نحو تصحيح اتجاه البوصلة
بعد خمس سنوات من رحيل السيد علي العوامي
حسن البريكي * - 13 / 10 / 2007م - 9:32 ص - العدد (46)

حين أبلغني الصديق زكي أبو السعود، مبتدأ هذا الأسبوع، عن النِّيَّة في إقامة ذكرى مرور خمس سنوات على رحيل أستاذ الجيل، الأستاذ سيد علي العوامي، رحبت بهذه المبادأة، غير أني، عند سؤاله إيَّايَ عن استعدادي للمشاركة، تحيَّرت في أمر الإجابة، فليس في جعبتي عن هذه الشخصيةِ إلا القليل إذا قست ذلك بحجم تأثيرها على أجيال متتالية، حياته التي ناهزت الثمانين عاما كانت حافلة بالأحداث والعبر، وهذا ما كَفِل للسيد الأستاذ أن يكون شاهدًا موثوقًا على عصرين كاملين؛ عصرِ ما قبلَ النفط، وعصرِ ما بعدَه.
من منطلقٍ علميٍّ ومَدَنِيٍّ تميَّز العصر الأول ببدائيةٍ في كل ميدان. كان الظلام في الواقع المادي وفي العقول. كان المجتمع يمثِّل حيًّا مغلقًا، وكانت استمراريته استمرارية بيولوجية لا أكثر، مع وجود كُوَّاتٍ، هنا وهناك، تسمح بإضاءات باهتة تميزت في بعض الكتاتيب، وفي بعض أسر كريمة أتاح لها المال والوجاهة أن تتفرَّغَ لما سُمِّيَ، حينئذٍ، بالعلم.
لو كان المرحوم بيننا اليوم لحكى لنا كثيرًا من المضحكات المبكيات عن ذلك العهد، ومع ذلك فقد هيَّأ هذا الشيء القليل من علم ذلك الزمان لنفر من الشباب أن يلتقطوا موجات باهتة هبَّت عليهم من هنا وهناك؛ البحرين القريبة كانت ذات تأثير بالغ في تشكيل جيل العصريين، أي جيل حداثة ذلك الزمن. تلا ذلك بداية الاحتكاك بالأوساط الثقافية في العراق والشام ولبنان ومصر، ثم تتالت موجات العصر الجديد موجة بعد موجة، لكن أهم موجة غيرت وجه المنطقة هي اكتشافُ النفط، وكان بطلنا العوامي في دوامة هذه المتغيرات؛ يُتحدَّى، ويستجيب، ويتكيف مع كل موجة بمزيد من العلم والمهارة.
أترك الاستطراد في هذا الموضوع، لأتملى في الدواعي التي حدت بالأساتذة الكرام الذين فكروا في إقامة هذه المناسبة، ويحضرني هنا - على سبيل التخمين – أن فكرة إحياء هذه المناسبة نابعة من رغبة في إعادة التواصل بين أجيال المجتمع، وتنشيط الذاكرة عن مرحلة أهملها التاريخ مع أهميتها وتأثيرها في استمرار كيان مجتمع حضاري متجانس يدأب على ألاَّ يهمَّش، وأن يحتفظ لنفسه بشيء من الهوية في زمن “بلدوزر” (العولمة) الكاسح.
كانت الخمسينيات والستينيات، والسبعينيات من القرن الماضي ذروة الفعل المجتمعي بأفكار الإصلاح، واندفاعات التغيير، كانت هذه تمثل إعصارًا لا يستطيع أحد أن يصده أو يقف في وجهه، وكان ما كان من دفع الأثمان، وكان ما كان من أثر تلك الضيافات الكريمة التي لم تترك أحدًا إلا أصابته برذاذها، ويمكن القول إن مرحلة أتت، بعد ذلك، تميزت بالانكفاء والتراجع. كان أبطالها يقضون أوقاتهم في نسيان ما فات، أو التبرؤ منه، وقليل، قليل مَن حافَظَ على الومضة تحت الرماد، وكان أبو كامل من هؤلاء القلة.
ثم جاء “سونامي” (الطفرة)، في أوائل السبعينات، فانخسف الكون، وتحطمت المنظومة المتعارف عليها من سلوكيات وأخلاق، ومُثُل، وحلَّت مرحلة (انج سعدُ فقد هلَكَ سعيد). لقد فتحت “الطفرة” آفاقًا تاريخية لإعادة هيكلة المجتمع، وصار الشعار: (أنت ما تملك، لا أنت ما تُسهم به). كان الإغراء كاسحًا مدمِّرًا، وكان طوفانًا هائلاً لم ينج منه إلا قِلَّة.
ثم توالت قفزات التكنولوجيا فجاءت الفضائيات، والشبكة العنكبوتية، وكل تقنيات المعلومات؛ فدُقَّ، بذلك، آخر مسمار في نعش الهيبة التقليدية؛ الآباء فقدوا سلطتهم على الأبناء. المدرسون الذين يفخرون ببيت شوقي:
«قم للمعلم وفِّه تبجيلا» عدلوا صدر هذا البيتِ إلى: «قم للمعلم وفِّه تركيلا» أو (تنكيلا).
في المعنى الإيجابي أصبح هذا العصر عصر التمكين (empowerment)، والفردية المبدعة، لكن بعض القوم المقيمين على العهد نعتوه بـ “الفردانية”، وانهيار المنظومة الوطنية والأخلاقية، والدينية، وفقدان البوصلة، ولعل لكل فريق حججه ومنطلقاته.
حين نتحسس هذا الواقع تخطر بذاكرتنا دواعي الحنين إلى الإنسان؛ الإنسان الملتزم بمنظومة أخلاق عالية، الإنسان الراسخ في هويته، الإنسان الطامح أن يكون عنصرَ بناء في هيكل مجتمع الغد. إننا، إذن، نصبو إلى عملية إحياء تعيد التوازن قليلاً لوضعنا الراهن. مِن هنا تأتي الحاجة إلى استذكار صفات المحتفى بذكراه هذه الليلة. الأستاذ المرحوم أبي كامل، ربما يحفزنا هذا الاستذكار على درء أخطار أشد وأقسى تلوح في الأفق.
 وفيما يلي تلخيص انطباعي عن أستاذ الجيل: أولى صفاته (رحمه الله) أنه كان كالفراشة، ولد عاشقًا للنور، هو مثلها في تحليق وهبوط دائمين، ينقل الرحيق المحمل ببذور المحبة والثقافة والتفاؤل على كل الدنيا. ولَعُهُ بالنور كان معه منذ البدايات؛ فهو كان في سعي دؤوب دائم للتعلم. كانت الدنيا، حينها، يحكمها ظلام المكان، وظلام العقل. أتخيَّلُه في مبتدأ حياته وهو يقرأ القرآن والتراث على ضوء الشموع، وأتخيله مولعًا بالشموع يُهديها إلى أصحابه وأترابه لكي يشاركوه مسار الكشف الصعب. في بواكير عمري وقعَتْ في يدي محاولة كتابة أدبية كتبها أخي الأكبر مرصَّعة بتصحيحات وملاحظات “أبي كامل”، حتى في ذلك الوقت المبكر كان يُنظر إليه راعيًا للمواهب، وهو أمر ظل المرحوم يتابعه إلى آخر يوم في حياته.
ثاني صفاته رحمه الله: أنه كان مهيَّئًا - بحكم تكوينه – أن يكون رائدًا متحرِّرًا. أقول ذلك لأن آخرين أحيطوا بالعناية والاهتمام من أسرهم لكنهم فشلوا أن يضيئوا “شموعهم” الذاتية، وحين انقطع المدد عنهم باتوا نسيًا منسيًّا. أما أبو كامل فقد اشتعل القنديل في داخله فصار همه مواصلة رحلة الكشف والاطلاع التي لم تنقطع لحظة واحدة في حياته. من كان يتصور أن يلتقي الرجل المطل على الثمانين في حينها وهو يصعد الدرج لاهثًا في مؤتمرات الثقافة في البحرين والرياض والقاهرة؟ كان حبُّ الحقيقة ديدنَه. تعلم أبو كامل العوم في بحار المعرفة حتى أصبح كعبةً نؤمها لجلاء ما خفي وغُمَّ علينا في الشعر والأدب والاجتماع والتاريخ والسياسة، وكنا نستنصحه حتى في شئوننا الخاصة. تعلم الكمبيوتر في أواخر سبعيناته، وكلكم تعرفون كم هو ثقيل أمر هذا الجهاز على المسنين!؟
ثالث صفات أبي كامل أنه كان شاهدًا على عصرين. عاش زمن الحِلكة والخرافة والخوارق والشعوذات، وعاش زمن الانفجار المعرفي، ولأنه أدرك قسطًا وافرًا من الثقافة التراثية المعمقة، وحصيلةً لغوية مذهلة - كان حكمه على التراث أميلَ إلى الإنصاف والعدل؛ فقد تعرف على ذلك التنوع الغني في تراثنا واعتبره – ونحن تلامذته معه في ذلك – أن التراث العربي الإسلامي تراث جدير أن يقرأ بعقلية جديدة، بل إن التنوع في هذا التراث هو الذي بذر عشق الارتياد في كل الحقول، التي كانت متاحة لديه، وزرع بذور الثقة فينا بقيمة عمقنا الأخلاقي والحضاري.
لقد سهَّلت عليه هذه القراءة الجديدة أن يكيف ثقافته بالأخذ بالجديد مع فكر ناقد، بعيد عن التعصب والتزمت.
لم يكن الكتاب هو مصدر ثقافته. أبو كامل جهد كثيرًا في كسب قوت يومه بالجهد والتعب، اختلط بكل الفئات والطبقات، عاشر الجميع، وانفتح على همومهم، لذا اتَّسمت أحكامُه بالرويَّة والمصداقية، خاصة وأن نظرته للجميع هي نظرة محب. الحق يقال؛ إن المرحوم كان له تحيُّز واضح لفئة الفقراء والمستضعفين، ونتج عن ذلك دخوله في متاهات ترتبت عليها تبعات ومشاكل كادت تودي بحياته، وقد كانت هذه المرحلة من أخصب مراحل حياته رغم ثقلها، ومرارتها.
رابع صفات أستاذنا المرحوم؛ قلبه الذي وسع الدنيا. لقد كان عاشقًا للإنسان أنَّى كان، ومن أي دين وملة، ومن أية فئة أو طبقة، كانت الأيدلوجيا عند آخرين أوثانًا خلقوها ثم عبدوها، وعندما اهترأت نبذوها. أما أبو كامل فقد كانت أيدلوجيته تنطلق من الإنسان. الإنسان الماثل من لحم ودم ومشاعر وعواطف وتطلعات وآلام؛ ذلك كان همّه: الإنسان الساعي لرزق عياله، الباحث عن الدواء لأطفاله. الإنسان العاشق للمستقبل، المكافح، المتصبب عرقًا. حتى في أعلى درجات الغليان الأيدلوجي كان أبو كامل خيمةً يستظل بها الجميع، وعباءة تسع الكل.
لو ظللت أعدِّد سجايا ومزايا أستاذنا لاستغرقت عليكم هذه الأمسية بكاملها، فلتقبلوا أن أقف بدلوي عند هذا الحد، فلعل في استذكار هذا الرمز الحي ما يعيد مؤشر البوصلة في مجتمعنا نحو الاتجاه الصحيح. إن التاريخ في المجتمعات الحية حلقات متصلة، نابضة، يذكِّر حاضرُها بغابرها في تناسق وتكامل يؤسَّس عليها الغد المأمول، تغمد الله الفقيد بوافر رحمته، وتمنيت لو أعددنا أرشيفًا شاملاً يُحتفى، من خلاله بالصورة والحرف، بكل من قدم خدمة لهذا المجتمع.

أديب واستشاري جراحة
307104