ديوان السيد محمد بن مال الله الموسوي القطيفي
علي مكي الشيخ * - 13 / 10 / 2007م - 9:38 ص - العدد (46)
تمهيد يقول الدكتور عبد السلام هارون، في مقدمة كتابه «تحقيق النصوص ونشرها»: «هذا التراث الضخم الذي آل إلينا من أسلافنا صانعي الثقافة الإسلامية العربية، جديرٌ بأن نقف أمامه وقفة الإكبار والإجلال، ثم نسمو برؤوسنا في اعتزاز وشعورٍ صادق بالفخر والغبطة والكبرياء. إنّ هذه الصيحات التي يرددها دعاة الاستعمار الثقافي يبغون بها أن ننبذ هذا التراث، ونطَّرِحَه وراءنا ظهريًّا، صيحة ٌ في وادٍ، وكم لها من محاولات يائسةٍ يدورون بها ذات اليمين وذات الشمال كي يهدموا هذا الصرح، ولكن تلك محاولاتٌ لم تجد لها صدى إلاّ عند من أمكنهم أن يضفوا على أنفسهم ظلَّ الاستبعاد الثقافي من ضعاف القلوب، وأرقاء التفكير. حاولوا أن يقضوا على الكتابة العربية ليقطعوا ما بين حاضر العرب وماضيهم فباؤوا من بعد ذلك بالفشل... وما أجدرنا - نحن القَوَمةَ على الثقافة العربية - أن ننهض بعبء نشر ذلك التراث وتجليته، ليكون ذلك وفاءً لعلمائنا، ووفاءً لأنفسنا وأبنائنا»(1). انطلاقاً من هذا الشعور لا بدَّ أن نؤصِّل لتراثنا القطيفي وغيره، وذلك بتحمل المسؤولية في احتواء المنتج التراثي، والتعالق الفكري والثقافي بين نصوصنا السابقة والتراثية بمعطيات الأداء التحقيقي، فقراءة الماضي هو أصالة للأرض ووفاءٌ للُّغةِ والمبدأ والحضارة. بين يدي نسخة مصورة لمخطوطة «ديوان السيد محمد بن مال الله الموسوي القطيفي» والذي لا زلنا نجري البحث في تحقيقه وإخراجه. السيد محمد الفلفل في سطور من العباقرة الذين أنجبتهم القطيف، فكانوا مشاعلَ مضيئةً، أبدعوا للحياة روحاً رساليَّةً، وفكراً واعياً. هو شاعرنا الكبير السيد محمد بن السيد مال الله بن محمد الفلفل التوبي القطيفي المتوفى سنة 1261هـ. ولد وترعرع في أحضان قريته (التوبي) -إحدى قرى القطيف- وهي مسقط رأس الشاعر الكبير أبي البحر الشيخ جعفر الخطي المتوفى سنة 1028هـ، الذي ذاع صيته في شرق الأرض وغربها. تربى السيد محمد الفلفل على حياة الفضيلة، حيث تغذى فكره وقلبه من إفادات والده العلاّمة السيد مال الله متأثراً ببيئته الإيمانية، فنشأ على الطهارة والإيمان والحب الإلهي، فكان - رحمهُ الله - من العلماء الزاهدين، والأتقياء الورعين، وعُرِف أديباً مفوِّهاً، وشاعراً صادق القريحة واضح العقيدة. يقول عنه الشيخ علي البلادي في كتابه (أنوار البدرين): «كان من الشعراء المجيدين المكثرين. له يدٌ قويَّةٌ في العلم إلاّ أنَّ الشعر غلبه»(2)، وصنَّفه الخطيب الشاعر الحاج علي بن محمد الرمضان القطيفي في منظومته (ماضي القطيف وحاضرها) مع الشعراء، والتي يقول في مطلعها(3): يا خَطُّ، يا وطن الكرام ألا اسمعي ماذا يقول فتَاكِ ذاك الألمعي كمْ قد شَمَختِ بعبقريٍّ شاعرِ سحَرَ القلوبَ بشعرهِ المستبدعِ إلى أن يقول: ومحمدٍ وأبيه مالِ اللهِ مِنْ نَسْلِ النبي شفيع يوم المفزعِ وعلّقَ على القصيدة العلاّمة الشيخ فرج العمران - رحمه الله - فعرَّفهُ قائلاً: هو السيد محمد الملقب بالفلفل المتوفى عام (1261هـ ). أسرته (أبو الفلفل): يقول العلامة الشيخ علي المرهون في كتابه (شعراء القطيف، في الجزء الأول المعنون من الماضين): «وآل الفلفل (بالتوبي) موجودون حتى اليوم من خيار السادة وأماجدهم، كثَّر الله من أمثالهم، يفخرون بشاعرهم (السيد محمد الفلفل)، وحُقَّ لهم؛ فلقد كان “رحمه الله” على أحسن ما يكون عليه العقلاء من أماثل الرجال»(4). والده العلاّمة: جاء من كتاب تاريخ البحرين، للشيخ محمد علي آل عصفور, ما يلي: السيد الأوّاه السيد مال الله بن السيد محمد الخطي، زبدةُ الأوائل والأواخر الذي لا يكون لعلمه أولٌ، ولا آخر، فخر المحققين، وزبدة المجتهدين، سيد العلماء المتأخرين، انتهت إليه رئاسة الخط والأحساء والأمر بأحكام الشريعة في الصباح والمساء، وهو مجازٌ عن شيخه الشيخ أحمد بن زين الدين، وله معه أجوبة ومسائل. مات قدس سره سنة (1222هـ)(5). سيرته العلمية: كان السيد محمد الفلفل شغوفاً بطلب العلم، عاشقاً لنفحات العلماء، من أجل ذلك تجده يتنقل من بلده إلى البحرين باستمرار ثم يستقر به المطاف في العراق. حيث يعيش المشهد الثقافي والديني بأفق أوسع، وفكرٍ أعمق. وكان انتقاله للعراق في عصر العلامة السيد كاظم الرشتي المتوفَّى سنة (1259هـ)، إذ لازمه شاعرنا ملازمة شديدة، وكان من الراوين عنه، والمقربين إليه. (توثق) وفاته: توفِّي شاعرنا وهو يؤدي رسالته العلمية في العراق، وذلك سنة 1261هـ، وقيل سنة 1271هـ، وقيل سنة 1277هـ كما هو رأي صاحب الذريعة. (توثق) وجميلٌ أن نتعرف ملامح هذا المخطوط، ونرسم قراءة سريعة لقرّاءِ التراث. مكان وجود المخطوطة حسبَ البحث القاصر وجدنا، من خلال التتبع القرائي، أن لهذه المخطوطة ثلاث نسخ، وتوجد في: 1 - مكتبة السيد الحكيم العامة التي تأسست عام 1975م 1377هـ في النجف الأشرف(6). 2 - مكتبة الشيخ محمد السماوي: ذكر ذلك السيد حسن الصدر في كتابه التكملة. نقله عنه الشيخ الخاقاني في كتابه شعراء الغري(7). 3 - مكتبة خاصة لأحد رجالات كربلاء وهو حسن عبد الأمير. ذكر ذلك صاحب كتاب «نقد كتاب شعراء الحلة» في ترجمة الشيخ صالح التميمي(8). وصف المخطوطة النسخة التي بين يدي هي نسخة مكتبة السيد الحكيم العامة، وقد جاء وصفها في كتاب «من نوادر مخطوطات مكتبة السيد الحكيم العامة تحت عنوان «ديوان ابن معصوم»: ديوان يقع في 430 صحيفة بقطع الربع 15×21 كاغدا أسمر خفيف، وخط نستعليق جيد، وبرقم 377، وكأن النسخة هذه عرضت على الشاعر فصححها كما يظهر من هوامشها، والديوان مرتب على القوافي(9). محتوى الديوان 1- المقدمة: يتصدر الديوان مقدمة ٌ جميلةٌ، يوضح ناسخها أن المؤلفَ هو من كتبها فيقول: «هذا الديوان لجناب السيد الأسعد سيدنا السيد محمد بن مال الله الموسوي الخطي المعروف بالقطيفي، وَمَنّ الله عليه بأن جمع له بين العلم والأدب ببلوغ غايةٍ ما وصل إليها أحد من العجم والعرب، فانظر إلى خطبته فإنه أبرز فيها معنىً مشتملاً على نهاية المدح للشعر من آيةٍ ظاهرها نهاية الذّم فيه، وما ذلك إلا من شدة غوره في كتاب الله المجيد، وسنة نبيه الحميد». ثم يعرض مقدمة السيد: «الحمد لله الذي أنطق بالشعر لسان صفيه آدم أبي البشر، وعلمه أن يجمع بين رثاء ابنه هابيل إذ قتل قابيل خلِّد في سقر، وبين إبانة أن العالم تعتريه حوادث الغِيَر، فقال صلى الله عليه عند علمه بقتل هابيل: تغيرت البلاد وَمَن عليها فوجه الأرض مغبرّ قبيح(10) إلى آخره. أحمده بقدر ما منّ عليّ من النعم التي لا تحصى بالتعداد، وليس لها قيمة من القيم، ولا لها انقضاء ولا نفاد، وأصلي على جدي ومشرِّفي باسمه محمد المبعوث لكافة العباد...». وبعد هذه المقدمة يسوق الناسخُ الحديث حول كرامات ومواقف السيد محمد الموسوي منذ طفولته وحتى بلوغه مدارج الكمال ومداميك الرجال، كما ركز على ما أبدعه السيد في ديوانه وقصائده فقال: «فاعلم، وفقك الله في تحصيل الكمالات والارتقاء إلى معالي أعلى الدرجات، أنها قد اشتملت على أمور كثيرة غريبة، وملكة لطيفة عجيبة؛ مِنَ استخراج أكثر أوزان الشعر من سورة واحدة من كتاب الله العزيز سورة قاف على أوزان أخر من مجزوءات، ومخبونات، ومدروجات، حتى أنّ بعض آيها فيه وزنان باعتبار التحريك والسكون، والسورة كلها خمس وأربعون آية، والموزون منها يزيد على الستين، ثم جعل لكل جزء موزون من بحرٍ أو مجزوءات ومخبون، أو مدروج فقرة أو بيتا مقدماًَ عليه مشاكلاً إليه حتى جعل الأبيات كلها قصة أحوال أهل الدنيا مع الموت، مع الحشر مع الجنة والنار، نجانا الله وإياكم من جميع الأخطار، وكم له من أعجوبة من عجائب الزمان!؟ وكم له من أعجوبة فاق بها على الأقران!؟ كتلميعه قصيدة السيد الرضي الرائية، وتخميسه قصيدة ابن زيدون التي جعلها في رثاء الحسين عليه السلام، مع أن فيها أبياتا لا تصلح إلا لأهل الخمور والزمور كقوله: نأسى عليك إذا حفت مشعشعة بنا الشمول وغنانا مغنينا لا أكؤس الراح تبدي من شمائلنا سيما ارتياح، ولا الأوتار تلهينا وكتشطيره مقصورة ابن دريد، وهي عجبٌ من كل عجيب وجعلها في رثاء الحسين عليه السلام، وانظر إلى مراثيه إن كنت ذا نظر ثاقبٍ، وذلك أنها - على كثرتها وجودتها التي ما اجتمعت عند شاعر قبله فضلا عما بعده - فإنه بين مجيد مقل، أو غير مجيد مكثر وهو قد جمعهما مع الرقة والجزالة. 2- الأغراض الشعرية: أ- القصائد الولائية: وهي الغالبة على قصائد الديوان، حيث تتجاوز ثلثي الديوان، تقريبا، وهي بين رثاءِ أو مدحِ أهل البيت عليهم السلام، فمن قصائد الرثاء قصيدة في رثاء الإمام الحسين عليه السلام: - وله في مدح الإمام علي قوله: ونظم كمنظوم اللآلي أو الدر أتيتَ به لله درك من شعر! أتيت بما لا يستطاع لناظم أتيت بأمضى في النفوس من السحر بلفظ كمنثور الجمان وراءه معان له تعنو عقول أولي الفكر فراقَ على طبعي ورقَّ لمسمعي وطاب لنفسي، لا تلمني على سكر ثم يتخلَّص إلى مدح الإمام علي فيقول: فكيف وقد أنشدتها بامتداح من به كل مدح دون ما فيه من فخر علي أمير المؤمنين إمامنا إمام الهدى بعد النبي أبي الغر رقى مرتقى لم يرقه غير أحمد مقام علا أجلى من الشمس في الظهر فناهيك فخراً دائماً بامتداحه أجدت ستحظى في غد وافر الأجر ب- شعر المناسبات الاجتماعية: ومن ذلك قوله في رثاء الشيخ حمود بن الشيخ إسماعيل، وقد بعثها إلى ابنه في النجف الأشرف: من الواله المشتاق في القربِ والبعدِ لمن عنده من لوعة البين ما عندي سلامٌ يعيد الميت حياً بنشره ويوسى به جرحى القلوب من الفقد ولا سيما من ذي وفاً راح مثلكم بما تحدث الأيام في الهزلِ والجدِّ وطرفاه إما جاريان لغاية الـ بكاء وإلاعاكفان على السهد وهاك أخا السّلوان ما عشت راضياً بما كان من جزر المقادير والمدّ رثاً يتمنى المجتليه لو أنه له وهو ذو ولدٍ رثاء على الولد مضى نجل إسماعيل فالتهبت بنا لفقد حمودا النار من مالك الوجد فلولا ابنه رضوان لا مات فاتح لنا جنة السلوان ذبنا من الوقد ولازال من يحيى به الميت كعبةً تطوف بها الساعون في الفخر والمجد - وله مهنئاً بزواج الشيخ أحمد العصفور (رحمه الله تعالى): غردت وُرْق التهاني بالغنا بغصون ٍ ليس فيها أودُ بُدِّل النحسُ سعوداً عندما آل عصفور بعرسٍ سعدوا زوج ابن المجد بنت الشرفا فشريفٌ كلهم أوأمجدُ أينعت دوحتهم قطف العلا فزكى والدهم والولدُ سيما المولى الذي عَمَّ الورى جوده قطب رحاها واليدُ واحد الدهر وربُّ الفخر بل عين أرباب العلا والسَّند وإذا ما أطلق الشيخ فما غيره تعزى إليه أحدُ ولقد سُرّ بتزويج ابنه أحمد فالكل منا يحمدُ(11) ج- التأريخ للأحداث التأريخية: وهو فنٌ أدبيٌّ قائم على حساب الجُمَّل، حيث يُضَمِّن الشاعر تاريخ المناسبة في جملةٍ شعريةٍ خاصة، وقد كثر هذا الاستخدام لدى سيدنا الفلفل في ديوانه، ومن ذلك قوله: - هدي بالخير مولود ومن مبارك = 1201هـ. - حزب عزيز خرب الدرعية = 1233هـ. - عام خيرات فعدد «رغدوا» = 1211هـ. د- شعر الحكمة: وهو الشعر الذي يتلمس خفايا النفس وتجارب الإنسان مع الوجود بما فيه من متناقضات، حيث يختزل الفلسفي أو الحكيم مجموع هذه التجارب الكونية والبشرية فيصوغها في عبائرَ تأمليةٍ جميلة.. وشاعرنا ممن عشق هذا الغرض الشعري حيث عاصر الحياة، ودرس على أيدي علماء من كبار فلاسفة عصره لذلك كان له الأثر على شعره، فمن شعره الحكمي تخميسه لأبيات الشيخ الرئيس ابن سينا: إنْ تَرِدْ مفخراً على الناسِ يبقى وتحوز العلا من الفضل سبقا وتسود الأنامَ غرباً وشرقا «هَذِّب النفس بالعلوم لترقى وترى الكلَّ فهي للكلِّ بيتُ» صَفِّها واتَّبِعْ ذوي الفضل والحق واثقُبِ العقلَ تبصرِ النهجَ والحقْ واغترف حكمة المهيمن والعقْ «إنما النفسُ كالزجاجةِ والعق لُ سراجٌ وحكمةُ اللهِ زيتُ»(12) هـ- الغزل والنسيب: وكعادة شعراء عصره إذ يبدؤون قصائدهم بالنسيب حتى وإن كان الغرض الأساس هو الرثاء مثلاً.. فسنجدُ لدى شاعرنا الفلفل هذا اللون من الشعر في كثير من مقدمات قصائده، أو بعض المقطوعات قالها في غرض النسيب المحض فمن شعره في الغزل العذري والنسيب قوله: «قلتُ للعاذل المعنف فيها» خَلِّ عذل امرئٍ نفى السقمُ حَالهْ ودعوتُ اللاحي وقد أنعشتني «حين زارت وسلمتْ مُخْتَالةْ «قُم بنا ندَّعي النبوةَ في العشـ ـقِ»وفي المدَّعى نقُيمُ الدلالةْ إنْ تكن آية الغزالةِ للصِّدْ قِ «فقد سلمتْ علينا الغزالَةْ»(13) - ومنها تشطيره لأبيات مجنون ليلى: «أَمُرُّ على الديار ديار ليلى» بكلِّ عشية وَضُحىً مرارا أقبلُ تربها طوراً وطوراً «أُقَبِّلُ ذا الجدار وذا الجدارا «وما حُبّ الديار شغفن قلبي» بل الدّيارُ أعدمني اصطبارا وما ذهبت بعقلي الدارُ حبّاً «ولكن حبُّ مَنْ سكن الديارا»(14) و- شعرالزهد والمناجاة: يحاول الشاعرُ عبر عدسة المناجاة أن يعكسَ إشراقة النفس في توحدها مع المحبوب الكمال الذي تصعق له الروحُ، فلا تجدُ ما يستحقُ الحديث معه إلا هو، حيث تخرقُ أبصارُ القلوب حجب النور فتصير إلى معدن العظمة معلقة بعز قدسه الأبلج.. وشاعرنا العارفُ بالله يرسم لوحته الإلهية حيث يقول في مناجاته: رَبِّ زدني إليك حُباً وقربا واعفُ عنِّي فقد تعاظمتُ ذنبا وانقذنِّي من المذلة وانعشـ ـني من الصَّرعة الذميمةِ عُقبا(15) - وقوله أيضاً في التسليم لقضاءِ الله تعالى: لاتظهر الشكوى إذا قُض القضا واصبر لما أمضى المهيمنُ وارتضى فلربّ معسورٍ تنالُ به الرضا «ولربَّ نازلةٍ يضيقُ لها الفضا ذرعاً وعند الله منها المخرجُ» ولكم قوارعُ أبهضتك حصاتها سأمتْ أطباها وَملّ أساتها نزلتْ فلما استحكمت أوقاتها «ضاقت فلما استحكمت حلقاتها فُرِجَتْ وكان الظنّ أن لا تفرجُ»(16) ز- شعرالفكاهة والهزل: لم يخلُ شعر السيد الفلفل من روح الدعابة والفكاهة حيث امتاز السيد بلطافة روحه في تعامله، فكثيراً ما كان يواجه الأحداث بالطرفة بالأبيات منْ شعره، وتخلل شعرهُ شعر الفكاهة والمنادمة، فمن ذلك ما جاء في المخطوط: «وجرت بين السيد أطال الله بقاه وبين أهل الأدب منادمة ليلة وكان السيد صغيراً قبل التزويج فقال له نديمه نشقني، فلما تنشق أعجبه فقال للسيد خُذْ بيتاً وأجزني عليه، فقال له السيد هاتِ فقال النديم: وهو الشيخ عبد المحسن(17): لله درك أنت من متنشقٍ أصبحت للمتنشقين رئيسا قال السيد: أرغمت أناف الأنام بحقك ال مأنوسِ إذ يُنسي الملوك جليسا فقال النديم: لو ضاع في بيع النصارى نَشْرُهُ لنسوا المسيح وقطعوا الناقوسا فقال السيد: لو شَمّه مَيْتٌ لأحياه كما أحيا من الموتى المسيح نفوسا فقال النديمُ لله درك أنت أشعرُ مَنْ دَبَّ ودرج فقال له السيد ولِمَ فقال:لأني قرأت عليك أبياتاً حافظها وأنت أجبتني بداهة وغلبتني(18). ج- الشكوى: وقال يشكو ماكان من أهل زمانه وأقربائه: أشكو إلى الله مِنْ دهرٍ يناضلني بكيده من أخلائي وأعدائي فالخلُّ يخذلني إنْ حَلّ بي جَلَلٌ وذو المودةِ يدنيني إلى الداءِ فلانصير على الأيام ينصرني ولا معين يعاني بعض أسوائي ثكلت قومًا أناديهم ولست أعي إذا دعوت مجيبصا صوت أندائي فَمَنْ أخو ثقةٍ أعتَدُّ نصرته في يوم ضراءَ أو في يومِ سراءِ نعم لَوِ الأرضُ تخلو منه لا نقلبت لكنْ هل الدَّهرُ مدنيني إلى النائي(19) ديوان الفلفل حريٌٌّّّ بأن يُقرأ ويتأمل مضامينه وأغراضه وفنونه فهو يطفح بالكثير من الشعر الممتلئ تجربةً حياتية. الهوامش: (1) تحقيق النصوص ونشرها، عبد السلام هارون، مكتبة الخانجي، القاهرة، ط 7، 1418هـ. ص 5-6. (2) أنوار البدرين في تراجم علماء القطيف والأحساء والبحرين، الشيخ علي بن حسن البلادي، مطبعة النعمان، النجف الأشرف، ط 1، 1380هـ ص: 267. (3) مطبوعة ضمن ديوان (وحي الشعور)، ملا علي بن محمد الرمضان الخطي، شرحها وعلق عليها الشيخ فرج العمران، المطبعة الحيدرية، النجف، ط 1، 1379هـ، 1959م، ص: 105. (4) شعراء القطيف، القسم الأول (من الماضين)، علي بن الشيخ منصور المرهون، مطبعة النجف الأشرف، ط 1، 1385، ص: 96. (5) تاريخ البحرين، الشيخ محمد علي العصفور، مصوَّر عن مخطوطة بخط المؤلف، ص: 218. (6) ديوان السيد محمد بن مال الله الموسوي القطيفي، مخطوط. ذكر في المتن . (7) شعراء الغري، الشيخ علي الخاقاني، منشورات مكتبة السيد المرعشي، مطبعة بهلن، قم، إيران، ط 2، 1408هـ، جـ10/297. (8) نقد كتاب شعراء الحلة، بقلم باحث كبير، منشورات مطبعة الزهراء،بغداد، 1372هـ/1953م، ص: 87. (9) من نوادر مخطوطات السيد الحكيم العامة، النجف، ط 1، 1382هـ/1962م، ومعجم المؤلفات الشيعية في الجزيرة العربية”، الشيخ حبيب جميع، دار الملاك، بيروت، لبنان، ط 1، 1417هـ، 1997م.جـ1/465. (10) قال المسعودي: وقد استفاض الناس في شعر يعزونه إلى آدم أنه قال حين حزن على ولده، وأسف على فقده، وذكر هذه الأبيات، مروج الذهب، المكتبة العصرية، صيدا، بيروت، ط1، 1425هـ- 2005م. جـ 1/ 29. (11) المخطوطة / ص129. (12) المخطوطة / ص 74. (13) المخطوطة / ص 353. (14) المخطوطة / ص 218. (15) المخطوطة / ص 48. (16) المخطوطة / ص 80. (17) الشيخ عبد المحسن الأعسم (ت 1238)، فقيه أصولي من أعيان العلماء في الفقه والأصول والتحقيق والأدب، انظر معجم رجال الفكر والأدب في النجف، دار الكتاب الإسلامي - بيروت - الطبعة الثانية 1413هـ، ص 167. (18) المخطوطة / ص 339. (19)المخطوطة / ص 42.
أديب
239864