الاتجاهات الإيجابية..
كيف يمكن تقويتها لدى أفراد المجتمع؟
جعفر محمد العيد * - 13 / 10 / 2007م - 9:36 ص - العدد (46)
مقدمة هل صادف أن التقيتَ بشاب قلق، يشكو لك متاعبَه التي يتوقعها لمجرد أنه سيسافر بوسيلة الطائرة؟ في المقابل نحن نعرف أن هناك الآلاف، بل الملايين، الذين يستقلون الطائرات يوميا وفيهم الكثير من كبار السن الذين يشعرون بالمتعة والراحة لمجرد أنهم يستخدمون وسيلة الطائرة، كونها الأكثر سرعة وأمانا من الوسائل الأخرى. وهل صادفك الحظ أن تلتقي بشخص يافع يخشى الحقنة بشكل غير عقلاني وغير عادي، بينما ستجد الكثير من الأطفال الصغار ممن يأخذ الحقنة بشكل مريح؟ إن تجاربنا الحياتية، ومعلوماتنا تؤثر في نظرتنا واتجاهنا نحو الأشياء. هذه النظرة تتراوح بين شدة الايجابية وشدة السلبية. موضوع (اتجاهات الأفراد من الأشياء) احتل مكانا بارزا في الكثير من الدراسات في علم النفس، وعلم النفس الاجتماعي، ولقد وجدت الكثير مما كتب عن هذا الموضوع إلى درجة وصلت في بعض المصادر ما يقارب المائة صفحة من التعاريف والاستخدامات، إلى المقاييس التي تساهم في معرفة اتجاهات بعض الأفراد، وكيفية تغيير هذا الاتجاه، ويمكن ملاحظة أهمية دراسة الاتجاهات لضرورتها في الدراسات الشخصية، وديناميات الجماعة، وفي كثير من المجالات التطبيقية مثل التربية، والرعاية، والإعلان، والعلاقات العامة، والإدارة، والتدريب، ومجالات العمل، وفي الصناعة، وتنمية المجتمع, كما أنها تؤدي دورا هاما في الدراسات الخاصة بالتثقيف الصحي، والإرشاد الزراعي، ومكافحة الأمية، وتوجيه الرأي العام، والدعاية السياسية، والترويج للسلع التجارية، والتوعية الدينية، وبث الأفكار والمعتقدات، ومكافحة التعصب والعنصرية، والدعوة إلى التفاهم والسلم الدوليين، ذلك أن جوهر العمل في هذه المجالات هو دعم الاتجاهات الإيجابية الكفيلة بتحقيق الأهداف المنشودة، وإضعاف الاتجاهات المعوقة التي تتصف بالسلبية. تعريف الاتجاه ويُعتبَر الفيلسوف الإنجليزي هربرت سبنسر Spencer أول من استخدم مصطلح اتجاهات Attitude (1862م)، في كتابه: (المبادئ الأولى) وقد تعددت وتنوعت تعاريف الاتجاهات تبعا لاختلاف النظريات والأفكار التي يتبناها أصحاب تلك التعاريف؛ ففريق من العلماء يرجع الاتجاه إلى قوى داخلية يكون لها الدور الرئيسي في تشكيل سلوك الفرد للاستجابة بشكل معين، ومن هؤلاء كنترل (1934) الذي يعرف الاتجاه بأنه «حالة استعدادات دائمة للتنظيم العقلي تجعل الشخص يميل للتفاعل -بطريقة خاصة - لأي شيء أو موقف يرتبط بها»، وكذلك البورت (1935) الذي يعرف الاتجاه بأنه: «حالة استعداد عقلي وعصبي انتظمت عن طريق الخبرة, تؤثر بصورة موجهة دينامية على استجابة الفرد لكل الموضوعات التي ترتبط بهذا الاستعداد»، ويتماشى مع هذا التعريف تعريف دوب (1947) للاتجاه حيث يرى: «أنه دافع مضمر يولِّد استجابة ذات دلالة اجتماعية في مجتمع الفرد تجاه أو نحو موضوع معين»، كما يعرف كرتسش وكرتشفيلد (1948) الاتجاه بأنه: «تكوين دائم لعدد من العمليات الدافعية، والانفعالية، والإدراكية والمعرفية التي تحدد استجابات الفرد بالنسبة لبعض مظاهر بيئته»، وعلى العكس من هؤلاء الذين يرجعون الاتجاه إلى قوى داخلية؛ هناك فريق آخر من العلماء أكثر تمسكا بأساليب المنهج العلمي الحديث يعرفون الاتجاه في ضوء مفهوم مستمد – أساسا - من واقع استجابات الفرد، فيعرف ثرستون (1946) الاتجاه بأنه درجة من الاستجابة السالبة أو الموجبة المرتبطة ببعض الأشياء النفسية. ويتوافق معه في التعريف ما قدمه جرين عن الاتجاه (1954)، حيث عرف الاتجاه تعريفا إجرائيا بوصفه مفهوما يطلقه الإنسان ليصف به ترابط الاستجابات المتعددة إزاء مشكلة أو موضوع معين. إنني أجد نفسي ميالا للتعريف الذي أوردته عالمتي النفس الأمريكيتين أليس اغلي، وشيلي تشيكن على أن الاتجاه هو: (ميل نفسي لتقييم كيان معين بدرجة من التفضيل أو عدم التفضيل)(1). خصائص الاتجاهات ومن خلال التعاريف المتعددة التي تناولت الاتجاهات نستطيع أن نتبين مجموعة من الخصائص التي تميزها، وهي كما يلي: 1- يتصف الاتجاه بالقطبية، فهو يشبه خطا مستقيما يمتد بين نقطتين إحداهما تمثل أقصى القبول للموضوع الذي يرتبط بالاتجاه، والأخرى تمثل أقصى الرفض، والمسافة القائمة بينهما تنقسم إلى نصفين عند نقطة الحياد التام، ويتدرج أحد النصفين، شيئا فشيئا، نحو ازدياد القبول كلما ابتعدنا عن نقطة الحياد، بينما يتدرج النصف الثاني نحو ازدياد الرفض، كما يتضح ذلك في الشكل أعلاه. 2- الاتجاه مكتسب: فهو يعتمد على تعلم الفرد من المواقف، والخبرات المتعددة التي يعيشها أو يمر بها. 3- يتسم الاتجاه بالاستمرارية: حيث يحدد للفرد كيف يتصرف في المواقف المختلفة بشكل ثابت ومستمر 4- لا يمكن مشاهدة الاتجاه أو معرفته بشكل مباشر لأنه تكوين فرضي داخلي، ولكن يمكن الاستدلال عليه من ملاحظة سلوك الفرد. 5- يمكن التنبؤ به وفقا لمقدمات تبدو في سلوك الفرد. 6- يمكن قياسه وتقويمه عن طريق الأدوات والأساليب المعدة لذلك. (المحتوى التقويمي) 7- الاتجاه قابل للتغيير والتطوير من حيث المحتوى القيمي أو العقائدي تحت ظروف وشروط معينة. 8- الاتجاه دينامي؛ فهو يحرك سلوك الفرد نحو الموضوعات التي تنتظم حوله. 9- قابل للملاحظة بطرق مباشرة أو غير مباشرة وذلك من خلال المحتوى السلوكي 10ـ من الاتجاهات ما هو عام ومنها ما هو خاص، ويغلب على الأخير الطابع الذاكي. 11- بعض الاتجاهات يتسم بالقوة وبعضها يتسم بالضعف، ومنها ما هو واضح، ومنها ما هو غامض. 12- يتصف الاتجاه بأنه ثلاثي الأبعاد؛ أي أن له بعدا معرفيا، وآخر وجدانيا، وآخر سلوكيا حركيا 13- الاتجاه قابل للانطفاء بمعنى أنه قد تأتي عليه فترة يخمد فيها أو يتلاشى. وظائف الاتجاهات للاتجاهات عدة وظائف تحقق للفرد مجموعة من الفوائد التي تساعده على التكيف مع الجماعة التي ينتمي إليها كما تمكنه من إثبات ذاته، وتحديد مكانته في المجتمع، ومن هذه الوظائف: 1- الوظيفة المنفعية: تحقيق الأهداف وإشباع الرغبات، فالاتجاهات تحقق كثيرا من أهداف الفرد، وتزوده بالقدرة على التكيف في المواقف المتعددة التي يقابلها، فإعلان الفرد عن اتجاهاته يظهر مدى تقبله لمعايير الجماعة وقيمها ومعتقداتها، كما تظهر انتماءه وولاءه لقواعدها وأنظمتها، لهذا فإن الاتجاهات تعتبر موجهات للسلوك تساعد الفرد على تحقيق أهدافه، وإشباع دوافعه في ضوء المحكات والمعايير الاجتماعية السائدة، كما تمكنه من إنشاء علاقات اجتماعية سوية مع هذا المجتمع. 2- الوظيفة التنظيمية: عندما تتجمع الاتجاهات والخبرات المتعددة والمتنوعة لدى الفرد فإن ذلك يؤدي إلى اتساق سلوكياته وثباتها، نسبيا، في مواقف الحياة المختلفة؛ بحيث يسلك حياته على نحو ثابت ومطرد، ويتجنب الضياع أو التشتت في متاهات الخبرات الجزئية المنفصلة. 3- وظيفة تحقيق الذات: عادة ما يتبنى الفرد مجموعة من الاتجاهات التي توجه سلوكه، وتتيح له الفرصة للتعبير عن ذاته، وتحديد هويته ومكانته داخل الجماعة، كما تدفعه - هذه الاتجاهات - إلى الاستجابة بقوة ونشاط وفعالية للمثيرات البيئية المختلفة مما يمكن من إنجاز هدفه الأساسي في الحياة وهو تحقيق ذاته. 4- الوظيفة الدافعية: ترتبط غالبية اتجاهات الفرد بحاجاته الشخصية، ودوافعه الفردية أكثر من ارتباطها بالخصائص الموضوعية لطبيعة الاتجاه، لهذا يلجأ الإنسان، أحيانا، إلى تكوين بعض الاتجاهات التي تبرر فشله، أو عدم قدرته على تحقيق أهدافه. قد يكون للفرد اتجاهٌ سلبيٌّ نحو مهنة من المهن لأنه فشل في إنجاز المهام المرتبطة بها عندما ألحق بهذه المهنة، أو يكون للطفل اتجاه سلبي نحو لعبة من الألعاب، أو رياضة من الرياضات لأنه فشل في مجاراة زملائه الذين أجادوا هذه اللعبة، فيساعده هذا الاتجاه على تدبر فشله، والاحتفاظ بكرامته، والاعتزاز بنفسه، ومن هنا تظهر الوظيفة الدفاعية التي تقوم بها الاتجاهات. العوامل التي تؤثر في تكوين الاتجاه أولا: الوراثة تؤدي الوراثة دورًا غير مباشر في تكوين الاتجاهات، لأن الاتجاهات تنظيمات نفسية وسلوكية مكتسبة، إلا أنه يمكن القول بأن الدور غير المباشر يتمثل في الفروق الفردية الموروثة مثل الجسم والذكاء. ثانيا: البيئة: تقوم البيئة بالدور الأساسي في تكوين الاتجاهات من خلال شبكة العلاقات الاجتماعية التي يعيش خلالها الفرد، وتتمثل شبكة العلاقات هذه في الجوانب التالية: ثالثا: الوالدان: يؤدي الوالدان دورا أساسيًّا في عملية التنشئة الاجتماعية للطفل، وإكسابه الاتجاهات الفردية والاجتماعية، وذلك بحكم سيطرتهم على العوامل الأساسية في تكوين الاتجاهات وهي: أ- الثواب والعقاب الذين يتمثلان في كثير من الوسائل كالحلويات، والألعاب، والابتسامات، والقبول، أو الرفض والحرمان من الألعاب والمكافآت، وما إلى ذلك. ب- الإعلام والمعلومات التي تصل إلى الطفل في مراحل نموه الأولى، والتي تشكل أساسا للاتجاهات التي يكتسبها الطفل في مراحل حياته الأولى في ظل والديه. رابعا: المدرسة: وتقوم المدرسة بدورٍ هامٍّ في تطوير وتكوين الاتجاهات لدى المتعلمين، وذلك من خلال تفاعلهم مع الأقران والمعلمين، ومما لا شك فيه إن الآفاق الجديدة في المدرسة أهم مجموعة مرجعية للطفل. خامسا: السلطات العليا: عندما تفرض السلطات العليا (الحكومات) على الفرد الالتزام بأمور معينة، كاحترام القوانين، فإن ذلك يساهم في تكوين الاتجاهات نحو الأشياء، والالتزام بها نظرا لما يسببه الخروج عنها من التعرض للعقوبات. سادسا: الرضا والحب: فالرضا عن شخصيات معينه، أو حب لعبة من اللعب يسهم في تكوين اتجاهات ايجابية تجاه هذه الشخصيات، والالتزام بقوانين هذه اللعبة. سابعا: الخبرة الانفعالية: قد تؤدي خبرة معينة أوحدث، أو تجربة، سواء كانت سلبية أو ايجابية، إلى تكوين جيد أو سيء تجاه عمل معين، ومنها أمور تتعلق باللعب أو العمل أو الدراسة وغير ذلك. هل يمكن التأثير في الاتجاهات؟ من المسلم به، في حياتنا البشرية، أنه يمكن التأثير في الاتجاهات، لكن هذا التغيير لا يتأتى بسهولة إلا إذا توافرت شروط معينه تأخذ في حسابها العوامل المؤثرة في الاتجاه، وشروط أخرى تتعلق بالرسالة الموجهة للفرد من حيث القوة والضعف، ووضوح هدف الإقناع، وتناول جميع جوانب القضية المطروحة، ومدى ما تثيره الرسالة من خوف ورعب وتوتر لدى الفرد (الأمر الذي نجده مفصلا في كتب الاتصال وشروط الرسالة.. الخ) وبشكل عام فإن عملية تغيير الاتجاهات من الأهداف الأساسية التي تسعى لمواجهتها عملية التنشئة الاجتماعية المستمرة طوال عمر الإنسان، وكذلك الضبط الاجتماعي بشقيه الرسمي وغير الرسمي، وعادة ما يكون التغيير بإحدى الصور التالية(2): 1- التغيير في موضوع معين من مؤيد إلى معارض، أو من موافق إلى غير موافق وبالعكس. 2- التغيير في درجة وشدة الاتجاه، وهو التأثير على ايجابية أو سلبية الاتجاه، فإذا كانت الاتجاهات نحو موضوع ايجابي معين، نحاول الحفاظ على ذلك الاتجاه وتكريسه وتقويته. طرق تعديل الاتجاهات من الطرق التي يمكن استخدامها في تعديل الاتجاهات التالية: أ- تغيير الجماعة التي ينتمي إليها الفرد. ب- تغيير أوضاع الفرد. ج- التغيير القسري في السلوك (قد يضطر الفرد، ونتيجة لظروف معينة تطرأ على حياته، إلى تغيير اتجاهاته) مثل الوظيفة، السكن … الخ د- التعريف بموضوع الاتجاه (يتطلب تغيير الاتجاه معرفة أو زيادة في المعرفة، وهنا قد تؤدي وسائل الاتصال دورا هاما وكبيرا في هذا الصدد. هـ- الخبرة المباشرة في الموضوع (وذلك بتعرض الفرد إلى خبرات مباشرة في الموضوع المتوقع أن يقوم بتغيير أو تعديل اتهاته نحوه). و- قرار الجماعة المرجعية (من أهم طرق التغيير في الاتجاهات، تغيير الجماعة المرجعية للفرد اتجاهاها، عند ذلك تقل مقاومة الفرد المنتمي لهذه الجماعة للتغيير). ز- طريقة لعب الأدوار (وهنا يمكن أن يطلب من الفرد المراد تغيير اتجاهه أن يقوم بدور مغاير لسلوكه، كأن يطلب من الفرد المدخن أن يقدم نصيحة للمدخنين). ز- طريقة سحب القدم (وتتلخص هذه الطريقة في أن يطلب من الفرد أن يقدم خدمة بسيطة تخالف مواقفه، إن هذا التنازل - على الرغم من صغره - فإنه بمثابة تحطيم دفاعات الفرد، ويصبح على استعداد للتنازل أكثر، وهو، بالتالي، يقترب من اتجاهات أخرى)3. ولا يمكن أن نحصر طرق التغيير في هذه النقاط، فهناك طرق كثيرة ذكرتها كتب الخدمة الاجتماعية، وديناميات الجماعة الهوامش: (1) د. إبراهيم سالم الصاباطي، محاضرات في علم النفس التربوي، جامعة الملك فيصل - كلية التربية - لعام 1416هـ. (2) راجع: أبو جادر، صالح محمد علي، التنشئة الاجتماعية، دار المسيرة للنشر والتوزيع والطباعة، عمان، (لم يذكر رقم الطبعة) 1998م، ص: 211- 229، بتصرف. (3) راجع: مرعي توفيق، وبلقيس أحمد، الميسَّر في علم النفس الاجتماعي، عمان، دار الفرقان للنشر والتوزيع، ط2، 1984م عمان، نقلا عن: العنزي - فلاح محروت البلعاسي، مطابع التقنية للأوفست، 2001م الرياض، المملكة العربية السعودية ط، 3 ص: 229- 324.
عضو هيئة التحرير
307189