الهفوف حاضرة الأحساء
مقدمة عن غنى التراث المعماري
عبدالله الشايب * - 11 / 9 / 2008م - 7:42 ص - العدد (5)

الأهمية التاريخية للأحساء 

سنحاول هنا التعرف على اهمية الاحساء التاريخية من خلال الابعاد التالية:

1- العمق التاريخي باستيطانه منذ 5000 سنة مضت .

2- الواحة الزراعية ووجود المياه وسط مساحات جافة حيث نذرة المياه .

3- وجود ميناء العقير المنفذ البحري لشرق ووسط الجزيرة .

4- الهفوف العاصمة للأحساء ( المقر الإداري ) وقبلها هجر والمأمونية .

5- المركز التجاري ( محط القوافل ) للهفوف وتبادل البضائع على مستوى الخليج .

6- المركز العلمي .

7- الموقع الإستراتيجي لشرق الجزيرة و دول الخليج .

مقدمة في مفهوم التراث

 

التراث في أبسط تعريفاته وأشملها هو إرث الشعوب الفكري والثقافي والفني ويصنف في كثير من الدراسات إلى أربعة أقسام :-

1- الأدب الشعبي .

2- الموسيقى والرقص الشعبي .

3- العادات والتقاليد والمعارف الشعبية .

4- الثقافة المادية والفنون والحرف الشعبية .

مع ملاحظة أن مفهوم شعبي هنا ( الجماعة ) ، وليس كما اصطلح عليه عندنا وسيكون حديثنا في هذه الورقة مرتبطاً بالقسم الرابع ، أعني الثقافة المادية وهي " مجمل ما أدخلت عليه يد الإنسان في الطبيعة من تغيير وتحوير سواء متعمد أو غير متعمد وكل البقايا المحسوسة المنقولة والثابتة " .

ومن الجدير بالذكر أن هناك أناسا يرفضون التراث باعتباره إرثاً قديماً يجب أن ننفض غباره عنا و على العكس هناك من يتدثر بالماضي ويحيط نفسه به ولا يحاول الخروج منه.

وتأتي التنمية في إحداث تغيير في المكونات الاقتصادية والاجتماعية لكن معدلات التغيير في المكون المادي من التنمية أسرع بكثير من المكونات الأخرى وهذا واضح للعيان في أي بلد خاصة إذا كانت معدلات التنمية في الأصل عالية ( كما في المملكة ) .

وهنا لا بد من الإشارة إلى أن عملية التنمية يجب أن لا تغفل التراث لأنه جزء من حضارة الشعوب وتاريخها .

وفي الأحساء وعوداً إلى النقطة الرابعة نجد أن الحضارات المختلفة أثرت وانعكست على مختلف الفنون المعمارية والحرف والصناعات وأضاف سكان هذه المنطقة على مختلف القرون إبداعاتهم فتأصلت وإن ارتباطهم بالزراعة والصحراء والبحر مقومات جعلتها في موقف الريادة من حيث ثراء الثقافة المادية . ولو حاولنا أن نضرب مثلاً لتأخذ غنى التراث المعماري في مدينة الهفوف الذي أنتجه يدوياً أو صناعياً أو استعملها الإنسان محلياً كان أو مستوردا سواء المرتبط بأساليب وطرق معيشته أو المرتبط بمعتقداته الدينية وعاداته وتقاليده وفنونه وآدابه مما يعود إلى الثقافة الحالية التي يعيشها أو يعايشها المجتمع ندر أو انعدم استعمالها تصلح معه أن تكون متحفية على ان لا يتعدى تاريخها ما اصطلح على اعتباره أثراً بالنسبة لتلك البيئة .

غنى التراث المعماري في مدينة الهفوف

 

مدينة الهفوف عاصمة الأحساء تقع بالركن الجنوبي الغربي من الواحة الزراعية ، وتاريخياً  تعد من أهم المدن إن لم تكن أهمها في الجزء الشرقي من الجزيرة العربية، وقد اكتسبت أهميتها من الموقع الإستراتيجي بين وسط الجزيرة والساحل على الخليج، وكذلك كونها مركزاً تجارياً لمنتجات الواحة ( أكبر واحة في الجزيرة ) من النمور والحبوب وغيرها، وكذلك المنتجات الصناعية، وكونها أيضاً مركزاً عملياً، وإذا درسنا تاريخ المدينة، فإن تعاقب الدول الحاكمة لا شك أنه أعطى تلاحقاً مع الشعوب الأخرى، وتأثرت وأثرت بواقع تلك الشعوب .

والمعمار، خلاصة ذلك التأثر وليس فقط بالعوامل الخارجية من فنون مثلاً، بل العوامل المحلية كالمناخ والخالة الاقتصادية، وبتطبيق الدين الإسلامي والحالة الاجتماعية .

ولذا نمت مدينة الهفوف كقاعدة حضرية شانها شأن كل المدن متكاملة القطاعات وأقيمت المباني المختلفة لتفي بجيمع أغراض المدينة، وبالنظر إلى مخطط المدينة نجد أن شارع السوق الرئيسي يخترقها من الشمال دروازة ( بوابة ) القرن وحتى دروازة الخميس وعليه يقع مركز المدينة الحميدية، الذي بني في الفترة العثمانية والذي أصبح مركزاً للشرطة في العهد السعودي .

وتتفرع من الشوارع الرئيسية الشوارع المؤدية إلى دروازة الخباز وبوابة الصالحية وبوابة الكوت التي تؤدي إلى حي الكوت والذي تحيط به سور المدينة، والذي يحيط بكامل المدينة مرتبطاً بالأبراج وقصر العبيد وقصر البراهيم الذي لا زال قائماً ويعد من المباني المزدوجة الاستخدام العسكري والمدنية وهو آية في الإبداع المعماري بأسواره المرتفعة وأبراجه، وأهم ما يميز هذه القلعة مسجدها الذي تعلو مساحته قبة وله مئذنتة الرشيقة .

ويقع على شارع السوق مبنى القيصرية والذي يمثل نموذجاً لا زال حياً لنظام تسويق بكل عناصره تعددت الأسواق  بالتنوع والتخصص مما يدل على وجود سوق كبيرة فمن سوق اللحوم إلى سوق الصاغة وسوق الأغنام الحطابين والحدادين والحلاقين ( المحاسنة ) وسوق الحبوب والمواد الغذائية وسوق الخضار وسوق البرسيم وسوق الأصواف وسوق الصفارين وما إلى ذلك .

تنتشر المساجد والجوامع بطول المدينة وعرضها والذي أعيد بناء الغالبية منها ويمثل جامع الجبري روعة في التصميم المعماري بالعقود المتقاطعة .

وأما المساكن فهي بيوت متراصة توصل بينها أزقة " سكك " أجزاء منها مغطاة .

والمساكن ذات أفنية وأروقة وبرع المصمم في الفصل الصوتي والبصري سواء من الداخل إلى الخارج والعكس وفي داخل المساكن بين الجزء العائلي وجزء الرجال وتعدد الاستخدام بطبيعة وأحوال القاطنين فمن دور النوم إلى المطبخ والزريبة والمجلس وملحقاته .

ولذا فالهفوف مدينة ذات أصالة لها طابعها المعماري ونتيجة الغنى في المباني والذي توضحه كثير من النماذج التي لا زالت قائمة وهذا الغنى في التراث المعماري يتمثل في:-

1- التوزيع حسب الاستخدام فنجد مثلاً البوابات كلها تؤدي إلى عرض طرق القوافل وموقع العمل .

2- ملائمة المباني للاستخدام نفسه فطبيعة القلعة تختلف عن السوق .

3- التوزيع داخل المباني الواحد للعرض المستخدم فالمسكن ذو الفناء ليلبي الحاجة لمستخدميه من حيث الاستعمال اليومي والموسمي .

4- تكيف التصميم والخروج بحلول جذرية لجيمع المقاضيات الخارجية كالدينية والاجتماعية والمناخية والاقتصادية .

5- تقنية البناء والطرق التي أنتجت مباني حسنة الهندسة والتشطيب .

6- استيراد أنواع المواد وإدخالها في الأبنية كخشب الكندل .

7- إدخال عناصر إنشائية والاستفادة منها في الناحية المعمارية وتنوعها وتعددها .

8- انتشار العناصر المعمارية ذات التفاصيل الدقيقة .

9- انتشار الزخرفة وتنوعها بل واستخدامها بشكل مكثف مع دقة التصميم .

10- التجانس العام للمباني واعتبار المقياس الإنساني .

من هنا تبين أن هذا الغنى يستحق دراسة وتحليل العناصر والاستفادة منها في التصاميم الحديثة (وهناك بعض التجارب في هذا الإطار) .

 كيف نثري تراثنا ؟ 

لا بد أن نشير إلى أن التراث إذا ما اتفقنا عليه فإن حفظه يتخذ أنماطاً ثلاثة تدخل ضمن مفهوم التواصل الحضاري وهو ربط الماضي والحاضر والتركيز عليه كعملية اتصال تربط بين الفرد والجماعة واعتبار التراث نمطاً سلوكياً يعبر عن الجوانب النفسية والاجتماعية للفرد والجماعة ثم النظرة للتراث كظواهر وحوادث ذات دلالات لا كأمثال أو ألغاز وفي الثقافة المادية كمبنى قائم أو مجسم جمالي .

والأنماط الممكنة هي :-

1- أن يكون هناك برامج تقنية (وربما معاهد ) لتحسين نوعيات الإنتاج وأساليب العمل في السوق حتى يكون لها المنافسة في السوق ( مثال ذلك صناعة البشوت ) .

2- أن يعنى المعماريون والمخططون من خلال دراسة شخصية المكان وما ينبغي من أجل خلق طابع مراد وذلك باستمرار دراسة مدلولات المكان واعتبار التغييرات .

3- من خلال المحافظة على جزء التراث الذي أصبح لا يلائم التغير أو أصبح في عداد عدم الاستعمال وذلك بعمل المتاحف واستغلال المباني لأغراض أخرى وما إلى ذلك .

إن الأنواع المذكورة بعاليه هي جزء من التواصل الحضاري وأن حاضر أي أمة لا بد أن يبنى على قيمها وتراثها الجيد حتى لا تنسلخ تاريخياً .

والأحساء كجغرافية ضمن رقعة بلادنا الواسعة لها من التراث المادي الكثير المتمثل في الأبنية والحرف والصناعات ... وما إلى ذلك .

ولو أردنا أن نصف ذلك لاحتجنا إلى أسفار عدة ولكن من خصوصيات الأحساء التي تمثل محل اعتزاز هو التراث المعماري والذي أبدع فيه البناء الأحسائي ( الأستاذ ) .

مؤملاً أن نكون قد أثرنا في الجميع أهمية هذا التراث والمحافظة عليه بعد أعداد الدارسات اللازمة.

إن إعداد مثل هذه الورقة هو جزء من خلق الوعي بأهمية التراث من جهة وإظهار تراثنا من جهة أخرى .

كانت الورقة متعلقة فقط بالثقافة المادية وللجوانب الأخرى أيضاً أنماط مختلفة من طرق الحفظ مؤملين مشاركة أهل الاختصاص في ذلك والحقيقة لن يكون أحد أقدر من أهل الوطن في ذلك .

- للاستزادة يرجع إلى كتاب ندوة التخطيط لدراسة الثقافة المادية والفنون والحرف الشعبية ، إصدار مركز التراث الشعبي .
عضو هيئة التحرير
289797