تراثنا.. بين الجناية والعناية
التراث.. ضوء من الماضي لتنوير الحاضر واستشراف المستقبل..
محمد أمين أبو المكارم * - 11 / 9 / 2008م - 7:40 ص - العدد (5)

..مخزون تستمد منه الأجيال الحاضرة طاقتها وقدرتها على الاستمرار في مسيرة بناء المستقبل، لتضيف له شيئا يخلد ذكرها ومشاركتها في مسيرة بناء الإنسان، وليبقى ذلك المخزون للأجيال الآتية ومن يليها، إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها.

إن ما يميز هذه الطاقة المستمدة من التراث من غيرها أنها لا تنضب بالاستهلاك، بل ان الاغتراف منها لا يزيدها إلا رواء ونضارة، ولا يعيرها إلا حسنا وبهاء.

وتراث المنطقة له جذور ضاربة في عمق التاريخ، ونسيج من حضارات عديدة توارثتها الأجيال حتى صارت جزءا من تكوينها .. قبل أن يحل بها ما حل بمثيلاتها من بلدان العالم الإسلامي من حالة الاستلاب واللهاث وراء كل جديد دون محاولة الاستضاءة بنور الماضي مما أدخلها في تيه لن تتخلص منه إلا بالعودة إلى الجذور واستجداء الضياء من الماضي لإنارة هذا التيه ومساربه.

ان مسيرة بناء الحاضر تتطلب من الجيل الواعي أن يضع إحدى مقلتيه على الماضي .. والأخرى على المستقبل، عاملا على بناء الحاضر على ضوء تجارب الماضي وبتأثير من ذلك الترقب وذلك الاستشراف المستقبلي.. مصداقا لقول سيد البلغاء: "اعمل لدنياك ... واعمل لآخرتك ... "، وكأنه يقول اعمل لحاضرك ومستقبلك.

الاهتمام بالماضي يزيد الحاضر قوة وقدرة على السير قدما؛ أما إهماله فيقتل دوره في إمداد مسيرة العطاء .. ورفدها بالحياة النابضة، ويجفف منابعها لتبقى شجراً دون رواء، كما سيراكم عليه غبار الزمن ليندثر تحت ركام الأيام، وتتكلس عليه طبقات من النسيان وظلمات من الجهل تتعاقب بعضها فوق بعض بتعاقب الأجيال

ومن هنا تبرز خطورة المهمة الملقاة على عاتق الأبناء لإكمال المسيرة التي بدأها الآباء.. فلقد واصل  الآباء مسيرة البناء، تلك التي اعتبروها أمانة سلّمها لهم من كان قبلهم، فحافظوا عليها  بحسب الأدوات المتاحة لهم، والظروف التي عاشوها .. وتركوا وراءهم عبأ ثقيلا وأمانة كبرى ألقيت على كاهل أبنائهم.

وها نحن اليوم في سباق مع -بل في لهاث وراء- ثورة معلوماتية هائلة، تعج من حولنا بشتى أصناف المعرفة، ولذا يتوجب علينا أن نجعل من تراثنا جزءا منها .. كما يتوجب علينا الاستفادة منها ومن تقانتها لخدمة هذا التراث وأتمتته.

وتلك رسالة كل مثقف من أبناء المطقة، يجب أن يتحملها بكل ما وهبه الله من طاقة، مستمدا من بديع ما وهبها الله من تاريخ مجيد وتراث تليد، نافخا روح الحاضر في التراث الغابر، من أجل مستقبل زاهر.

تمتلك المنطقة مخزونا كبيرا من الفكر المتحضر بيحث لو جمع لشكل مكتبة اسلامية متكاملة، إلا أن العناية به وباخراجه لم تكن تتناسب مع حجمه، مع تقديرنا الكبير لأولئك الذين بذلوا المساعي وأشعلوا الشموع على قارعة الطريق، وخصوصا أولئك الذين تساموا على القيود الضيقة، وحاولوا اعطاء كل ذي حق حقه ورسموا معالم الطريق للأبناء ليحملوا رسالة الآباء ولينفضوا غبار الزمن وجناية الإهمال القاصر والمقصر.

 الجناية على التراث 

هناك عوامل عديدة جنت على تراثنا العريق في المنطقة، وعلى رأسها يقف غياب الوعي من بين أكثر الذين وقع بين أيديهم هذا التراث، ومن باع دراً ..، لكن هناك عوامل أخرى كانت لها مشاركة فعالة في تغييبه، ومن بينها:

1- تعويم النسبة وغياب التشخيص

تداخل تاريخ المنطقة وتراثها وشعبها مع تراث أوال (البحرين حالياً) لدرجة يصعب فيها في كثير من الأحيان نسبة شخص أو أثر لأي من المنطقتين فيكتفى بوصفه بالبحراني دون تخصيص المنطقة المنسوب إليها، لا سيما والبحرين كانت تطلق على المنطقة التي يحتضنها الخليج العربي من جنوب البصرة وحتى خليج عمان.

هذا التعويم في التسمية، وغلبة اسم البحرين على الجزيرة المعروفة بالبحرين اليوم -والتي لا تعدو ان تكون جزءا آنيا من الكل السابق- جعلها تستأثر بنصيب الأسد من هذا التراث، فكل ما لم تثبت نسبته باليقين إلى المنطقة فهو بحراني.

2- الحروب الأهلية والفتن الطائفية

مما لا شك فيه -وربطا بالعامل السابق- أن الحركة العلمية في البحرين والقطيف كانت واحدة -تقريبا-، بل كانت البحرين في الحقيقة هي مركز وحاضرة العلم بالنسبة للمنطقة، إلا في تلك الفترات التي كانت تنزل فيها النوازل والفتن على البحرين حيث كانت تلقي بثقلها في القطيف، وكما قيل: "خراب البحرين، عمار إصفهان".

وبلفظ آخر، كانت الحركة العلمية في المنطقة إلى عصور متأخرة تشكل انعكاسا أو ظلالا للحركة القائمة في البحرين، يشهد بذلك العوائل العلمية المتواجدة في المنطقة ذات الأصول البحرانية، والاتجاه الفكري الذي كان سائدا في المنطقة، والذي لا يزال سائدا -ولو جزئيا- كامتداد لذلك التأثير.

ومن هنا فان حاضرة العلم كانت تضم بين جنباتها تراث المنطقة بمجمله، تراثها وتراث المقيمين فيها علماء وطلاب من منطقة القطيف وغيرها، ولقد كانوا كثيرين، لا سيما في فترات الإرهاب الفكري الذي كان يمارس أيام القحط الثقافي التي كانت تمر بها البلاد الإسلامية عموما في تلك الفترة، بالطبع عدا بعض الإضاءات وبصيص من الأمل المتناثر هنا وهناك والتي شكل بعضها تيارا ولدت منه الصحوة فيما بعد.

ولوجود الإرهاب الفكري، والحروب والفتن التي عصفت بالمنطقة على يد الخوراج وقطاع الطرق، وغيرهم .. والمستعمرين الأجانب، والمتمصلحين الذي أشعلوا الحروب الأهلية لتحقيق مآربهم الشخصية في الحكم والزعامة والثراء.

هذه الحالة طمست الكثير من أثار المنطقة وتراثها، سواء بيدي أم بيد عمرو، بيد من ذكرنا مباشرة أم بيد صاحب الشيء تخلصا مما زرع في نفسه خوفا ورعبا.

3-الإرهاب الفكري .. وتباين المدارس الفقهية

الصراع بين المدارس الفكرية والفقهية، والذي اتخذ طابعا حّديا في القرن الرابع عشر، خصوصا مع تحول حاضرة العلم الرئيسة بالنسبة لأهالي المنطقة من البحرين إلى النجف، وذلك بسبب اضمحلال الحركة العلمية فيها نتيجة لعدة عوامل منها الهجرات والفتن، وفقدان الفقهاء الكبار وعدم وجود من يسد الثغرة، وغياب المدرسة البحرانية من حلبة الصراع في الحاضرة العلمية في العراق .. في الوقت الذي كانت فيه مدرسة العراق تتنامى ويتنامى دورها التأثيري في العالم الشيعي.

هذا التحول أوجد جيلا من الفقهاء الجدد الذين ثاروا على الوضع القائم واصطدموا بالموروثات الفقهية التي خلفتها أجيال عديدة من الفقهاء قبلهم ولم يتمكنوا من استيعاب الحركة القائمة وتغييرها تدريجيا بحسب سنن التغيير، فكأنهم أرادوا طفرة تغييرية ..

ولعل ذلك عائد إلى أن هذا التحرك والصدام جاء ليس فقط من مدرسة العراق بل من أرضها .. ومن فقهاء لم يعيشوا الواقع الذي كانت تعيشه المنطقة وبالتالي كانوا ينطلقون مما رأوه واجبا شرعيا حتميا تحفزه عوامل عديدة على رأسها قوله : "لئن يهدي الله بك رجلا واحدا خير لك مما طلعت عليه الشمس"، تلك المقولة التي صارت حافزا وذريعة للكثيرين في محاولاتهم لأداء ما ارتأوه واجبا حتميا، وتغيير ما ارتأوه واجب التغيير بغض النظر عن مؤالفته أو مخالفته لأراء آخرين من الفقهاء الأحياء فضلا عن الأموات، وبغض النظر عن تغلغل هذا الموروث الديني في نفوس الناس الذين لم يحتملوا الصدمة .. فكان الصدام والفرز الاجتماعي الذي لا تزال المنطقة تعاني منه .. بحيث أصبح سنة متبعة .. حتى وان اختلف الشكل والمضمون.

وبالطبع نحن لا نقرر أحادية المعرفة والتوجه في مدرسة البحرين ، لكن التنوع النابع من نفس الأجواء، وجسور الحوار القائمة جعلت من حالات النزاع والتصادم حالات فردية، بينما اتخذت طابع الحالة الجماعية والصدام الفئوي بعدما انتقل مركز الثقل الحوزوي إلى العراق.

ولقد كانت القوى الناشئة أكثر انفتاحا على القوى السياسية المتعاقبة، المحلية منها والوافدة، ولها دورها في صعود نجم إحداها وخبو أخرى، ولذلك نالت حضوة مكنتها من الإمساك بشعار الدين في يد، وسيف القانون في اليد الأخرى لتمكين أطروحاتها من الانتشار، وقد بدا ذلك واضحا في كثير من الممارسات، كرد شهادة المنتمين لتيار معين رغم قداسة الشخص المردود الشهادة ونزاهته، لا لشيء إلا لانتمائه.. وكتشجيع بعض ضعاف النفوس من الذين أغرتهم المادة لمواجهة رمز أو شخصية تنتمي لتيار آخر ..  مع سبق الإصرار والترصد.

هذا النوع من الصراع والتحول أثر سلبا على تراث المنطقة وبشكل كبير .. لأن هذا الجيل الجديد الذي بدأ يسيطر على الساحة شيئا فشيئا، ومع غياب القادة المعول عليهم في مواجهة هذا التغيير، قاد إلى اضمحلال المدرسة التي تعد بحق عمق وتراث المنطقة لأجيال عديدة.. هذا الاضمحلال والضمور أدى إلى تخفي مدرسة التراث من جهة .. بينما -ومن جهة أخرى- اشترك أفراد المدرسة الجديدة في تجاهل هذا التراث وما يمت له بصلة. وبقطع النظر عن الأسباب المتنوعة لذلك، لكن على الأقل ليقطعوا ما بين الناس وبينه من رباط لتضمر الهالة التي له في النفوس، ولتأخذ حركة التغيير سبيلها إلى مبتغاها.

ولعل نظرة فاحصة لما كتب من تاريخ وتراجم في تلك الحقبة -القرن الرابع عشر- يكشف لنا وبجلاء أنه متأثر بذلك الصدام بشكل أو بآخر مما أدى إلى اضطراب عوامل الطفو والرسوب في عالم الشخصيات بحيث ظهر بعضها على حساب بعض .. ومن ينتفض على هذه المعادلة محاولا رفع شيء من هذا الحيف فالتهم المعلبة مسبقا تكال وبلا حساب.

4- بيدي لا بيد عمرو

حالات الخوف التي كانت تعصف بنفوس أهالي المنطقة في بعض الفترات جعلت بعضهم يتخلص مما في يده بوسائل شتى، ومنها الحرق، والإلقاء في البحر، أو الإخفاء بشتى الوسائل ومنها الدفن أو الإلقاء بين نفايات المزارع أو أسطح المنازل تلك الأماكن التي لا يُتوقع تركها فيها. ولا يخفى ما لكل هذه الوسائل من فاعلية في تذويب الحديد فضلا عما عنيناه؛ فكم من كتاب أكلته الأرض، وكم من أثر مهم ألقي به فوق الأسطح فسطا عليه الساطون، أو خسفت به الأمطار أو أهوت به الريح في مكان سحيق.

وعامل السطو هذا ليس من العوامل الهينة، ليس بالطريق الذي نوهنا له وفقط، وإنما اتخذ بعضهم وسائل وتفنن فيها؛ فكانت الجيوب الكبيرة والأردان الواسعة تتيح لمن أراد أن يدخل مكتبة وهو يزن خمسين كيلا ليخرج منها ستين أو سبعين.

أما الاستعارة (الدائمة) فحدث عنها ولا حرج، وكما قال أحد الظرفاء: مجنون من يعير كتابا، وأجن منه من يستعيره ويعيده. واصفا بذلك واقعا مريرا لدى شريحة ممن ينتسبون إلى البحث والسعي وراء المعرفة، وما ذلك إلا بسبب غياب الوازع، وإلا كيف يستسيغ امرؤ الاحتفاظ بكتاب استعاره، وادعى ضياعه، أو بآثار ألقاها جلاوزة من دار عالم رباني وكأنها كرة للتلهي، تلقيها يد أثيمة لتلتقطها يد مماثلة  وبدلا من ان تعيدها لمصدرها اعتبرت ما وصل إليها فرصة لا تتكرر.

5- بيع التراث

بيع التراث كان من بين العوامل التي جنت على تراثنا وغيبته من المنطقة. وقليلون هم الذين يعلمون بأن هناك أيديا كانت تتاجر بهذا التراث وتتكسب معيشتها من ورائه.

كانت التركات، وخصوصا تركات العلماء والخطباء والأدباء تزخر ببعض الآثار الهامة سواء لأعلام المنطقة أم لغيرهم. وربما لا يكون في ورثة هذا العالم أو ذاك من هو من أهل الفن، ولذا فإنها ستباع، وربما كان الوارث مضطرا لذلك.

وما دامت ستباع فإن المشترين كثر، وعلى رأس القائمة أولئك الذين يشترون الكتاب من هنا بثمن بخس ليبيعوه بربح ضئيل في أسواق العراق أو غيرها .. ولعلهم كانوا فريقا متكاملا، من هنا من يجمعها ومن هناك من يشتريها بثمن بخس دراهم معدودة، ليبيعها على عارفيها بأضعاف مضاعفة مما دفع .. ومسكين هذا الناقل لا يناله إلا الفتات.

من جهة أخرى كانت العراق حاضرة العلم، وكان بعض علماء المنطقة يتخذون  لأنفسهم فيها مسكنا، حتى لو لم يقيموا فيها طوال العام، وكانوا بالطبع يتركون فيها جملة من آثارهم ومتعلقاتهم التي منها آثار علماء المنطقة.. فإذا اختار الله هذا العالم، فان مصير تركته هناك إلى البيع، إن لم نقل إلى الضياع .. وربما نجا -في بعض الأحيان- من حركة البيع والتداول هذه بعض الموقوفات، وان كانت الأيدي لا تعف عن شيء إذا طالته.

نعم، بيع التراث، لا سيما إذا وصل إلى أيد أمينة تعرف حقه، وتحتفظ به، أقل سوءا، بل أفضل في أحيان كثيرة من وقوعه بين أيدٍ لا تفك الحرف، أو لا تزال تعيش أمية الفكر.

وتلك مسؤولية عظيمة تقع على عاتق أبناء المنطقة، ليتتبعوا آثار هذه الآثارـ ويستخرجوا هذه الكنوز من مخابئها، ليظهروها إلى العالم، ليبينوا مشاركة آبائهم في مسيرة الفكر الإنساني، وليرسموا بذلك شخصية المنطقة التاريخية الواقعية، ولتستبين الجذور التي نستمد منها القوة، ونستلهم منها الثبات الذي كان عليه الآباء فمكنهم من خوض غمار التاريخ غير عابئين بأمواجه العاتية.

القطيف - العوامية
305113