البحرين
فضل بن عمار العماري * - 4 / 9 / 2009م - 3:24 م - العدد (51)

غموض قول الحارث بن حلزة
قال الحارث بن حِـلِّـزَة اليشكري:
إذ رفعنا الجمال من سَعَف البحـ
ـرين سيراً حتى نهاها الحِساء

وهنا تفسيران لـ «لبحرين»:

الأول: الذي ذكره الأنباري، وهو:

«يُخبر عن مغازيهم، أي: قد أغرنا على من لَـقِينا من الناس، حتى انتهينا إلى النَّخل، ثم مضينا نغير، وننتهب حتى انتهينا إلى الحِساء؛ والحساء، جمع حِـسي: البحر، والحسي: الماء الجاري. يقول: فلما بلغنا الحساء، لم يكن وراءها مُغار. ومعنى نهاها الحساء: كفَّها وحبسها. معناه بلغنا الحساء».

الثاني: ما جاء في حاشية الزوزني، وهو:

«سارت من البحرين سيراً شديداً إلى أن بلغت هذا الموضع الذي يُـعرَف بالحِساء».

ويرى ابن بليهد رأي حاشية الزوزني، وأن «الحِساء»: هو (حُسو عليا): يصب سيله في وادي الرُّمــَة».

فإذا كان المعنى هو ما قصده الأنباري، تكون «البحرين» هي منطقة البحرين، أغاروا عليـها، قادمين من منطقة بعيدة عنها، وكانت «يشكر» تسكن جنوب الحوطة، من اليمامة، بل كانت بكر كلها في نجد، وتكون «الحِساء»: أطراف الأحساء «هجر» البرية المطلة على البحر. وهذا المعنى يبدو مناسباً جدّاً؛ فالحارث بن حلزة يتحدّث في مطوّلته عن أيام وحروب قديمة جدّاً، عندما كانت القبيلتان: بكر وتغلب، في نجد، قبل رحيلهما عن ديارهما، وتفرّقهما.

وعلى كل حال، فالبحرين، منطقة البحرين في الاستعمال القديم، تشمل جِبال كاظمة بالكويت شمالاً حتى حدود أبو ظبي، فيما هو معروف الآن -وقديماً- بـ«بينونة»، على امتداد الساحل، وتتّـسع حتى وادي المياه، فتدخل فيها (النعيرية)، و«نطاع»، و»ثاج»، وأطراف من الدهناء بينها وبين اليمامة، وأهم مدنها: هجر (الأحساء)، وهي قصبتها، وهي الأكثر دوراناً في الشعر، ثم القطيف...الخ. ويحدها «يبرين». ووفق تفسير الأنباري، فالحارث يعني بـ «البحرين» «هجرَ « تحديداً؛ لأن اتجاه الجيش كان منها إلى الغرب؛ ولأن الحارث يقول بعده:

ثم ملنا على تميم فأحرمـ
ـنا وفينا بنات مُرِّ إماء

على أن اسم البحرين في الأصل جاءها من عين «محلم» و«(عين الجريب)»، ثم اتسع المدلول، ليشمل هذه المنطقة، وتقلّص أخيراً، ليصبح علماً على البحرين الحالية، وهذا معنى قول الأخنس بن شهاب الآتي: «لُـكيز لها البحران»، فـ«البحران» مثنى «بحر»، أي: النهر: «نهر محلم»، و«نهر (الجريب)». وقول بعض آل سعد بن ملكيكرب: «وأزد لها البحران». و«الجريب» هنا جاء محرَّفاً تحريفاً تاماً عند الهمداني، فالنهر المعروف الذي يشكّل ثنائيّـاً هو «نهر الصفا»، أي: (عـــين الحارة)، ولم يرد لنهر «الصفا» ذكر عند الهمداني، كما لم يرد ذكر لـ«حصن الصفا»، وهذا دليل على ذلك التحريف الشديد. وقد وقع الهمداني في ذلك نتيجة الخلط بين «الجريب»: القرية، كما ذكرها نصــــر الإسكندري، و»نهر الصفا»، فجعل هذه تلك، و«الجريب» هي التي يراها العبد القادر: قرية الشقيق، من قرى المبرز، على بعد 8كم من الهفوف. ونقل الجاسر عن نصر أن البحرين سمّيت بذلك من أجل «محلم» والأخرى «(قضباء)» أو «(قضبى)»، وهذا أيضاً تحــريف كالذي سبق.
إن قول الحارث بن حلّزة حسب التفسيرين السابقين: تفسير الزوزني وابن بليهد، فيه تعارض كبير، فإذا كان رأي الأنباري أنهم أغاروا على «البحرين»، أي: «النخل»، كما قال، ينهبونها، فإن هذا لا يتوافق مع خط الإغارة على (حسو عليا): جنوب غرب القصيم، جهة الحناكية، والمناسب -كما جاء في الشرح- أنهم انتهوا إلى ساحل البحر. وكما وضّح الحارث، فذلك في زمن اضطراب الدولة الفارسية، في عهد الملك فيروز، يقول:

هل علمتم أيام ينتهب النا
س غِواراً لكل حيِّ عُواء

وعلى الرغم من أن الشرح في الزوزني شرح واضح، في جعل تحرك الجيش من «البحرين» / «هجر»، فإن هذا يتناقض مع منطقة وجود «يشكر» وبكر في الجاهلية، في الزمن الذي سبق حديث الحارث بن حلزة أمام الملك عمرو بن هند، أي: زمن وجودها في اليمامة ونجد. قال لبيد:

فاخرتني بيشكر بن بكر
وأهل قُرّان وأهل حجر

فهذه القبائل كانت مجتمعة باليمامة. والصواب- مثلما هو منطوق الشعر نفسه، وحسب شرح الأنباري - أن الإغارة على البحرين «هجر» وما والاها؛ فـ«يشكر» - على سبيل المثال، وعلى افتراض أن الحارث يتحدث باسم عشيرته أيضاً - كانت تسكن جنوب الحوطة، ومن تلك الجهات انتقلت تغير على «البحرين»، وواصلوا تحركهم حتى أدركهم البحر.

شعر في البحرين القديمة (باستثناء الجزيرة):

في الجاهلية:

ومن أشهر الأقوال في البحرين قديماً على أن المقصود به ما حاذى الساحل – قول القائل:

ومن يسكن البحرين يعظم طِحاله
ويغبط بما في بطنه وهو جائع
وأما بشكل عام، فقال بكر بن النطاح:
وعاجت على البحرين منا عصابة
حمتها بأعلام لها وسِمات

وقال آخر:

راح وقد مَـلَّ ثواء البحريــن
وقال جماعة البارقي:
واتلأَبَّت تؤم قافية البحـ
ـرين بالخَور بين أيدي الرعاة
وقال عامر بن الطفيل:
وقد نلنا لعبدالقيس سبَياً
من البحرين يُقتسم اقتساما
وقال الأخنس بن شهاب:
لُكيز لها البحران والسِّيف كله
وإن يَغشَها بأس من الهند كارب

وعلى غراره جاء القول المنسوب لبعض آل سعد بن ملكيكرب:

وأزد لها البحران والسيف كله
وأرض عُمان بعد أرض المشقَّر

في الإسلام:

وفي الإسلام قال أحد المرتدين:

نسير إلى البحرين نأكل تمرها
ونرعى حماها بالقنا والقبائل

وقال عبد الله بن عتبة:

وليس لكم بالبحرين* حابس طاقة
وليس لكم بالمسلمين يدان

كما قال الفرزدق، وهو لا يقصد إلا منطقة الأحساء والقطيف:

حنيفة أفنت بالسيوف وبالقنا
حرورية البحرين يوم ابن بخدج

«البحرين» الجزيرة لم يكن لها ذكر بهذا الاسم في الجاهلية وصدر الإسلام

قال النجم عن البحرين المعاصرة:

«وهي من الجزائر المأهولة بالسكان عند ظهور الإسلام».

وأحال على الفصل الثاني من كتابه، ولم يأت في هذه الصفحات بشيء يثبت قوله، اللهم إلا ما يتعلّق بالمنطقة الشرقية من المملكة العربية السعودية الآن، مما كان يسمى أيضا: « البحرين»، وينطبق هذا على ما ذكره عن المحاصيل الزراعية. كما قال:

«وفي الجزيرة عند ظهور الإسلام مدينة كبيرة حسنة ولها جامع».

ومن المؤكد أنه يشير بهذا المسجد إلى «جواثى» بهجر ومسجدها، وهما ليسا في الجزيرة، أي: البحرين الآن، ولا يمكن أن يكون ذلك.

عبادة عبد القيس «الأَسبَذ»:

قال طرفـة:

خذوا حذركم أهل المشقر والصفا
عبيد اسْبذٍ والقرض يجزي من القرض

ولا يمكن الاعتماد على هذا الشاهد على أن عبد القيس عبدوا «أسبذ»: الحصان؛ فطرفة لا يعيّر عبد القيس عبادة الأوثان أبداً، وما هكذا يكون التعبير في أشعارهم، فهو وثني مثلهم، وإنما المقصود تعييرُهم خضوعَهم للقائد العسكري الفارسي «أسبذ» الذي ذكره ياقوت باسمه الفارسي «أسبيدَويه»، وعبد القيس في الجاهلية وثنية، وصنمها هو «ذو اللَّـبَـا». وهذا هو معنى قول مالك بن نويرة:

أبى أن يريم الدهر وسط بيوتكم
كما لا يريم الأسبذي المشقَّرا

وعلى هذا، فإن «أسبذ» أو «أسبيذيون» هم جنود الحامية الفارسية في «هجر» (الأحساء)، وليس مثلما يذهب إليه النجم من أنهم من بني دارم، من تميم، فهذا أشدّ بعداً.

وقد استشهد النجم أيضاً بقول ذي الرمة:

ولكنما أصل امرئ القيس معشر
يَحُل لهم لحم الحنازير والخمر

وقال:

«واعتنق النصرانية من بني تميم بنو امرىء القيس بن زيد مناة».

وهذا غير صحيح، فهؤلاء وثنيون كبقية تميم في منطقة غرب اليمامة، ولا دخل لهؤلاء بمنطقة البحرين التي يدرسها النجم، وذو الرمة يهجو قوم امرىء القيس، وهم قوم من تميم، ممّن يسكن غرب اليمامة، لا البحرين، وهو يزعم أنهم غير عرب، جاؤوا من «حوران»: بالشام، وهؤلاء نصارى، وكل ذلك هجاء وقدح، وفي ديوان ذي الرمة توضيح لذلك.

تسمية البحرين:

من المتفق عليه أن اسم «البحرين» الجزيرة انتقل إليها من الاسم العام في «البحرين» القديمة، وجاء في نزهة المشتاق للإدريسي:

«وجزيرة أوال جزيرة حسنة، بها مدينة كبيرة تسمى: البحرين، وهي عامرة، خصبة، كثيرة الزروع والنخل، وفيها عيون ماء كثيرة، ومياهها عذبة منها عين تسمى: عين بو زيدان».

وهو يقصد (البلاد القديم) بها، جنوب «جد حفص».

وإذن، فإن اسم «البحرين» الذي تقلّص تدريجيّاً من منطقة البحرين كلها؛ أُطلق أولاً على هذا الجزء من جزيرة البحرين، ثم أصبح عاماًّ. على الرغم من أن الإدريسي يقول:

«وسميت البحرين بجزيرة أوال، وذلك أن جزيرة أوال بينها وبين بحر فارس مجرى، ومنها إلى بَـرّ العرب مجرى».

كليب وائل بنجد، وليس بالبحرين الجزيرة:

 ذكر عثمان عبد الرحمن آل ملا:

«ذكر أن أصحاب قرية كليب بجزيرة البحرين* قد استمدت اسمها على الأرجح من اسم كليب، وهذه أخبار تناقلتها الأجيال، فلعل كليبا كان ينتقل إلى البحرين صيفاً لاستيفاء مكوس فرضها أو لأداء شعائر دينية».

وهذه من الأساطير التي شاعت حول كليب وائل، فجزيرة البحرين آنذاك كانت تحت السيطرة الفارسية كلية، وكليب وائل كان بعيداً كل البعد عنها، في منطقة وسط نجد، وتحديداً فيما بين عفيف حتى جنوب ضرية، ودُفن مقتولاً في «الذنائب» هنالك.

ذكر ياقوت:

«الذنائب، وبه قبر كليب».

وقال كذلك:

«بالنِّـيـر: قبر كليب بن وائل».

البحرين (البحر الأحمر) أو قرية في تهامة:

أما قول حميد بن ثور:

تَرَوّى من البحرين عُوذَ رَمِيَّة
كما استربع البَزّ القِطار المَطَبَّع

فالمحقق يقول:

«يحتمل أنه أراد هنا: الموضع الذي بين البصرة وعُمان».

وهذا احتمال ليس في موضعه، فحميد يصف السحاب:

أدانيه للأمواه من بطن بيشة
وللأوق والسِّيدان والمَين يَضجع

والسحاب الممطر بهذه الكثافة وبهذه السرعة- أو بسواهما - لا يأتي نواحي بيشة من منطقة البحرين أبداً، وكل شعراء هذه الجهة إنما يصفون السحاب قادماً من البحر الأحمر؛ فـ«البحرين» هنا مثنّى «بحر» يعنون به: البحر الأحمر تحديداً، قادماً من جنوب تهامة، ويجوز أيضا أن يقصد به «البحرين» موضعا بهذا الاسم في جنوب تهامة، قال ياقوت:

«ذَهَبان: موضع قريب من البحرين، قريب من الراحة؛ والراحة قرية بينها وبين حَرَض يوم، وهو من نواحي زبيد».

وقال الجاسر:

«لاشك أن كلمة البحرين في كلام ياقوت خطأ؛ حرض: في تهامة».

وكلام ياقوت صحيح، ولا يعني به «البحرين»: المنطقة المشهورة، وإنما يعني به موضعاً ذاك اسمه في تهامة، جنوبي جيزان، شمال وادي «بيش»، حيث «الراحـة».

اضطراب في تحديد البحرين:

قال أحد الأعراب:

رمى به في مُوِحش القِفار
بساحل البحرين للصغار

ويقول ابن خرداذبه:

«مدينة البحرين: في شط العرب».

مما يوهم بأنها غير «البحرين» الجزيرة. وهكذا، قال ابن بَطُوطة:

«ثم سافرنا من سيراف إلى مدينة البحرين، وهي مدينة كبيرة حسنة ذات بساتين وأشجار وأنهار، وماؤها قريب المؤونة يحفر عليه بالأيدي فيوجد، وبها حدائق النخل والرمان والأترج، يزرع بها القطن وهي شديدة الحر كثيرة الرمال وربما غلب الرمل على بعض منازلها وكان فيما بينها وبين عمان طريق استولت عليه الرمال وانقطع، فلا يوصل من عُمان إليها إلا في البحر، وبالقرب منها جبلان عظيمان يسمى أحدهما بكسير، وهو في غربيها، ويسمى الآخر بعوير وهو في شرقيه» *.

يقول ياقوت:

«كسير وعوير: وهما جبلان عظيمان مشرفان على أقصى بحر عمان...».

ومع أن هنا اضطراباً في التحديد مع اتفاق في الأسماء، فالراجح أن الاثنين كليهما يعنيان البحرين نفسها لا سواها.

كاتب وأستاذ جامعي
319335