ترجمة تحتاج إلى ترجمة (4)
ترجمة رحلة بلجريف
عدنان السيد محمد العوامي * - 4 / 9 / 2009م - 3:27 م - العدد (51)

عودة إلى لاسكاريس وفتح الله الصائغ

في أولى حلقات هذا البحث، عرضت وجهة نظر متواضعة تتشك في صدق بلجريف في ادعائه دخول الجزيرة العربية، متهمًا إياه بأنه ربما اقتبس فكرة الرحلة من مذكرات الرحالة الفرنسي «لاسكاريس» المفقودة، مستندًا إلى وجود مشتركات وملامح شديدة الوضوح بين وقائع الرحلتين، سواء في الشخوص أو الحوادث الواردة في مذكرات «فتح الله الصائغ»، رفيق «لاسكاريس» في رحلته، ورحلة بلجريف، حتى إنك لواجِدٌ في الرحلتين ما اصطلح على تسميته - في النقد القديم - بالسرقة الأدبية، أو (التناص) في النقد الحديث.

وقتها لم أكن قد اطلعت، بعدُ، على مذكرات الصائغ ذاتها، ولم تكن حصيلتي من المعلومات عنها إلا نتاج قراءات تيسرت من هنا وهناك، أمَّا الآن فقد قيض لي الله حيازة تلك المذكرات نفسها، فوجدت فيها ما حوَّل الشك إلى ثقة، والظن إلى يقين، والمحتمل إلى قطعي، وبضم تلك القرائن التي سقتها في الحلقة الأولى إلى هذه التي سأقدمها هنا مستخلصة من رحلة «فتح الله الصائغ» يصبح المتكأ في توجيه إصبع الاتهام إليه أكثر رسوخًا، وأقوى صلابة، وهذا ما استجد لدي من القرائن والمعطيات:

1- اهتمام شديد أبداه بلجريف بالتتن (الدخان)، فقد ركز كثيرًا على تشدد الوهابيين في تحريمه، وتعقب متعاطيه، ومعاقبتهم. (الأصل جـ1/411 – 412، وجـ2/13 - 15، والترجمة جـ1/ - 471-472، وجـ2/17 - 20). هذا المشهد ذاته موجود في رحلة فتح الله الصائغ (ص: 249، 250، 256).

2- أشار لقضية مهاجمة «عبد الله بن سعود» لقبر النبي محمد ، ونهب الأموال والتحف منه. (الأصل جـ2/45، والترجمة جـ2/55)، هذه الحادثة استوحاها بلجريف من مذكرات الصائغ. (ص: 256)، ولا يستر هذا أن الصائغ - لجهل منه - وضع قبر النبي في مكة، بل لعل هذا الجهل أغرى بلجريف بانتحالها ظنًّا منه أن أحدًا لن ينتبه إليه.

3- أشار الصائغ إلى أن عبد الله بن سعود له ابنان متزوجان، وبنت عازبة، وله ولد من جارية (ص: 264). هذه الصورة ذاتها رسمها بلجريف للملك فيصل بن تركي، فهو وإن خالفه في عدد الأبناء، ربما للتمويه، فقد اقتبس منه الابنة العزب (الأصل جـ1/396، جـ2/75، والترجمة جـ1/455، و2/86)، ونسب إليه ولدًا اسماه محبوبًا زعم أنه ابن أَمَةٍ جورجية من القوقاز. الأصل جـ2/98، والترجمة جـ2/115.

4- من الأمور التي استحوذت على اهتمام فتح الله الصائغ، ونالت إعجابه أكثر من غيرها؛ إسطبل الخيل الخاص بعبد الله بن سعود، وصفاتها، وجمالها الرائع. (ص: 268)، والشيء عينه هو ما أسهب فيه بلجريف حد الإفراط (الأصل جـ2/91 - 98، والترجمة جـ2/107 - 114).

5- وصف «فتح الله الصائغ» شجارًا عنيفًا وقع بين «الدريعي بن شعلان»، الذي يرافقه الصائغ، وبين الملك الوهابي عبد الله بن سعود، واجه فيه الدريعي ابنَ سعود بمنتهى الجرأة والعنف، حتى أنه تحدَّاه أن يقتله إن استطاع. والدريعي، في هذا التحدي، محتميًا بعدم قدرة الملك فيصل على المس به؛ بسبب ما تفرضه الأعراف والتقاليد العربية من تحريم الإساءة للضيف، ناهيك عن قتله، فهو مطمئنٌّ إلى أن الملك لن يجرؤ على المس به ما دام قد صار ضيفًا على فراشه كائنًا ما يكون الخلاف. (ص: 254 - 255)، هذا المشهد نفسه تقمصه بلجريف، بكل صُوَره وتفاصيله، (الأصل جـ2/116 – 121، والترجمة جـ2/135 - 141)، والاختلاف الوحيد بين الاثنين هو أن شجار الدريعي كان مع الملك عبد الله بن سعود، وشجار بلجريف كان مع ولي العهد الأمير عبد الله بن فيصل بن تركي، وهذا أمرٌ فرضته مراعاة الفارق الزمني بطبيعة الحال.

6- كثيرة هي المشتركات في رحلة «فتح الله الصائغ»، ورحلة «بلجريف»، حتى «أبو نقطة» قائد الجيش «الوهابي» (ص: 123، 216، 221) الذي بات عنده الدريعي وفتح الله الصائغ ليلة الصدام بين الدريعي وعبد الله بن سعود (ص: 270)، نسي بلجريف أن يخفي الإشارة إليه، فاستبطنته ذاكرته عفوًا، وأقحمه في حديثه على لسان غيره بغير مناسبة، على هذا النحو: «لا زال إبراهيم المسِنُّ والد عبد الكريم مضيِّفِنا يتذكر الغزو المصري، وحصار الدرعية، وقد حكى لنا الكثير من الأحداث عن هذا الموضوع، وكان هو نفسه شاهدَ عيان فيها، وسوف أورد بعضًا من هذه الحكايات في الفصل الذي سوف أخصصه لأسرة آل سعود الليمفاوية، وقد لاحظت أيضًا أن اسم «أبو نقطة»، الذي ورد على لسان لاسكاريس Lascaris وهو يصف الغزو الوهابي للمنطقة الشمالية؛ لم يكن غائبًا عن ذهن إبراهيم. الأصل جـ2/7، والترجمة جـ2/9 - 10».

7- إذا كانت رحلة فتح الله الصائغ ليست مخصصة لزيارة الجزيرة العربية، فليس غريبًا أن يزور إيران وتركيا أيضًا، أما بلجريف فإنها مقررة، أساسًا، للجزيرة العربية وحدها، فما معنى بلوغه إيران وتركيا؟ أغلب الظن أنه نسي حذف الجزء المتعلق بهذين البلدين من رحلة لاسكاريس ومرافقه الصائغ، أو أنه شق عليه أن يرد ذكر هذين البلدين لدي غريميه لاسكاريس والصائغ، ولا يكون لهما ذكر في رحلته، وهو ليس أقل شأنًا منهما؟ مطلقًا، لقد جاء تعريج بلجريف على الساحل الايراني وتركيا بالكيفية نفسها التي وردت في رحلة الصائغ، بل حتى طريقة الافتراق واللقاء جاءت لدى الاثنين متشابهة، فلاسكاريس بقي في تركيا، وأرسل الصائغ إلى حماة، ثم لحق به في حماة (284 - 286. وبلجريف جعل مكان الافتراق بينه وبين مرافقه بركات في البحرين حيث منها أرسله إلى بغداد، وتوجه هو إلى عُمان، ومنها إلى أبو شهر والبصرة، ثم إلى بغداد حيث لقي بركات فيها (الأصل جـ2/223 - 224، 388 - 389، والترجمة جـ2/260، 454).

8- لاسكاريس، وفتح الله الصائغ تحطمت بهما السفينة في ليلة ليلاء، وغرق بعض ما عليها من الحنطة والأمتعة والركاب والبحارة (ص:284)، وهذا عينه ما حدث لبلجريف، وهذه الحادثة سنُلِمُّ بها مع القارئ لاحقًا، الفرق الوحيد - إن عُدَّ ذلك فرقًا – هو إيجاز الصائغ في سرد روايته، وإسهاب بلجريف، وتفاصيله، كما سنرى.

الجمل ذو السنامين (القرعوس)

براهين عديدة قدمتها للقارئ الكريم مستدلا بها على أن بلجريف لم تطأ رجله تراب الجزيرة العربية، ومنها ادعاؤه رؤية حيوانات لا وجود لها في الجزيرة العربية، كالجاموس والدببة، وهنا سنتعلم منه شيئًا عن (القرعوس)، أو الجمل ذي السنامين:

«For the two-humped beast, it exists indeed, but it is neither an Arab dromedary nor camel; it belongs to the Persian breed, called by the Arabs ”Bakhtee” or Bactrian. Perhaps there may be a specimen of it at the Zoological Gardens, and thither who chooses may go and have a look at it, only let him not profane the name of “dromedary” by applying it to the clumsy, coarse-haired, upland Persian beast before him. Vol 1: 324».

خلافًا للمنهج الذي اتبعته بنقل نص الترجمة التي صنعها الأستاذ صبري محمد حسن أستميح القارئَ والمترجم عذرًا بأن أتحمل، هذه المرَّة، مسؤولية تعريب هذه الفقرة؛ نظرًا لتعارض فهمي لها مع فهم الأستاذ المترجم: «فيما يتصل بالحيوان ذي السنامين (القرعوس) فهو موجود في الحقيقة، لكنه ليس هو الجمل العربي السريع، ولا الجمل العادي، إنه ينتمي إلى سلالة فارسية يطلق عليها العرب اسم «بختي» «Bakhtee» أو Bactrian، وربما يوجد عينة منه في حدائق الحيوان، ومن يرد المزيد عليه أن يذهب إلى هناك، ويلقي نظرة عليها، شريطة ألا يدنِّس اسم الجمل السريع بإطلاق اسم ذلك الجمل الفارسي الأخرق، خشن الوبر عليه».

هكذا يكون الصدق والأمانة، وإلا فلا، مصادر المعلومات من موسوعات وغيرها يدعي أن الجمل ذي السنامين Bactrian واسمه العلمي Camelus bactrianu موطنه آسيا الوسطى ومنغوليا، وشمال شرق الصين، وهو أقدر على العيش في المناطق الباردة، والأراضي الصخرية. لكن السؤال الملِّح: هل إن من يقول بوجود الجمل ذي السنامين (القرعوس) في الجزيرة العربية قد رأى الجزيرة حقًّا؟

انزياح الجغرافيا

الانزياح القاري؛ continental Drift نظرية جيولوجية تبناها - في أواخر القرن السادس عشر، والقرن السابع عشر الميلادي - عددٌ من الجيولوجيين؛ مثل رسام الخرائط أبراهام أورتيليوس، Abraham Ortelius، والفيلسوف الإنجليزي سير فرانسيس باكون Sir Francis Bacon، وغيرهما بسبب ما لاحظوه من تطابق التكوينات الجيولوجية في شواطئ أمريكا الجنوبية، وشواطئ أفريقيا المقابلة لها، ثم أكدها العالم الألماني Alfred Wegener عام 1912م، وفحوى هذه النظرية؛ أن القارات كانت رتقًا في الدهور القديمة، وبسبب حركة جيولوجية «دهرية» انجرفت فيها القارات مبتعدة عن بعضها تدريجيًّا حتى انتهت إلى ما هي عليه اليوم، وقد وجد الجيولوجيون الدلائل على صحة هذه النظرية في تطابق أشكال السواحل المتقابلة وتكويناتها الجيولوجية، ومادة صخورها وأعمارها، وأجناس الحيوانات والنباتات، إلخ... ثم جاء الجيولوجي البريطاني آرثر هولمز Arthur Holms بنظرية تعزو ذلك التحرك إلى تيار الحمل الحراري قبل أن تبرد كتلة الأرض وتتصلب. ومهما يكن نصيب هذه النظرية والمتبنين لها من الصحة أو الخطأ فينبغي ألا يغفل دور بلجريف في السبق إليها؛ فلئن كان أولئك العلماء قد تبنوها نظريًّا؛ فإن بلجريف قد أثبتها عمليًّا بنقله كثيرًا من البلدات والقرى والمواضع من أماكنها إلى أماكن أخرى، وبلدان أخرى، ولعلي لست مضطرًّا للتذكير بما أسلفته من الشواهد لتأكيد هذه الأسبقية؛ ولذا أكتفي هنا، باليسير من النصوص في ما يأتي:

منطقة عسير والطائف

تبعد منطقة عسير كثيرًا عن مجال رحلة بلجريف إلى وسط وشرق الجزيرة العربية، ومع ذلك فقد عمتها خيراته، فمنحها واديًا كبيرًا لم تكن لتفوز به لو لا هبات بلجريف ومنائحه، ذلك الوادي هو «وادي القُرى» الواقع في منطقة العلا شمال المدينة المنورة، بين تيماء وخيبر. هذا الوادي - بما يشتمله من البلدات والقرى والواحات، نقله من مكانه ووضَعَه بين الطائف وعسير من جهة، ووادي الدواسر من الجهة الثانية:

«on reaching the farther extremity of Wadi Dowãsir, the wayfarer Enters the Kora, a large but thinly peopled district, half desert: it is placed behind the Tã’if and Djebel’ Aaseer. Its principal locality is kela’at Bisha, about tow days (or forty miles) distant from Wadi Dowãsir. Three more days 0f southerly road conduct through Wadi seleyyel. Vol 2: 81».

«والمسافر عندما يصل إلى نهاية وادي الدواسر يدخل منطقة القورا (ص: القُرى)، وهي منطقة واسعة ولكنها مخلخلة السكان وشبه صحراوية، وهي تقع خلف كلٍّ من الطائف وجبل عسير، والمدينة الرئيسية في هذه المنطقة هي قلعة بيشة، والتي تبعد مسير يومين (أو أربعين ميلاً) عن وادي الدواسر، والسبر ثلاثة أيام أخرى في اتجاه الجنوب يفضي إلى وادي السليل. الترجمة جـ2/94».

الأعلام التي تحمل اسم «القُرى» بقاع وبلدات كثيرة في عسير وتهامة، وغامد، لكنَّ سعة المساحة التي وصفها بلجريف لا تنطبق إلا على منطقة «وادي القُرى في منطقة العلا، فكلمة «Kora» في هذا النص ليس علمًا على قرية، أو بلدة بعينها، وإنما هي، بتعبيره الواضح، منطقة واسعة.

الأفلاج

«هاري سانت جون فلبي» له وقفات طويلة متأنية مع بلجريف، عرك فيها أرنبة أنف بلجريف عركًا، وأظن أنه أدماها، خصوصًا في دحضه رحلته إلى الأفلاج، ورأفة به لن أفعل كما فعل فلبي، وسأكتفي بملاحظتين، الأولى: زعمه أنه وصل إلى قرية في الأفلاج سماها «الصفراءSafra»، (الأصل جـ2/79، والترجمة جـ2/91 - 93)، فعلى الرغم من انتشار هذا الاسم في الجزيرة العربية حتى نيَّف عدد القرى والمواضع المسماة به على 14 قرية وموضع، فإن من سوء حظ بلجريف أن المصادر الجغرافية لا تذكره في الأفلاج مطلقًا.

قرية أخرى ذكرها بلجريف في الأفلاج وصفها بالكبيرة (Large)، ورسم اسمها بالحروف الإنجليزية: (Meshallah)، الأصل جـ2/80، 81، وقد عربها مترجم الرحلة إلى «المِشَلَّح»، الترجمة جـ2/92، 93، بينما عربها مترجم كتاب فلبي (قلب الجزيرة العربية) إلى «مشالله»، وفلبي يرى أن هذه القرية هي قرية (أُسَيلة)، المذكورة في الخارطة التي وضعها «ريتر»، بعنوان: «مستوطنة مشيلة»، وبلجريف اقتبسها منها لكنه أخطأ في كتابة الاسم، وأرى أن الصواب لم يحالف فلبي في هذا إذ لو كان الأمر كما رأى لما أخطأ في كتابة الاسم، ولعل الأرجح أنه اعتمد على رواية شفوية لم ينجح في اقتناصها، ولذا أخطأ في كتابة الاسم.

بلدان الخليج

الجرجور أوال

ما رأيكم في هذا العنوان؟ أليس رائعًا حدَّ الاشمئزاز؟ مثيرًا حتى آخر حافة القرف؟ لكن ما الحيلة؟ فهذا بلجريف، وهذه بدواته، فجزيرة «أوال» هذه التي غالبة أهلها يفزعون فرقًا من القرش، وربما لهذا السبب حرَّموا أكله، يرى أن اسمها (سمكة القرش)، نلقرأ: «ولحوم أسماك القرش مُغذِّية، ولكنها في أفضل الأحوال لا طعم ولا نكهة لها، والناس يطلقون اسم «الأوال» هنا على أسماك القرش، وهذا الاسم هندي، أما الاسم العربي الذي يطلق على سمك القرش فهو كلب البحر، وقد سعدت كثيرًا عندما علمت أن «نيبور» نفسه ومعه بعض الرحالة الآخرين، ونظرًا لقلة تواصلهم مع السكان المحليين والمصطلحات الفنية المحلية اعتبروا كلمة «أوال» Awwàl اسمًا لمكان، وترتيبًا على ذلك سموا جزيرة البحرين بهذا الاسم الذي يشيع، بصدق، بعيدًا عن هذه الشواطئ، ولكنه لا ينطبق عليها. من هنا فإن البحرين، يطلق عليها في بعض الخرائط اسم «الأوال» أو إن شئت فقل «القرش»... جـ2/376». فمن أين جاء لبلجريف أن «أوال» تعني سمك القرش؟

قد لا يعرف بعض القراء الأفاضل، وخصوصًا الشُّبَّان، أن أهلَ الخليج، قبل أن تصلهم الكهرباء كانوا يجفِّفون ما زاد عن حاجتهم اليومية من السمك، فما كان منه صغيرًا يسمونه (اِحْلى)، أو (حْلى)، وبعضه يشقون وسطه ويسمونه (امْشلَّق) أي المشقوق، كأنهم أخذوه من الشَّلْق، وهو الشَّق طولاً، أما الكبير منه فيطلقون عليه اسم «اعوال»، أو «عْوال» بسكون العين، ويعنون به السمك المجفف ذي الحجم الكبير مطلقًا، وليس سمك القرش وحده، وأهل اللهجة يسكِّنون الأول تحاشيًا لتتابع المتحرِّكَين، وإذ يتطابق نطق الحرفين العربيين «الألف» و«العين»، في لسان الإنجليز فيكتبان وينطقان بصورة واحدة هي: «A» «آ»، تكون صورة الكتابة لكلمة «عوال» بمعنى السمك الكبير المجفف، وكلمة «أوال» بمعنى الاسم القديم لكبرى جزر البحرين، واحدة هي: «Awal»، «أوال». لكن ما صلة هذا كله بتفسير بلجريف للكلمة؟ لا تنتابني ذرة من الشك في أن بلجريف «لطش» هذا التفسير من مصدر معروف، وحرَّفه، ودسَّه بِحِذق ومهارة في سياقٍ خارجٍ عن سياقه في مصدره الأصلي، ظنًّا منه بألاَّ أحد سيكتشفه؛ ذلك المصدر هو دائرة المعارف الإسلامية، وهذا نص ما جاء فيها: « «البحرين» مجموعة من الجزر بالقرب من الشاطئ الغربي للخليج الفارسي على خط 26 O شمالاً، وأكبرها جزيرة البحرين، ويطلق عليها اسم «أوال»، أو سمك، ويبلغ طول هذه الجزيرة ثلاثين ميلاً، وعرضها اثني عشر ميلاً، وأعظم مدنها وثغورها منامة... ».

فهل، بعد هذا، يلام من تحمله هذه التفاصيل على الاعتقاد بأن كتاب بلجريف مجرد ملهاة ملفقة هدفها تغطية ما حشد فيها من تهجم على الإسلام؟ ولكي لا يستغرب القارئ من عجائب بلجريف وغرائبه؛ نختم هذه الفقرة بتحديده البديع للبحرين التي زعم أنه زارها، وتجوَّل بين أحيائها، هاك اقرأ:

«Hasa and Kateef remain to be more minutely described hereafter. It will then appear that their union with Nejed is even more unstable and compulsory than that of Kaseem. Farther on we shall see the influence also of Wahhabeeism and of Nejed on Bahreyn, on the opposite coast or Barr fãris. Vol 2: 78».

لن أختلف كثيرًا مع السيد المترجم، فهو لم يبتعد، كثيرًا، عن المعنى المراد من هذه الفقرة، فكل الطرق تؤدي إلى روما، كما يقول الطليان: «سوف أتعرض بشيء من التفصيل فيما بعد لكلٍّ من الأحساء والقطيف، وسوف يتضح أن وحدتهما مع نجد غير مستقرة ورغمًا عنهما وذلك على العكس من القصيم، وسوف نقف فيما بعد على تأثير كلٍّ من المذهب الوهابي ونجد على البحرين التي تقع على الضفة الفارسية المقابلة، أو إن شئت فقل: «بر فارس». الترجمة جـ2/90». هكذا إذن؛ البحرين موقعها على الضفة المقابلة، أي «برّ فارس»، يقول هذا وهو يزعم أنه زار البحرين، وأقام بها ليالي وأيامًا، فكيف لو لم يزرها؟

قطر وعمان

إذا كان للانزياح القاري الجيولوجي نظريته، كما أسلفنا، فما الضير في أن تكون للانزياح البلداني الجغرافي نظرية يمنح وسام السبق التطبيقي فيها لبلجريف؟ فقد ألممنا، فيما سلف، بعدد من القرى والبلدات التي وهبها خيال بلجريف لحائل وسدير والقصيم والأحساء والقطيف، والأفلاج وعسير، وغيرها، ومع ذلك فقد بقي الكثير من القرى والبلدات المخترعة، فيما يلي عدد آخر من المدن والبلدات التي وضعها في غير مواضعها في قطر وعمان:

- «قرب حلول الليل بدأنا نشاهد الطرف الغربي من قطر، والذي يطلق عليه في كثير من الخرائط اسم بحران Bah.ran، وأنا لا أعرف الأساس الذي اعتمدوا عليه في إطلاق هذا الاسم على هذا الطرف الغربي. الترجمة جـ2/268». الطرف الغربي من شبه جزيرة قطر اسمه بحران، هل تريد أكثر؟ لنبدأ بـ «الزبارة» فنرى أن بلجريف نقلها من قطر ليضعها إلى جوار مدينة قلهات بسلطنة عمان، هاك اقرأ:

«Debee is the principal town of Kalhat and here resides the local governor; the island limits of the province are determined by the mountain – chain which separates it from that of Sharjah. About noon we passed Zabarah, a small town, but surrounded by fruitful gardens, for lesser hamlets from a chain along the shore, for Kalhat is much more densely peopled than Ro’ose-el-Djebbal, and the inhabitants are a more civilized tybe. Vol 2: 326».

عرَّب مترجم الرحلة هذه الفقرة هكذا: «وظيبى D.ebee، هي المدينة الرئيسية في قلحاط (ص: قلهات)، وفيها يسكن الحاكم المحلي، والحدود الداخلية لمنطقة «قلحاط» الذي يحددها هو سلسلة الجبال التي تفصل قلحاط عن مدينة الشارقة، وعند الظهر تجاوزنا مدينة «زبارة»، وهي مدينة صغيرة، ولكن تحيط بها بساتين مثمرة، وهناك بعض القرى الصغيرة الأخرى التي تشكل سلسلة بطول الساحل، والسبب في ذلك أن كثافة السكان في قلحاط أعلى منها في رؤوس الجبال، إضافة إلى أن سكان قلحاط أكثر تحضُّرًا من سكان رؤوس الجبال. الترجمة جـ2/381». هذا الوصف الطريف أعاد لذاكرتي مشهد أحد المعلمين، وهو يقرأ على تلامذته هذه العبارة: «لما جيء برأس يحيا بن زكريا إلى يزيد بن معاوية، قالت أخت مرحب متمثلة بقول ليلى بنت المهلهل أم عمرو بن قميئة:

لو كان قاتلُ عمرو غيرَ قاتله
لكنت أبكي علي آخر الأبد

فيا سبحان الله! ما ذا أزعج «الزبارة» حتى انتقلت من مكانها المكين في الطرف الشمالي من الساحل الغربي لشبه جزيرة قطر لتستقر في سلطنة عمان بدون جواز مرور أو طلب اللجوء الجغرافي رسميًّا؟ و«دبا» تلك الواقعة في أقصى الشمال من سلطنة عمان كيف أصبحت (المدينة الرئيسية لـ«قلهات» الواقعة على الساحل الشرقي للسلطنة، المطل على خليج عمان؟ ثم لا يكون الفاصل بينها وبين الشارقة الواقعة في دولة الإمارات العربية المتحدة - المعروفة في زمن بلجريف بـ«الإمارات المتصالحة» إلا سلسلة جبال وحسب؟

الحوطة

- هذا الاسم «الحوطة: Howtah» علم على عدة مواضع في الجزيرة العرب؛ منها قرية في «الرَّس»، وأخرى من توابع الأحساء، وثالثة تابعة لإمارة عسير، فإن أضيفت إلى «بني تميم»، فهي بلاد واسعة ذات نخل وزرع، تبعد عن الرياض جنوبًا بحوالي 170 كيلاً، وتسمى أيضاً (حوطة الجنوب) تمييزاً لها عن «حوطة سدير»، قاعدة بلدان (وادي الفقي: الفقء)، المعروف حاليًّا باسم «وادي سدير». فهذه خمسة مواضع، أدرجها بلجريف في واحد، وألقى به في عمان. (الأصل جـ2/309، والترجمة جـ2/362)، فبرغم البحث والتدقيق لم أهتد لأي موضع يحمل هذا الاسم في عمان.

الأحقاف

- أُورِد هنا نصًّا متعلِّقًا بالأحقاف، وهو خارجٌ عن السياق، ولكن بلجريف أقحمه، استطرادًا، على عادته في استطراداته: «وفي منطقة المقناص التقيت اثنين من البدو أحدهما من المناصير والآخر من بني مرَّة، وقد اشتهر هذان البدويَّان بأنهما عبرا الصحراء الكبرى من هذا الجانب من الجزيرة العربية إلى اليمن، واللذان أصبحا ينظر إليهما، عقب ذلك، على أنهما «أسدان» في نظر أهليهما، ونقلاً عن هذين البدويين فإن الإنجاز الذي حققاه تم بلا تخطيط من جانبهما، فقد قاما بزيارة لـ«الأقحاف» Akhãf، (كذا، وص: الأحقاف)، وهي عبارة عن سلسلة مختلفة من التلال الجيرية، والوديان المعشوشبة، والتي تشغل الموقع الذي يسمونه في بعض الخرائط اسم «وادي جبرين» (ص: يبرين)، ويقع جنوبي اليمامة. الأصل جـ2/239، والترجمة جـ2/279». ألف رحمة على النعمان بن بشير الأنصاري، القائل:

أَيُّها المُنكِحُ الثُرَيّا سُهَيلاً
عَمرَكَ اللهُ كَيفَ يَلتَقيانِ؟
هي شامِيَّةً إِذا ما اِستَقَلَّت
وَسُهَيلٌ، إِذا اِستَقَلَّ، يَماني

يخيَّل إليَّ أن يبرين تكاد تنتحب هاتفة: أين أنا، وأنا من بلاد البحرين، وموقعي في الغرب الجنوبي من الأحساء، من الأحقاف، وهي رمال في الشحر، بين عمان وحضرموت؟

وادي عقدة

- ووادي عقدة، والبلدة المعروفة به أقاما هانِئَين، آمنَين معًا، في جبل «أجا» بحائل حتى لقد ضرب بأمانهما المثل؛ فقيل: «آلَفُ من غراب عقدة) إلى أن جاء بلجريف فأشخصتهما ذمته الرحيبة إلى عمان: «وأصبحنا نرى من أمامنا السهل الداخلي الواسع، وفي هذا السهل الداخلي الواسع، كانت هناك، في اتجاه الشرق، قرية يطلقون عليها اسم الحوطة، في حين كانت توجد في الناحية الجنوبية مراعي (ص: مراع) واسعة، كان ينبعث من أحد مخيمات بدو المناصير المقام فيها دخانًا خفيفًا (ص: دخان خفيف) أزرق اللون، من خلفه السماء المتلألئة، ومن خلف ذلك المخيم كانت هناك سلسلة من التلال المنخفضة التي تحتوي، كما يقول مرافقنا، على عدد كبير من القرى والكفور الصغيرة، وتتبع منطقة يسمونها الشعاب Sha’ãb؛ ومن بعد كانت هناك سلسلة أخرى من التلال الأكثر ارتفاعًا والتي تشكل أول جبال «جبل عقدة»، الذي يقع البوريمي (ص: البُريمي) في وسطه تمامًا. جـ2/362».

الصويرة

- وقد يكون مقبولاً أن ينتقل وادي عقدة، وبلدة عقدة من حائل إلى عمان بحسبان أن كلا البلدين يقعان في الجزيرة العربية، والتنقل بينهما لا يتطلب جواز سفر، لكن انتقال مدينة «الصويرة sowãrah» (جـ2/337، والترجمة جـ2/394) من مقرها شرق بغداد لتقذف بنفسها إلى الجنوب من صحار بعمان فمن غير شك أن هذه العملية لا تتم إلا بالتهريب، ولأسباب أمنية بحتة، وأقسم لو كانت «الصويرة» نبيَّة لما أمكنها أن تتنبأ بما حصل اليوم للعراق، كي تهيئ لنفسها ملجأً آمنًا تختبئ فيه!

موانئ عمان

- وتتمدد المدن فتصبح مناطق، وتندمج المواني كلها في ميناء واحدة كما حدث لموانئ الساحل العماني كله، الممتد من «رأس الحد» غربًا إلى «رأس ليما» في أقصى الشمال، هذه اندمجت كلها في ميناء واحدة هي قلهات، وهذا النص يوضح ذلك: «واسم ليمة (ص: ليما) يطلق على خليج صغير، والقرية نفسها هي أكثر القرى ازدحامًا بالسكان، وهي أهم القرى الموجودة في منطقة رؤوس الجبال، وهذه القرية هي أقرب القرى التي تقع على الجانب الشرقي من حدود المنطقة، وخلف هذه القرية تبدأ منطقة قلحاط أو قلحوط كما يسمونها في أغلب الأحيان، وهذا الاسم يوضع في معظم الخرائط على الجزء الجنوبي الشرقي من مسقط بالقرب من رأس الحضض، (ص: رأس الحد)، وأنا في استكشافاتي لم أذهب إلى هذا المكان، وعليه فأنا أزعم أنه لا بد أن تكون هناك قرية أو مدينة تحمل هذا الاسم، ولكن القلحاط الوحيدة التي سمعت عنها في عمان كانت هي المنطقة التي تقع حدودها الشمالية عند رأس ليمة، وتقع مدينة الباطنة في جنوبها. جـ2/ 378». لا أرى أكثر من هذا تخبُّطًا يدمغ بلجريف وتلفيقاته. مدينة قلهات حوَّلها إلى منطقة، ومدها من رأس الحد غربًا إلى رأس ليما في أقصى الشمال من عمان، فتغمر بطوفانها القريات، ومسقط، ومطرح، والسيب، وبركاء، والمصنعة، والسويق، والخابورة، وصحم، وصحار، ولوى، وشناص، ومدحا، ودبا، وما بين هذه المواني كلها من قرى ومرافئ. أما الباطنة؛ المنطقة المعروفة باسم ساحل الباطنة، وهي تمتد من «خطمة ملاحة»، إلى رأس الحمراء، وسفوح جبال الحجر الغربي غربا وبين خليج عمان شرقًا، فهذه حوَّلها إلى مدينة، ورأس الحد الواقع إلى الجنوب الغربي من مسقط نقله إلى الجنوب الشرقي منها.

الريَّان

- والريان أيضًا قذف بها (سونامي) بلجريف من شبه جزيرة قطر، لتستقر في عمان. تأمل: «وبعد أن توقفنا فترة قصيرة سرنا في الطريق المؤدي إلى مسقط، وواصلنا مسيرنا الشجاع فوق الحصى، والقواقع والصخور المدببة إلى أن تجاوزنا، قبل دخول وقت الظهر، قلعة الخبب البيضاء، (ص: الخب)، وقلعة الخبب ليست سوى مبنى زيني فقط - وخلاصة القول هي عبارة عن فيلا وليست قلعة كما يعتقد البعض، وهي تقع في وادي (ص: واد)، بالقرب من هذه القلعة، وفيها كثير من الماء وتحيط بها الزراعة من كل جانب، ولكننا لم نكن نود التأخير، ولذلك واصلنا مسيرنا بلا توقف، إلى أن أنفقنا ثلاثة (ص: ثلاث) أو أربع ساعات في المسير وصلنا بعدها إلى «ريعان»، (ص: الريان) ذلك الكفر «الهجرة» الذي يصغر خبب والذي اضطررنا إلى الجلوس فيه لنأخذ قسطًا من الراحة، بعد أن تورمت أقدامنا وهدَّنا التعب، وفي «الرعان Ri’àn» تكرم القرويون علينا بهدية يقبلها الجوعان. جـ2/420». لقد حاولت أن أُقنِع نفسي بصحة تعريب «Ri’àn» بالرعان، أو الريعان مفترضًا احتمال وجود بلدة أو موضع في عمان يقرب نطقه من هذا اللفظ، لكن مثل هذا البلد أو المكان - بكل أسف - لا وجود له في عمان، ومن باب الحمل على «السبعين محمل من الخير» بحثت عن مكان أو بلدة تحمل اسم «الجبل» كي أفترض انطباقه عليه بحسبان أن الرعانَ، في اللغة، هو الجبل، فلم أجد ما يطابق الاسم إلا «الريان» في قطر، نعم؛ يوجد في مصر واد يعرف بوادي الريان في محافظة الفيوم، وهذا ليس هو المقصود قطعيًّا.

جزر حوار

- جزر «حُوار» كانت موضع نزاع سيادي امتد طويلا بين شقيقتين عربيتين هما قطر والبحرين بسبب وقوعها بين الدولتين، حتى حسمت الأمر أخيرًا محكمة العدل الدولية بالحكم بتبعيتها للبحرين، فنسأل الله ألا يتجدد النزاع فيصبح بين عمان والبحرين هذه المرة استنادًا إلى شهادة بلجريف، بأن موقع تلك الجزر في سلطنة عمان، هكذا: «وفي عجمان نزل صديقنا الوهابي إلى البر لقضاء الليل، ولكن أحدًا من الركاب لم يحذو حذوه (ص: يحذُ)، والسبب في ذلك أن أهل عجمان هم من المتشددين الذين لا يعرفون الحلول الوسط، وفي اليوم التالي تراخى النسيم، واتجهنا ببطء صوب الشمال، ومررنا بكل من الحميرية Homey Reeyah (ص: الحمرية)، أم الغوين Omm - el -Ghowyen (وأنا أجد هذا نطقًا شعبيًّا خاطئًا لاسم أم الأخوين)، وحواره Howàrah، (وكلمة حواره Howarah تعني الابيضاض مثلما تعني الحميرية Homeyreeyah الاحمرار)... الأصل جـ2/313، والترجمة جـ2/366». ما يبعث الاطمئنان هو الثقة في أن أخوتنا العمانيين أعقل من أن يصدقوا بلجريف.

قرى ومواضع موهومة في عمان

1 - «الشعاب Sha’ab»، جـ2/309، الترجمة جـ2/362.
2 - «مفراز Mefraz»، جـ2/302، 313، والترجمة جـ2/354، 366.
3 - سلسلة جبال «رؤوس الجبال Ro’os-el-jebal»، جـ2/321، والترجمة جـ2/375.
4 - قرية «روباه» في منطقة «رؤوس الجبال Ro’os-el-jebal» جـ2/322، والترجمة جـ2/377.
5 - جبال «قطاع اللحى Katta’-loha» جـ2/ 326، والترجمة جـ2/382.
6 - بلدة ماوه أو «المأوى» Ma,awh جـ2/336، والترجمة جـ2/393.
7 - بلدة «فرقصة Fark’asah» جـ2/328، والترجمة جـ2/384.
8 - بلدة «البطحة Bat-h-ah» جـ2/351، 354، 356، 357، 359، والترجمة جـ 410، 411، 413، 416، 417.
9 - «وادي فارزة» جـ2/351، 359، والترجمة جـ2/ 410، 420.

الكذب آفته النسيان

لا نكران لإحاطة بلجريف بالأدب العربي؛ شعرًا، ونثرًا، وحِكَمًا، وأمثالاً، لكن – رغم ذلك - يبدو أنه لم يسمع بالحكمة القائلة: (إذا كنت كذوبًا فكن ذَكُورًا)، أو إنه سمعها ولم يأخذ بها، لذلك كان أبرزَ ما يميز كتابه هو النسيان المطبق، ففي الحلقة الماضية كشفتُ بعضًا من أكبر غفلاته، ومنها زعمه أنه أودع كلَّ أوراقه ومذكراته ومدوَّناته، وكل أشيائه الثمينة؛ لدى رفيقه السوري «بركات» الذي افترق عنه في البحرين، ولم يلتقِ به إلا في بغداد، وكان المفترض أن يتذكَّر هذا فيشير إلى نجاة مدوناته التي عهد بها إلى هذا الرفيق «بركات»، لكنه، بدلاً من ذلك، يطالعنا بزعمه أن بعض تلك المدونات ابتلعته المياه في حادثة غرق سفينته قبالة ساحل عمان، فكيف غرق بعض تلك المذكرات، ونجا بعضها الآخر؟ الفقرة التالية تسلط الضوء بشكل أكبر على حادثة الغرق، كما رواها بشحمة لسانه.

Titanic الغرق والنجاة

في الحلقة ذاتها المشار إليها آنفًا من هذا البحث أشرت، عَرَضًا، للملحمة (الدونكيخوتية) التي لفَّقها عن غرق السفينة التي أقلَّته إلى عمان، وهي - في تقديري - ليست أكثر من لفلفة أراد منها الإيحاء بفقدان مذكراته التي دوَّنها تبريرًا للأخطاء الفادحة التي وقع فيها، وإلا فالحقيقة أن كل الأمكنة التي تحدث عن زيارته لها تستحق أن يفرد لتكذيبه فيها كتيبًا، إن لم يكن كتابًا مستقلاًّ، فلنتركه يروي لنا أهم الأحداث التي جرت له وأخطرها؛ ألا وهي حادثة الغرق المزعومة، ولندعه يمتعنا بعرض فلمه «الهوليودي» مصوِّرًا صراعه مع الأمواج العاتية؛ قال لا فض فوه: «كنا نُمضي الوقت في مثل هذه الأحاديث في حين كانت سفينتنا تمخر عباب البحر متجاوزة كلاًّ من صوحار (ص، كما في الأصل: Sohãm صحم) وسويق ومضاع (ص: المصنعة، كما في الأصل: Mesnaa’،)، إلى أن ابتعدنا تمامًا في اليوم الثامن من شهر مارس عن مدينة برقا، (ص: بركا)، الأصل جـ2/341، والترجمة جـ2/398».

واضح من هذا أن إبحاره كان من الشمال الغربي باتجاه مسقط في الشرق، بميل قليل نحو الجنوب الشرقي، وابتعاده عن «بركا» يعني أنه خلَّفها وراءه شرقًا، ميمِّمًا نحو السيب غربًا، كما خلَّف وراءه، أيضًا، جزر «السوادي» في الاتجاه ذاته، فلنقرأه مواصلاً حديثه الشائق: «وهبَّ نسيمٌّ برِّي في ذلك اليوم ودفعَنا إلى عرض البحر إلى أن وصلنا عصر ذلك اليوم إلى منطقة جُزر سوادة (ص: السوادي)، وهي عبارة عن حيود منخفضة جرداء تبعد مسافة ثلاث فراسخ عن البر، وبقينا في هذه المنطقة بعض ساعات قلائل في هدوء مطبق ومغزى يندر بالسوء. الأصل: جـ2/341، والترجمة جـ2/399». لا شك أن الحديث سيطول بنا لو أردنا نقل وصفه لحادثة غرق سفينته تفصيلاً، ولأنَّ «فلمها السينمائي» لا يهمنا كثيرًا، فلنؤجل وصفه الحادثة قليلاً ريثما ننتهي من المهم، وهو التناقض والتخبط في كل شيء، خذ أولا:

«I was obliged to trust to memory, which on this, as on too many other occasions, played me false. My notes, too, taken when circumstances permitted, were lost in part in the shipwreck off Barka; others, jotted down on loose scraps of paper, dis- appeared, I know not how, while I was in the dreary delirium of typhoid fever at Aboo-Shahr and Basrah.vol 1:269.»

«كنت مجبرًا على أن أعتمد على الذاكرة في كثير من الأحيان، والتي خانتني في هذه المرة، وفي مرات أخرى، زد على ذلك أن مذكراتي التي كنت أدوِّنها كلما سنحت لي الفرصة والظروف بذلك، فقدت جزئيًا عندما تحطم المركب في «بركة» Barka، (ص: بركاء، أو بركا)، كما اختفى أيضًا بعض تلك المذكرات، التي كنت قد دونتها على أوراق مستقلة، ولا أعرف كيف اختفت، عندما كنت أعاني من حمى التيفوس عندما كنت في أبو شهر والبصرة. الترجمة جـ1/313».

هذه الفقرة سبق أن عرضتها في الحلقة الثانية من البحث ؛ قصدًا لتوضيح كذبه في دعوى فقدان بعض مذكراته، ولكشف التناقض بين ما ادعاه أنه أودع جميع ما لديه من مذكرات ومدونات وأشياء ثمينة لدى خادمه «بركات»، عندما افترقا في البحرين، واستردها منه في بغداد، ودعوى فقدانه بعض تلك المذكرات في غرق السفينة، فقد نسي كل ما قاله بهذا الخصوص. وحتى يتضح الكذب أكثر فأكثر يتعين أن نلم بشيء من وصفه للحادثة، لكن قبل ذلك لا بد من التنبيه إلى تخبطه في تحديد المكان الذي غرقت فيه السفينة، ففي الفقرة السالفة حدَّد مكان الغرق في «بركا»، وقبلها رأيناه يتجاوزها نحو «السيب» شرقًا، ثم يعيده النسيم العليل إلى «جزر السوادي»، وفي الفقرة التالية نراه ورفاقه الناجين ينشِّفون أسمالهم بعد خروجهم من البحر على شاطئ «السيب»:

«It was now the first glimmer of doubtful dawn, and the wind sweeping furiously along the beach rendered some shelter necessary; for we were dripping and chilled to the bone. So we crept to leeward of a cluster of bushes, and there each dug out for himself a long trench in the sand; and after having thus put ourselves in some degree under cover, we waited for the morning, which seemed-as though it would never come. At last the moonlight faded away, and the sun rose, though his rays did not reach us quite so soon as we should have desired, for the creek where we had landed was bordered on either side by high hills, shutting out the horizon. These hills ended in precipices towards the sea; on the left was the very rock on which the despairing impatience of the crew had almost driven us the night before; it looked horrible. The wind yet blew high, and we were shivering with cold in our scanty clothing. Those who, like my self, had come on shore with more than what was absolutely necessary for decency, had shared it with those who had nothing. When the sunbeams at last struck over the hill side on the right, we hastened to warm ourselves and to dry our apparel-a task speedily performed with so slender a ward-robe. Next we reconnoitred the position, with which some of the crew found themselves to be not wholly unacquainted; it was a little to the east of Seeb; but between us and that town was a high and broad range of rocks, on which our naked feet had no great disposition to venture. Vol 2: 351».

«كانت بشائر الفجر الكاذب قد بدأت في الظهور، إضافة إلى أن الريح الكاسحة التي كانت تهبُّ على الشاطئ استلزمت منا أن نبحث لنا عن مكان نأوي إليه، والسبب في ذلك أن أجسادنا كانت تقطر ماءً، وكنا نشعر بقشعريرة وبرودة شديدة. من هنا دلفنا لنحتمي بمجموعة من الأدغال التي راح كل واحد منا يحفر لنفسه حفرة طويلة بجوارها، وبعد أن آوينا أنفسنا بهذه الطريقة بقينا في ذلك المكان إلى أن طلع النهار الذي ظننَّا أنه لن يطلع علينا مطلقًا، وأخيرًا بدأ نور القمر يخبو قليلاً قليلاً، ثم طلعت الشمس، برغم أن أشعتها لم تصل إلينا بالصورة التي كنا نتطلع إليها، والسبب في ذلك أن الخليج الذي وصلنا إليه كانت تحفه من الجانبين تلال مرتفعة تحجب عنه الأفق. كانت تلك التلال تنتهي بمنخفضات من ناحية البحر، وعلى الناحية اليسرى كانت توجد تلك الصخرة نفسها التي كاد تسرع البحارة اليائس أن يدفعنا إليها في الليلة السابقة. كان منظر تلك الصخرة مريعًا حقًّا. كانت الريح ما تزال شديدة، وكنا بدورنا نرتعد من البرد في ظل الملابس التي كنا نرتديها، وهؤلاء من أمثالي الذين وصلوا إلى البر وعليهم من الملابس ما يزيد على ستر عوراتهم، قاموا باقتسام ما زاد عن حاجتهم مع أولئك الذين لا يرتدون أي شيء من الملابس، وعندما بدأت أشعة الشمس تسقط على جانب التل الأيمن، سارعنا جميعًا إلى تدفئة أنفسنا وتجفيف ملابسنا – وهذه مهمة سرعان ما أنجزناها لأن خوان ملابسنا كان صغيرًا جدًّا، وبدأنا بعد ذلك نستطلع المكان الذي اكتشف بعض البحارة أنهم لا يعرفونه تمامًا، كان ذلك المكان يقع في ناحية الشرق من مدينة «السيب». الترجمة جـ2/410».

أمام «بركا»، أم جزر «السوادي»، أم «السيب» وقعت المأساة؟ لا أدري، لكن فطنة القارئ الكريم لا تحتاج لأكثر من هذه النصوص دليلاً على التناقض والتخبط، فهلُمَّ نشاهد «فلم الغرق» كما أخرجه هو عسى أن نرى كيف غرقت بعض مذكراته، ونجا بعضها الآخر:

«How to get clear of the whirl which must follow the ship’s going down was my first thought I clambered at once on the quarter-deck, which was yet some feet raised above the triumph of the: lashing waves, invoked Him who can save by sea as well as by land, and dived head foremost as far as I could. After a few vigorous strokes out, I turned my face back towards the ship, whence a wail of despair had been the last sound I had heard. There I saw amid the raging waters the top of the mizen-mast just before it disappeared below with a spiral movement while I was yet looking at it Six men—five passengers and one sailor-had gone down with the vessel A minute later, and boards, mats, and spars were floating here and there amid the breakers, while the heads of the surviving swimmers now showed themselves, now disappeared in the moon gleam and shadow.

So rapidly had all this taken place that I had not a moment for so much as to throw off a single article of dress; though the buffeting of the waves soon eased me of turban and girdle. Nor had 1 even leisure for a thought of deliberate fear; though I confess that an indescribable thrill of horror which had come over me when the blue glimmer of the water first rippled over the deck, though scarce noticed at the time, haunted me for months after. but at the actual moment the struggle for life left no freedom for backward-looking considerations, and I was already making for a piece of timber that floated not far off, when on looking around more carefully I descried at some distance the ship’s boat; she had been dragged after us thus far at a long tow, Arab fashion, though who had cut her rope before the ship foundered was what no one of us could ever discover. She had now drifted some sixty yards off, and was dancing like an empty nutshell on the ocean.vol 2: 343».

«وأول ما خطر ببالي كان طريقة النجاة، أو إن شئت فقل طريقة التخلص من الدوَّامة التي سوف تُعقِب غرق السفينة إلى أعماق اليم، وهنا حاولت الوصول إلى سطح مؤخرة السفينة الذي كان يرتفع قليلاً فوق قمة الأمواج الهادرة، ودعوت الله الذي ينقذ من في البر ومن في البحر، ثم قفزت في الماء غاطسًا إلى أبعد حدٍّ ممكن، وبعد أن سبحت إلى مسافة قصيرة أدرت وجهي ناحية السفينة التي وصلت مسامعي منها، ولآخر مرَّة، أصوات البكاء والعويل، وشاهدت في اتجاه السفينة وسط الأمواج الجزء العلوي من المزِّين الرئيسي قبل أن يختفي تحت الماء بحركة حلزونية بينما كنت لا أزال أنظر إليه، وغرق مع السفينة خمسة من المسافرين وبحار واحد، وبعد ذلك بدقيقة واحدة بدأت الألواح، والحصير والصواري والقوائم تطفو على الماء من جديد وسط الأمواج العاتية، كما بدأت تظهر رؤوس الناجين الذين كانوا يسبحون، ثم اختفوا بعد ذلك في ضوء القمر والظلال الناتجة عنه.

لقد حدث كل ذلك في عجالة عجزت معها عن التخلص من أية قطعة من ملابسي التي كنت أرتديها، ومع ذلك فقد خلَّصتني صدمات الموج من العمامة والحزام، يضاف إلى ذلك أنني لم يكن لدي متَّسع من الوقت كي أترك الخوف يتملكني برغم أني أعترف أنني تملكتني قشعريرة رعب غريب عندما شاهدت تلك الموجة الفسفورية الزرقاء وهي تصل إلى ظهر المركب، وبرغم مشاهدتي العابرة لها ظلت تتملكني عدة أشهر بعد ذلك، ولكن الصراع من أجل الحياة والبقاء لم يترك لي حرية النظر إلى الخلف؛ إذ كنت أحاول بالفعل الوصول إلى قطعة من الخشب كانت تطفو قريبًا مني، وهنا شاهدت قارب السفينة على مسافة بعيدة مني؛ إذ كانت السفينة تقطر ذلك القارب، على الطريقة العربية، خلفها بحبل طويلة، وعلى بعد مسافة كبيرة منها، وكان حبل قارب النجاة هذا قد انقطع قبل أن تغرق السفينة، ودون أن يلاحظه أحد منَّا، كان القارب قد انجرف إلى مسافة حوالي ستين ياردة بعيدًا عن السفينة، وكان يتراقص مثل صدفة الجوز الفارغة فوق صفحة مياه المحيط. الترجمة جـ2/401».

أخطار مثيرة، وأهوال مرعبة استوجبتها روعة الإخراج، وبراعة التأليف، من زمجرة رياح شرسة تعوي كالوحوش الكاسرة، إلى صخب أمواج حانقة غاضبة، لا سبيل إلى اتقائها إلا برمي الأمتعة، قبل أن تغرق السفينة كاملةً، وتستقر في جوف البحر، ثم يعثر الناجون على القارب المقطور، لتبدأ خلافات حادة عنيفة، وفتن أعنف بين المتصارعين على القارب تارة، وعلى توجيهه تارة، وركاب يتشبثون بالقارب، وآخرون يرمى بهم في عرض البحر الهائج، وكل ذلك من أجل البقاء، وأراني لست ملزمًا بأن أثقل على القارئ بعرضها أكثر مما أثقلت، لكن بعضها لا ندحة من عرضه لجلاء الصورة، فلا بدَّ أن يقف القارئ على الصورة التي أعطاها بلجريف لغرق سفينته، ليرى إن كان أي من ركابها، سواء بلجريف أم غيره، قد خرج منها بشيء إلى البر. فبعد أن وقفنا على خبر غرق السفينة، يتعين أن نقف على غرق القارب أيضًا:

«At last we neared it, and then a new danger appeared. The first row of breakers, rolling like a cataract, was still far off shore, at least a hundred yards; and between it and the beach appeared a white yeast of raging waters, evidently ten or twelve feet deep, through which, weary as we all were, and benumbed with the night chill and the unceasing splash of the spray over us, I felt it to be very doubtful whether we should have strength to struggle. But there was no avoiding it; and when we drew near the long white line which glittered like a witchfire in the night, I called out to Yoosef and the kid, both of whom lay plunged in deathlike stupor, to rise and get ready for the hard swim, now inevitable. They stood up, the sailors laid aside their oars, and a moment after the curling wave capsized the boat, and sent her down as though she had been struck by a cannon-shot, while we remained to fight for our lives in the sea.vol 2:349.»

«واقتربنا أخيرًا من المكان المقصود، ولكن برز أمامنا خطر جديد، كان الصف الأول من كاسرات الأمواج الذي يتدحرج مثل الشلال ما يزال بعيدًا عن الشاطئ بمسافة لا تقل عن مائة ياردة، وظهر فيما بين هذا الصف الأول والشاطئ رغوة بيضاء من المياه المائجة، والتي كان عمقها لا يقل، بأي حال من الأحوال، عن عشرة أقدام أو اثني عشر قدمًا، وكنت أشك تمامًا في أنَّ قوانا ستساعدنا على اجتياز هذه الرغوة، نظرًا لأننا كنا متعبين ومرهقين، وكان الخدَر يسري في أجسادنا، بسبب برودة الليل ورذاذ الماء الذي لم يتوقف عنا لحظة واحدة، ولكن لم يكن هناك بدٌّ مما ليس منه بدٌّ، ولكننا عندما اقتربنا من الخط الأبيض الذي تلألأ مثل نيران العرَّافين والسحرة أثناء الليل، ناديت على كلٍّ من يوسف والصبي الصغير الذَين كانا يَغُطَّان في ثبات (ص: سُبات) عميق يشبه الموت، وطلبت منهما أن يستعدا للسباحة التي أصبحت الآن أمرًا لا مفرَّ منه، ونهض يوسف هو والصبي وتخلى البحارة عن المجاديف، وإن هي إلا لحظة أو تكاد حتى ضربت القارب موجة جعلته يغوص إلى القاع كما لو كانت أصابته قذيفة مدفع، في حين رحنا نحن جميعًا نصارع الموج طلبًا للحياة. الترجمة جـ2/408». لك أن تتصور في حالة كهذه يزعم بلجريف أن بعضًا من أوراقه، فقط، هو الذي غرق، إذن لا بدَّ أن نعرف تمام القصة:

«The captain and the young sailor laid hold of the boy, the captain’s nephew, one on either side, and struck out with him for the shore. It was a desperate effort, every wave overwhelmed us in its burst and carried us back in its eddy, while I drank much more salt water than was at all desirable. At last, after some minutes, long as hours, I touched land, and scrambled up the sandy beach, as though the avenger of blood had been behind me. One by one the rest came ashore-some stark naked, having cast off or lost their remaining clothes in the whirling eddies; others yet retaining some part of their dress. Every one looked around to see whether his companions arrived; and when all nine stood together on the beach, all cast themselves prostrate on the sands, to thank Heaven for a new lease of life granted after much danger and so many comrades lost. Vol 2: 350.»

«وكان الربان هو والبحار الصغير قد أمسكا بالصبي الصغير، ابن شقيق الربان من جانبيه، وراحا يسبحان به صوب الشاطئ. كان الجهد الذي نبذله محبطًا، نظرًا لأن كل موجة كانت تغلبنا على أمرنا مع اندفاعها، وتسحبنا إلى الخلف مع تراجعها، في الوقت الذي شربت فيه من الماء المالح مقدار (ص: مقداراً) أكبر بكثير مما هو مطلوب، وأخيرًا، وبعد بضع دقائق مرت كما لو كانت ساعات، لمست قدماي الأرض، وراحتا تزحفان فوق الشاطئ الرملي، كما لو كان منتقمًا (ص: منتقم) يطاردني كي يثأر مني، وبدأ باقي الناجين يصلون إلى البر تباعًا، الواحد إثر الآخر – كان بعضهم عاريًا تمامًا بعد أن تخلصوا من ملابسهم، أو انتزعت منهم بفعل سحب الموج لهم أثناء تراجعه، وكان البعض منهم ما يزالون يحتفظون ببعض قطع من الملابس التي كانوا يرتدونها، وراح الجميع ينظرون حولهم، ليتأكدوا من وصول رفاقهم، وعندما أصبح الناجون التسعة يقفون على الشاطئ سجدوا على الرمل شكرًا لله، الذي منحهم الحياة من جديد بعد المخاطر الكثيرة التي مروا بها والأصدقاء الكثيرون (ص: الكثيرين) الذين وافتهم المنية. الترجمة جـ2/409».

ونحن، أيضًا، نحمد الله على أنَّ جهدنا الشاق المضني في كشف هذا الكذب البواح لم يضع هدرًا، وإلا فقد كان كافيًا إحالة القارئ الكريم إلى مقدمة الرحالة الصدوق؛ فهي لا توحي بأن شيئًا قد فقد منه البتَّة؛ ولا أي شيء استعاده من الذاكرة، كما لم تتعرض لفقدان شيء من مذكراته، ولا أي شيء آخر غيرها.
لقد كان عليَّ ألا أُعدى بآفة النسيان التي ابتُلي بها «بلجريف»، فقد نسيت مشهدًا ما كان ينبغي أن أنساه بحال، فهو يضيف إلى الصورة وضوحًا على وضوح، وجلاءً على جلاء، لنترك بلجريف يتم رواية مسرحيته أو فلمه المدهش المثير، بهذه الفقرة:

«The captain took post at the rudder, while the pilot and myself set to baling out the water, partly with a leathern bucket which one of the crew had kept the presence of mind to bring with him from the ship (holding the handle between his teeth no less cleverly than Caesar did his sword off the Alexandrian Pharos),and partly with a large scoop belonging to the boat; both implements were in constant requisition, since every bucketful or scoopful of water thrown out was by the next wave repaid with usury, so fiercely did the storm rage around. Vol 2: 345.»

«وتولى الربان عمله عند دفة القارب، في حين بدأتُ أنا ورئيس البحارة في تفريغ الماء الذي دخل القارب، مستخدمين في ذلك دلوًا من الجلد، حرص أحد البحارة على إحضاره معه من السفينة (بأن وضع مقبض الدلو بين أسنانه بمهارة لا تقل عن مهارة قيصر وهو يبعد سيفه عن فاروس السكندري )، أو باستعمال مغرفة القارب ورحنا نستعمل هاتين الأداتين بصورة مستمرة، نظرًا لأن كل مغرفة أو دلو كنا نرفعهما من المياه التي دخلت القارب، كانا يستعوضان بضعفهما بفعل الموجة التالية، إذ كانت العاصفة تستعر من حولنا. الترجمة جـ2/403».

لعل القارئ الكريم قد اقتنع الآن بأن بلجريف كان قد أودع (بعض مذكراته) لدى هذا البحار الماهر، فعض عليها بأسنانه مع ذلك الدلو الأمين، فنجا بعضها من الغرق، وغرق البعض الآخر. الذي استودعه بركات في البحرين.

بلدان تنتقل من مكانها، وأخرى غير موجودة، أصلاً، تخلق، وتخلق معها الحيوانات، ومذكرات تغرق في عمان وتظهر في بغداد. فرحم الله الشاعر اللبناني إبراهيم صادق العاملي الذي يقول:

ورب مُتَّشِحٍ بالفضلِ نَظَّم ما
يخاله الدرَّ وهو الزُّبْرُج الكذِبُ

مدير التحرير
319907