لنا سؤال ملحّ مفاده: لماذا يمتدح الشاعر خصمه؟!

نعلم -جميعاً- أن الخصم في المعركة عدوّ، والعدو لابدّ أن يحطَّ من شأن عدوّه على الساحة حتى لا يفعل به عدوّه الشيء نفسه!

في الحقيقة؛ وبعد بحث مفصّل، واستعراض لنماذج الشعراء الجاهليين؛ وجدت أربعة أسباب مقنعة تدفع الشاعر لفعل هذا الشيء، وهي:

1- السمعة الحسنة:

فالشاعر في مواجهته لخصمه - والخصم لا بدّ أن يكون ندًّا كما تقدّم - سيواجه أحد مصيرين: إمّا النصر؛ ويهمه في هذه الحالة أن يتناقل الناس في مجالسهم ونواديهم أنه قتل فارسا مقداما له وزنه يحقّ لقاتله أن يفخر بأنه قد ظفر برأسه.

وإما الهزيمة والموت؛ ويهمه في هذه الحالة أن يتناقل الناس أنّ قاتله فارس مقدام شجاع ندُّ له، ولا عيب أو منقصة في نهايته على يده.

وبالتالي فمن مصلحة الشاعر ليس إنصاف خصمه وإعطائه حجمه فحسب! بل الإعلاء من شأنه، وتضخيمه -قدر المستطاع- لأنّ هذا سيعود عليه بالسمعة الحسنة. فالمسألة تتناسب طرديّا بين رفعة الممدوح/الخصم ورفعة المادح/الشاعر الْمُنصٍف بغضّ النظر عن نتيجة المعركة، إن النصر أو الموت.

2- انتزاع الإعجاب من الخصم:

فالفارس ينظر للفارس- أيا كان - نظرة احترام وتقدير ينتزعها الفارس انتزاعا من خصمه، فخير شهادة للمرء تكون من أعدائه.

يذكر الدكتور عفيف عبد الرحمن حكاية أسندها لأبي الفرج الأصفهاني في كتابه (الأغاني) ملخَّصها: أنّ دريد بن الصمّة لمّا رأى ربيعة بن مكدم -خصمه- وقد انكسر رمحه بعد أن قتل ثلاثة من خيرة الفرسان من أصحاب دريد، قال له: أيها الفارس إنّ مثلك لا يُقتَل، ولا أرى معك رمحًا، فدونك هذا الرمح، ورجع يُثبّط أصحابه عن ربيعة، فانصرف القوم، ونجا ربيعة، وقال دريد معبّرًا عن إعجابه بذلك الفارس/ العدوّ:

ما إِن رَأَيتُ وَلا سَمِعتُ بِمِثلِهِ

حامي الظَعينَةِ فارِساً لَم يُقتَلِ

أَردى فَوارِسَ لَم يَكونوا نُهزَةً

ثُمَّ اِستَمَرَّ كَأَنَّهُ لَم يَفعَلِ

مُتَهَلِّلاً تَبدو أَسِرَّةُ وَجهِهِ

مِثلَ الحُسامِ جَلَتهُ كَفُّ الصَيقَلِ

يُزجي ظَعينَتَهُ وَيَسحَب ذَيلَهُ

مُتَوَجِّهاً يُمناهُ نَحوَ المَنزِلِ

وَتَرى الفَوارِسَ مِن مَخافَةِ رُمحِهِ

مِثلَ البُغاثِ خَشِينَ وَقعَ الأَجدَلِ

يا لَيتَ شِعري مَن أَبوهُ وَأُمُّهُ

يا صاحِ مَن يَكُ مِثلَهُ لا يُجهَلِ(8)

3- الشاعر يضع نفسه مكان خصمه/ممدوحه:

الفارس يضع نصب عينيه انّه ميّتٌ لا محالة، وأنّ الموت آتٍ له سواء بالقتل أو بغيره، وفي هذا يقول عنترة العبسي:

فَأَجَبتُها إِنَّ المَنِيَّةَ مَنهَلٌ

لا بُدَّ أَن أُسقى بِكَأسِ المَنهَلِ

فَاِقِني حَياءَكِ، لا أَبا لَكِ، وَاِعلَمي

أَنّي اِمرُؤٌ سَأَموتُ إِن لَم أُقتَلِ(9)

فالشاعر عندما يرى خصمه مجندلا أو منتصرا على حدّ سواء يتمنى أنْ ينصفه خصمه، ويذكر محاسنه كما يفعل هو مع خصومه.

وإن انتصر يهمه أن يعلم الناس أن كل تلك الصفات التي أسبغها على خصمه/ ممدوحه يمتلكها هو، بل ويزيد عليها، وإلا كيف انتصر على ذلك الخصم في ظروف عادلة؟

ووضع الشاعر نفسه مكان خصمه/ممدوحه يذكّرنا هنا -مع الفارق الواضح- بالمتنبي الذي يتمثّل ذاته وهو يقول الشعر في ممدوحه. ولكن الفارق هنا أنّ الممدوح هو الخصم/ العدوّ.

4- القِيم والأخلاق النبيلة المتعارف عليها عند العرب:

وهذا ما يلخصّه الدكتور نوري القيسي في كتابه (شعر الحرب حتى القرن الأول الهجري) بقوله: «أما الإنصاف الذي التزم به الفرسان، فكان جانبا آخر تميَّزت به الروح العربية، وتلمَّست خصائصه في سلوكهم مع أعدائهم، واعترافهم بقدرتهم على الرغم من كل الأسباب التي تفرض عليهم الظهور بغير المظهر، ولكن التربية الأصيلة، والوفاء الإنساني، والثقة الكبيرة بالنفس؛ كانت تفرض عليهم هذا السلوك الذي ظل علامة من علامات مجدهم، وعزتهم ووفائهم»(10).

فالعرب ليسوا مجرّد أجلاف لا يملكون إلا عقلية المحارب الذي يقتل ويمضي دون اكتراث لمن قتل. فالأعداء أنواع، ولا بدّ من أن يفرّق بينهم، كلٌّ بحسب قدره ومكانته. فالمواجهة شيء، والنظرة للآخر شيء مختلف، لا يناقض الأول الآخر.

وإعلاء شأن الخصم، وامتداحه؛ شأنه شأن أي غرض آخر من أغراض الشعر الذي يختص بإسباغ صفات معيّنة على الموجّه له ذلك الشعر ينقسم إلى قسمين:

أ- فردي: وذلك بأن يمتدح الشاعر خصمه الشخصي الذي يواجهه رجلا لرجل. وأكثر ما نجد هذا في شعر الفرسان الذين يواجهون المعارك بأنفسهم. فالشاعر الفارس يتحدث عن خصمه الذي واجهه، ويعطينا نبذة عن شجاعته وبأسه، ويرسم لنا صورة لائقة بقدره، إضافة إلى أنه قد يعرّج على أخلاقه وشمائله الكريمة الأخرى خارج ما يتصل بالحرب. ومن أمثلة ذلك قصيدة أبي كرام التميمي - التي سبق ذكرها - وكذلك عنترة الذي سيكون نموذجنا الرئيسي في هذا البحث، ومن قوله في خصمه:

فَشَكَكْتُ بِالرُمحِ الأَصَمِّ ثِيابَهُ

لَيسَ الكَريمُ عَلى القَنا بِمُحَرَّمِ(11)

بَطَلٍ كَأَنَّ ثِيابَهُ في سَرحَةٍ

يُحذى نِعالَ السِبتِ لَيسَ بِتَوأَمِ(12)

ب- جماعي: وهنا لا يمتدح الشاعر فردا واحدا؛ بل قوما كانوا في مواجهة قومه، فيعظّم شأنهم، ويصفهم بالقوّة والبأس الشديدين. وفيه ثلاثة أقسام:

1- أن يمتدح الأعداء، ولكنّ صورة قومه، وانتصارهم حاضرة طوال مدحه لخصومه. ومن أمثال هذا ما نقله الأصمعي من قول عباس بن مرداس السلمي عندما غزا وقومه (بنو سليم) مرادا، إذ يقول:

فَلَم أَرَ مِثلَ الحَيِّ حَيًّا مُصَبَّحاً

وَلا مِثلَنا، لَمّا اِلتَقَينا، فوارِسا

أَكَرَّ وَأَحمى لِلحَقيقَةِ مِنهُمُ

وَأَضرَبَ مِنّا بِالسُيوفِ القَوانِسا

وَأَحصَنَنا مِنهُم فَما يَبلُغونَنا

فَوارِسُ مِنّا يَحبِسونَ المَحابِسا

إِذا ما شَدَدنا شَدّةً نَصَبوا لَها

صُدورَ المَذاكي وَالرِماحَ المَداعِسا

إِذا الخَيلُ جالَت عَن صَريعٍ نُكِرُّها

عَلَيهِم فَما يَرجِعنَ إِلا عَوابِسا(13)

نجد أنه يمتدح الخصم، ويقابله بامتداح الذات - القبيلة - حتى الخاتمة، فأساس الإنصاف هنا تقابلي، وإن كانت الغلبة في الختام لقوم الشاعر؛ فإننا نلمس تقابلا واضحا بين امتداح الذات وامتداح الآخر.

2- أن يمتدح الأعداء بمثل ما يمتدح قومه طوال المقطوعة (تقابل تام) إلى أن يصل إلى الختام فنفاجأ بالنهاية التي تكون لصالح قومه.

ومن أمثلة هذا: قصيدة عبد الشارق بن عبد العزى الجهني عندما تقابل قومه مع ردينة فيكاد لسانه ينطق بتكافؤ الفريقين لولا البيت الأخير، فيقول:

شددنا شدّةً فقتلت منهم

ثلاثة فتيةٍ وقتلت قينا

وشدّوا شدّةً أخرى فجروّا

بأرجل مثلهم ورموا جوينا

وكان أخي جوينٌ ذا حفاظٍ

وكان القتل للفتيان زينا

فآبوا بالرّماح مكسَّّراتٍ

وأبنا بالسّيوف قد انحنينا

فباتوا بالصّعيد لهم أحاحٌ

ولو خفّت لنا الكلمى سرينا(14)

3- أن يُهزَم قوم الشاعر أمام الأعداء، فيقف الشاعر منصفا أعداء قومه، مصورا فضلَهم وانتصارهم على قومه، معترفا – صراحة - بالهزيمة على يد هؤلاء الأعداء. ومن أمثلة ذلك قصيدة عمرو بن معدي كرب شاعر زبيد عندما هزموا من بني عبد الحارث بن كعب، وكانت (جرم) قد فرّت، وخذلت قوم الشاعر؛ فيقول:

لَحَا اللُه جَرماً كلَّمَا ذَرَّ شارقٌ

وجوهُ كلابٍ هارَرَتْ فازبَأرَّتِ

ظَلِلْتُ كأنَّي للرماحِ دريَّةٌ

أُقاتِلُ عَنْ أبناءِ جَرْمٍ وفرَّتِ

فلمْ تُغنِ جرْمٌ نهْدَهَا إذْ تَلاقيَا

ولكنَّ جَرماً في اللقاءِ ابذعرَّتِ

فلوْ أنَّ قومِي أنطقتِني رمَاحُهُمْ

نطقتُ ولكِنَّ الرِماحَ أجرَّتِ(15)

هذا وفي النفس شيء من مثل هذه المقطوعات التي لا يُستبعد أن تكون منحولة من قبل المنتصر/الممدوح على لسان المهزوم إعلاءً لشانه، ولكنّ جلد الذات، ونقدها قد يفعل بالشاعر مثل هذا.

ومن أشهر أمثلة المدح الجماعي ما قاله الأعشى في الفرس يومَ ذي قار، إذ يقول:

وَجُندُ كِسرى غَداةَ الحِنوِ صَبَّحَهُم

مِنّا كَتائِبُ تُزجي المَوتَ فَاِنصَرَفوا

جَحاجِحٌ وَبَنو مُلكٍ غَطارِفَةٌ

مِنَ الأَعاجِمِ في آذانِها النُطَفُ

إِذا أَمالوا إِلى النُشّابِ أَيدِيَهُم

مِلنا بِبيضٍ فَظَلَّ الهامُ يُختَطَفُ(16)

وهنا نجد من الضروري أن نستعرض أبرز الأشياء التي يمتدح بها الشاعر خصمه، وهي كثيرة سنورد مجملها مع مثال لكل منها:

1- الشجاعة والبطولة:

 هي تمام عدّة الفارس، وخير ما يمتدح به من يغشى الحروب، ومنها قول زاهر أبي كرام التميمي، وقد تقدّم ذكر النص كاملا في هذا البحث - في بني تيم:

كاللَّيث لا يثنيه عن إقدامه

خوفُ الرَّدى وقعاقِعُ الإيعادِ(17)

2- تمام الجسم والصحة:

ومنها قول عنترة في معلقته يصف خصمه:

بَطَلٍ كَأَنَّ ثِيابَهُ في سَرحَةٍ

يُحذى نِعالَ السِّبتِ لَيسَ بِتَوأَمِِ(18)

3- تمام السلاح والعدّة:

وفيها يقول عنترة في معلقته أيضا:

وَمُدَجَّجٍ كَرِهَ الكُماةُ نِزالَهُ

لا مُمعِنٍ هَرَباً وَلا مُستَسلِمِ(19)

4- الفحولة:

وهي سمة مرتبطة بالفروسية منذ القدم، وفيها يقول عنترة أيضا:

وَحَليلِ غانِيَةٍ تَرَكتُ مُجَدَّلاً

تَمكو فَريصَتُهُ كَشَدقِ الأَعلَمِ(20)

5- الحماية:

وهي شيمة الفارس المقدام. بل هي أهم ما يميزه، وفيها يقول دريد بن الصمّة في خصمه ربيعة بن مكدم:

ما إِن رَأَيتُ وَلا سَمِعتُ بِمِثلِهِ

حامي الظَعينَةِ فارِساً لَم يُقتَلِ(21)

ويقول العباس بن مرداس السلمي في أعدائه بني مراد:

أَكَرَّ وَأَحمى لِلحَقيقَةِ مِنهُمُ

وَأَضرَبَ مِنّا بِالسُيوفِ القَوانِسا(22)

6- الهيبة:

وهذه الصفة هي التي تجعله يلقي الرعب في قلوب أعدائه قبل أن تبدأ المعركة، ولو عدنا لبيت عنترة القائل:

وَمُدَجَّجٍ كَرِهَ الكُماةُ نِزالَهُ

لا مُمعِنٍ هَرَباً وَلا مُستَسلِمِ(23)

لوجدناه خير دليل على هذا.

7- قتل الأبطال:

وهي صفة للبطل الذي لا يقتل إلا من هو بطل مثله، وفيه يقول دريد بن الصمّة:

أَردى فَوارِسَ لَم يَكونوا نُهزَةً

ثُمَّ استَمَرَّ كَأَنَّهُ لَم يَفعَلِ(24)

8- البِشْر وتهلل الوجه:

وهي صفة البطل الذي لا يعبأ بالحروب، فيظل محافظا على إشراقة وجهه، وفيه يقول دريد بن الصمّة:

مُتَهَلِّلاً تَبدو أَسِرَّةُ وَجهِهِ

مِثلَ الحُسامِ جَلَتهُ كَفُّ الصَيقَلِ(25)

9- الكرم:

وهي رأس المكارم، وخير ما يفخر به العربي، وفيها يقول عنترة:

فشككت بالرّمحِ الأصمِّ ثيابَهُ

ليسَ الكريم على القَنا بمحرّمِ(26)

10- شرب الخمر:

والفخر لا يكون بالخمرة لذاتها، ولما تصنعه بالرأس، ولكن لكونها دلالة على الكرم والبذل، وهذا الذي يجعل الشاعر يفخر بهذه الميزة، ويسبغها على ممدوحيه.

يقول عنترة ممتدحا عدوه/ ممدوحه بأنه يشتري الخمرة من التجار، ولا يبقي منها شيئا:

ربذ يداه بالقداحِ إذا شتا

هتاك غايات التجار ملوم(27)

هذه هي أبرز الصفات التي يجدها الشاعر مناسبة لإعلاء شان خصمه فيمتدحه بها.

المبحث الثالث: علاقة إنصاف الخصم بالأغراض الشعرية الأخرى:

هذا الغرض - شأنه شأن غيره من أغراض الشعر الأخرى - لابدّ أن تكون له علاقة -سلبية أو إيجابية - مع بقية الأغراض الشعرية التي لا بدّ وأن يرد مع أحدها في نصّ شعري واحد، أو في سياق نصوص متتابعة لها علاقة ببعضها. فليس ثمّة قصيدة إنصاف خالصة من دخول بقية الأغراض الشعرية معها. حتى إنّنا نجد موضوع إنصاف الخصم- أحيانا - منصهرا في بعض الأغراض الأخرى.

وسنحاول في هذه العجالة استعراض أهم الأغراض التي لها علاقة بإنصاف الخصم في الحرب، سواء كانت هذه العلاقة سلبية أو إيجابية، وأهم هذه الأغراض هي: الفخر، التهديد والوعيد، الهجاء. وقد استبعدنا المدح لأن إنصاف الخصم إنما هو مدح له، وقد عبّرنا عن هذه المدح بمصطلح الإنصاف. ولنستعرض هذه العلاقة كما يلي:

1- الإنصاف قرين الفخر:

ولعلّ هذا الغرض - الفخر - هو أكثرها ارتبطا بإنصاف الخصم، فمهما كان غرض الشاعر من إعلاء شأن خصمه، يبرز لدينا الفخر بأنّه هو –الشاعر - من أجهز على هذا البطل الذي رسم لنا شخصيته، وصوّر بطولاته. ثمّ في نهاية الأمر يخبرنا بأنّه هو الذي وضع حدّا لحياته. ولو طالعنا الكثير من قصائد الشعراء الذين امتدحوا خصومهم لوجدنا أن مدحهم لهؤلاء الخصوم قد جاء في سياق فخرهم بأنفسهم؛ حتى أنّ بعض الباحثين قد عدّ إنصاف/امتداح الخصم موضوعا من موضوعات الفخر، ومن هؤلاء الدكتور علي الجندي في كتابه (شعر الحرب في العصر الجاهلي) الذي رأى فيه أنّ من أبواب الفخر: >قتلَ العظماء وإيذاءهم: ويشمل ذلك ما أنزلوه من محن وآلام بالملوك والرؤساء والسادة والسراة والأبطال، وكلّ من له مكانة سامية<(28). ثمّ يورد رسمًا بيانيا يوضّح فيه تكرار كلّ صفة من صفات الفخر لدى العرب في شعر الحرب، ومن ضمنها: قتل العظماء (رقم5)(29).

الترتيب

 
 

صفة الفخر

 
 

تكرارها

 

1

 
 

الشهامة والمروءة

 
 

153

 

2

 
 

الإيقاع بالعدو

 
 

147

 

3

 
 

الشجاعة

 
 

140

 

4

 
 

القوّة

 
 

101

 

5

 
 

قتل العظماء

 
 

70

 

6

 
 

الكثرة

 
 

59

 

7

 
 

الخبرة الحربية

 
 

55

 

8

 
 

المجد الحربي

 
 

43

 

9

 
 

الدفاع

 
 

42

 

10

 
 

الرئاسة

 
 

30

 

11

 
 

التضحية بالنفس

 
 

23

 

12

 
 

الصبر

 
 

20

 

 

2- الإنصاف قرين الاعتذار:

في غرض الاعتذار نجد الشاعر يبرّر ويورد الأسباب التي أدّت إلى تلك الهزيمة. فيبدأ بوصف الهزيمة بأنها شيءٌ عارض، وبأنه وقومه ليسوا أول من هُزم، ثمّ بعد ذلك يبدأ بتبرير وقوع الهزيمة. ولعلّ أقوى تبرير يبرز لنا هو ميل الظروف لصالح الخصم وتفوقه؛ سواء كان هذا التفوق في العدد أو في العدة والسلاح، أو أنهم قد أخطأوا في رسم الخطة. ثم يرجع ويقول بأنه لو تكافأت الظروف لما حصل ما حصل، ولكانت الغلبة لهم وليس لأعدائهم.

ولكنّنا نهتم هنا باعترافه بالهزيمة أولا، وبوصفه خصومه بصفات المدح - وإن لم يكن يروم ذلك - ولكنّ زيادة العدد والعدّة وإحكام الخطة هي صفات مدح.

ويروي الدكتور علي الجندي عذرا لورقاء بن زهير الذي اخفق في قتل خصمه لأنّه كان يرتدي دروعا متينة فيقول:

فشُلّتْ يميني يومَ أضربُ خالدًا

ويحصنهُ منّيْ الحديدُ المظاهرُ(30)

كذلك نجد لدى الشعراء في اعتذارهم إشارة إلى الانتقام، والتوعد لأعدائهم -مبالغين أحيانا- بما يزمعون القيام به من مهاجمتهم، والإيقاع بهم.

3- الإنصاف نقيض الهجاء:

كما إنّ المدح هو غطاء الصفات الإيجابية للمدوح، فإنّ الهجاء هو نفي تلك الصفات، وإعطاء المهجوّ الصفات السيّئة، وبالفعل؛ فالشاعر غالبا ما يهجو أعداءه، ويسفههم، ويحطّ من شأنهم قدر المستطاع، وفي ذلك يعرّف الدكتور محمد محمد حسين الهجاء فيقول: «الهجاء أدب غنائي يصور عاطفتَي الغضب أو الاحتقار والاستهزاء. وسواءٌ في ذلك أن يكون موضوع العاطفة هو الفرد أو الجماعة أو الأخلاق أو المذاهب<(31). وهذا على العكس تماما مما نتناوله في بحثنا هذا من إعلاء شأن الخصم، ومدحه بصفات عظيمة ترفعه لأعلى الرتب.

وهنا يبرز لنا سؤال ملّح مفاده: كيف ينظر الشاعر لخصمه؟

فإن كان يزدريه، وينظر له نظرة احتقار فإنّه يهجوه ويستخف به ويتهدّده، مثلما يروى لعنترة في هجائه عُمار بن زياد الذي كان يحسد عنترة، فيقول عنترة هاجيا إياه:

حَولي تَنفُضُ اِستُكَ مِذرَوَيها

لِتَقتُلَني فَها أَنا ذا عُمارا

مَتى ما تَلقَني فَردَينِ تَرجُف

رَوانِفُ أَليَتَيكَ وَتُستَطارا(32)

أمّا إن كان يراه كفؤا كريما - ندًا له، أو دون ذلك بقليل، ولكن العداوة ونداء الحرب من أجل القبيلة يلزمانه بمقاتلته؛ فإنّه ينصفه، بل ويزيد في امتداحه –أحيانا - بما يسبغه عليه من الصفات الكريمة.

(1) عفيف عبد الرحمن، (الشعر وأيّام العرب في العصر الجاهلي)، مرجع سابق، ص: 302.

(2) مجدي وهبة وكامل المهندس، (معجم المصطلحات العربية في اللغة والأدب)، مكتبة لبنان، ط2، بيروت، 1984م، ص: 391.

(3) غازي طليمات وعرفان الأشقر، (الأدب في العصر الجاهلي: قضاياه – أغراضه –أعلامه - فنونه)، دار الإرشاد، ط1، حمص، 1992م، ص: 150.

(4) علي الجندي، (شعر الحرب في العصر الجاهلي)، مرجع سابق، ص: 221.

(5) أبو سعيد الأصمعي، (الأصمعيات)، مرجع سابق، الأصمعية: 53.

(6) المفضل الضبي، (المفضليات)، تحقيق أحمد شاكر وعبد السلام هارون، دار المعارف، ط 3، القاهرة، 1963م، المفضلية: 10.

(7) أبو تمام حبيب بن أوس (الحماسة)، شرح المرزوقي، دار الجيل، ط1، بيروت، 1992م، ص: 672.

(8) عفيف عبد الرحمن، (الشعر وأيام العرب في الجاهلية)، ص: 304.

(9) عنترة، (ديوان عنترة)، تحقيق محمد مولوي، مرجع سابق، ص: 103.

(10) نوري حمودي القيسي، (شعر الحرب حتى القرن الأول الهجري)، مرجع سابق، ص: 6.

(11) عنترة، (ديوان عنترة)، تحقيق محمد مولوي، مرجع سابق، ص: 212.

(12) نفسه، ص: 210.

(13) عبد الملك الأصمعي، (الأصمعيات)، مرجع سابق، الأصمعية رقم: 70.

(14) أبو تمام حبيب بن اوس الطائي (حماسة أبي تمام)، شرح المرزوقي، مرجع سابق، ص: 448.

(15) عبد الملك الأصمعي، (الأصمعيات)، مرجع سابق، الأصمعية، رقم: 34.

(16) ميمون بن قيس الأعشى، (شرح ديوان الأعشى الكبير)، تحقيق وشرح حنّا نصر الدين الحتّي، دار الكتاب العربي، ط1، بيروت، 1992م، ص: 210.

(17) أبو تمام حبيب بن أوس الطائي، (حماسة أبي تمام)، شرح المرزوقي، مرجع سابق، ص: 672.

(18) عنترة، (ديوان عنترة) تحقيق محمد مولوي، مرجع سابق، ص: 212.

(19) عنترة، (ديوان عنترة)، تحقيق محمد مولوي، مرجع ص209.

(20) نفسه، ص: 207.

(21) عفيف عبد الرحمن، (الشعر وأيام العرب في الجاهلية)، مرجع سابق، ص: 304.

(22) عبد الملك الأصمعي، (الأصمعيات)، مرجع سابق، الأصمعية، رقم: 70.

(23) عنترة، (ديوان عنترة) تحقيق محمد مولوي، مرجع سابق، ص: 209.

(24) عفيف عبد الرحمن، (الشعر وأيام العرب في الجاهلية)/ مرجع سابق، ص: 304.

(25) نفسه، ص: 304.

(26) عنترة، (ديوان عنترة)، تحقيق محمد مولوي، مرجع سابق، ص: 210.

(27) نفسه، ص: 211.

(28) علي الجندي، (شعر الحرب في العصر الجاهلي)، مرجع سابق، ص: 221.

(29) نفسه، ص: 222.

(30) نفسه، ص: 276.

(31) محمد محمد حسين، (الهجاء والهجّاؤون في العصر الجاهلي)، دار النهضة العربية، ط 3، بيروت، 1970م، ص: 16.

(32) عنترة، (ديوان عنترة)، تحقيق محمد مولوي، مرجع سابق، ص: 234.
ناقد
239428