من شعر عبدالرحمن المنصور
التحرير - 4 / 9 / 2009م - 3:52 م - العدد (51)

مِيلادُ إنسان

أنعيشُ والمحرَاثُ والفأسُ الثَّليم

والأرضُ نزرعهُها ويحصدُها الغريم؟!

وكآبةٌ خَرْساءُ..

تقضمُنا على مرّ القرون

لا فرحةٌ..

لا بهجةٌ..

غيرُ الكآبة والأنينْ

والأرضُ نزرعُها ويحصدها الغريم

ربَّاهُ: هل نبقى كهذي الساقيه

أبداً تئنُّ

فصباحها كمسائها

مكلومةٌ تشكو على مرّ القرونْ

والناسُ تحسبُ شجْوها الباكي لُحونْ

فرمى أبي المحراثَ وانثالتْ شجونْ

لا تجزعي..

فلقد تُباركُنَا الحياةُ.. فتفرحينْ

وتهامَلَتْ منها دموعْ

وتلاعبتْ فيها ظنونْ

ويشبُّ في أعماقها.. لَهَبٌ حَنونْ

ربَّاهُ فاجعل بِكْرنا.. هذا الجنين

عَوْناً.. على دَهْرٍ.. تهضَّمنا خئونْ

وتمرُّ أعوام..

وحَمْلَقَ في القطيع

شيءٌ صغير

شيءٌ فظيعٌ

شيءٌ تضيقُ به الطريقُ

طفْلٌ..

ملاحمهُ..

تَمَرُّدهُ

رَضيعْ

الأصدقاء

دربُنا مُظلمٌ

وشحَتْهُ الأماني بثوبِ الرياء

فبدا مُشرقاً

وهو ليلٌ دجى

وبدا داجياً

وهو شمسُ الضُّحَى

دربُنا مُظلِمٌ

* * *

وأفاع تفحُّ على دربنا

غمست نابها بنقيع الرَّدَى

ثم مجت لُعاب الفناء

فوق زهر الرُّبى

فترنَّح ذا الزهر ثم انحنى

ولواه الردى فاتمى

* * *

فحسبنا الفحيح على دربنا

وشوشات الغصون

سكرتْ بالرؤى

وحسبنا الزُّهور التي رُنحتْ

ولواها الردى فارتمت

سكرت بالندى فانحنت

لُشعْشعَ بالطَّل نَفْحَ الشَّذَا

وتُعطِّرَ بالطيبِ فرق الرُّبى

* * *

ضاق بي دربُكم أيُّها الأصدقاء

وسئمتُ المسيرَ بدربِ الرِّياء

دربُنا مُظلمٌ

وشَّحَتْهُ الأماني.. بثوبِ الرِّياء

كُلُّنا سائرٌ

أسْكَرتهُ الرؤى

تمتمتْ بالرُّقَى

شفتاهُ.. وَغَامَ الضِّياءُ

دربُنا مُظلِمٌ

* * *

كُلُّنا ساحرٌ يجْتَلي بالرُّقَى

داجيات المُنَى..

ويواري عَنِ المُشْتَهَى

فيهزُّ عَصَا السِّحر أنَّى مَشَى

لابساً ثوبَ زُهد.. كَذئبٍ عَوَى

ضارِعاً وهو يشكو الطُّوَى

ثم قَدَّ من الليلِ جلبابَهُ الأسودا وارْتَدَى

حلْدَ مَعْز وشاء

نَعجَة ذئبنا حسبَتْهُ الرُّعاء

وكذاك الشياء

خُدعت بالثُّغاء

وَبِثَوبٍ يَلفُّ الرؤى الجائعاتْ

* * *

ضاق بي دربُكُمْ أيُّها الأصدقاء

وسئمتُ الدُّروب التي تسلكونْ

ودروب الحياة التي تعرفونْ

ودروب الرؤى الجائعات

* * *

دربُنا لُجةٌ

طافعٌ بالدماء

بدموع الأسى

من جراح القلوب

عصرتْها الحياة

* * *

أمْسُنا مائتٌ ضَائعٌ

يومُنا لاهثٌ جائعٌ

عدنا المُقبلُ اللَّامعُ

مثل شَمْعٍ يّذوبُ

أو سراب بعيد

إن دنا يحتضر

وتحثُّ المسيرَ وراء السرابِ البعيد

* * *

وجراحٌ تئنُّ على دربنا

زاحفاتٌ على مَنْكَبْي أمسِنا

روعَّت يومنا اللاهثا

وسراب الرُّؤى

قد بدا

لامعاً كالضُّحَى

فحثثنا الخُطَى

وركضْنَا وراء السَّرابِ البعيد!!

صَرْخَةُ الكوخ

زار الشاعر إحدى معسكرات اللاجئين العرب في «غزة» وتأثر من تلك المشاهدات الحزينة المؤلمة، فانبرى على مزمار شعره ينفثُ الآهات والحسرات المتقطعة، وخيل إليه أن تلك «العجوز» التي تحمل بين أضلعها الحقد المرير، كأُنثى أسد تُدرب أولئك الصغار على الثأر والانتقام من تلك العصابة الرهيبة..

صُراخُ الجياع

يشق الفضاء

وأنَّاتُهُمْ تَحْفر الهاويه

وأكواخُنا الحاقداتُ

على القَصْر.. تَرْنوا.. بِذلّه

ولكنها.. تحلُم!

بيوم.. جديد

بيومٍ.. تصيرُ..قصوراً

* * *

وفي كوخنا إخوتي.. يجأرونْ

نُريدُ طعاماً

نُريدُ كِساء

نُريد عَمَل!!..

* * *

لماذا أبي..عاجزٌ..كسولْ!!

وجيرانُنا ينْعَمون

وهم عاطلون

وابناؤهم يَمْرَحون!

يشيحون عنَّا.. بأبصارهم

على ظلِّنَا.. يَبْصقون!!

إذا ما رأوا ظِلَّنَا!!

يقولون.. أنت فقير

وأنت.. حقير

وأنت؟!!

أليسَ لهم.. والِد مثلَنا؟

وأمّ؟!

ويا أُمُّ.. هَلْ ربُّهم مَلكٌ

شجاعٌ.. طَمْوحٌ.. غني!!

وهل ربُّنَا.. مثلُنَا.. مُحْتَقَر؟!!

ولكنَّ أُمي بنا تصْرُخُ

تعالى الإلهُ؟!

هُمْ.. سرقوا حَقَّكُمْ

ألا ليتني.. لَمْ ألِد مثلَكُم؟

فأنتمْ.. عبيدٌ

إلى الهاوية!!

وأُمِّي.. تكادُ من الحقد أظفارُها

تُمَزِّقُ أوجهنا.. الخاوية

وأمي.. الحنون.. غدت

كبنات الهصورا

تُعَلِّمُ.. أشبالَها..

اللُّعب الضَّارية

فتَغْصبُ الشء.. من بينهم

وتنهشُ.. مَنْ لم يثُر..

يُدَافعُ.. عن حقه المغتصب

ويُنشب مخْلَبُه الغضّ في جِلْدِها

وأنيابه.. بيدي أمّهُ.. الغاصبة

ويَلْطُمُها.. لطمات الحقود

كأنّ الوغى.. بينهم صاخبة!!

* * *

هكذا.. نحنُ في كوخنا

كَعَرينة أُسد.. تُحبُّ الدِّماء

دما الطامعين بنا

ودما المعتدين على حقِّنا

في الحياة

الشبحُ المذعور

«أصبتُ بحُمَّى مُطبقة أسلمتني للأشباح والأوهام لحظات مُخيفة، كان من وحيها هذه الصور التي أجلوها لك كما تراءت لي».

كُلَّما أضاء نجمٌ

دق ناقوسُ الخطرْ!

واحتدامٌ في النفوس، يستعر!

وحُقودٌ تتشظَّى

مثلما تنقضُّ شُهْبٌ!

في دياجير الظلام

* * *

فإذا الليلُ انتفاضات جنون مُرعبة!

وإذا أشباحُهُ مذعورةق مُرتجفة!

روَّعتها في الظلامِ الرُّجم.

في ظلام الليل والصمت الرهيب!

شبحٌ بالليل جبّارٌ مُهيب!

يحرُسُ الأشباحَ في ذُعْر مُريبْ!

يَرْقُبُ الآفاق كالراعي الغريبْ!

* * *

كلما أضاء نجمٌ

دقَّ ناقوس الخطر!

أو كلص خافق النظرةِ في بُرديه ذيبْ!

نَهمٌ، مخلبهُ -عطشانُ- بالدم خضيبْ!

عاثَ بالشَّاء ولكن...

ليس للذِّئب رقيبْ!

ليس للشاء رُعاةْ!

إن دعتْهَا في دُجى الخَطْبِ تُجيبْ!

ليس للذئب رقيبْ!

* * *

غيرُ أشباح من الخوف تراءتْ كاليقينْ!

كالحات تَرْتَدي ثوبَ المنونْ!

تشربُ الحقدَ، وتقتاتُ الجنون

أفْزَعتهُ للرُّعاة النائمين!

لعبَ الوهمُ بجفنيه.. يَرَى

في اختلاج الريح

أو همس الغصون!

زَحْفُ جيش

صاخب يحتشدْ!

أنات لاجئ

إلى المشردين في أوطانهم

«قيلت على لسان لاجئ عربي، عندما شاهد عصابة يهودية تنقضُّ على مدينته الآمنة (الناصرة) وتلهب ظهور النساء والأطفال بالسياط، بينما وقفت عصابة ثانية ترسل حُمَم النار على تلك المدينة، فقال هذا الشعر الثائر باعثاً حقده وغضبه العارم، على تلك العصابة الآثمة التي اغتصبت وطنه العربي السليب فلسطين الشهيدة».

وَتَثَاقَلضتْ نفسي تُدَمْدِمُ في الطريقْ

شَعْثَاء، جَلَّلها غُبَارُ الراكضينْ

الراكضينَ بلا ضميرْ..

الراكضينَ... بلا عقولْ

الراكضينَ... مع الرياحِ..

أنَّى تميلْ

* * *

أنْفَاسُهم فيها... عَذَاب

أيْديهمُ.. ظُفْرٌ وَنَابْ

يُمَزِّقونَ... وينهشونْ

كُلَّ المشاةِ... عَلَى الطريقْ

* * *

خلتُ المسالك والدروبْ

أحجارُها... آذانُهم

وتُرابُها... حِقْدٌ يذوبْ

* * *

... لا يعرفونَ مِنَ الحياةِ

غير الدماء...

غيرَ المجازرِ والشياهْ

غيرَ السياط... تسوقُنا

نَحْنُ العبيدْ

* * *

ربَّاهُ... هل سخرتنا

كيما نُصفَّدُ بالقيودْ

ربَّاهُ... هل أذْللتَنا

كيما نُسادَ ولا نسودْ؟

* * *

ربَّاهُ هل أعميتنا،

لنرى الظلامَ... سَنا الوجودْ

ربَّاهُ... هلْ مِنْ حكمة

توحي بها هذي القيودْ

ربَّاهُ... هل من حكمة

في أن نُذَل ولا نسودْ

ربَّاهُ... هل من حكمةٍ

أخفيتها...

فخلقتَ للقيد العبيدْ

وظهروهم

للسوط... يلهبها.. إذا قالوا نُريدْ!

ربَّاهُ... هذا صُنْعُنا

لكننا

حَمْقَى وعالمنا... بَلِيدْ

أنا وأنت...

بمناسبة الوضع الراهن في الأردن -ثارت ثائرة الشباب الأردني الحر على الاستعمار، والأحلاف الاستعمارية، وعملاء المستعمرين، فتخيل الشاعر نفسه وسط ذلك الجو الصاخب الملتهب، الذي كان إلى الأمس القريب يبدو هادئاً بالرغم مما تنطوي عليه نفسه من حقد وكراهية للخونة- فراح يردد هذه الأبيات.

أداجيكم ذاهلاً عن حقيقتي الراعبة

وأكتُم حقدي

ونفسي من الحقد كالهوَّة اللاهبه

وأبدو رضيًّا كأني ملاك

ونفسي من الحقد... من بغضكم.. صاخبه

وأبدو كنهر رخي المسير جرى ضاحكاً

يُداعبُ بالشدو خُضْرَ الضفافِ

ويحنو على الرابيه

ولو تكشف السر أعماقه

فكم غمر النهر من جثة شاحبه

ولكنه قد جرى ضاحكاً..

ولم يشك أن طهره دنسته يد خاطئة

كذلك أنت تراني

إليك ابتسامي.. وللنوح أعماقيه

وأبدو كبحر

عميق تدفق أمواجه

على الشط تَعْبثُ بالرمل كالصبية اللاعبه

وفي جوفه نهم جائع

ولجته هُوةٌ للردى.. ساغبه

كذلك نفسي بدت مثله

وفي طيّها نفسي الراعبه

وقلبي... يُميتُ الملامح كالليلِ... يمحو الضياء

ويطوي المسالك في بُرْده

ويخفي البشاعة في مُجْدَب

ويخي رُؤى الحسن في مَرْجِه

ولكن شذا المرج هل ينطفي

وزهر الروابي هل تَذْبَلُ؟

إذا لفَّها الليل في بُرْده؟

وذيل النسيم بها يعبقُ

كذلك نفسي يفوح شَذَاها

إذا كان فيها زهورٌ وطيب

وإن أفزعت أعيناً.. جثة في العراء

طواها الدُّجَى برداً مظلم

فإن كان عِرْفُ النسيم يفوح من النتن كالجثة

فلا تحمد الليل.. إذ هي في الليل قد تختفي

ولكن تنم الرياح.. عن الميت المختفي

كذلك نفسي يفوح أذاها

إذا كُنتُ فيها زرعت الرمم

وبيضُ المسالك هل تنطمس

إذا الفجر وشَّى الأعالي بسحر الغلس

وذاب الظلام على نوره المنبجس

وفر من الذعر كالمختلس

كذلك نفسي إذا أنطقُ

ترى مظلماً كالدجى.. يشرق

ومثل كلامي غمام.. جهام

تحجر لا يمطر

ومثل وعودي برق خلوب

تراه الرياض فتستبشر

ولكنه أمرٌ ضائعٌ

وحلم نيامٍ.. إذا استيقظوا.. ينفر

 

حرمان

(مهداة إلى أخي الكريم عبدالعزيز بن معمر)

أنا ظَمْآنُ ولكن

 جرحَ القيدُ يَدَيَّا

 

ومياه النَّهْرِ حَوْلي

 عَذْبةٌ تَرْنُو إليَّا

 

يا تُرى تَسْخَرُ مني؟

 أم تُرى تَحْنو عَلَيَّا

 

لَسْتُ أدري غَيْرَ أنّي

 جَرحَ القَيْدُ يَدَيَّا

 

* * *

 

والضِّفافُ الخُضْرُ حَوْلي

 تَنْشُرُ العِطرَ نَدِيَّا

 

والرَّوابي ضَاحِكَاتٌ

 زَهْرُهَا يَنْضَحُ ريَّا

 

وطيورُ الروضِ فيه

 تنشِد اللَّحنَ شَجِيَّا

 

وأنا أبكي وقَلْبي

 لَهَبُ النَّارِ وَرِيَّا

 

كذبيحِ الطَّيْرِ خفَّاقاً

 على الأرضِ رَدِيَّا

 

* * *

 

يا تُرَى تَضْحَكُ مني؟

 أم تُرَى تَحْنُو عَلَيَّا

 

لَسْتُ أدري غَيْرَ أنِّي

 جَرَحَ القَيْدُ يَدَيَّا

 

وَمِيَاهُ النَّهْرِ لا تَروي

 غَليلي الأبَدِيَّا

 

والرَّوَابي الخُضْرُ مَحلٌ

 حُسْنُها في نَاظرَيَّا

 

والأغاريدُ نَحَيبٌ

 مُعْوِلٌ في مَسْمَعَيَّا

 

أنا ظَمْآنُ وَلَكنْ

 جَرَحَ القَيْدُ يَدَيَّا

 

* * *

 

طالَ ليلي وَنَهاري

 دَامَ جَهْماً سَرْمَديَّا

 

نِلْتُ مَا أبْغي وَلَكنْ

 خِلْتُني مَائِلتُ شيَّا!

370314