الدور التنويري
للصحافة المبكرة في المنطقة الشرقية
محمد عبدالرزاق القشعمي * - 13 / 10 / 2007م - 9:40 ص - العدد (46)
تمهيد كان للتجمع العمالي في المنطقة الشرقية من المملكة الذي تكون بنشأة الأحياء السكنية التي أنشأتها شركة الزيت العربية الأمريكية (أرامكو)، وما يتبعها من شركات ومقاولين؛ الدافع الأساسي لإيجاد منبر إعلامي يوجه ويعبر عن تطلعاتهم وأمانيِّهم، فقد كانت الصحف الصادرة - وقتها - في مصر ولبنان والعراق ذات تأثير قوي في دغدغة مشاعر المواطنين، وبالذات التجمعات العمالية تلك، والتحدث باسمهم، ورفع مطالبهم، إضافة لوجود بعض البيوتات والأسر المهتمة بالجانب - الثقافي الديني منه بشكل خاص - مثل أسر الجشي، والخنيزي، وآل أبي السعود، وآل العوامي، وآل حسان، بالقطيف والمبارك، وآل أبي خمسين، والخلفية، والعبد القادر، والملا، بالأحساء، ومع بداية نشر التعليم وتأسيس المدارس النظامية في المنطقة بدأت المطابع تدخل المنطقة بدءاً بالمطابع السعودية التي أسسها الشاعر خالد الفرج، وشركة الخط عام 1373هـ/1953م. سوف أتناول الفترة الأولى لصدور الصحف والمجلات بالمنطقة، وبالذات صحافة الأفراد التي صدرت في الفترة من 1/5/1374هـ، وحتى قبيل نهاية عام 1383هـ حيث صدر نظام المؤسسات الصحفية ليخلف صحافة الأفراد، وسوف أكتفي باستعراض ما اطلعت عليه من أعداد متفرقة من صحافة الأفراد، وهي: (أخبار الظهران، الفجر الجديد، الإشعاع، الخليج العربي). حسب تسلسل تاريخ صدورها قدر المستطاع، مع استثناء مجلة (قافلة الزيت) التي صدر عددها الأول في شهر صفر من سنة 1373هـ، والتي صدرت كنشرة شهرية لعمال شركة (أرامكو)، وكذا العدد الوحيد من مجلة (هجر) التي أصدرها طلبة المعهد العلمي بالأحساء في شهر محرم 1376هـ، أغسطس 1956م؛ لكونها إصدارات شبه رسمية. وكما قلت سأسمعكم ما اخترته من مواضيع أو أخبار أو نتف من مقالات وردت في صحف الأفراد السابق الإشارة إليها دون تعليق أو تحليل، وسأترك ذلك لفطنتكم رغم معرفتي بأني لن آتي لكم بجديد، فأنا كجالب التمر إلى هجر. علماً بأن الصحيفتين الأوليين (أخبار الظهران) و(الفجر الجديد) ومجلة (الإشعاع) قد أوقفتا، أما جريدة (الخليج العربي) فقد استمرت حتى منتصف عام 1383هـ، وتوقفت بسبب صدور نظام المؤسسات الصحفية، واتفق بعض وجهاء المنطقة الشرقية وأدبائها على تأسيس (دار اليوم للصحافة والطباعة والنشر) ورفعوا بذلك خطاباً لوزير الإعلام بتاريخ 25/9/1383هـ بالسماح لهم بإصدار صحيفة يومية باسم (اليوم)، ومجلة أسبوعية تصدر مستقبلاً وتعنى بشؤون الفكر والاقتصاد، وقد صدر العدد الأول من جريدة (اليوم) في 20 شوال 1384هـ. أما المجلة المشار إليها فلم ترَ النور حتى تاريخه. أولاً: جريدة أخبار الظهران يذكر الأستاذ عبد الكريم الجهيمان في مذكراته() أنه زار صديقه عبد الله الملحوق بالدمام - وقد كان يعمل بإمارة المنطقة الشرقية - فعرض عليه إدارة (شركة الخط للطبع والنشر) التي سبق أن أنشأها وآخرون، وشجعه على قبول العرض كونها أول شركة للطباعة في المنطقة، وقال في مذكراته: «.. وسار العمل في هذه الشركة، ونمت مطابعها، ونمت قدراتها، ثم رأينا مع أعضاء الإدارة في هذه الشركة أن نطلب الترخيص بإصدار جريدة يومية تكون منطلقاً للأخبار، ومنطلقاً لأقلام الكتاب في هذه المنطقة المهمة في بلادنا التي تحوي تحت ترابها الذهب الأسود» إلى أن قال «وأرسلنا برقية باسم مطابع الخط إلى ولي العهد سعود الذي كبر والده الملك عبد العزيز، فصار يتولى جميع شئون البلاد، ولا يعرض على والده إلا ما يسره ويبهج خاطره، وجاءت الموافقة من سموه بإصدار هذه الجريدة باسم (أخبار الظهران)، فصدرت الجريدة بعد تولي الملك سعود الحكم، إذ صدر عددها الأول في 1/ جمادى الأولى/1374هـ الموافق 26 كانون الأول 1954م. طبعت أعدادها الأولى في بيروت إلى أن هيِّئت المطابع، فانتقلت طباعتها إلى الدمام، وكانت تصدر نصف شهرية مؤقتاً، وقال عنها (أبو سهيل) في مذكراته «وكانت في بدايتها ضعيفة هزيلة كأي بذرة توضع في التربة، وكأي عمل ينشأ من جديد، ثم إنها كانت أول صحيفة تصدر في هذه المنطقة التي انتقلت أكثر مدنها من طور القرى إلى طور المدن، ثم إن أكثر القاطنين فيها هم عمال في شركة أرامكو - شركة الزيت الحديثة النشأة أيضاً - فكان المثقفون والمهتمون بالقراءة وتتبع الأخبار في هذه المنطقة قلة، ولا يُكِّونون إلا نسبة ضئيلة من السكان...»، وقال: «بدأت الجريدة تنمو وتكبر ويتسع توزيعها ويكثر قراؤها شيئاً فشيئاً، لما يلمس القارئ فيها من صراحة في القول، وإخلاص في علاج الكثير من المشكلات الاجتماعية والثقافية والسياسية». وقال أيضاً: «وقد ظهر من بين هؤلاء العمال كتاب ومفكرون صاروا يُغذون هذه الصحيفة بألوان من البحوث والمقالات المليئة بالوطنية والإخلاص والجرأة في بعض الأحيان...» اشتهرت أخبار الظهران بمواقفها الوطنية والقومية، فنجدها تنادي بالوحدة العربية بدءاً من العدد الثاني، إذ تَصدَّر العدد عنوان يقول: «الملك سعود يحذر من الانضمام للغرب، ويناشد التمسك بالجامعة»، ومقال آخر في الصفحة نفسها بعنوان: (بذور البعث إلى الوحدة سبيل الخلاص) بتوقيع ح. ب الدمام، ويتصدر العدد الثالث عنوان رئيسي يقول: المملكة العربية السعودية في موكب العروبة، وتغطية شاملة لانعقاد «اللجنة الثقافية للجامعة العربية بالظهران. أسرار نجاح الدورة التاسعة، سمو الأمير سعود بن جلوي يكرِّم الوفود العربية، الدكتور طه حسين يكره الطائرات – اتجاهات جديدة في اللجنة...». * مهاجمة الأحلاف – نجد العدد الخامس يتصدره عنوان: (المملكة السعودية تحيِّي بطولة سوريا، وتهاجم حلف الذل والاستعمار بالعراق.). * مناصرة الحركات الوطنية بالخليج العربي، ونشر كل ما يَِردُها من مقالات وقصائد، وبالذات من شباب البحرين. فنجد عناوين العدد السابع عشر تقول: «انضمام الباكستان إلى الحلف العراقي التركي طعنة في صدر الدول الإسلامية»، «الباكستان تعرف تماماً أن الأتراك يضعون أيديهم في يد إسرائيل الصهيونية المجرمة»، «البحرين بين فكي الشعوبية والاستعمار»، وعنوان آخر في العدد التالي: «أخرجوا فرنسا من الجزائر». ونشرت في العدد السادس عشر «رد الفعل الذي أحدثته (أخبار الظهران): أحدث الخبر الذي نشرته أخبار الظهران في عددها الثالث عشر تحت عنوان: (رشوة)، وقالت فيه إن تكاليف المقال الذي نشر في أحد أعداد (آخر ساعة) بعنوان (الثورة تجتاح البحرين) بلغت مائة وخمسين جنيهاً دفعت من قبل جهة معينة... إلخ، وعلقت على الخبر قائلة: «وهكذا نجد أن الاستعمار وأذنابه لا يتورعون عن استعمال شتى الوسائل لبلبلة أفكارنا والقضاء على وحدتنا، ولكن، ولكن هيهات أن تنطلي علينا مثل هذه الحيل.»، وفي العدد الثاني عشر نقرأ العنوان الرئيسي التالي: «عرب عدن يطالبون الجامعة بتأييدهم، وعرض قضيتهم على الأمم المتحدة، اجتماع يعقده المجاهدون ويقررون فيه خوض معركة الحرية حتى النهاية، المجاهدون يفاجئون كتيبة بريطانية في القطاع الشمالي الغربي فيصرعون 18 جندياً، ويغنمون أسلحة»، وفي العدد الثالث عشر نقرأ تحت عنوان: (من هو؟) من هو العربي الذي قال: «كان مجيء الإنجليز إلى البحرين رحمة هبطت من السماء»؟ وعلقت الجريدة بقولها: تمنح إدارة جريدة أخبار الظهران اشتراكاً في الجريدة لمدة سنة كاملة لكل قارئ يستطيع أن يجيب على هذا السؤال إجابة صحيحة»، وفي العدد الثامن عشر الصادر في الأول من ربيع الثاني 1375هـ يصدر بيان تُوقِفُ بسببه نشر أي شيء يتعلق بالبحرين لظروف خاصة بها، ومع ذلك يتصدر العدد نفسه العناوين التالية: «قضية النزاع حول واحة البريمي في صحف العالم، الأيدي الآثمة والطابور الخامس في الخليج العربي – صرخة من عمان.» جاءت افتتاحيات بعض أعداد الصحيفة بالعناوين التالية: هذه الصحيفة، ظواهر الوعي، إلى الأمام نحو أخبار الظهران الأسبوعية، البناء لا الهدم، ساسة العرب في التاريخ، بريطانيا أولاً، المنكرون للجميل، أولادنا في مهب الريح، ملك عظيم يخلفه ملك عظيم، نريد مدارس صناعية، فلنخرج الإنجليز من بلاد العرب، رب ضارة نافعة، عام من الكفاح، الاستعمار في الخليج العربي، طريق المجد، السياسة الجديدة في الشرق الأوسط، الحرب الاقتصادية خطوة لها ما بعدها، هزائم وانتصارات، دعوة لجمع الشمل، لن نحني رؤوسنا بعد رفعها، بريطانيا العظمى تنهار، المؤامرات بعد الهزيمة، أبعدوها عن الجامعة، (يقصد إبعاد العراق أثناء حلف بغداد)، نغمة الفراغ الجديدة، إسرائيل ليست عدونا الأول، سياسة الحياد الإيجابي، الخطر الماثل والخطر الموهوم، سياسة الترغيب والترهيب، التطورات الأخيرة حول مشروع آيزنهاور، أيها العرب، سلطوا الأنوار على أعدائكم من أنفسكم.... وكان لأخبار الظهران اهتمام بالجانب الثقافي، والاجتماعي، والاقتصادي، والرياضي، وغيره مما يهم المجتمع، وكذا نشر المقالات والقصائد الأدبية، فقد خصصت زاوية باسم (روضة الشعر) بدءًا من العدد الخامس، وكذا اهتمامها برسائل القراء ضمن زاوية بريد القراء، فضحها للمرتشين، وتسليطها الضوء على أوجه القصور في الخدمات الاجتماعية، ودعوتها للإصلاح والبناء، وقد خصصت زاوية في كل عدد تحت عنوان: (أسرار) تفضح فيه الأخطاء، وتكشف المستور من المرتشين والمقصرين وغيرهم. وتبدأ من العدد الحادي عشر بتخصيص زاوية تحت عنوان: ( في شؤوننا) تتحدث فيه عن الآمال والأحلام، وتطالب فيه بتعديل كل معوج في مجال التعليم، والتعليم الصناعي، والخدمات البلدية، والصحة، والكهرباء، والمرور، والمطالبة بالتجنيد الإجباري، وتشجيع الصناعة المحلية، والمطالبة بتعليم البنات؛ فنجد في العدد (24) الصادر في الأول من جمادى الثانية 1375هـ - وفي زاوية في شؤوننا - 13- نصفنا الآخر كأول دعوة لتعليم البنات بتوقيع م. البصير- الدمام. وابتداءً من العدد الثامن عشر تخصص زاوية بعنوان: (منبر الرأي) يتناوب على تحريرها عدد من الكتاب، ومن العدد التالي التاسع عشر تخصص زاوية أخرى باسم (قصة العدد) يكتبها عبد الرحمن الشاعر وغيره، ويلاحظ كثرة الأسماء المستعارة؛ ففي كل عدد نجد الكثير ممن يكتب ويوقع اسمه رمزيًّا، فمثلاً نجد في الصفحة الخامسة من العدد الثالث والعشرين تحت عنوان (منبر الرأي) «أيهما أكثر نوماً بلدية الأحساء؟ أم بلدية الجبيل؟). بقلم أبو الفوارس – الأحساء، والعدد الثلاثون الذي جاء بعد توقف قصير حفل بالمشاعر الفياضة التي استقبَل بها الملك سعود الرئيسين جمال عبد الناصر وشكري القوتلي وغيرهما بالظهران. وكانت عناوين هذا العدد: «جلالة الملك سعود المعظم يستقبل رؤساء الدول العربية، جلالة الملك فيصل [الثاني] ملك العراق الشقيق يزور المملكة العربية السعودية، عشرون ألفاً يستقبلون القوتلي وعبد الناصر في مطار الظهران، جلالة الملك سعود والقوتلي وعبد الناصر يعملون على إحباط مؤامرات الاستعمار، كيف أُستُقبلَ الرئيسان جمال عبد الناصر وشكري القوتلي، استقبال رجل السلام العالمي الباندت نهرو، البلاد السعودية تحتفي بابن غازي [الملك فيصل الثاني]، ومقال طويل بعنوان: (مرحباً بك يا جمال) بقلم أبو أكرم، وفي العدد (31) الصادر بغرة ربيع الأول 1376هـ يكتب «ابن أحمد» (في شؤوننا 21- لا تهيب، ولا أوهام) يؤكد على ما طالب به غيره من أهمية لتعليم البنات. ثانياً: الفجر الجديد في مدة لا تتجاوز الشهر صدرت – واختفت- جريدة (الفجر الجديد) وهي جريدة أسبوعية جامعة يشرف على تحريرها نخبة من المثقفين، فقد صدر عددها الأول يوم السبت 11 رجب 1374هـ، وعددها الثالث والأخير صدر يوم السبت 9 شعبان 1374هـ الموافق 2 أبريل 1955م. قال أحمد الشيخ يعقوب في كلمة العدد الأول - كلمة الأسبوع - اعتراف لا بد منه: «مرت حقبة طويلة على هذه المنطقة وهي تغط في نوم عميق منعزلة عن العالم وما يجري فيه من أحداث، وكان الأدب فيها آخذاً في الركود والانزواء إلا من أقلام ضئيلة يخطها الكُّتاب في الصحف العربية البعيدة إن لم يذهب أغلبها إلى سلة المهملات، لا لهُزَالِها بل لعدم الاهتمام بأدب الغير، أو أن الصحافة تهيمن عليها النزعة الإقطاعية في الأدب كأن الأدب في مفاهيمهم الرجعية هيكل مقدس لا يدخله إلا من يرتضونه ما عدا بعض صحفنا الداخلية، وصحف إحدى جارتنا الشقيقة التي اهتمت اهتماماً بالغاً بإنتاج أدبائنا، ثم شيعناها لاحتجابها أخيراً، ولما عزمنا على فكرة إنشاء صحيفة تخدم الوعي والأدب الشعبي، وتجاري قافلة الإصلاح في هذا العهد وجدنا تشجيعاً عارماً من أصدقائنا، ثم رحنا نقدم ونؤخر خطانا عندما سمعنا كلمات (طوباوية) من بعض الذين يثبطون الهمم والعزائم، معللين أقوالهم الواهنة بشتى التعليلات المختلفة بزعم أن إصدار جريدة في (المنطقة الشرقية) من هذا النوع ربما لا يكون أبداً، وأراد السأم والوهن أن يتسلل إلى نفوسنا ونترك الأمر إلى المستقبل، ولكن دافع الواجب والضمير، وكلمات التشجيع القوية، والحماس الشديد من أولئك الأصدقاء، والإيمان الذي تحويه حنايا صدورنا بأهمية هذا المشروع؛ دفعتنا بأياديها الفولاذية لطرق أبواب الأمل، فتقدمنا بطلبنا إلى صاحب الجلالة متفائلين بتلك العزائم التي تشدنا، وإذا بالآمال تبسم لنا، وإذ ما كنا نبغيه يتحقق، فصاحب الجلالة - حفظه الله وأبقاه - كما يعلم القراء حريص كل الحرص على تحقيق آمال الشباب، والسعي إلى ما فيه المصلحة لسعادة مجموعة شعبه المتطلع إلى ذرى المستقبل البعيد. هذا ونحن نزف العدد الجديد لقرائنا مؤكدين لهم أن هذه الصحيفة سوف تكون خير منبر للتعبير عن تحسس مجتمعنا ومشاكله المتعددة؛ فهي للأديب، والموظف، والعامل، والتاجر. بل لكل فرد من أفراد هذا الشعب العظيم، وقد فرغنا من تحقيق الفكرة التي طالما تمنى تحقيقها أدباؤنا الذين قضوا أحقاباً طويلة، وإنتاجهم الأدبي يكاد أن يكون آسناً، وآخذاً في التحجر والانهيار، فهذه الصحيفة ستكون - ولا شك - لهم باباً يلجه كل كاتب ناشئ يجد في منطوياته فكرة أدبية ناضجة تستحق أن يسطرها على صحيفته المتواضعة. كما نريد أن نقول بصراحة أن هذا ليس معناه أن تدفعنا نزوة من الحماس والطيش الصبياني فنجعل منها مذياعاً للتهويش والتطرف، أو بوقاً لا يرضي الحق والضمير كما لم يبلغ بنا الجنون والطيش أن نحذو طريق الخطل والمجازفة لخنق هذا (الوليد)، فلتكن أهداف صحيفتنا الناشئة ما يرجى من ورائه الخير والسلام، فلم نصدرها سعياً وراء مغنم أو مكسب؛ بل يعلم الله أننا سوف نتحمل أعباءها بصبر وجلد حتى تخرج إلى حيز الوجود مشبعة بالآراء والأفكار التقدمية وليعذرنا حضرات القراء من ارتفاع قيمة العدد، ونحن نعدهم أننا سنجعل السعر معقولاً في الأيام القريبة، [قيمة العدد نصف ريال]، فالأتعاب والتكاليف الحاضرة لا يجهلها حضراتهم، ونرجو أن نحظى بملاحظاتهم، واقتراحاتهم التي يجب إدخالها على الصحيفة ليتعاونوا معنا في حبك مجهودنا، والسعي معنا إلى هدفنا المنشود..). وكان العدد الأول يحمل العنوان الرئيسي التالي: (عاهل المملكة العربية السعودية يشجب الأحلاف العسكرية، ويحبط الأهداف الاستعمارية الغاشمة التي أرادها رسولا الاستعمار نوري ومندريس)، وقد كتب مواضيع هذا العدد كل من: عبد العزيز بن محمد القاضي تحت عنوان (خطوة..)، وعبد الله بن خميس (فجر جديد في عالم الصحافة)، وقصيدة لسعد البواردي بعنوان» (فجر جديد)، وعبد الرسول الجشي يكتب، (صحائف من تاريخنا: الدمام في مدرجة التاريخ)، و م. ق يكتب قصة العدد: (ورقة الطلاق)، ويوسف الشيخ يعقوب – رئيس التحرير – يكتب موضوعًا: (في موكب الفجر)، وحسن القرشي يساهم بقصيدة (سنسحق أعداءنا!)، وعبد الرحمن المنصور يشارك بقصيدة: (أنات لاجئ - إلى المشردين في أوطانهم). وكثير من الأخبار الرسمية، والمحلية، والعالمية، وكذا ما كتب في الصحف المحلية ترحيباً بصدور الجريدة، وإعلان في الصفحة الثامنة والأخيرة يقول: (أيها الأدباء، اطلبوا كتاب «كيف ينظم الشعر» من المكتبة الأدبية بالقطيف، تأليف عباس مهدي خزام المخزومي)، وفي العدد الثاني يكتب افتتاحية العدد (أبو عمر، من أسرة التحرير) تحت عنوان: (نريد فكرة.. لا أسلوباً) - ومعروف أن أبا عمر هذا هو محمد الهوشان- ونجده ينشر موضوعاً آخر باسمه الصريح بعنوان: (دجال من وراء الأطلسي)، وقد قدم للموضوع، وهو عبارة عن مقابلة بينه وبين الكاتب الأمريكي (ليلنتال) عند مروره بالبلاد، وعندما كان الهوشان يعمل في أرامكو، وقد استقال منها مؤخراً، ونحن ننشر حديثه ليطلع الرأي العام العربي على وجهة نظر الكاتب اليهودي الحقيقية بشأن قضية فلسطين والعصابة الرهيبة (إسرائيل)، وكان هذا العدد يحمل عنوان (الشعوب العربية المناضلة توجه طعنة نجلاء إلى قلب حلف نوري – مندريس. الاعتداء الاسرائيلي الغادر على (غزة)، وأعمال الاستفزاز والخطف على الحدود السورية الأردنية، رد فعل مباشر على تضامن الشعوب العربية ضد أحلاف الاستعمار الإنكلو أميركي في الشرق العربي، اشتراك دول الحلف العربي في المؤتمر الآسيوي - الأفريقي يساعد على فضح أهداف حلف تركيا – العراق الاستعماري، ويكسبها أصدقاء جدداً. وفي الصفحة الرابعة نختار هذه الكلمات: هؤلاء قالوا، كلمة خالدة: إننا نحن الملوك والرؤساء، لسنا كل شيء. أننا نعمل، ولكن على الشعب، أن يعمل قبلنا وأن يسهر... «الملك عبد العزيز» ضد الأحلاف العدوانية: أيها العرب، هل ترضون بأن تكونوا عبيداً بعد أن كنتم أحراراً؟؟ هل ترضون بأن تكون بلادكم وبلادنا مسرحاً لحرب ضروس شعواء، تقضي على استقلالنا، الغالب فيها غيرنا والمنتصر سوانا، ونحن لها حطب هشيم يوقدها غيرنا لينال غاياته، وندفع نحن الثمن من حريتنا وسيادتنا بل من دمائنا وأعراضنا؟ «الملك سعود الأول» ضد الاتهامات الباطلة: أميركا خذلت العرب وهم في أوج معركتهم ضد الاستعمار والصهيونية، العرب لن تصافح اليد التي تصفعهم، اتهام الحركة الوطنية بالشيوعية كاتهامهم من قبل بالنازية، سياسة الاستعمار تدفع العرب إلى صداقة روسيا. «الأمير فيصل» ضد حكم نوري السعيد الذي لا يمثل الشعب العراقي. إن القضية أوسع بكثير من هذه الدعاوي الموضوعة البحث، إن القضية صراع طويل بين طبقة مستولية على الحكم بطرق غير شرعية وبين هيئات تمثل الشعب... «كامل الجادرجي» ويصدر العدد الثالث والأخير يحمل العناوين التالية: الشعب السوري مؤيداً من الشعوب العربية يسخر من تهديدات (الانكشارية) ثكنة الاستعمار الأمريكي وحليفة العصابة الصهيونية، دسائس الأوساط الاستعمارية لا يمكن أن تؤثر على شعبية الحلف العربي الثلاثي، توقيع الحلف رسمياً يقضي على أحلام الاستعمار بربطه بحلف (تركيا العراق)، الجامعة العربية في عيدها العاشر. ونجد عبد الغني ناظرين (ليسانس حقوق) يكتب افتتاحية العدد، ويجعل عنوانه: (التعليم والثقافة العامة)، ومواضيع العدد عبارة عن مقابلة مع أمين الجامعة العربية السابق عبد الرحمن عزام، وقرأنا لك من كتاب أعمدة الاستعمار الأمريكي، ماذا وراء المساعدات الأمريكية والأحلاف الحربية؟؟ ومواضيع أخرى منها: رئيس التحرير في قفص الاتهام يقول فيها: «مزقوا هذه الصحيفة، ودوسوها بنعالكم، وابصقوا عليها عندما تشق طريقًا ينحو بها إلى الخَطل والباطل»، وهو يرد على رسائل تتحداه أن يقول الحقيقة، ولا يجامل أو ينافق، فنجده يختتم مقاله بقوله: «فليحمدوا الله أن رئيس التحرير محل ثقتهم، وهو معجب بهذه الرسائل التي تدل على مدى قوة إدراكهم، ووعيهم, فليخففوا من هذه الحدة والثورة، ماذا تريدون مني أن أعمل أكثر من الواجب وليس لدي المقدرة على إرضاء مختلِف الطبقات على مختلِف نزعاتها وأهدافها. فليعذروني، وليقبلوا عذري فأنا لا أستطيع أن أتخطى الحدود المرسومة لهذه الجريدة. بل لهذا (الوليد)، فلا مناص لي من الوقوف أمام الأمر الواقع... فلولا صبري وإيماني بالرسالة العظيمة التي أحملها لهذا الوطن العظيم لحطمت قلمي، ولمزقت الورق, فهذه الرسائل التي تطعن المحرر في كيانه، والتي لو وجهت لغيري لأشرف على الجنون واليأس, ولكن صدري أوسع من أن يثور أو يصرخ في وجه أصحاب هذه الرسائل، فليكتبوا ما شاؤوا لي من نقد أو تهجم، فأنا أستحق كل سخط لو انحرفت عن الصراط المستقيم. بل مزقوا هذه الصحيفة ودوسوها بنعالكم, وابصقوا عليها, عندما تشق طريقًا ينحو بها إلى الخطل والباطل». ثالثاً: مجلة الإشعاع وبعد احتجاب جريدة الفجر الجديد - أو إيقافها على الأصح - نجد بائع قطع غيار أدوات السيارات لدى الشيخ عبد اللطيف العيسى بالخبر الأستاذ سعد البواردي يتحمس ليصدر مجلة باسم (الإشعاع) لتحل محل (الفجر الجديد)، وكما قال: «إن الإشعاع امتداد لذلك الفجر الغارب. كان هذا في منتصف عام 1374هـ، وجاءت الموافقة سريعة، انتهت السكرة وجاءت الفكرة، وصدر العدد الأول في حجم صغير وطباعة متواضعة»، وقال: «كنت -للأسف - كلَّ أسرة تحريرها. بل أكاد أقول كل كتابها. تحت هذه العناوين جاءت الكتابات متواضعة إلى أقصى حد.. سعد البواردي, س. ب, فتى الوشم, أبو سمير, أبو نازك, كانت ميزانيتها تَقْتَطِعُ من مرتبي الصغير أكثر من نصفه، لا يهم, المهم أن تبقى المجلة أطول أمد ممكن»، ولكن أصابها ما أصاب سابقتها، فنجده يقول: «في الهجيع الأخير من الليل كان الطارق على الباب، وكانت الضيافة التي أشهد أنها كريمة تعاملها، وتداولها باستثناء أسبوعها الأول الذي كنت فيه أناجي السقف، والنوافذ الموصدة، والأرض العارية. شهران وبضعة أيام كان أمامي الخيار الصعب: أن أظل داخل ضيافتي أو أن أعود إلى مسقط رأسي لمدة عام جزاءً لي على سلاطة اللسان، وردعًا لأمثالي، واخترت تراب شقراء، ومنه إلى الرياض حيث تحول مجرى حياتي 180 درجة؛ من بائع قطع غيار إلى بائع كلمات أكثرها لا يستحق الشراء». وبالقاء نظرة سريعة على العدد الأول من المجلة الصادر في شهر المحرم 1375هـ الموافق سبتمبر 1955م نجده بأربعين صفحة عدا الغلاف. كما نجد (س. ب)، وهو الاسم المختصر لصاحبها ورئيس تحريرها المسؤول سعد البواردي يفتتحها بكلمة (هذا الإشعاع). «هناك إشعاع في الحب يكفكف الدموع المحرومة المظلومة. هناك إشعاع في القوى يغمر النفوس بالاندفاع لتحطيم الضغينة والآلام من طباع البشر. هناك إشعاع الأمن الرتيب حيث تخبو تحت أضوائه مخاوف الدمار. والتعدي والدماء. هناك إشعاع الحرية، الحرية التي يعيش من أجلها الإنسان ليكسب لنفسه البقاء في رواق الحياة موفور الكرامة والمكانة والقدسية. وهناك إشعاع الفكر، ومن إشعاع الفكر تندفع معنوية الفرد الإنسان ليخلق لنفسه تاريخاً يأمنه على خلوده، وعلى تجديده، وذكراه. وهناك إشعاع وإشعاع يبرز لك من بين ثنايا الماضي والتاريخ ليذكرك، ويدعوك: يذكرك بأن عليك واجباً لا بد وأن تعمل من أجله شيئاً، ويدعوك لأن تسعى في سبيل تجديده والإفاضة عليه. كل ذلك لأنك إنسان مكتمل القوى، والشعور، والمسئولية...» واختتم مقاله بقوله: «هات يدك بيضاء لكي نصافحها، ولا تنس يا صديقي القارئ أن المشعل الذي سنحمله من أجلك أبيض كالأمل الذي نعيش به، والمشعل يحوجه الوقود الذي يستمد منه قواه. والوقود الذي ننتظره منك: صراحة في التعبير. نزاهة في النقد. واتجاه معنا إلى ركب الحياة المندفع القوي لكي نسير. سدد الله الخطى، وجزى المسؤولين خيراً. س. ب ويشارك محمد حسن عواد بقصة (الباب المعلق)، ثم يأتي مقال عبد الغني ناضرين (المصلحة المرسلة) يقول فيه: «تجتاز بلادنا – الآن - مرحلة دقيقة من مراحل تطورها، وهي مرحلة البناء التي تتميز دائماً بالصراع بين القديم والجديد، فأنصار القديم يدافعون عنه باسم المحافظة على الدين والتقاليد والعادات، بينما نجد أنصار الجديد سندهم في التطور والتقدم والارتقاء والارتفاع بمستوى المعيشة إلى آخر هذه المصطلحات الحديثة التي يتوق الكثيرون إلى تحقيق معانيها والاستفادة من مزاياها، وفي رأيي أن التعمق وإمعان النظر في هذا الصراع يوصلنا إلى التوفيق بين الرأيين بما يحفظ علينا ديننا القويم، وتقاليدنا العريقة، في الوقت الذي نأخذ فيه بكل أسباب المدنية والحضارة والتطور المنشود، والحل الصحيح لذلك نجده في الشريعة الإسلامية الغراء، فهناك ما يسمى بالمصلحة المرسلة، ويحسن أن نبدأ بتعريفها تعريفاً موجزاً ليصل كافة القراء إلى المعنى المقصود، فالمصلحة المرسلة (أي المتروكة) هي التي سكت عنها الشارع (الله عز وجل)، أو - بعبارة أدق - هي حاجات الناس التي لم يضع الشارع «أنظمة» تفصيلية لها. المعروف أن عالمنا هذا الذي نعيش فيه خاضع للتطور، فالمجتمعات تكبر، وتتسع، والمخترعات الحديثة تتوالى، وطرق الحياة والمعيشة تتنوع، فبعد أن كان الناس لا يعرفون غير الحقل جاءت الصناعات الحديثة الضخمة، وأصبح يعمل بها الملايين، ونتيجة لذلك نرى أن حاجات الناس قد تغيرت، هي الأخرى، وأن أنواعاً مختلفة من العلاقات بين الناس قد جدت، وأصبح عليهم مواجهتها وتنظيمها. ونعود إلى الحل الذي وضعته الشريعة الإسلامية السمحاء لمواجهة الحاجات الجديدة، فنرى أن الشارع - في كثير من الحالات -وضع أحكاماً عامة، وأعطى لأولي الأمر في نطاق هذه الأحكام سلطة إجراء مختلِف التنظيمات التي تقتضيها المصلحة العامة، وهذا ما يسمى بالمصلحة المرسلة، وهي تعتبر من مصادر التشريع الإسلامي، فإلى جانب الأحكام التي نستقيها من القرآن ومن السنة والإجماع والقياس يصح أن نصدر أنظمة جديدة نستند فيها إلى هذا المصدر من مصادر التشريع، وهو «المصلحة المرسلة»، والحكمة في ذلك أن الشريعة الإسلامية لم تنظم جانب المعاملات إلا لتحقيق مصالح الناس، وحاجات الناس ليست ثابتة بل هي تتغير بتغيير الظروف والبيئات، ولذلك فقد ترك الشارع هذه الأمور المتغيرة للناس لينظموها بما تقتضيه مصالحهم في حدود المبادئ العامة للشرع الإسلامي. وهذه المرونة هي التي جعلت شريعتنا الغراء صالحة لكل زمان ومكان، والآن، لنورد بعض التطبيقات العملية للأفكار السابقة في القرآن الكريم؛ ففي شأن الدستور - وهو النظام الأساسي للدول الذي يقرر نظام الحكم، وحقوق الأفراد قِبَلَ الدولة وواجباتهم تجاهها. أقول في هذا الشأن وردت عشر آيات في القرآن الكريم، وقد وضعت هذه الآيات المبادئ العامة للموضوع، وتركت التفاصيل لكل مجتمع يحددها حسب ظروفه الخاصة. كذلك نجد الآيات الواردة في تنظيم أحكام المرافعات، أي الإجراءات التي تمر بها الدعاوى أمام القضاء، مثل الطعن بعدم اختصاص الجهة التي تنظر القضية، ومواعيد الحضور، والاستئناف، وسقوط الدعوى بغياب رافعها؛ نجد أن الآيات التي تتحدث عن هذا الموضوع لا تزيد عن ثلاث عشرة آية، ومن الواضح أن هذه الآيات لا يمكن أن تجمع بصورة تفصيلية كل الإجراءات المطلوبة، وهذا يعني أن القرآن الكريم - في هذا الصدد - قد وضع الأسس العامة فقط. وأيضاً الأحكام الواردة في الشؤون الاقتصادية والمالية كان نصيبها من القرآن الكريم عشر آيات، وذلك جرياً على عادة الشارع في مثل هذه الشؤون من التمسك عن الخوض في التفاصيل التي تتغير بتغيير الزمان والمكان. ويتضح - مما سبق - أن شريعتنا السمحاء تتيح لنا مجالاً واسعاً للأخذ بكل أسباب المدنية والحضارة، ووضع كل الأنظمة اللازمة لذلك، وبهذا نتمكن من استعادة مركزنا القديم بين الأمم، والعمل على ما فيه خير الإنسانية، وصلاح الإنسانية...» الدمام – عبد الغني ناضرين يليه (روضة الشعر: الشهيد عدنان المالكي لأحمد محمد خليفة من البحرين، فعبد العزيز محمد القاضي يشارك بـ(أمتنا تبني أمجادها)، فقصة العدد (أنت الجاني يا أبي) لسعد البواردي، وغيرها من المواضيع الأخرى. وفي العدد الثاني نجد رئيس التحرير يكتب موضحاً ومتسائلاً: ما هو حكمك أيها القارئ على مجلتك (الإشعاع)؟ وقال: «إن مجلتك لن تكون بوقاً ولا مزماراً تدويِ منه صرخات عقيمة تعنف شرعة، وتمتدح شرعة، وتتخذ من لغة السباب والتهكم أسلوباً تلج منه إلى قلب القارئ الساذج الذي ينقاد بسهولة مع تيار الدعاية المأجورة التي تخدم الاستعمار البغيض، وتشيع في الأفكار بلبلة حمقاء، ورأينا أن هذه المجلة، وقبل كل شيء قامت من أجل غرض واحد، وذلك الغرض هو خدمة الأدب والثقافة العامة، خدمة المجتمع وقضايا الناس، وذلك بأسلوب حكيم معتدل لا تطرف فيه ولا شذوذ... إلخ. ويشارك في العدد وديع فلسطين – نقلاً عن الأديب - عن موضوع (خطوات في الأدب المعاصر) إلى جانب مواضيع أخرى يكتبها صاحبها سواء باسمه أو بأسمائه المستعارة (س. ب) أو (أبو سمير)، أو (فتى الوشم)، أو (أبو نازك)، وغيره من الكتاب. وفي العدد الخامس الصادر في شهر جمادى الأول 1375هـ الموافق ديسمبر 1955م يكتب لأول مرة علي الزاكي من مطار الزهران – بحرف الزاء - تحت عنوان (واقعنا الأدبي) نختار منه: «نحن بحاجة إلى أدب. نحن بحاجة إلى أن ننتج أدباً وثيق الصلة بحياتنا ملائماً كل الملاءمة لبيئتنا. أقول هذا وأنا مؤمن بأن هناك الكثير من المواطنين يقول الذي أقوله، وما أمرنا هنا إلا تسجيل نظرة عامة على هذه العجالة التي ستضيق ولا شك إذا ما حاولنا بسط كل ما تجيش به النفس حول الموضوع. إن إنتاجنا الأدبي، بوجه عام، ضئيل لا يجب أن نقتنع به بعد الآن. على أنه - على ضآلته - يعاني نقصاً في الذات إذ ليس له «سيكلوجية» يمكن أن يبني عليها نقداً شاملاً، أو تحليلاً موضوعياً. ولكن مالنا ولهذا؟! إننا في محاولتنا الأدبية الأولى، وإذاً فلا ضرورة للتفتيش في أدبنا عن العناصر المكتملة في الأدب النامي في الأقطار الأخرى، وإنما الأهم من ذلك - في الوقت الحاضر - هو بذل الجهود المتساندة لإحداث نهضة أدبية، إذ لا غنى لنا عن الأدب المتسع الآفاق، فهو كحاجتنا إلى الماء والهواء». واختتم مقاله بقوله: «.. إننا لا نحتاج - لكي نبني نهضتنا الأدبية - إلى أكثر من تقدير لأهمية الأدب في حياة الإنسان، والنظر - بإعجاب - لما حققه الأدب العالمي من حضارة فكرية لأمم كثيرة، حتى أدرك الناس - في تلك الأمم – قيمتهم، وعبروا عن أنفسهم تعبيراً لا تحد منه قيود، ومن ثم أنفسنا قليل من الثقة لكي نمارس الأدب بأمل وطيد في النجاح. لقد قوم الأدب من الأخلاق، وأصلح ما أعوج في النزعات البشرية، وأصبح عنوان الرقي في حياة البشر جمعاء، وهذا يكفي لكي نشعر بالحاجة الملحة إلى الأدب؛ الأدب الذي ننتجه، والأدب الذي نقرؤه، ونتزود منه بما يساعدنا على بناء نهضتنا. لقد آن أن نشحذ الهمم، ونمتشق الأقلام، ونخوض المعركة، ونسعى - بلا هوادة - إلى أن ننتج أدباً، ونكتب قصة ناجحة؛ لكي تكون لنا قافلة في ركب الأدب العالمي المندفع، وما ذلك على الله بعزيز». علي الزاكي – مطار الزهران ويفتتح العدد السادس بكلمة لصاحبها بعنوان: (كلمة العدد: شبابنا في حيرة)، يصف من يسافر من الشباب ليتزوج في الخارج بالمتعلمة، وبعد أن يستعرض الكثير من الحالات يقول: «ونحن لا ننكر أن في المرأة المتعلمة شيئاً من روعة المفقود بالنسبة إلى فتياتنا، غير أننا يجب أن نتدبر المشكلة على ضوء من التفكير السليم، وعلى ضوء العقل»، ويختتم المقال بقوله: «إن علينا أن نفتح أفقاً معقولاً من العلم تجاه بناتنا ليمكن لهم التطلع إلى الحياة، والى المسئولية بمنظار أبيض، وليمكن الزوج المواطن المثقف أن يجد في بنات جنسه زوجة صالحة متعلمة تتجاوب مع شعوره الجديد، ومع ذوقه الجديد أيضاً، وليت وزير معارفنا الجليل النشيط أعار شيئاً من اهتمامه اقتراحنا المتواضع والذي نرى فيه حلاً معقولاً وكاملاً للقضايا والأخطار التي تنتظر الجنسين فوق مركبة الحياة القادمة، ولنا في سموه أمل كبير...». ونجد محمد العليني – وهو الاسم المستعار للدكتور غازي القصيبي- يكتب لأول مرة من البحرين قصيدة في روضة الشعر بعنوان (ابتهال)، وضمن أخبار (إشعاع حول الأحداث المحلية) نختار هذا الخبر: الظهران: فرض المطعم الأمريكي بمطار الظهران على مرتاديه من السعوديين وغيرهم البيع بالعملة الأمريكية (الدولار) فقط، وقد كان من جراء ذلك أن أقفلت السلطات الحكومية أبوابه مدة من الوقت (والإشعاع تكبر في السلطات الحكومية موقفها الحازم المشرِّف الكريم لصيانة حقوق البلاد). وفي العدد العاشر لشهر شوال 1375هـ الموافق مايو 1956م نقرأ في (كلمة العدد: حاجتنا إلى صناعيين)، ومنها نختار: «إننا في حاجة إلى أيدي فنية تسخر بقواها ذخيرة الأرض الغنية فتشيد المعامل، وتؤسس الموارد الثابتة التي تكفل لنا الاستقرار الدائم». وشركات الزيت، وماذا أعددنا لشركات الزيت؟ ماذا سنكون وقد وقفنا مع الشركة على آخر حلقة من حلقات الاتفاقية المعقودة بيننا وبينها؟ ماذا سنكون، وقد طلب منا استلام دفة العمل، وتوجيه المعامل الجبارة إلى جبهة الاستثمار القوي؟ ماذا سنكون؟ بل، وماذا سنقول لأنفسنا وللشركة وللواجب ولله جل وعلا قبل كل شيء؟ ماذا سنقول؟ أنقول: إننا بشر صغار ما زالوا يتلهون بدمى الطفولة؟ أنقول: إننا بشر ضعاف ما زالوا يتلكؤون ويترددون بين قراءة الألف والباء؟ أنقول إننا عرب كرام، ومن خصائص العربي الكريم أن لا يتكلم إنكليزي مثلاً؟ ولا يلف نفسه بزي غربي؟ ولا يقف أمام لعلعة الماكينات وهي تتحدى المُحال في إبراز الشكليات العظيمة لثروتنا وسواعد بقانا؟ أم نقول: إننا أهل وفاء – متسترين وراء خداع العجز الأجوف – ومن حق الوفي أن يحتفظ بقرب شريكه في المصلحة، فنبقي على العيون الزرقاء على حساب العجز، وعلى حساب الجهل، وعلى حساب أننا عرب نؤمن بالمثل القائل: «يد تسقيك السم خير من يد تناولها جرعة ماء». أم ماذا نقول؟؟ هل نُحِلَّ أيديًا غريبة عنا مكان أيدٍ غريبة رحلت عنا؟ كل ذلك لأننا نعشق الهدوء، نعشق البطالة، ونجري وراء التيار المضطرب العائم من أفكارنا وهواجسنا؟ إن في شبابنا السباقين إلى زلفات الأدب، وفي شبابنا من جعلوا أعوام شبابهم وقفاً للتضلع من علوم الدين، وفي شبابنا من اجترته الدوامة الجائرة بين شعب المستقبل، فبدأ كظل باهت اكتنفته أشعة منسابة من كل جانب، ونبحث عن الشباب، ونبحث عن الصناعة، فنرتطم بالخيبة، لأن مجال الصناعة في أهدافنا ما زال مغلقاً تعشش حوله أوهام الماضي، وفضلات الرجعية المحنطة، وأعقابها في مفاهيمها المغلولة. إنها صيحة نريدها من الشباب نريدها انبثاقة يساندها الإيمان بروح العمل في ميادين الصناعة. وتسخير قوى الأرض. (...)، وثم، فإن الغد سيطرق أبوابنا يستجدينا الأيدي الصناعية الماهرة لتعمر جنبات الأرض، وتدفع مواكب البترول وغير البترول مما تحويه تربتنا السخية. فماذا سنقول للمستقبل؟ إن علينا أن نرسم خطوط الحياة قبل أن تُرسم لنا. فمن الخطل أن نتشبث بأوهام أوجدها الأفق المتزمت لتقف عثرة كأداء في طريق سيرنا وخطانا. (...): «إننا نريد أفكاراً ترهبها شركات الاستغلال، وتخشاها كل دولة؛ لأن السلاح، ولأن وقود السلاح قزم صغير تمسك به في قبضتها الجبارة، وتكيفه كيف ما تشاء. هذا ما ندعو إليه وقبل كل شيء. إن المستقبل سيطرق أبوابنا على حين غرة ليقول لنا: «هذا زيتكم، وتلك معاملكم، فماذا أنتم فاعلون؟» إننا نريد الجواب، نريد أن نعرفه منذ الآن لنقوله في المستقبل، لا همسة من نجوى، ولا اضطراب من حيرة، ولكن ثورة واقعية تقتلع كل ركود، وتقضي على كل بطالة وكسل. هذا ما نريده أيها الشباب. فهل من جواب؟! س. ب وفي العدد الحادي عشر يكتب من الخبر جبر صالح تحت عنوان: (وإذا الموؤودة سئلت) يعلق على ما جاء في كلمة رئيس التحرير في العدد السادس والذي يطالب فيه بتعليم المرأة لنقطع الطريق على الزواج من الخارج، فقال: «نعم، علينا أن لا نحرم أبناءنا - ذكوراً وإناثاً - من نعمة العلم، الذي افترضه الدين وأقره، إذا أردنا أن نبني مجتمعاً فاضلاً، وأن لا نحاول - بتأثير من رواسب بالية - أن نخادع أنفسنا بحجة المحافظة على التقاليد والإبقاء عليها، فليست كل التقاليد تستحق التقدير، والإجلال (...): إن ترك المرأة غارقة في لجج الجهل المقيت لهو في الحقيقة أعظم جرم يمكن أن نقترفه في حق النفس التي حرم الله...» وضمن الأخبار المحلية خبر يقول: يزمع الأستاذ الشاب عبد الله أحمد شباط إصدار مجلة شهرية جامعة تحمل اسم الخليج العربي، وقد تمت الإجراءات الرسمية من قبل السلطات، ويحتمل أن يكون صدورها في مطلع العام القادم فحيهلا بالزميلة. وفي العدد السابع من السنة الثانية الصادر في شهر رجب 1376هـ الموافق فبراير 1957م نقرأ في الصفحة (29) خبرًا يقول: «نشرت مجلة (صباح الخير) المصرية التي تصدر عن دار روز اليوسف، والمعروفة بمواقفها الوطنية، ومؤازرتها لكفاح العرب، إعلاناً عن مشروع أيزنهاور شغل نصف صفحة فيها، والذي لفت الأنظار إلى ذلك، وأثار الاهتمام هو أن تُنشر مثل هذه الدعاية المأجورة الصريحة في (صباح الخير) بالذات، ويتساءل الناس هل يعتبر هذا دلالة على أنَّ روز اليوسف قد قررت أن تنحرف عن اتجاهها الوطني الذي سارت عليه حتى الآن؟» كما نقرأ في العدد نفسه خبرًا ضمن صفحة الأحداث العالمية، ورد تحت عنوان (البحرين الضحية الجديدة): «في كل يوم تقوم سلطات الاستعمار بالبطش، والتنكيل، والطرد لجميع مناوئي سياسة العبودية والإذلال، فإلى جانب نفي الزعماء الخمسة إلى جزيرة (جِدا)؛ نفت مجموعة من الشباب المتحمس الثائر إلى قطر والكويت، وإلى المملكة السعودية، ومن بينهم الفقراء، وذوو الدخل المحدود، وحبذا لو اهتمت حكومات هذه البلاد فكفلت لهم الإقامة الكريمة المستقرة سيما وهم ضحايا عدو مشترك، وبهذه المناسبة فقد كان في عداد الذين نُفوا إلى المملكة السعودية (بدرية خلفان مع أسرتها)، والمشار إليها فتاة مثقفة متحررة ناصبت الاستعمار العداء، وصرخت في وجهه أكثر من مرة. حبذا لو أن وزارة المعارف الجليلة استغلت مواهبها لتعليم بناتنا وهن في أمس الحاجة إلى ذلك».
* باحث
307104