الشاعر بدوي السعيد راضي أربعون عاماً في عالم الشعر طنطا - جمهورية مصر العربية 2/2005م
مـــن ذكــــريــــات أديـــب
عقيل بن ناجي المسكين * - 13 / 10 / 2007م - 9:34 ص - العدد (46)
في البدء الكثير من المبدعين في الوطن العربي لا يمارسون الإبداع كمهنة من المهن وإن كان البعض يمارسها على سبيل التكسب، بينما قد يكون هناك مهنة يسمى محترفها كاتب سيناريو، أو كاتبًا مسرحيًّا، وما شابه، لكن الشعر الحقيقي ليس مهنة، ولعل الأيام حبلى بالمفاجئات، فقد تظهر مهنة الشعر كمهنة مثل أي مهنة أخرى، وبالتالي يباع الشعر بالمكيال. من يدري؟ لذلك؛ فإن الكثير من المبدعين يمارسون - إلى جانب إبداعاتهم - أعمالاً يعيشون من خلالها، وأكثر هذه الأعمال هي مجال التعليم المدرسي، أو الجامعي، ويوجد في تاريخنا المعاصر كثيرٌ من المبدعين والشعراء الذي مارسوا التعليم، ومن هؤلاء الشعراء في تاريخنا المعاصر الشاعر بدوي السعيد راضي، هذا الشاعر مارس التعليم منذ أكثر من ثلاثين عاماً حتى تقاعد عام 2005م، وهو أحد الذين درّسوا في المدارس الابتدائية والمتوسطة في سيهات والقطيف بالمنطقة الشرقية حوالي تسع سنوات، والشاعر بدوي السعيد راضي من الشعراء الذين أبدعوا في قصيدة التفعيلة، ونشر له الكثير في مجلة “إبداع”، كما نُشر له في “ المجلة العربية “ ومجلة “الواحة”، ونحن - من خلال هذا اللقاء - سنسلط الضوء على بعض الجوانب من عالم بدوي راضي الشعري، ورؤيته الأدبية بشكل عام، فأهلاً وسهلاً بضيفنا الكريم. 1- باعتبارك من كتاب القصيدة الحرة؛ قصيدة التفعيلة، وأحد المبدعين في هذا اللون الأدبي منذ أربعين عاماً، وقد عاصرت كثيرًا من شعراء التجديد في القصيدة العربية الحرة، أمثال صلاح عبد الصبور، والشرقاوي، وأمل دُنقل، وغيرهم... تَرى، إلى أين وصلت هذه القصيدة في العصر الحاضر؟ وخصوصاً أن بعض النقاد ينظرون إلى عموم الشعر في الوطن العربي بنظرة تشاؤم؟ كان تطور القصيدة العربية على يد جيل رواد التجديد، من أمثال صلاح عبد الصبور، وأحمد عبد المعطي حجازي، والشرقاوي في مصر، ونازك الملائكة، والسياب، والبياتي في العراق، وغيرهم، ومن قبلها إرهاصات على أحمد با كثير، كان تطوراً طبيعيًّا نبع من ضرورة الخروج بهذه القصيدة من رتابة الإيقاع المتحد، والثابت في البيت الشعري سواء احتمل المعنى المقصود، أو ضاق به، إلى الأخذ بإيقاع التفعيلة، وهي وحدة إيقاعية في البحر الشعري تتيح للمبدع أن ينطلق معبراً عن هموم عصر جديد تمخضت عنه الحرب العالمية الثانية، كما واكب هذا التجديد حركات التحرر في عالمنا العربي، بما حملته من رياح للتغيير في أحلام الإنسان العربي المعاصر، ومن ثَمَّ فقد كان التجديد في هذا الإطار الملتزم بجوهر القصيدة العربية الأصيلة، ضرورة ملحة، ولهذا عورض لفترة، ولكنها لم تطل، إذ سرعان ما أصبح موازياً للقصيدة المتعارف عليها، بل ربما أزاحها جانباً - بعد عقد أو عقدين - وأخذ مكانها عند الغالبية العظمى من محبي الشعر ومتلقيه. 2- ما مقومات الإبداع في القصيدة الحديثة حسب رؤيتك الخاصة، ومن منظار ابداعاتك؟ أولاً ليعذرني النقاد والمنظرون، فلست ناقداً، ولا منظراً، ولكنني أتحدث من واقع المعايشة في كتابة النص، فأرى أن مقومات الإبداع في القصيدة العربية تبدأ بالحماسة، هاجس، إحساس مكثف، وجع خاص أو عام يطرحه الشاعر في بداية تجربته متعجلاً. قد يكون غير ناضج - ولكن تبقى له دفقة الصدق، وسخونة المشاعر، فإذا تمكن الشاعر من أدواته (اللغة - ثقافة العصر والتراث) اختزن هذه الحماسة، وهذا الوجع حتى يلح عليه، فيخرج قصيدة فيها دفقة الشعور، ونضج التجربة، وعندئذ قد تخلو قصيدته من ثرثرة الشباب، وتميل إلى اللغة المكثفة، وقد يكون للمجاز والرمز نصيب أكبر، ولكنها ينبغي أن تبقى قادرة على الدلالة مهما تلفعَّتْ بالمجاز، قد تتعب القارئ، ولكنها تكشف عن وجهها إن لمست صدقه في تناولها، وهو صدق دلالة يعوض القارئ عما بذله فيها من عناء، ولا يمنع المبدع أن يستفيد بكل التقنيات الحديثة شريطة أن تبقى الدلالة ملمحاً مترتِّباً في قاع عمله مهما تنوعت أمواج الصياغة، وعبرت في مياهه كل سفن التجارب المعاصرة. 3- كنت من المكثرين في نشر إبداعك بمجلة “إبداع” وغيرها في الثمانينات، بينما في العقد الأخير قلَّ ما تنشره من إنتاجك هنا أو هناك ما السبب وراء ذلك؟ أقول لك بصراحة، أنا لست ممن يسعون وراء نشر قصائدهم. قد يكون ذلك إيمانا مني بقوله تعالى: ﴿فأما الزبد فيذهب جفاء وأما ما ينفع الناس فيمكث في الأرض، ومن ثم فما يشغلني هو محاولة أن أتجاوز بقصيدتي الجديدة ما قلته في سابقاتها، قد أوفق وقد لا أوفق، ولكنني - دائماً - أحاول، ولهذا فمعظم قصائدي حملها إلى المجلات والصحف أصدقائي وتلاميذي، ومنها مجلة “إبداع”، وقد كان لرئيس تحريرها - آنئذ - الأديب الصادق الدكتور عبد القادر القط - منّ الله عليه بالصحة والعافية - أثر في استمرار تواصلي مع هذه المجلة لأنه كان يعرف الرجال بالحق، ولم يكن يعرف الحق بالرجال، ولهذا عندما تركها، وحملتها رياح التغريب بعيداً؛ نشرت قصائدي في إصدارات أخرى، صحيح إني قليل النشر، ولكن إذا وجدت منبراً يحترم الكلمة الصادقة لا أتوانى في السعي إليه محترماً توجهه. 4- في خِضَمِّ هذا الاحتدام القائم بين تيار الأصالة في الطرح الأدبي وبين الحداثة التي دخلت بكل ثقلها منذ عدة عقود، ولازالت في اصطدام مع الأصالة، ما وجهة نظرك في هذا الموضوع؟ الأصالة / الحداثة. كلمتان محببتان إلى النفس، فالإنسان، بطبيعته، يتمنى أن تكون قدمه مغروسة في الطين، ورأسه تناطح السحاب، من منا لا يريد أن يتكئ على ماضٍ عريق رائع، ويستشرف مستقبلاً أروع؟ لو وُجِد المبدع الذي تبلغ قامته هذه المسافة فهو المبدع بحق، ولكن ولدت المشكلة من تفسير أنصار كل اتجاه لدلالة الكلمة، وتقوقعهم في خندق الدلالة التي وضعوها، واعتبار كل مخالف لهم خارجاً على القانون، فمدعو الأصالة دون تجديد يرون أن نموذج القصيدة الأمثل هو ما كتب في عصور الشعر المختلفة، قبل مرحلة التجديد التي حدثت في الأربعينات ببحورها وصورها وهمومها، إن كانت لها هموم، حتى وإن خالفت هم الإنسان المعاصر، ودعاة الحداثة دون تأصيل - وأؤكد دون تأصيل -يجمعون فضلات الموائد الغربية بعد أن تركها أصحابها منذ عقود، ويتهمون من يرى فساد هذه الفضلات، ويتعفف عن مدّ يده إليها بأنه “ليس له في الطيب نصيب”. يتهمون كل الأجيال - ونحن منهم - بأننا متخلفون لا نعرف شيئاً عن البنيوية، والأسلوبية، والتفكيكية، أو التقويضية، ومن الغريب أننا - نحن جيل القنطرة - جيل الخمسينات والستينات المفترض أنه الأب الشرعي لجيل الحداثة، وما بعدها متهمون تهمة مضحكة هي أن شعرنا مفهوم، أو قابل للفهم، فمن شروط القصيدة الجيدة - عندهم - ألا تفهم، وألا تفسر، وليتهم يتخلون عن هذا العقوق، فإن من ليس له ماضٍ لا حاضر ولا مستقبل له. نحن نقدرهم لأنهم غدنا وامتدادنا، وإذا كنا نعجز -أحياناً - عن فهم ما يكتبون فمن قارئوهم؟ 5- الإغراق في التيارات الحداثية وما فيها من الغموض والتعقيد، ونبذ التراث، وتبني ثقافة دخيلة على أصالتنا فيها من المتناقضات ما فيها. برأيك؛ إلى أين يذهب هؤلاء؟ وأين ستحط سفينة إبحارهم ؟ عندما بدأ تيار الحداثة كانت تلوح في خاطري وقفة أستاذنا العقاد - يرحمه الله - عندما حوَّل بعض قصائد الشعر الحديث - وكانت قد عرضت عليه في لجنة الشعر بالمجلس الأعلى لرعاية الفنون والآداب - إلى لجنة النثر رفضاً له، وانتصرت القصيدة الحديثة وقتئذ - برغم معارضة هذا الهرم الشامخ. أقول: لاح في خاطري هذا الموقف، وقلت في نفسي: ولماذا أعارض التجديد؟ وجرت مياه كثيرة في نهر الحوار بيني وبين أنصار هذا الاتجاه، حتى وجدت أن الغياب عن النص، وتفريغه من أي مضمون هدف لهم، لهذا توقفت عن الكتابة، وأخذت أقرأ، فوجدت أن النقاد الذين يرفعون راية هذا التوجه يكتبون بلغة أصعب مما يكتب به الشعراء، مدعين أنهم ينتجون نصاً موازياً للنص المكتوب، وغاب دور النقد كما ألفناه، وهكذا غاب العقل، وأصبحت أشعر أنني أمام نصوص مترجمة في الشعر والنقد بدون أمانة الترجمة. إنني - وليعذرني دعاة الحداثة وما بعدها إلى ما شاء الله - أشعر أنهم ضجيج، ولا طحن فمهما كان التمزق الذي يدعون، والغربة التي يزعمون، وتشظي الإنسان، إلى غير ذلك من التعبيرات. أين دورهم في التغيير؟ أين موقع القصيدة العربية في مجتمعات تعاني من الفقر والجهل والمرض؟ وهل وصلنا من الترف إلى الحد الذي تتبنى فيه دعوة “الفن للفن”؟ أقولها للمبدعين - حقاً - منهم: إنها دعوة رفضها في الخمسينات الراحل أمين الخولي ومدرسة الأُمناء، وهي الآن أكثر من مرفوضة. هل نتهم هؤلاء بالغفلة أو أنهم صنيعة لأعدائنا بقصد أو بدون قصد؟ يا سادة، فرِّقوا - في الفن - بين الموسيقى والفن التشكيلي من جانب، وبين الكلمة المكتوبة من جانب آخر. قد يقبل إلقاء الحبل على الغارب في الفنون الأخرى، ولكن يبقى للكلمة المكتوبة قدرتها، ولو بعد معاناة شديدة، على مخاطبة العقل. إنني أتوجه لأصحاب الأصالة في مجال الإبداع الحداثي، وهم كُثرٌ، وأقول لهم: لتكن قصيدتكم متمنعة لا ترمي نفسها في أحضان أول طارق، ولكن، ليكن فيها مفاتيح تكشف عن كنوزها للمثابر العنيد. ارجعوا إلى رواد هذا الاتجاه الذين غرسوا بُذُورَه الأولى في تربتنا العربية في مجلة “شعر” اللبنانية من أمثال يوسف الخال، أدونيس، واقرأوهم عندما كان تجديدهم امتداداً طبيعيًّا لقصيدتنا العربية، لقد كنا - برغم دهشة التلقي وقلة التجربة - نفهمهم، ولكن أين نحن الآن؟ 6- من خلال مواكبتك للحركة الأدبية في المملكة، ألا ترى أنها تتميز بالوسطية، والموازنة حيث أنها تحافظ على الأصالة، ولا تنغلق على الجديد؟ وتنشر ما يفيد المجتمع، ويخدم الأهداف النبيلة والغايات السامية؟ الحركة الأدبية في المملكة العربية السعودية - خاصة في مجال الشعر - فهو المجال الذي أدّعي إمكانية رصده ومتابعته، هي حركة طيبة إذا قيست بتطور القصيدة السعودية منذ ابن عثيمين وجيله، وفي المجال الشعري السعودي - كما في بقية الوطن العربي - يوجد قطبان؛ أحدهما يحامي عن الأصالة بمفهومه، وله الغلبة، والآخر جرفه تيار الحداثة الغربية، وصوته هنا خافت، ربما لأن المناخ الفكري والثقافي لا يتيح له الشطط في التغريب، وبين القطبين يحفر المجيدون طريقهم بعنت ومشقة، ويبدو أننا - كما قيل - كلنا في الهم شرق، ولعل السبب لا يرجع إلى تقصير المؤسسات الثقافية هنا في واجبها، ولكن المجيدين - دائماً - يحتاجون لمن يسعى إليهم، فهم في اكتفاء بإجادتهم، وهم - غالباً - عازفون عن الشهرة، وحَبذا لو وجدت الهيئات الثقافية وسيلة وطريقاً يحدث التواصل مع هؤلاء المجيدين، وساعتها قد تلد هذه الأرض - وهي أم القصيدة العربية - قد تلد شعراء يصلون إلى مرتبة العالمية، ودليلنا أن الذين أمكنهم التواصل معنا منهم حفروا أسماءهم في وجداننا، نذكر منهم على سبيل المثال وليس الحصر، سمو الأمير عبد الله الفيصل، والشاعر محمد حسن فقي، والشاعر غازي القصيبي، وغيرهم كثيرون بحمد الله. 7 - من خلال خبرتك في ممارسة التعليم منذ أكثر من ربع قرن حتى الآن، كيف ترى المسيرة التعليمية في الوطن العربي؟ وما رأيك بعوامل التأثير الثقافي على الجيل كالانفلات في الصحافة والفضائيات المتحررة؟ ألا ترى أنها تضاد السياسات التربوية والتعليمية للجيل المعاصر، والأجيال القادمة ؟ ذكرتني - بسؤالك هذا -بالقول المأثور: (رجعنا من الجهاد الأصغر إلى الجهاد الأكبر)، فكيف يحتوي الجهاد الأكبر في كلمات؟ سأحاول استخدام منهج “النفري” عندما قال: «كلما اتسع المعنى ضاقت العبارة»، وأقول لك: إن التعليم في وطننا العربي إذا وضع في الموازنات في بند الخدمات فهو بخير والحمد لله، وإذا وضع في بند الاستثمار فلنا رأي آخر، هذا من ناحية التمويل، ومن ناحية المنهج فالمطلوب مناهج تكون مهمتها تعليم التفكير، وليس تكديس المعلومات، والموضوع متشعب يحتاج لرجال يملكون القدرة على التخطيط القائم على العلم والتنفيذ القائم على الحب، لأن المطلوب - الآن - جيل يعيش حضارة “الموجة الثالثة” عصر المعلومات، وسرعة الاتصالات، والحاسب الآلي، ولا ندري عندما يواجه الحياة في أي حضارة سيعيش؟ أما خوفنا على هذا الجيل من الصحافة أو الفضائيات فهو خوف ينصرف إلى المجتمع كله، ومازلنا - بحمد الله - خارج دائرة الخطر بحكم القيم والتقاليد الإسلامية، ولكن لِنَدُقَّ ناقوس الخطر، فالوقاية - كما يقولون - خير من العلاج. 8- وما انطباعك عن السياسة التعليمية التي اتخذتها المملكة من خلال معايشتك للتعليم في المنطقة الشرقية خلال عقد من الزمن حتى انتهاء فترة عملك في المملكة؟ من خلال رصد ميزانيات التعليم بالمملكة العربية السعودية - إن قيست بحجم الطلاب - وقورنت بميزانيات عربية أخرى - نجدها ميزانية طيبة، والحمد لله، والسياسة التعليمية تقوم على رعاية الطلاب، وتوفير كل ما يلزمهم حتى لو اضطرت الوزارة مشكورة لاستئجار بعض المدارس حتى لا يحرم أحد من التعليم، والمعلم هنا مكرَّم، قياساً لأي مجتمع آخر، ولكن تبقى الدعوة العامة إلى تطوير المناهج بما يتناسب وإعداد إنسان قادر على مواجهة تحديات القرن الحادي والعشرين. 9 - بحكم قربك من الشباب، في أثناء ممارسة التعليم في سنواتك الطويلة الماضية، ماذا لمست في محاولاتهم الإبداعية في أي شكل من أشكال التعبير الأدبي، وخصوصاً الشعر، وكذلك بحكم متابعتك لأنشطة النادي الأدبي بالمنطقة الشرقية الذي أخذ على عاتقه تشجيع الطاقات الشابة، والإصدارات الأدبية المتنوعة التي تنشر للشباب؟ الشباب دائماً بخير. فقط يحتاجون لمن يحاورهم بالحسنى، يحتاجون لما يعرف بتواصل الأجيال، فقد توجد الموهبة الشعرية، ولكن، لكي تكتمل لا بد من قراءة مختارة واعية، وحوار محبب، وصريح، والنوادي الأدبية، والإصدارات في المملكة لا تقصر في حقهم، ولكن حَبذا لو وجدت في بعض الإصدارات نافذة تناقش أعمال الشباب، وترد عليهم بما يضيف لتجربتهم، وقد كانت مجلة “الأدب” في الخمسينات ترد على العمل دون اسم صاحبه حتى تحميه من الحرج، وهو اتجاه أفاد جيلنا كثيراً. 10 - في الوقت الذي نراك فيه تكثر من كتابة الشعر الحر، نرى لك - بين الحين والآخر - قصائد عمودية، مع أنك هجرت الكتابة في القصيدة العمودية منذ سنوات طويلة ؟ القصيدة هي التي تختار لغتها، وهناك موضوعات تليق بالقصيدة العمودية أكثر من قصيدة التفعيلة، وربما يرجع السبب لوضوح الموضوع، أو لكثرة الثوابت فيه كالموضوعات الدينية أو الوطنية، أو ربما تكتب مثل هذه القصائد لتلقى في مناسبة من المناسبات، والقصيدة العمودية أوقع في هذا المجال، ولكن تظل رائحة الشاعر في قصيدته سواء كانت عمودية أو غير عمودية، فالشاعر البردوني يحبس المارد في زجاجة وهو يكتب عمودياته، وهي قدرة لا تتوفر لكثير من الشعراء ولهذا أكتب العمودية في مجالها فقط. 11 - تكتب من بداية الخمسينات، ولكن لم يصدر لك إلا ديوان صغير بالاشتراك مع أحد الشعراء، وهو ديوان (مأتم الصعاليك)، ولك ديوان آخر بعنوان: (الطيور تحترف الرعي والإقامة)، وديوان بعنوان (خولة لا تقرأ الشعر). ماذا تريد أن تقول من خلال ديوانيك الجديدين؟ ولماذا لا تحاول نشر هذين الديوانين؟ قلت لك: إن مهمة الشاعر أن يكتب، وأن يحاول الإضافة في كل جديد يكتبه، أما النشر، فالمفروض أنها مهمة جهات أُخرى، لو قدمت ديواناً إلى جهة من الجهات، وبعد أربع سنوات وجدت أنه لم يُقرأ، قل لي بربك هل أتركه لتأكله الأرضة فوق رف من الرفوف؟ شئ آخر، أنا لست نادماً على عدم النشر، ويكفيني اختبار ديوان واحد مما كتبت أرى أنه يصلح ليوضع في المكتبة العربية المكتظة بما يقرأ وما لا يقرأ، ولو تمكن كثيرون من أصحاب الأعمال الكاملة من مراجعة ماكتبوا ربما حذفوا غالبيته، واستصفوه في عدد قليل من القصائد، فالعبرة بالكيف وليس بالكم. إنني أحلم باليوم الذي يدخل فيه القارئ المكتبة فيأخذ أول كتاب يصادفه ليعود في اليوم الثاني ليأخذ ما يليه، وهكذا، إيماناً بأن كل ما هو موجود جدير بالقراءة - هل تحلم معي بهذا اليوم؟ ما نصيب “الواحة” من اطلاعك ومتابعاتك للمجلات الفكرية والثقافية في المملكة؟ إن المجلات الأدبية أو الثقافية ذات الطابع التراثي - خاصة ذات التاريخ منها - يكون لها عبق خاص، وأقول لك بصدق، إنني أستفيد وأستمتع بقراءة عدة مجلات منها مجلة المنهل فهي مجلة دسمة، تطرح هموماً معاصرة بلغة وقورة ومهذبة وأشعر أن كل كلمة فيها كتبت لتقرأ. إنها مجلة تحترم القارئ. فلا غرو إذا بادلها احتراماً باحترام، يكفي أنها لا تمدد المساحة لتملأ بأي شئ.. وإنما تجعل موضوعاتها تنمو ما دام نمواً نافعاً وغير سرطاني، وكذلك مجلة “المجلة العربية” ومجلة “الفيصل” أما ما يتعلق بمجلة “الواحة” وهي مجلة ثقافية فكرية أدبية تراثية ترصد الحراك الثقافي والفكري والأدبي كما تحافظ على الموروث الشعبي، وتسلط الضوء على الآثار المقولة والمنقولة والثابتة في هذه الأرض الطيبة، ورغم أنها مجلة جديدة - إذا قسنا ذلك بعمر المجلات الأخرى - إلا أنها استطاعت، كما أرى، أن تثبت للقراء أنها على قدر المسؤولية. شكراً للقائمين عليها، وحفظها الله ذاكرة للفكر النيّر، والأدب المسؤول، والتاريخ الإنساني الذي يُرصد بغرض الاستفادة من الماضي لبناء الحاضر لا بغرض الهدم.
عضو هيئة التحرير
239674