الشاعر المجهول
عبد الرحمن محمد المنصور
محمد حمد الصويغ * - 4 / 9 / 2009م - 4:02 م - العدد (51)

وأزعم أنه عاش مجهولا في حياته وبعد موته رغم أنه انتزع ريادة الشعر في نجد عند توهجه وإبداعه، لم يصدر ديوانه المخطوط، وقد همست في آذان أنجاله أن يطلقوه من عقاله، وينشروه؛ حتى تَعُمَّ فائدتُه المرجوة على تلاميذه، ومريديه داخل البلاد وخارجها، وأكاد أجهل الأسباب الكامنة وراء صمته الغريب قبل انتقاله إلى الرفيق الأعلى بنحو أربعين سنة مضت، وحتى أثناء بزوغ شهرته وقتذاك؛ فإنه كان مقلاًّ، وعزوفا عن النشر، وبعيدًا عن الأضواء؛ لكراهيته المعهودة لها، ويعتبر المنصور - كما أكد معظم النقاد والأدباء ممن عاصروه - أوَّل مجدد للشعر في نجد، أو هو في طليعتهم إن صح القول، وقد نشر نتاجه الأول في عدد من الإصدارات المحتجبة؛ مثل الفجر الجديد، وأخبار الظهران، ولكنه اعتزل كتابة الشعر ونشره منذ عام 1964 لأسباب لا أزال أجهلها، وقد نعتَه النقاد برائد الشعر الحديث في نجد منذ أن نشر قصيدته الشهيرة (أحلام الرمال) في صحيفة (اليمامة)، عندما كانت جريدة أسبوعية يترأسها علامة الجزيرة الشيخ حمد الجاسر (يرحمه الله).

لقد كان الرجل متمرِّدًا عنيدًا على أنماط الشعر السائدة في زمنه، ويغلب على شــعره النــمط الرمزي رغم استغراقه في عوالم “الواقعية الاجتماعية” إن جاز التعبير، وأظنُّ ظنًّا لا يخامره الشك؛ أنه تأثر - أثناء قراءاته - بالمدرسة الرمزية الغربية التي تتجلى بوضوح في كل عطاءاته الأولى، فقد استبدل التفعلية عوضا عن القافية في الشعر التقليدي، غير أن ذلك لم يؤثر على شاعريته المحلقة في أجواء الرمزية التي شغف بمناحيها العديدة، ومارسها بحذق ومهارة، ورغم أنه أول من نشر قصيدة تفعيلة في المملكة إلا أنه كان شغوفا بالشعر التقليدي، ويحفظ أشعار المتنبي عن ظهر قلب، كما سمعت، ولعل المتفحِّصَ لأشعاره يدرك، لأول وهلة؛ أن الرجل يمتاز بحس إنساني مرهف، ودقة متناهية في التعبير عن طموحات جيله، وأحلامهم، فالشاعر أحد الرواد التنويريين في نجد، اضطلع بمهمة تجديد القصيدة العربية، وتطويرها، وتحريرها من نمطها التقليدي، وقد تأثر بشكل يكاد يكون مباشرا، إضافة إلى تأثُّره بالمدارس الشعرية الغربيــة، وبشعراء التفعيلة في العراق، وعلى رأسهم بدر شاكر السياب ونازك الملائكة.

ويتــسم شعــر المنصور بواقعية عميقة تَمكَّن بها من «تشخيص تصويري» لكل معالجاته الشعرية بثوابت متَّزنة، وميل إلى استخدام الرمز، أحيانا، وفي الحالتين معًا فانه برع - أيما براعة - في تحديده الواضح لشكل القصيدة العربية، وبنيتها الداخلية، وقد تميزت قصائدُه بالصدق الفني، والكلمــات التــي تحمل أكثر من معنى، كما تميزت بتصوير دقيق لمشاعره، وأميل - كل الميل - إلى القول بأن ملامح شعره شبيهة، إلى حد كبير، بملامح الشاعرة العراقية نازك الملائكة من حيث الاتجاهات الفنية، وممارسة الرمز، وعوامل الصدق الفني تكاد تكون واضحة في مجمل ما كتب من أشعار، فالمنصور يُعدُّ -في هذه الحالة - من أوائل كتاب قصيدة التفعيلة في الجزيرة العربية، وأحد روَّادها، فشاعريته كانت مبكرة، وتأثره بالشعر الغربي الحديث وشعراء التفعيلة في العراق واضحة تماما، وقد عرف عنه (يرحمه الله) تعلقه الواعي بكل المستجدات والمتغيرات في عصره، وسعيه لتجديد شكل القصيدة التقليدية، وانفتاحه على مختلِف النصوص الشعرية الحديثة، ورمزيته تكاد تتعانق مع المدرسة الرمزية الألمانية تحديدًا.

ورغم صمته الطويل عن قول الشعر وكتابته لفترة ربما ناهزت الأربعين عاما، إلا أنه سيبقى شاعرا صدَّاحا؛ فقد جمدت الكلمة على شفتيه بعد أن تركها، فكان قاسيًا على موهبته، وقد عطَّلها فعلاً، ولكن العربية خسرته كأحد فرسانها المشاهير، والشعر، بالتحديد، خسره كأحد أساطينه المعدودين في نجد، فقد تمرد على الأنماط القديمة للشعر في عصره، وهو تمرد أدى إلى تطويرٍ فِعليٍّ للقصيدة، وتحريرها من جمودها وفقا لتجربته الشعرية المحسوسة؛ فقد غلَّفها بروحه الرومانسية الحزينة، المحلقة في عالم الواقعية الاجتماعية، فأسفر ذلك عن قوة تصوير تجلَّت في معظم أشعاره التي نشر معظمها في الصحف السعودية التي احتجب بعضها.

ويكاد المنصور - بشهادة العديد من النقاد - يكون أول من أدخل الرمز إلى الأدب السعودي المعاصر، والغموض في شعره، وليس الرمز، ربما يعود أساسا إلى قراءاته الأولى لرواد الحداثة في الشرق والغرب، فهو يرى أن الشعر الرمزي يعبر عن الحرية، ويطلق الشاعــر من قيود القافية، ومن قيود الوضوح إلى الغموض حيث التلميح لا التصريح، وحيث السباحة في عوالم الحرية دون حدود أو سدود.

المنصور، إذن، يُعدُّ من رواد الشعر الحر في المملكة، وله أثر واضح في تشكيل الملامح الأولى لمولد هذا النوع من الشعر استنادا إلى تجارب شعرية فياضة، وخبرات مستقاة من قراءات فاحصة لأساطين الشعر الحر من العرب وغيرهم، فقد شعر أقرانه من الشعراء بنمو تجربته الشعرية، ومن ثَمَّ انطلاقتها وتوهجها سواء أثناء دراسته الجامعية، أو بعد عودته إلى وطنه، ولاسيما أن نمو تلك التجربة تمخضت - كما أرى - من تنوع قراءاته، ودراساته، وتطويع لغته لشعر رفيع في معانيه، ورفيع في تصويره لمشاعره الصادقة، وتجاربه الإنسانية، فالشاعر - من هذا المنطلق - احتل مكانة بارزة في خارطة الشعر السعودي المعاصر، ومازال يحتلها بوصفه أحد رواد الشعر الحر والحداثة في نجد، وبوصفه أول المطوِّرين، والمجددين، والمحررين لأنماط القصيدة التقليدية، وتكاد تجربته الشعرية المبكرة تنضح بملامح كبار الشعراء المحدثين في العالم، فقد تجسدت في أشعاره موجات من التطوير، والتحديث يكاد يلمسها من يتصفح شعره لمسا، كما إنه استطاع أن يُسخِّر لغته الشاعرة لأغراض واقعية اجتماعية مليئة بالحيوية والتصوير والصدق، فهو مجدِّدٌ في شعره وفي توظيف خصائصه الفنية لتلك الأغراض.

قاص، وشاعر - السعودية
370314