رحم الله عبد الرحمن المنصور
د. عبد العزيز بن عبد الله الخويطر - 4 / 9 / 2009م - 4:00 م - العدد (51)

كنا ثلاثة زملاء في غرفة واحدة، في دار البعثة في مصر بشارع المنيل: هاشم شقدار، عبد الرحمن بن محمد المنصور، عبد العزيز الخويطر، كنا منسجمين، وبيننا تعاون في توافر الهدوء، ولنا مداعباتنا، ولكل منا نهجه في المذاكرة، وأوقات الراحة. وكان يأتي إلينا من الإسكندرية في وقت الإجازات مصطفى مير، ابن خالة هاشم، فيضفي جوًّا مرحا مع الجو المرح الذي كنا فيه.

اختار الموت حتى اليوم ثلاثتهم، وبقيت كما يقول علي الجارم -رحمه الله-:

تولى عهدهم وبقيت وحدي أقلِّب طرف عيني في السماء

رثيتُهُمُ فأدمى الحزن قلبي فهل ندبٌ يخف إلى رثائي؟ 

إلى أن يقول وهو يمثل ما نحس به عندما نفقد زميلاً أو صديقا أو عزيزًا:

وناديت الصحاب فبُحّ صوتي وعاد إلي مكدودا ندائي

تفرِّقنا الحياة فإن أردنا لقاء لم نجد غير الفناء  

بدأ الأخ عبد الرحمن في طلب العلم منذ أن كان صغيرا، ترك مسقط رأسه >الزلفي<، وانتقل إلى الرياض يجري خلف غذاء الفكر، وهذه الخطوة أوصلته إلى مكة، حيث رأى حضارة لم يرها في نجد في تلك الأيام، ووجد بغيته في أن ينهل من معين نمير وجدِّ في الدراسة في مكة، ومن هذه المرحلة خطا خطوات وئيدة أوصلته مبتعثًا على حساب الدولة إلى القاهرة، فالتحق بكلية اللغة العربية بالأزهر، ولتميزه عند التخرج سمح له بالالتحاق بمعهد التربية ليحصل على دبلومه الذي يؤهله لأن يكون مدرسا.

عاد إلى المملكة، ولم يلتحق بوزارة المعارف كما كان متوقعا، ولكنه التحق بوزارة العمل، فبدأ حياته مفتشا فيها، ووصل فيها إلى مدير عام. ثم خرج من السلك الحكومي، وعمل في الأعمال الحرة، وهذه أبعدته عنا؛ إذ عاش في الأحساء.

كان يحب القراءة، فلا تكاد تراه - عندما كان طالبًا - إلا وفي يده كتاب، ويكاد يقرأ كتابا في كل يوم، وهذه قراءة حرة لا تمت إلى دراسته بسبب، كان يحب قراءة كتب الفلسفة، والمنطق والفكر، ووجد في الكتب المترجمة - وسوقها مزدهر في مصر حينئذ - بغيته، واعتلى في علمه وثقافته فكان متقدما عن المرحلة الدراسية التي هو فيها، ولهذا لم يكن يواظب على الدوام الدراسي، ومع هذا كانت نتائجه في الامتحان باهرة، وكان متقدما في فكره وثقافته، وإذا قرأ كتابا همش عليه بآرائه التي ينقض بها آراء بعض فلاسفة العصر، ومن سبقهم.

كنا ننام وهو يقظ، ولا ينام إلا عند طلوع الفجر، وهو مطمئن لأن كليَّته لا تطالبه بحضور منتظم، وكان له صديق يمده بالمذكرات، التي تعد تحت مستوى تفكيره وثقافته، وكان شاعرا متميزا، ولكنه كان مقلا، وكان مبدعا في الشعر الحديث أيضا، وله فيه طرق تعد بدءاً وبدعاً في زمننا ذاك.

رحم الله أبا محمد، فقد مر بهذه الدنيا مرور البرق، وكان عقلا وذهنا أكثر منه رجلا يمشي على قدمين.

أسكنه الله فسيح جناته، وأعظم الأجر لأهله جميعا، ولبناته اللاتي ربَّاهن أحسن تربية وعلمهن تعليما، أراح نفسه، وطمأنه عليهن. و﴿إِنَّا لِلّـهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعونَ

جريدة الجزيرة العدد 12937، الجمعة 22 صفر 1429هـ
370314