مركز جمعة الماجد للثقافة والتراث في ندوة حول:
كتابات الرحالة والمبعوثين عن منطقة الخليج عبر العصور
التحرير - 11 / 9 / 2008م - 7:45 ص - العدد (5)

أقام مركز جمعة الماجد للثقافة والتراث في دبي ندوة في الفترة ما بين 20 ـ 22 ذي القعدة الموافق 8 ـ 10 أبريل 1996 بعنوان (كتابات الرحالة والمبعوثين عن منطقة الخليج عبر العصور:عرض ـ نقد ـ تحليل)، بمشاركة نخبة من الباحثين والخبراء والمختصين العرب والاجانب، وناقشت الندوة خمسة محاور، يمثل كل محور منها مرحلة تميّزت بها هذه الرحلات، وهي على النحو التالي:

أ ـ مرحلة العصور الاسلامية حتى نهاية القرن الخامس عشر الميلادي 

وأُطرت في بحثين:

ـ الكتابات الجغرافية للرحالة المسلمين في العصر الوسيط عن الخليج: الملاحة التقليدية في الخليج.

وفي هذا الاطار، قدّم ديونيسيوس البرتوس إيكيوس (من كندا)، دكتوراه فلسفة في اللغة العربية وآدابها (جامعة تورنتو) الكندية، ورئيس تحرير مجلة المساق (دولية للدراسات الاسلامية والعربية في حوض البحر المتوسط)، قدّم ورقة عمل بعنوان (مداخلة شاملة لأعمال الرحالة العرب المسلمين وأسفار الجغرافيين التي قامت بتصوير الاوضاع الاقتصادية والاجتماعية في المنطقة)، وقد حرص الباحث على تحقيق أهم اعمال الجغرافيين والرحالة الذين كانت دوافعهم وشروعهم بالكشوفات سبباً في خلق فجوة واسعة في المعلومات من حيث الخلط بين التاريخ والجغرافيا مخلفة بذلك قاعدة يمكن على اساسها تحليل الوضع الاقتصادي والاجتماعي في الخليج.

وقد قرر الباحث المرحلة الواقعة بين القرنين الثالث والتاسع، بكونها تتميز بظهور الجغرافية العلمية بين العرب وغير العرب. وفي الجانب العربي برز ثلاثة رواد من الجغرافيين المسلمين: إبن خرداذبة (280/893 ـ 4) والمسعودي (345/956ـ 7) وابن حوقل (367/977 ـ 8)، وكان الاخيران ـ حسب رأي الباحث ـ رحالتين ايضاً بالاضافة الى اليعقوبي (277/891 ـ 2) فأخذ هؤلاء يطوفون مناطق ديار المسلمين كلها. وتعد اعمالهم بالغة الاهمية..إنهم يقدمون تفاصيل الاوضاع الاقتصادية والاجتماعية للشعوب الذين التقى بهم المؤلفون وبذلك أنشأوا نوعاً من الكتابة يسمى بأدب شهود العيان.

ـ مشاهدات بنيامين التطيلي في منطقة الخليج العربي.

وألقى تحت هذا العنوان حمد بن محمد جمعة بن صراي (من الامارات العربية المتحدة) استاذ كلية العلوم الانسانية والاجتماعية بجامعة الامارات، تناول فيه شخصية بنيامين التطيلي (من مدينة تطلية بالاندلس)، واهتمامه الخاص بالوصف الدقيق للجانب التعليمي والعلمي والعلماء، وتنظيم المعابد واداء الطقوس عند اليهود في المناطق التي زارها مثل بغداد وفلسطين ومصر وقبرص، بالاضافة الى اهتمامه بالجوانب الاقتصادية والجغرافية للاماكن والجاليات اليهودية التي مر بها. وعرّف يهود اوروبا أو على الاقل يهود اسبانيا بأوضاع اخوانهم في المناطق التي زارها وبالذات في بلاد الشرق.

وفي أثناء زيارته لمنطقة الخليج اشار الى اقليم خوزستان، وتحدث عن مدينة البصرة ويهودها، ووصف الغوص في إقليم القطيف، كما اشار الى اعداد يهود القطيف. ومر بنيامين بجزيرة فوصفها ووصف نشاطاتها الاقتصادية والتجارية، وذكر يهود الجزيرة واعدادهم.

ب ـ مرحلة السيطرة البرتغالية (1500 ـ 1650م) 

وكانت في ثلاثة بحوث:

ـ كتابات الرهبان الأوغسطينيين عن المنطقة من الارشيف البرتغالي.

وكانت ماريا دو كارمو دياس فارينا (من البرتغال)، مديرة خدمات المحفوظات في مركز المحفوظات الوطني البرتغالي، قدّمت ورقة عمل بعنوان (الاسفار كما شرحها اتباع القديس أوغسطين)، تحدثت فيها عن بعض المجموعات التي يحتفظ فيها الارشيف الوطني البرتغالي، والتي تقدّم وصفاً نادراً للرحلات الى منطقة الخليج. وبعض هذه الشروحات كتبها الرهبان عند مرورهم ببعض المدن والقرى، وكتب بعضها الآخر التجار الذين كانوا يتنقلون من مكان لآخر بقصد التجارة، وفي مثل هذه الشروحات لاحظت الباحثة تعليقات ممتعة حول السكان وعاداتهم، وعن الارض وخصوصياتها، وعن الحكام وتحالفاتهم المحلية.

وحول وصف الرحلات كما كتبها أتباع القديس اوغسطين والتي ضمها كتاب (ذكريات الرهبان)، وكتب أحد هذه الوصوف الراهب سيباستيو دو ساو بدرو الذي أبحر عام 1592 من جاوة الى هرمز، بعد عبوره جزيرة مصيرة رسى ركبه على الشاطىء بسبب عاصفة هوجاء، فمكث بعض الوقت في مدينة صور مع رفاقه يحاولون الحصول على زورق ينقلهم الى هرمز. وعندما أخفقوا في الحصول على الزورق المطلوب توجهوا براً الى طيف. وهناك أعطاهم شيخ صور مركبة (وكان زورقاً صغيراً) استخدموه للوصول الى مطرح. وفي طريق رحلتهم هبت عليهم عاصفة أخرى رفعتهم الى شاطىء سويقة ومن هناك تابعوا رحلتهم براً الى صحار، ومنها ذهبوا الى ليما القريبة من رأس مسندم، ومن هناك توجهوا الى هرمز. وقد أتيح لهم خلال رحلتهم البرية الاطلاع على احوال سكان المناطق التي مروا بها، والحصول على معلومات هامة، رغم ما تضمنته وصوف الرحلة من معلومات غريبة عن المنطقة وسكانها وقد قامت الباحثة بتحليل هذه المعلومات.

ـ الرحالة البرتغاليون الذين زاروا المنطقة، أعمالهم وأغراضهم، ومشاهداتهم للواقع السياسي والديني فيها خلال تلك الفترة.

وقد القى أنطونيو دياس فارينا ( من البرتغال)، دكتوراه في التاريخ (جامعة لشبونة)، وعضو في عدد من المؤسسات الثقافية العالية، القى بحثاً بعنوان (الرحالة البرتغاليون في الخليج في القرنين السادس عشر والسابع عشر)، قدّم خلاله تحليلاً للوجود البرتغالي في منطقة الخليج منذ بدايته، واستهل بحثه بالمهمة التي قام بها بيرو دو كوفيلا الى منطقة هرمز عام 1489 بطلب من الملك البرتغالي جون الثاني، الذي كان مهتماً بجمع معلومات اكبر عن تجارة التوابل في المشرق لمعرفة كيفية الوصول الى هناك، واقامة تحالفات واعتماد مندوبين هناك.

وخلال رحلة فاسكودي جاما الى كالكوتا في نهاية القرن الخامس عشر الميلادي، أخضع البرتغاليون هرمز ومسقط وصحار ومدناً اخرى وبقوا يحكمون مملكة هرمز حتى عام 1622 واستمروا في مسقط حتى عام 1650، ومن ثم اقاموا بصفة تجار في الكونج حتى بداية القرن الثامن عشر.

وخلال هذه الفترة اكتشف البرتغاليون المنطقة، وتنقلوا في جميع الاتجاهات، وجمعوا معلومات، وحكموا عدة شعوب، وبالتالي كانوا يكتبون عن رحلاتهم ويدونون شروحاتهم ووصفهم عن المنطقة والسكان والحكام والتجار والحياة العامة. وقد عدّ الباحث هذه الوثائق أقدم وثائق في تاريخ المنطقة بمثل هذه التفاصيل، وهي تمثل التقارير والوثائق التي كان يبعث بها القادة السياسيون والعسكريون البرتغاليون في المنطقة الى حكومتهم.

ـ الآثار الاجتماعية والاقتصادية للوجود البرتغالي في الخليج ــ مقاربة أولية.

وألقى تحت هذا العنوان، الدكتور محمد رزوق (من المغرب)، استاذ كلية الآداب والعلوم الانسانية بالرباط، بحثاً كثّف فيه الضوء على نقاط محددة تنبع أهميتها من نظرة شمولية للوجود البرتغالي في المنطقة، فهذا الوجود ــ حسب رأي الباحث ــ يدخل ضمن نطاق الاستراتيجية العامة للسياسة الخارجية البرتغالية، ويمثل حلقة من حلقات الامبراطورية البرتغالية التي ابتدأت من المغرب وانطلقت الى افريقيا، فالخليج العربي، فآسيا، ناهيك عن العالم الجديد (البرازيل).

ومن خلال فحصه للكتابات البرتغالية المتعلقة بهذه الفترة، يرصد تلك النقاط المحددة المشار اليها والتي ينطلق منها لدراسة الموضوع:

أولاً: الجانب الاجتماعي، سلّط فيه الضوء على العنصر الديني بالخصوص، مبنياً على أن الجانب الديني كان يشكل حجر الزاوية في تصرفات البرتغاليين بالمغرب، وبأفريقيا، وبالخليج نفسه، وقد كثّف البرتغاليون اتصالاتهم مع البابا لضرب المسلمين في شبه الجزيرة الايبيرية نفسها، ومتابعة المسلمين شمال افريقيا، وفعلاً احتلوا سبتة رمز الثقافة العربية الاسلامية سنة 1415م، لتكون نقطة انطلاق لاحتلال باقي الثغور المغربية، والتوجه نحو الخليج العربي معقل العرب والمسلمين، وبالتالي الوصول الى الحرمين الشريفين.

وهناك عدة أسئلة، يطرحها الباحث بمناسبة وجود البرتغال في المنطقة: ماهي الوسائل التي استخدمها البرتغاليون بالخليج العربي، لزعزعة العقيدة الاسلامية لدى الاهالي؟ ماهي الاغراءات التي حاولوا تقديمها لشيوخ القبائل؟ هل نجح البرتغال بالخليج كما نجحوا في المغرب، في استمالة بعض شيوخ القبائل الذين كانت تحركهم مصالحهم الضيقة؟ هل تمكن البرتغال من وضع البنية التحتية لنشر المسيحية بالمنطقة؟ ماهو رد فعل الاهالي؟ هل استغل البرتغال الازمات الاجتماعية والاقتصادية التي كانت تعيشها المنطقة لزعزعة النسق الاجتماعي السائد آنذاك؟

ثانياً: الآثار الاقتصادية: ويرى الباحث بأن مخطط البرتغال كان يقضي بالاساس ضرب الوساطة العربية في الصميم، وذلك بالاستيلاء على اهم المراكز الاستراتيجية الذاهبة الى افريقيا وآسيا، وغير خاف مدى الدور الخطير الذي كانت تقوم به منطقة الخليج كوسيط مؤهل للقيام بجميع العمليات التجارية بين أوروبا وآسيا من جهة، وأوروبا وافريقيا من جهة اخرى..وبالتالي فإن ضرب هذه الوساطة سيؤدي الى نتائج خطيرة من أهمها:

ـ تأزم الاوضاع بالخليج بفعل تضاؤل الموارد.

ـ القضاء على دور الموانىء الخليجية، وذلك بخلق مراكز تجارية برتغالية بديلة.

ـ التقليل من دور الملاحة العربية، والاتصال بالأهالي وخاصة التجار الذين كانوا يرغبون في ايجاد مخرج لأوضاعهم المضطربة فهم لا يستطيعون السفر في البحر لمسافات بعيدة لضعف امكانياتهم التقنية بفعل الحصار المفروض عليهم من طرف البابا، ولتخوفهم من أن يقعوا في أسر القراصنة أو في أسر سفن الدول الاوروبية.

ـ منع الدول الاوروبية من التعامل مع موانىء الخليج، إذ التجارة بالمنطقة تكون حكراً على البرتغال فقط.

ـ الحيلولة دون توفر التجار بالمنطقة على أي اسطول يمكنه أن ينافس الاسطول البرتغالي.

ـ التحكم انطلاقاً من مراكز الاحتلال في الضواحي.

ـ محاربة التجار الرافضين لذلك بمختلف الوسائل، وإنزال أقسى العقوبات بهم.

ـ اعفاء البرتغاليين من الضرائب، في حين يؤدي باقي التجار ضرائب مرتفعة.

ويختم الباحث ورقته بالتعرض لموقف الاهالي من الوجود البرتغالي بالمنطقة، حيث كان موقفهم الرفض والمقاومة، بعد أن أدركوا الابعاد التي يرمي اليها البرتغال من احتلالهم، ومدى الخطورة على ارواحهم وممتلكاتهم فنظموا أنفسهم للدفاع عن البلاد في اطار الجهاد.

جـ ـ مرحلة التنافس الاوروبي (1650 ـ 1800م)

 وكانت في بحثين:

ـ تعريف بالرحالة والمبعوثين الاوروبيين وبأعمالهم وأغراضهم وبما تكشّف في كتبهم عن المنطقة من الناحيتين الاقتصادية والاجتماعية.

وقد قدّم كالفن هـ. آلن ج ر (من الولايات المتحدة الاميركية)، دكتوراه في تاريخ الشرق الاوسط، واستاذ مساعد في جامعة ميمفيز الاميركية، قدّم ورقة بعنوان (مراجعة لأعمال الرحالة والمبعوثين الاوروبيين ووصفهم للبيئة الاقتصادية والاجتماعية في الخليج العربي ما بين 1650 ــ 1800)، ناقش فيها فترة ما بعد انتهاء الهيمنة البرتغالية على المحيط الهندي ودول الخليج العربي في منتصف القرن السابع، حيث سرعان ما أصبح الخليج مثار اهتمام الهولنديين والفرنسيين والبريطانيين، ومورد تنافس بينهم بغية الوصول الى الاسواق الفارسية والعربية والسيطرة عليها. وقد ظهرت هذه المنافسة من خلال الصبغة الدولية للرحالة والمبعوثين الذين زاروا المنطقة وتركوا شروحاً للحالة الاقتصادية والاجتماعية التي واجهتهم، بينما كانت التجارة الدولية هي نقطة الارتكاز في شروحات الرحالة الفرنسيين مثل تافيرنيه، وتشاردان، ومارتن في فترة 1660.

وناقش الباحث (التقرير التجاري في الجزيرة العربية وبلاد فارس) الذي أعدّه كل من مانيستي وجونز عام 1790، حيث قام الاوروبيون بتقديم بيانات قيمة عن النشاطات الاقتصادية المحلية مثل: صيد اللؤلؤ، والمكانة الاقتصادية المتنامية لشط العرب في منطقة الخليج. كما لاقت الاوضاع الاجتماعية اهتمام اولئك الرحالة، بالاضافة الى اهتمام رحالة آخرين مثل كاري ونيبور وهاملتون، وأعير اهتمام خاص للتجمعات المسيحية واليهودية والهندوسية التي كانت قد أصبحت جزءا مكملاً للجنسيات العالمية المقيمة في الخليج، بالاضافة الى تنوع الجماعات الاسلامية المقيمة هناك.

ـ خريطة المنطقة السياسية في هذه المرحلة، من خلال كتابات الرحالة والمبعوثين الهولنديين ونظرتهم الى القوى العربية الفاعلة آنذاك.

وفي هذا الاطار، القى  ب. ج. سلوت، دكتوراه فلسفة، ورئيس قسم المكتبات والمخطوطات في الادارة العامة لمكتبات الدولة في هيج، القى بحثاً بعنوان (فترة التنافس الاوروبي)، رصد فيها معلومات الرحالة وسلسلة التقارير المتوفرة ما بين عامي 1600 و 1800، وهي فترة تتوفر على كم كبير من المعلومات عن احداث الخليج، فوجود البرتغاليين حتى عام 1728، ووجود البريطانيين والهولنديين بالاضافة الى المحاولات الفرنسية المتكررة للمشاركة، كل ذلك يطرح وجهات نظر متعددة ومتباينة.

وقد أولى الباحث عناية خاصة بتحليل وصف الرحلات، وسلسلة التقارير والعديد من الوثائق ذات الصلة والمتوفرة بكميات كبيرة منها عدة آلاف من الصفحات تتضمن الوثائق البريطانية، وعشرات الالآف من الصفحات تتضمن الوثائق الهولندية، وآلاف معدودة من الصفحات عن الوثائق الفرنسية والبرتغالية.

وحسب تحليل الباحث، فإن الوثائق البريطانية والهولندية تركز بشكل خاص على الجانب التجاري لهذه الدول مع جانب لا بأس به من المعلومات عن الانشطة السياسية التي كانت تمارس لحماية تجارتهم. أما البيانات البرتغالية فكانت تتسم بشكل رئيسي بالطابع العسكري، وكيفية الاحتفاظ بالبقية الباقية للنفوذ البرتغالي، والتركيز على الصراع مع عمان، بينما تغطي الوثائق الفرنسية الى درجة كبيرة المحاولات التي تمت لطرد البريطانيين أو الهولنديين بمساعدة القوى المحلية.

ولحظ الباحث، أن النصوص القليلة التي كتبها المراقبون من جنسيات اخرى لا تقدم وجهة نظر مختلفة. فهي عادة ترتبط بآراء الاوروبيين المقيمين في الخليج: إن بالبي الفينيسي يعرض وجهة النظر البرتغالية، وأولياريوس الالماني متحمس لمجموعة المعرضة الهولندية، ونيبور الدانماركي يعكس رأي الموظفين الهولنديين والبريطانيين في الخليج.

ويرى الباحث بأن معظم المصادر الاوروبية هي ببساطة معلومات مستقاة من أوساط حركة العمل بين المكتب الرئيسي في اوروبة أو مكان ما في آسيا والمكاتب الفرعية في الخليج، في حين أن نوعية هذه المعلومات لها محدوديتها وتنطوي على انحياز ضمني فيجب أن يفترض المرء أن الهدف من توثيقها هو تقويم معلومات نزيهة. لا يوجد اشارة للتشويه والتحريف من اجل اغراض الدعاية عندما ننظر في معطيات عام 1900 ، ولكن يوجد الكثير من التحريف يعود عادة الى الصراع على المصالح الاقتصادية.

ويؤكد الباحث على أن البيانات الاقتصادية التي أوردتها المصادر الاوروبية ذات قيمة محدودة. ففي القرنين السابع عشر والثامن عشر كانت معظم التجارة الدولية في الخليج تحدث خارج حدود المنظور الاوروبي، ولذلك بقدر ما قدم الاوروبيون وجهات نظر عامة عن الموقف الاقتصادي فيجب أن ينظر اليها بتحفظ.

وفي السياق نفسه، فالمعلومات الحقيقية والثابتة عن الوجود الغربي في الخليج في هذه الفترة هي نادرة تماماً، على الرغم من أن المرء يجب أن يحاول جمع المراجع القليلة والمتوارية في ملفات المراسلات التجارية وشروح الرحالة بشكل رئيسي. إن الصورة التي تظهر من مثل هذه المضاربة تشير الى التطور التدريجي لوضع القبائل العربية.

ويحاول الباحث استدراك نقص المعلومات وصعوبة التوسل بها في تقديم نتائج دقيقة ونهائية، بالنظر الى قيمة المعلومات الاوروبية في كونها تقدم اطاراً زمنياً لتحديد الاهداف الفردية، ففي هذا الاطار يمكن ان يرى المرء تنامي الفعاليات السياسية العربية التي ازدهرت في عصور تالية وارتفاع وهبوط البناء الاقتصادي العربي  الذي لم يتمكن الازدهار بسبب المتغيرات الاقتصادية في آسيا في نهاية القرن الثامن عشر.

د ـ مرحلة النفوذ البريطاني (1800 ـ 1918م) 

وكانت في بحثين:

ـ التعريف بالرحالة والمبعوثين الاوروبيين والبعثات التبشيرية (الاعمال والاغراض).

وقد قدّم فؤاد شعبان (من سوريا)، دكتوراه في اللغة الانكليزية، مساعد وكيل جامعة الامارات لشؤون الابحاث، قدّم بحثاً بعنوان (مقتطفات اعمال الرحالة والمبشرين 1800 ـ 1919)، ناقش فيه كتب الاسفار أو الرحلات التي دونت وطبقت في القرن التاسع عشر، وخلص عبر نظرة تحليلة لهذه الاعمال الى أنها تكشف عن اكثر من الاهتمام السياحي الشكلي بالمنطقة. على الرغم من أن الكثير من الرحالة جاءوا الى المنطقة بقصد السياحة..بشكل عام كانوا يعدون سفرهم رحلة حج من نوع ما، يدفعهم الى ذلك اما عوامل دينية، وسياسية، واقتصادية، واجتماعية أو جملة من هذه الدوافع.

وكانت المنطقة بالنسبة للمبشرين تمثل لهم دائماً قيمة دينية خاصة، بوصفها مهد المعتقدات اليهودية والمسيحية. وكانت في الوقت نفسه تمثل التحدي الكبير لتحويل معتقدات معتنقي الدين الآخر الرئيسي والوحيد في العالم.

ومن وجهة النظر السياسة الدولية، كان الشرق والجزيرة العربية مركزاً استراتيجياً للمنافسة الحادة بين القوى العالمية. وقد أظهر الرحالة اهتماماً حماسياً في هذا التنافس، وقد وضعوا في اعمالهم مخططات تفصيلية رسموا فيها الصورة المستقبلية للمنطقة ومصير شعوبها. وفي معظم هذه المخططات كان المؤلفون يكشفون عن علم مسبق ونوايا سيئة نحو العرب والمسلمين.

ثم توقف الباحث طويلاً للاجابة عن سؤال حول ماهية النزعات والافكار الموروثة التي سيطرت على آراء الرحالة الغربيين بعدما طافوا انحاء الوطن العربي وشاهدوا شعوبه؟

ـ التحديات الحقيقية والمتصورة للوجود البريطاني في الخليج من خلال كتابات الرحالة والمبعوثين الالمان.

وألقت فراوكة هيردبي (من المانيا)، دكتوراه في التاريخ ورقة بعنوان (تحديات حقيقة وملموسة للمكانة البريطانية في الخليج) تناولت فيه تعاظم الاهتمام البريطاني والالماني خلال العقدين الاخيرين من القرن التاسع عشر وعلى مر السنين التي انتهت بنشوب الحرب العالمية الاولى، اضافة الى اهتمامها بالتهديد الاقتصادي والسياسي الذي تشكله كل من فرنسا وروسيا لمكانتها في الخليج.

فتحركات الرحالة الالمان بالاضافة الى رجال الاعمال والدبلوماسيين كانت ترصد بحذر شديد. لذلك فإن رحلات الكونت ماكس فون أوبنهايم التي شرع بها بدور الاعداد لحملات منظمة ومبرمجة الى افريقيا والتي ساقته الى الخليج عام 1893 اعتبرت فعليا بأنها الخطوة الاولى من الجهود الرامية لتقويض السيادة البريطانية في المنطقة. فقد التحق اوبنهايم بمكتب الخارجية الالماني عام 1896 ليعمل ملحقاً في القاهرة، وحالما اصبح ـ أوبنهايم ـ السلطة الرئيسية الاولى في بلدان الشرق الاوسط وشمال افريقيا، لكنه استقال من الخدمة عام 1910 لأنه أراد أن ينصرف الى اهتماماته بالآثار وعلومها. وفي أثناء الحرب استدعي للعودة الى القاهرة لانشاء مكتب للمعلومات والدعاية فأثار غضب السلطات البريطانية، بعد الحرب بمدة طويلة. وحين انصرف أوبنهايم كليا الى اهتمامه الخاص بالتنقيب عن الآثار في سوريا وبمتحفه في برلين استمر البريطانيون بملاحقته على أنه جاسوس متنكر. مع هذا فقد كرس ايام عمره الاخيرة للعمل الفكري والكتابة عن قبائل البدو لذلك كان يتردد اسمه دائماً بصفته المستشرق وليس دبلوماسيا أو رجل سياسة.

وإذا كانت رحلات اوبنهايم في المنطقة أثارت حفيظة البريطانيين فإن حضور وليم فاسموس أثار غيظهم وسخطهم. فقد حاول فاسموس على مدار أكثر من ثلاث سنوات وبنجاح تام أن يتصدى للمد العسكري والدبلوماسي للبريطانيين في جنوب ايران خلال الحرب التي امتدت بين عامي 1914 و 1918.

وبعد نجاته من الأسر سيطر فاسموس على الطريق الوحيد الواصل بين الساحل وشيراز واستنكر حرية تحركات القوافل العسكرية البريطانية بمساعدة سكان طانجستان والقبائل الاخرى في المنطقة. وبعد ذلك بمدة طويلة القي القبض عليه وأخذ اسير حرب الى المانية المحتلة وبقيت اسطورة "لورنس ايران الالمان" يتداولها الناس.

ويبقى، أن أوبنهايم وفاسموس شخصيتان جذابتان اكتسبتا وبشكل متوافق مكانة في سجلات تاريخ الحرب العالية الاولى، وستقوم الباحثة وفي ضوء استعراض نشاط هاتين الشخصيتين باعارة اهتمام خاص لهما وعقد مقارنة بين المصادر الانجليزية والالمانية.

هـ ـ مرحلة البحث عن النفط (1918 ـ 1960م) 

وكانت في بحثين:

ـ الامارات العربية في كتابات المبشرين الامريكيين: دراسة تاريخية وتحليلية.

تحت هذا العنوان تحدثت فاطمة حسن الصايغ (من الامارات العربية المتحدة)، دكتوراه في التاريخ، واستاذة في كلية العلوم الانسانية والاجتماعية بجامعة الامارات، تحدثت عن النشاط التبشيري الاميركي في الامارات العربية، حيث شهدت الاخيرة منذ نهاية القرن التاسع عشر توافد أعداد كبيرة من المبشرين الاميركيين على منطقة الخليج ضمن نشاطهم التبشيري والمتمحور في منطقة عمان والبحرين. وكان هدفهم جعل الامارات نقطة ارتكاز تبشيري لمنطقة وسط شبه الجزيرة العربية وسواحل الخليج الاخرى. واستخدم المبشرون في وصفهم للامارات لفظ "ساحل القرصنة" وهو اللفظ السائد في الوثائق الانجليزية القديمة، أو ساحل عمان، وعدّوا منطقة الامارات جزءا من عمان الساحل. وامتد نشاط المبشرين من محطاتهم في البحرين وعمان الى مدن الامارات جميعها. فزاروا مدن الامارات وقراها بدءا من الشارقة ودبي وأبو ظبي ومروراً بالحمرية وعجمان  وانتهاءا بالبريمي.

وقد ركزت تقاريرهم على وصف للحياة الاجتماعية والاقتصادية السائدة آنذاك، وهو الوصف الذي شبه غائب عن التقارير البريطانية، لذلك تعد التقارير الاميركية ضرباً من ضروب الادب ومصدراً من مصادر المعرفة لحياة الامارات القديمة من جميع جوانبها.

ثم تعرضت الباحثة لأهداف المبشرين ووسائلهم ونتائج اعمالهم، وذكرت بأن اهداف المبشرين واضحة، الا وهي نشر الدين المسيحي بين الاهالي. ولكن اختلفت طرقهم فلجأوا الى سبل عديدة لاقناع السكان بدعوتهم بدءا من استخدام التطبيب كوسيلة للتبشير، وانتهاءا بنشر التعليم الذي يعدّ وسيلة مهمة لتوصيل "رسالة المسيح" للمعتنقين الجدد. وعلى الرغم من المحاولات العديدة التي قام بها المبشرون على مدى سبعين سنة الا أن فشلهم في تحقق اهدافهم الدينية كان واضحاً..فلم ترد في تقاريرهم أي شارة لمعتنقين جدد. أما نشاطاتهم الاخرى فقد لا قت الترحيب من قبل الاهالي نظراً لغياب الخدمات العامة كالصحة والتعليم. ونجحت هذه الارساليات في توجيه نظر الحكومة الاميركية ومن ثمة الشركات البترولية فيما بعد الى اهمية هذه البلاد كمنطقة حيوية للاقتصاد الاميركي.

ـ المصالح النفطية كما وردت في أعمال الرحالة والمبعوثين الغربيين: دراسة تحليلية.

ثم ألقى حسام.م.مهدي (من جمهورية مصر العربية)، دكتوراه فلسفة في الفكر المقارن، بحثاً بعنوان (الاطماع النفطية واعمال الرحالة الغربيين ــ دراسة تحليلية موجزة)، ركّز فيه على خصائص سجلات رجال النفط وقيمتها اذا ما قورنت بسجلات الرحالة التقليديين عن منطقة الخليج العربي، وقد اعد البحث الرئيسي لورقة العمل هذه من سجلات شركة البترول البريطانية في جامعة وارويك.

وعالج الباحث في مستهل ورقته الاسباب التي دفعت بالرحالة الغربيين بالتوجه الى منطقة الخليج العربي، ولاحظ من خلال اعمال الرحالة، أن بعضهم كان يبحث عن المغامرة بينما ذهب آخرون لأغراض البحث والدراسة، وبعض الرحالة كان يتوجه بدوافع عسكرية أو تجارية أو سياسية. ولكن في المجمل، وبفعل تزايد وتراكم هذه الاعمال شكلت مجموعة من الكتابات والتصورات والتي ساهمت في زيادة معرفة الاوروبيين بالمنطقة، وقد استثمرت هذه المعرفة في فترات مختلفة لضمان الاطماع الغربية في الخليج العربية وحمايتها. وفي نهاية الحرب العالمية الاولى كانت اطماع الغرب الرئيسية منصبة على البترول، فنتج عن هذه المطامع جيل جديد من الرحالة الغربيين الى الخليج العربي وهم رجال النفط.

فمن جهة، كان رجال النفط من الرحالة الغربيين ذهبوا الى الخليج العربي، وعملوا هناك عدة سنوات، ومن جهة اخرى كانوا جزءا لا يتجزأ من صناعة النفط الدولية في القرن العشرين، وكان تأثير اقامتهم وعملهم في المنطقة بسيطاً على السكان المحليين وعلى ثقافتهم.

إن الفترة الممتدة من عام 1918 الى عام 1960 شهدت زيادة مثيرة في اهمية نفط الخليج العربي، كما شهدت الفترة ذاتها عدة احداث رئيسية وحاسمة في الوضع السياسي والاقتصادي في المنطقة والعالم، منها سقوط الامبراطورية العثمانية، والحرب العالمية الثانية ونهاية عصر الاستعمار الاوروبي، ولعبت هذه الاحداث دوراً هاماً في تحريك الاطماع البترولية في المنطقة، وبالتالي ارتبطت كتابات رجال النفط عن الخليج العربي ارتباطاً وثيقاً بالاحداث التاريخية التي جرت في هذه الفترة المضطربة.

و ـ تقويم كتابات الرحالة والمبعوثين واستخلاص نتائجها 

وكانت في ثلاثة بحوث:

ـ القيمة العلمية لكتابات الرحالة والمبعوثين بوصفها مصدراً لدراسة تاريخ المنطقة.

وقدّم ديل.ف.ايكلمان (من الولايات المتحدة الاميركية)، استاذ العلوم الانسانية والعلاقات البشرية في جامعة دارموث الاميركية، بحثاً بعنوان (مؤلفات الرحالة الغربيين..هل هي مستندات تاريخية موثوقة) قوّم فيها عبر تحليل الروايات النموذجية للرحالة الاوروبيين والبعثات العسكرية وخبراء العلاقات المحلية لشركة النفط، وكيف انتقل اصحاب هذه الروايات بالشكل والمضمون والقارىء على حد سواء من القرن السادس عشر الى عام 1960.

وبدأ الباحث بمقدمة علمية حول الكتابة عن الرحلات، حيث اعتبرها شكلاً من اشكال الكشوفات وترتيب العالم، حيث تجعل المجتمعات والشعوب خارج حدود الوطن منفتحة في التصنيفات الاعتيادية.

ويمثّل لذلك بما مضمونه: حتى عندما يكتب الرحالة والباحثون عن اللامعقول، فهم وقراؤهم ينظرون من خلال التصنيفات الاعتيادية. لذلك قام السفير المغربي محمد الشعفار بصياغة تقريره الذي ارسله للملك عن العادات الاجتماعية والسياسية في باريس عام 1840 معتمداً على الرحلات التقليدية، متأثراً بالاطار الذي كتب به سلفه ابن خلدون والكاتب المصري المعاصر الطهطاوي. وتعتمد الروايات الغربية بالطريقة نفسها على المعرفة الضمنية أو الادراك الحسي. لذلك يفترض أن الذين يكتبون من خلال انطباعاتهم نادراً ما يكونوا مدركين تماماً لصياغة مشاهداتهم وتحديدها وملاحظة دلالاتها بدقة، خصوصاً وأن كتب الرحلات عن الخليج العربي مثل تقارير البعثات والممثلين السياسيين لشركة النفط في القرن العشرين وتقارير قوات المعاهدة الاوروبية غالباً ما كانت هذه الكتابات من حيث المبدأ تفتقر الى الاحساس بالبعد الثقافي والتاريخي للصورة النظرية الحقيقية.

وعدّت هذه الكتابات مجرد سرد روائي أو مجرد تقارير فعلية ومباشرة وأن مضامين هذه التصنيفات وصياغة هذه الروايات تكشف الكثير من المفاهيم المتباينة في الوصف والتداخل والهيمنة والانتداب واستنباط صور للجانب الآخر.

ثم ينتقل الباحث في تطبيق ذلك على كتابات الرحالة الغربيين الى الخليج العربي، حيث تحدث عن الفجوة السياسية والاجتماعية بين العواصم الاوروبية (وتشمل البرتغال وبريطانيا وفرنسا) وبين الخليج العربي..فالاسلوب البياني الحديث لـ "للتاريخ الطبيعي" في معجم لوريمييه الجغرافي على سبيل المثال يوازي نظرة المساح الطبوغرافي:سلُبَ عرب الخليج وحكامهم من القدرة على التطلع الى الامام أو التأثير أو التغيير. هذا يتناقض مع فترة سابقة كان فيها الاستعمار الاوروبي أقل أمناً وفترة لاحقة ازدادت فيها مناهضة هذا الاستعمار..وعلى وجه الخصوص يحدد هذا الوصف أهمية النقلات السريعة من عام 1948 مروراً بعام 1960 في شكل تقارير شركة النفط والتقارير السياسية ومضمونها، باعتبار أن عرب الخليج وحكامهم أصبحوا أكثر إدراكاً وفهماً لفعالية التقارير الاقتصادية والسياسية السرية وتأثيرها، وأخذوا يبحثون عن صيغة توظيفها لمنفعتهم الخاصة.

الكتابات الحديثة للرحالة الغربيين عن الخليج : تقديم وتقويم 

وفي هذا الاطار، القى حسين محمد فهيم، دكتوراه في الأنثربولوجية الثقافية، أستاذ بكلية العلوم الانسانية والاجتماعية بجامعة الامارات، بحثاً بعنوان (تغيير صورة المجتمع العرفي في الخليج في أدب أسفار الغرب)، حاول فيه الاجابة عن سؤال يمثل محور بحثه وهو: كيف ولماذا تتبدل التصورات الغربية للمجتمع الغربي في الخليج كما يعكسها أدب الاسفار منذ بداية هذا القرن حتى الآن؟

ويؤسس لذلك بمقدمة كمدخل لطرح السؤال، يتناول فيها حجم الاهتمام الجديد والمتزايد مؤخراً بأدب الرحلات، من قبل قطاع عريض من الاختصاصيين اكثر من قبل. فهذه الثروة العظيمة من نصوص الاسفار ووثائق الرحلات أثبتت أنها مصدر مفيد للمعرفة، وأصبح علماء الاعراق مدركين الآن اكثر لثراء المعلومات في كتب الرحالة. واتضح ـ حسب رأي الباحث ـ أنه بسبب انتشارها بين القراء تتجه كتب الرحلات لتكون اكثر تأثيراً من الاعمال الاثنوغرافية للمستشرقين في رسم اطار لتفاهم الناس بعضهم مع بعض وثبيت صور دائمة للشعوب والثقافات الاجنبية.

وينتقل الباحث الى اهمية المعلومات التي سجلتها الوثائق والاسفار والتقارير الغربية، وينطلق في ذلك من رؤية خاصة لدى الباحث، تتلخص في أن نظرة جديدة لصورة كل مجتمع في عيون الآخرين، هي ضرورة كجزء من الطقوس المطلوبة للتحول الهادىء في عالمنا، والانتقال الى حقبة جديدة من التحدي..حيث يزداد تأثير الاعراق والدين والانتماء القومي اكثر مما كانت عليه من قبل. وفي هذا الوقت الذي تزايد فيه تطور قنوات الاتصال، فإنه يجب اعادة النظر في الصور الاثنوغرافية للشعوب وثقافاتها.

وتأسيساً على هذه الرؤية، فإن أبحاث التصور والدراسة تلقى اهتماماً خاصاً من قبل العديد من الخبراء على اختلاف اتجاهاتهم، ومن خلال هذا الفهم الفكري ايضاً، يحاول الباحث استكناه صورة المجتمعات الخليجية كما دونتها اسفار الغرب.

الرؤية الحالية للمنطقة (واقع وتصورات) 

واختتم الندوة الدبلوماسي الانجليزي المتقاعد جوليان مورثي ووكر بورقة بحث بعنوان (البحث عن النفط 1918 ـ 1960: رؤية شمولية جديدة لحقائق المنطقة)، قدّم خلاله رؤية تحليلية كلاسيكية للتغييرات الاجتماعية والاقتصادية في منطقة الخليج. ففي الفترة مابين عامي 1918 و 1960 كانت البيئة الاجتماعية لمنطقة الخليح قد توقفت عن كونها منطقة قبلية، وأصبحت واحدة من دول النفط الاقليمية. وكانت خطوط التغيير الاساسية هي التي تسود المنطقة كلها، ماعدا بعض الفروق التي سببتها عوامل محلية، وكانت التغيرات التي طرأت على الساحل المهادن اكثر تعقيداً ومتأخرة عن شمال الخليج.

ففي عام 1918 تم تقسيم سكان الساحل الى ثلاث مجموعات: سكان المدن، القرويون، البدو. وكانت تجارة اللؤلؤ تتحكم بالحياة الاقتصادية والاجتماعية، وكانت الصحراء القاحلة قليلة العطاء. لكن رجال القبائل الذين سكنوها كانوا يتمتعون بأهمية كبرى، واعتمدت قوة الشيخ على عدد الرجال الذين يلتفون حوله لمؤازرته وقت المحن، وغالباً ما كان الحكام في المدن اكثر فقراً من التجار، وكانت سلطتهم معرضة للانقلابات المستمرة.

وقد ادى انهيار تجارة اللؤلؤ في نهاية العشرينات الى الشدائد والفقر، ولكن معاناة الحكام الذين يتنعمون بعائداتهم من الجمارك ومعاهدات الامتياز، كانت اقل من معاناة التجار. وكانت السمات  العامة لهذه الفترة: انخفاض الامن في الداخل، وتفكك الروابط القبلية، وتكاثر الهجمات على التجمعات السكنية الساحلية لتزيد من وتيرة المعاناة، وانتشار تجارة التهريب والرقيق.

وقد لعبت الحرب العالمية الثانية في اطالة نفوذ البدو، كما شهدت نفوذاُ بريطانياً متزايداً، وبعد الحرب بدأت هجرة العمال الى حقول النفط في شمال الخليج، وتوغلت شركات النفط الى الداخل، ودعمت مواقع الحكام، وضعف نفوذ القبائل، وحازت المناطق الصحراوية على مكانة واعدة. وبعد أن بسطت قوات عمان المهادن الامن تمت تسوية النزاعات الاقليمية بين الحكام بشكل تدريجي.

ومع اكتشاف البترول على الساحل ازدهرت الدول الغربية. وتوجهت انظار السكان بما فيهم رجال القبائل الى  المدن متطلعين الى العمل والعيش الرغيد. إن المنظور الجديد للمنطقة هو اكثر استقراراً ومدنية وازدهاراً من المنظور القديم ولكنه ربما تكتنفه بعض المساوىء.

297984