سيرة حافلة وعطاء متميز
الشيخ عبد الرحمن المنصور
يوسف أحمد الحسن * - 4 / 9 / 2009م - 3:48 م - العدد (51)

عندما يموت المرء فإن فترة بقائه في ذاكرة الناس تطول أو تقصر اعتمادا على مدى تأثيره فيهم عبر أعماله ونشاطاته، أو عبر عطاءاته المتنوعة، أو - أحيانا - عبر أخلاقه وتسامحه. كما يمكن أن يتذكروه عبر أبنائه وبناته بمقدار كفاءاتهم.

وعندما يكون هذا المرء مبدعا فإن الناس يتذكرونه أكثر، لكنه عندما يتوقف عن إبداعه، ولو لسنوات قليلة، فإن الناس سرعان ما ينسون ما قدمه، أو ربما لأن الجيل الذي شهد تلك الإبداعات قد ولى؛ فالناس - في الغالب - مشدودون لما هو أمامهم، ولا يتذكرون - في الغالب – إلا معاصريهم من المبدعين المستمرين في إبداعاتهم، لكن أن يكون أحدهم مبدعا، ثم يتوقف لأكثر من أربعين عاما، ثم ينتقل إلى جوار ربه، ثم بعدها لا يزال الناس يتذكرونه، ويكتبون عنه، ويمجدونه، وربما بكوا عليه، فإن ذلك - بالتأكيد - دليل على مدى حب الناس له، وتأثرهم به، كما قد يشي بعمق التأثير الذي تركه فيهم، أو عليهم.

هذا هو حال صاحب هذا الملف الذي أعددناه لهذا العدد، والذي توقف عن كتابة الشعر أو نشره – على الأقل – قبل أكثرَ من أربعين عاما، لكنه لا يزال في الذاكرة حتى الآن، أعطوه عدة أسماء منها: أول مجدد للشعر في نجد، ورائد الشعر الحديث في نجد، وأحد الرواد التنويريين في نجد، ومن رواد الشعر الحر في المملكة... إنه الشاعر الشيخ عبد الرحمن بن محمد المنصور.

يعتبر أول من كتب شعر التفعيلة في نجد رغم حبه لشعر القافية، كتب أول قصائده في العدد الأول من مجلة اليمامة التي صدرت من القاهرة عام 1372هـ-1952م تحت عنوان (أحلام الرمال) وجاء فيها:

مات الرجاء

والفجر لاح

والهَضْبِ في غلائله أقاح

وعلى الرمال النائمات على الظما

الحالمات

جفونها بالارتواء

فاح الشذا

شذا زهور لا تُرى

قد ضمها

جفن الرمال الحالمات

هي كالصدى

هز الكهوف

فتراعشت منه الذُرى

من صوته الداوي المخيف

لن يمنع الجبل الصدى الداوي

تردده الكهوف

لن تقطف الأيدي زهوراً لا تُرى

وإن زُكِمَتْ بعبيرها الوردي أنوف

ثم كتب بعد ذلك في صحف ومجلات أخرى منها صحيفة (الفجر الجديد)، ومجلة (الإشعاع)، وجريدة (أخبار الظهران)، ومجلة (صوت البحرين ) وغيرها.

وهكذا كتب الشيخ المنصور شعر التفعيلة، واستخدم الرمزية فيه، في ذلك الوقت الذي قل من كان يتجرأ على ذلك، ودفع ثمن ذلك – وغيره من المواقف - غاليا من سني حياته، بعيدا عن الأضواء والإعلام.

زامل الشيخ المنصور عددا من المسؤولين الكبار في الدولة، ومنهم وزير المعارف الأسبق الدكتور عبد العزيز بن عبد الله الخويطر، الذي وصفه بأوصاف جميلة كان منها أنه كان يقرأ كتابا واحدا كلَّ يوم، أثناء دراسته في القاهرة خلاف الكتب الدراسية، ورغم ذلك فقد كان متفوقا.

كما زامل – وعمل تحت إدارة - الشيخ ناصر المنقور، السفير السعودي الأسبق في بريطانيا، والشيخ إبراهيم العنقري الوزير الأسبق للعمل والشؤون الاجتماعية، وهو كذلك الوزير السابق للشؤون البلدية والقروية، وحسن المشاري، وزير سابق للزراعة. كما زامل - بالمعهد العلمي السعودي - الشيخ محمد بن جبير، رئيس مجلس الشورى السابق (رحمه الله)، وزامل كلا من عبد الرحمن أبا الخيل، ومحمد أبا الخيل، ويوسف الحميدان، وعبد الرحمن المرشد، وعبد العزيز القريشي، وعبد الرحمن السليمان آل الشيخ، ومقبل العيسى، وعبد الله القرعاوي، وصالح الجهيمان.

يعتبر أول من وضع نظاما للعمل والعمال في المملكة إبَّان عمله في وزارة العمل.

الشاعر الشيخ عبد الرحمن بن محمد المنصور، ولد في مدينة الزلفي عام 1340هـ - 1920م، وأقام في الأحساء حتى وفاته يوم الثلاثاء 19 صفر 1429هـ، الموافق 26 فبراير 2008م عن عمر ناهز السابعة والثمانين، وبينهما تنقل بين عدة مناطق ودول منها الرياض ومكة والقاهرة، أنجب اثني عشر ابنا وابنة جلهم من الكفاءات في مختلف التوجهات العلمية والحياتية، وهو ما يعترفون إليه بالفضل به.

كتب عنه العديد من النقاد والأدباء والشعراء أثناء حياته، وبعد رحيله نورد في هذا العدد بعضًّا منها مما سبق أن نشر في دوريات أخرى، إضافة لما كتب خصيصا للواحة.

رحم الله شاعرنا وأديبنا الكبير الأستاذ الشيخ عبد الرحمن بن محمد المنصور، وأسكنه فسيح جناته.

نائب مدير التحرير
370311