البلدات معروفة والعيب في الترجمة
تعقيبًا على مقالة: القطيف - رحلات ميدانية إلى بلدات مجهولة
عدنان السيد محمد العوامي * - 12 / 10 / 2007م - 2:34 م - العدد (45)

توطئة
على مدى حلقات أربع نشرت في هذه المجلة(1) عَرضتُ فيها لأخطاء فادحة شَوَّهت وحَرَّفَت العديدَ من أسماء بلدان الخليج من عمان في الجنوب حتى أقصى الساحل في الشمال حيث الكويت والبصرة، وكان المنتظر أن تلفت تلك التحريفات نظر المهتمين فيبادروا إلى تتبع الكتب المترجمة الأخرى؛ ويصححوا ما قد يكون وقع بها من أخطاء وتحريفات، لاسيما تلك التي تُرجِمت من قبل مترجمين ليسوا من أهل المنطقة. كان هذا ما توخيته، وتمنيته، لكن المفاجأة جاءت على النقيض تمامًا، فقد نَشرت هذه المجلة في عددها الماضي (الرابع والأربعين) للربع الأول من عام 2007م، مقالاً بعنوان: (القطيف، رحلات ميدانية لبلدات مجهولة)، للباحث الآثاري الأستاذ أحمد مكي الغانم، ومدار المقال على قرى وبلدات كشفها الرحالة الأجانب لم تكن معروفة له من قبل، ولم يتطرق لذكرها أيٌّ من الكتاب، أو المؤرخين المحليين، ولذا فهو يرجع الفضل في معرفته بها لأولئك الرحالة، فيلخص رأيه في هذه المسألة بوضوح فيقول: «مهما كانت نظرتنا للغربيين، الذين جابوا أرضنا العربية، نقول صادقين بشكرهم، على ما حفظوه لنا من مواقع جغرافية لو لا هم لما تمكنا من الوقوف عليها في أيامنا هذه».
الأستاذ الغانم باحث ممارس، وذو باع وتجربة طويلتين في التحقيقات الجغرافية والآثارية، وقد نَشرت له المجلة عددًا من البحوث الميدانية، ومع ذلك فهذا رأيه في تلك الأخطاء، حتى عدها مكتشفات، وخطورة هذه النظرة تكمن في كون هذا الرأي يأتي من متخصص، وليس من شخص آخر. على كل حال فإن المجلة تؤمن بواجبها في نشر الرأي مهما اختلفت معه فيه، وحق القارئ في الإطلاع لأنه هو -وليس المجلة- صاحب الحق والحكم على ما تنشره، وفي المقابل ترى أن من واجبها، كذلك، الاهتمام بما تنشره من آراء، ومناقشة ما تود مناقشته منها، وعدم إهمالها تحت أية ذريعة، ومعوَّلها، أولاً وأخيرًا، على سعة أفق الكاتب، وكرمه، بقبول الرأي المقابل، ولأن مقال الأخ الغانم جاء اعتراضًا ضمنيًّا على تصويبات أبديتها لأسماء واردة في كتب معربة، ومع أن ذلك الاعتراض جاء تمليحًا لبقًا مهذبًا بعيد الرمي. لكنه شديد الوضوح لاسيما في إشارته إلى بلد اسمه: (“خاته أو خواته” يصنع به نوع من النصال تسمى النصال الخاتية)، وإلى (حجر أو الحجر)، فقد وجدتني، بدون قصد، أحد المعنيين بعبارته: «والبعض من أبناء القطيف يعتقدونها “الخط”»، فقد كان رأيي أن عبارة: «خواته، أو خاته، وفيها كان: يصنع نوع من النصال يعرف بالنصال الخاتية» تصحيف عن: «الخط، ويصنع بها نوع من الرماح يعرف بالرماح الخطية»، وأن (حجر) صوابها (هجر)، والواضح أن الأخ الغانم لم يقتنع بهذا التصويب، ويرى عكسه تمامًا بأنها -وكثيرٌ غيرها مما أشار إليه في المقال- بلدات مجهولة كشف الغطاء عنها الرحالة الأجانب، أو أن أسماءها كانت على حسب ما كتبوه ولكنها تغيرت فيما بعد أو حرفت، وكما إن وجهة النظر هذه حق للكاتب لا مشاحَّة فيها، حتى مع تعارضها مع قاعدة (أهل مكة أدرى بشعابها)، فإن لغيره، أيضًا الحق في مخالفته الرأي شريطة الاحتكام إلى الدليل والبرهان.
اختار الأستاذ الغانم، مما ورد في مقالاتي الأربعة اسمين فقط وهما: (خواته أو خاته، وحجر)، فقال بصددهما: «يحكى أن ريف القطيف قديماً، كان متصلاً بريف الأحساء... حقيقة لا نملك تاريخًا يذكر ذلك، حيث أن من سبقنا لم يتركوا لنا شيئًا يوضحه، بلدات معلومة وأخرى مجهولة، لعلها مذكورة بأسماء جديدة، ويدلل على ذلك ما جاء في كتابات الغربيين من الذين زاروا المنطقة... يعزز ذلك قول أفراد من كبار السن بالقطيف، وما جاءت به مصورات وتقارير قديمة، عثمانية وغير عثمانية، بلدات ما زلنا عاجزين عن تحديد مواقع أو أماكن تواجدها، تاريخها حلقات مترابطة... بعض السجلات العثمانية تلتقي وأقوال البعض من كبار السن بالقطيف، وفيه جواب شافٍ للسؤال...
فيما يلي سوف نأتي على ذكر بلدات تابعة للقطيف، وهي من قديم الزمان، وجاء ذكرها في سجلات غربية وعثمانية، مسورة مثل: (ييم - أم لقمان)، وغير مسورة من أمثال (ملحة - لفوه - شعي التوب) الأخيرة نظنها بلدة التوبي حاليًّا، أما شعي البري فنعتقدها، هي المنطقة المعروفة في أيامنا بالحشيفية. ومن البلدات المندرسة، ولم أسمع أحد في أيامنا، جاء على ذكرها (خواته - أو “خاته”، وفيها كان: يصنع نوع من النصال يعرف بالنصال الخاتية، ويذكر أنها من بلدات القطيف الشمالية. البعض من أبناء القطيف يعتقدونها “الخط“ مستشهداً بترجمة (أنس الرفاعي) لرحلة سادليير - الطبعة الأولى عام 1403هـ. 
بحثت عن هذه الترجمة ولم أعثر عليها بأي مكتبة من مكتبات البلاد، وبعض مناطق الخليج العربي، والحال ذاته بالنسبة لبلدة “الحجر” التي عدها صاحبنا - هجر. بنفس الشيء من هذا القول، لأن الحجر هنا المقصود بها حجر جزيرة أوال - البحرين في وقتنا الحاضر. تاريخ الخليج لمؤلفه  أرنولد ت ويلسون».
واضح، من هذا المقتطف من مقالة الأخ الغانم أنه يصنف تلك البلدات، أو القرى إلى صنفين اثنين، أحدهما مجهول اكتشفه الرحالة على حين لم يذكر لنا أحد قبلهم شيئًا عنه؛ مثل: (خاته)، أو (خواته)، و(ييم)، و(أم لقمان)، و(ملحة) و(لفوه)، والآخر معروف لكن اسمه القديم حرِّف، وأعاده أولئك الرحالة سيرته الأولى، مثل: (شعي التوب). التي ظنها بلدة التوبي حاليًّا، و(شعي البري) التي اعتقد أنها المنطقة المعروفة بـ(الحشيفية).
هذه هي خلاصة رأيه في أسماء تلك المواقع. ولكَم تمنيت، صادقًا، لو أن الأخ الغانم لم يتسرع بهذه الصورة الجازمة الحاسمة، ولم يتعب نفسه في البحث عن طبعة (1403هـ) من ترجمة أنس الرفاعي لرحلة (سادليير) أو سادلير، فهي ليست المصدر الذي اعتمدتُ عليه في زعمي بأن (خاته أو خواته) هي (الخط)، ولا صلة لتلك الرحلة بالموضوع أصلاً، إذ لم يرد فيها ما يشير إلى (خاته، أو خواته) من قريب ولا من بعيد، ولو انه دقق في ما كتبته لوجد أنني أناقش ذات الكتاب الذي أشار هو إليه، وهو كتاب الخليج العربي لأرنولد ت. ويلسون، وقد ناقشت ترجمتيه اللتين في حوزتي، وإحداهما قام بها الدكتور عبد القادر يوسف، ونشرتها مكتبة الأمل، ومؤسسة فهد المرزوق الصحفية في الكويت، والثانية صنعها الدكتور محمد أمين عبد الله، ونشرتها وزارة التراث القومي والثقافة بسلطنة عمان، ولدي من هذه الترجمة الأخيرة الطبعة الثالثة، وهي مؤرخة في 1409هـ 1988م، ولعل الأخ الغانم لو قابل كلتا الترجمتين على بعضهما، فلربما أتحفنا برأي آخر يقول بوجود بلدة ثالثة هي (خاثا) يضيفها إلى (خاته، أو خواته)، فالترجمة التي اعتمد عليها - كما يبدو من الألفاظ التي عرضها - هي ترجمة محمد أمين عبد الله، لأن هاتين اللفظتين (خاته، وخواته) لم تردا إلا فيها، فهي تقول بالنص: «وبعد مرور قرن من الزمن على هذا التاريخ كتب ناصري ادريس الذي لم تكن له معرفة شخصية بالمنطقة (وبالأحرى جزء يقع على الشرق من آسيا الصغرى) كتب عن المنطقة، ولكنه لم يضف جديدًا عن تلك المعلومات، وإن كان قد ذكر بأنه في زمانه كان من الصعب الانتقال بطريق البر من صحار في عمان إلى البحرين (والمسافة بينهما مسيرة عشرين يومًا)، ويرجع ذلك إلى حالة الحرب والصراعات المستديمة بين القبائل العربية بحيث كان يتعذر على الناس الانتقال من منطقة إلى أخرى أو نقل أمتعتهم. ثم مضى هذا الكاتب يتحدث عن البلاد الواقعة شمال القطيف وتقيم فيها قبيلة عمر بن ربيعة، ويقول بأن من بين مناطق البحرين منطقة الحجر والقطيف وخواته أو خاته حيث يصنع نوع من النصال يعرف بالنصال الخاتيه كما يقول(2)».
حين ندقق في مفردات الفقرة السابقة من ترجمة د. محمد أمين عبد الله، وهي مرجع الأخ الغانم، كما أظن، نتبين أن الخطأ في هذه الفقرة - لم يقتصر على (خاته أو خواته) - وإنما نراها مضطربة، وملتبسة، ومشوَّشة مقارنة بترجمة الدكتور عبد القادر يوسف. يقول نص ترجمة الدكتور عبد القادر يوسف لذات الفقرة: «وبعد قرن من الزمان من تاريخ ناصر خسرو؛ كتب الإدريسي، ولكنه لم يضف لمعرفتنا غير القليل ... ولكنه يقول لنا إنه كان من الصعوبة بمكان، في أيامه، أن يسافَر بالبر من صحار في عمان إلى البحرين ... ويتكلم عن البلاد الواقعة شمال القطيف التي  تسكنها قبيلة أمير ربيعة، ويذكر من بين مدن البحرين: هجر والقطيف والأحساء وخاثا، وفي هذا المكان الأخير تصنع الحراب المشهورة باسم خاثيا(3)».
في ترجمة الدكتور محمد أمين عبد الله اندغم (ناصر خسرو) في (الإدريسي) فكوَّنا شخصًا واحدًا هو (ناصري إدريس)، و(أمير قبيلة ربيعة)، تخلى عن كرسي الإمارة، قانعًا بالاسم الذي اختاره له الدكتور محمد أمين عبد الله، وهو: (عمر بن ربيعة). أما التي ظنها (الحجر)، وظاهَرَه علينا صديقنا الغانم، فهي (هجر)، في ترجمة الدكتور عبد القادر يوسف، وليست (حجر أوال)، كما توهَّم الصديق الغانم. أما (خاته) عند محمد أمين عبد الله فزيدت بها نقطة ثالثة عند الدكتور عبد القادر حولتها إلى (خاثا)، و(النصال الخاتيه) عند الدكتور محمد أمين عبد الله صارت عند عبد القادر يوسف «حرابًا مشهورة باسم “خاثيا”»، على حين بقيت (خواته) وحيدة فريدة. الكتاب واحد، والمؤلف واحد والأشخاص والمواضع التي يتحدث عنها ذلك الكتاب هي هي، فما رأي الأخ الباحث في هذه الاختلافات؟ وهل سيأخذ بصواب (خاته أو خواته)، كما هي عند الدكتور محمد أمين عبد الله؟ أم سيضيف إليها (خاثا) حسب ترجمة عبد القادر يوسف؟ و(حجر) هل ستبقى كما هي عند محمد أمين عبد الله، أم ستعود (هجر) كما يعرفها الناس؟
لا يخالجني أدنى شك في أن (خاته وخواته وخاثا) ما هي إلا ترجمات بائسة للفظة الإنجليزية (Khatt)، وهي التهجية الإنجليزية للفظة (الخط) العربية. إنَّ من لديه أدنى معرفة باللغة الإنجليزية يعلم خلو تلك اللغة من صوتي (الخاء والطاء) العربيين، ولذا فهم يستعيضون في رسم الصوت (خ) بالحرفين: (KH) معًا، وعن الصوت (ط) بالحرف (T) مكررًا، وكذلك (النصال) و(الحراب) هي ترجمة للكلمة الإنجليزية (Spears)، ومعناها في العربية (الرماح).
بقي سؤال لا غنى عن طرحه في هذا السياق، وهو: من أين جاء ويلسون بمعلوماته عن (خاته أو خواته)، وعن النصال الخاتية، وحجر؟ المعروف أن ويلسون من أهل القرن الواحد والعشرين، وهو عصر أصبحت فيه النصال والحراب من ذكريات الأزمنة الغابرة، لذلك ينبغي ألا نفكر، مطلقًا، في أنه نقل لنا، بعباراته تلك، مشاهداته الشخصية في تلك البلدات، وعلينا أن نبحث عن مصدر معلوماته عن (خاته أو خواته أو خاثا)؟ فهو لم يبتكرها خياله الخصب؟ وإنما اعتمد فيها على مصدر بعينه. المتأمل في ما نقلنا من نص كلامه لا بد أن ينتبه إلى أنه بدأ بالرواية عن (ناصر خسرو) الرحالة الفارسي الشهير، ثم انتقل إلى الرواية عن شخص آخر سمَّاه: (الإدريسي). الجزء الذي نقله عن (ناصر خسرو) لم يقع فيه خطأ من المترجِمَين، وإنما وقع الخطأ في هذا النص المختلف فيه، وهو الذي يرويه عن (الإدريسي)، ومعنى هذا أنه لا يخرج عن أن يكون قرأه في كتاب، وذلك الكتاب إما أن يكون مطبوعًا أو مخطوطًا، وهو في كلتا الحالين موجود في مكانٍ مَّا، وبالإمكان الرجوع إليه بالغًا ما بلغت الصعوبات، وما نَعَيْتُه، في مقالاتي السابقة، على هذين المترجمين وغيرهما؛ هو الثقة المفرطة بالنفس، أو الكسل عن البحث، والاستعاضة بهما عن المراجع، وهو عينه الذي ما كنت أود لأخي الأستاذ الغانم أن يقع فيه. فالمصدر الذي تخبَّط فيه المترجمان هو ترجمة ما نقله ويلسون من كلام الإدريسي، ولأن أيًّا من المترجمين لم يكلف نفسه عناء الرجوع إلى الإدريسي، وحسن الظن الذي أبداه الأخ الغانم في دقة الترجمة هو، في الحقيقة، تورط محرج كان له عنه مندوحة لو أنه تدرَّع بالصبر والأناة، وحاول التمحيص والتدقيق. على كل حال فإن من المفيد أن نعرف من هو الإدريسي، وأين كتب ذلك الكلام الذي نقله عنه ويلسون، وما هي صحة ما كتب.
الإدريسي من هو؟
الإدريسي؛ هو: أبو عبد الله محمد بن محمد بن عبد الله بن إدريس الحمُّودي الحسني، الشهير بالشريف الإدريسي، جغرافي، ورحالة مؤرخ، ونباتي، وُلِد في سبتة من مدن المغرب المطلة على البحر الأبيض المتوسط (هي الآن تحت الاحتلال الأسباني)، ثم انتقل إلى قرطبة، في الأندلس، وبها نشأ وأخذ علومه. طاف ببلاد الروم واليونان ومصر والمغرب وفرنسا وجزيرة بريطانيا. دعاه الملك (روجه) أو (روجار) الثاني ملك النورمانيين إلى زيارة صقلية، فرسم له الإدريسي ما عاينه من البلدان على كرة من الفضة. من مؤلفاته: (الجامع لصفات أشتات النبات)، و(روض الأنس ونزهة النفس، ويعرف بالممالك والمسالك)، و(نزهة المشتاق في اختراق الآفاق، وقد ألفه لروجار ملك صقلية المذكور(4))، وهذا الكتاب الأخير هو الذي نقل عنه ويلسون. إذن؛ نحن قريبون من الحكَم الفصل في هذه القضية، فلنحتكم إليه مباشرة في ما نقله ويلسون عنه، ونصه في (نزهة المشتاق في اختراق الآفاق) بالحرف: «وأما مدينة القطيف فإنها مجاورة للبحر، وهي في ذاتها كبيرة، وبين القطيف والأحساء مرحلتان، ومن القطيف إلى حمص يومان، وهي على البحر الفارسي، ومن مدينة القطيف إلى بيشة مرحلة كبيرة، ويتصل بالقطيف إلى ناحية البصرة برٌّ متصلٌ لا عمارةَ فيه، أي ليس به حصن ولا مدينة، وإنما به أخصاص لقوم من العرب يسمون “عامر ربيعة”(5)».
العرب هؤلاء الذين «يسمون (عامر ربيعة)» قلَبتهم ترجمة محمد أمين عبد الله إلى (عمر بن ربيعة)، واخترمتهم ترجمة الدكتور عبد القادر فصاروا (أميرًا) واحدًا هو (أمير ربيعة). وحتى نتبين أمر المدن تلك البائدة التي جهلها الأخ الغانم لو لا منن الباحثين الأجانب، وهي: (خاته وخواته) و(خاثا)، والنصال الخاتيه، و(الحراب المشهورة بـ”خاثيا”)، و(حجر)، التي يأنف الأخ الغانم من التسليم بأنها (هجر)؛ نتابع ما يقوله الإدريسي: «ومدن البحرين منها هجر وحمص والقطيف والأحساء وبيشة والزارة و”الخط” “التي تنسب إليها الرماح الخطية”(6)». كما رأيت فإن ويلسون ناقل، ومصدره الإدريسي، والإدريسي يتحدث عن “هجر” و”الخط”، ورماحها التي طبقت الآفاق شهرةً هي (الرماح الخطية). أما (خاتة وخواته) ونصالها، و(خاثا) وحرابها فليس الأخ الغانم وحده الذي لم يسمع بها، فإنها، ببساطة بالغة، لم توجد على وجه البسيطة أصلاً.
ينبغي ألا يبهرنا الإدريسي بما دبَّجه عن البحرين من معلومات، فهو، أيضًا، وقع في أخطاء لا نود التعرض لها هنا، وربما عدنا لها في مناسبة غير هذه، فكل ما أردته هنا أن أثبت أن (خاته) هي (الخط)؟ وأن (حجر) هي (هجر)، وأن ليس في الأمر مكتشفات ولا مجهولات. فلنعد، الآن، إلى بقية البلدات التي اكتشفها سادلير حسب ما يعتقد الأخ الغانم، وهي بحسب نصه: «مسورة مثل ييم - أم لقمان، وغير مسورة من أمثال ملحة - لفوه - شعي التوب) الأخيرة نظنها بلدة التوبي حاليًّا، أما شعي البري فنعتقدها، هي المنطقة المعروفة في أيامنا بالحشيفية».
هذه البلدات والقرى هي حسب ترجمة الدكتور عيسى أمين، فما ذا عن الترجمة الأخرى، أي ترجمة أنس الرفاعي؟ لما ذا أعرض الأخ الغانم عنها؟ ولم يقم لها أي اعتبار؟ مع أنها لديه؟ بل الأكثر أن في ترجمة عيسى أمين قرى أخرى في القطيف وردت مغلوطة، وتلك القرى هي: (حبشة)، (الحبش)، و(حالة أم عيش)، أو (أم حيش)، و(دبيبي)، و(خويلده)، فهذه كلها تجنب الحديث عنها، ولم يقل رأيه فيها؛ أهي مكتشفة أم معروفة؟ وإذا كانت معروفة، ولا حاجة لبيانها فأين هي مواقعها؟ حاليًّا لا تُعرف بلدات في القطيف بتلك الاسماء، والمعروف هي (الْجِّش) بدل (حبشه والحبش)، و(حلة امْحَيْش)، بدل (حالة أم عيش) أو (أم حيش)، والدِّبَيْبِيَّة، بدل (دبيبي)، والخُوَيْلْدِيَّة بدل (خويلده).
هذه الأسماء، وغيرها كثير، سيتبين أنها لقرى معروفة في القطيف وغيرها، وليست مجهولة، وإنما الترجمة السقيمة السيئة فعلت فعلها فيها، وإذا كان الأخ الغانم قد اقتصر في مقالته على القرى الواقعة بين القطيف والاحساء، فسأتجاوزها إلى كل ما أمكنني التحقق منه من قرى القطيف وغيرها، وسأحاول تسليط الضوء على الترجمتين معًا؛ ومقابلتهما على بعضهما، فهذا ما يفرضه الإنصاف، لكن قبل الدخول إلى صلب الموضوع أود المرور سريعًا على القرى التي عرضها الأخ الغانم، واقتصر على صورة واحد لها، وهي الصورة التي وردت في ترجمة عيسى أمين ليعرف القارئ الصور الأخرى مع بيان رأيي المتواضع فيها:
ترجمة عيسى أمين:
البلدات والقرى التي وردت في ترجمة عيسى أمين ص: 56 هي: (صفوة)، (عوامية)، (ييم)، (حبشه: الحبش)، (أم لقمان)، (ملحة)، (لفوة)، (شعي التوب)، (شعي البري)، (حالة أم عيش، أو أم حيش)، (دبيبي)، (خويلده).
ترجمة أنس الرفاعي
البلدات والقرى التي وردت في ترجمة الرفاعي ص 45 - 46 هي: (صفوا)، (العوامية)، (ليام)، (الجش)، (أم لقمان)، (الملاَّحية)، (لغُوَّة)، (الخويلدية)، (شيزيل) (التوبي)، (شيزيل باري)، (حيلة محيش)، (الدبيبية).
الذي أراه أن الصواب في كل هذه الأسماء هو: (صفوى)، (العوامية)، (الآجام: لاجام)، (ام لخمام): (أم الحمام حاليًّا)، (الملاَّحَة)، (القُديح)، وقد تكون (القوع)، وفي اللهجة المحلية ينطقونها: (الگُوْع) – ولعل هذا هو الأقرب، و(الگُوْع) حي معروف إلى الجنوب الشرقي من (أم الحمام) - (الخويلدية)، (التوبي)، (البحاري)، (حلة امحيش)، (الدِّبَيْبِيَّة). الأخ الغانم يعتقد أن (شعي البري) هي المنطقة المعروفة بـ (الحشيفية)، مستندًا في ذلك إلى (تاريخ نجد الحديث لأمين الريحاني)، وهذا غريب، إذ لا تتضح أية علاقة بين تاريخ نجد، واسم وارد في ترجمة حتى وإن صرفنا النظر عن أن الحشفية كانت معروفة باسمها هذا منذ أمد بعيد سابق على زيارة سادلير بقرون، كما يظهر من جدول القرى في (قانون نامه لواء القطيف) الذي أصدرته الحكومة العثمانية عام 957هـ(7)، وهو أحد مراجعه، فليته نقل لنا نص ما قاله الريحاني بشأن صلة (الحشيفية) بـ(شعي البري) لنعرف العلاقة بينهما، ويتضح لنا الأساس الذي بنى عليه اعتماده ذلك الكتاب مرجعًا فيها.
منهج التحليل والاستنتاج:
من أجل إلمام أكثر، ومعرفة أوضح بمنهج الأخ الغانم، وطريقة تحليله، ووصوله إلى النتائج، يجمل أن نلقي مزيدًا من الضوء على بعض النماذج من اكتشافاته للقرى والبلدات التي استنتجها من رحلة (سادلير). أول تلك النماذج:
مريقب:
الأخ الغانم لَخَّص منهجه بقوله: «إن البلدات التي سنأتي على ذكرها، واقعة بين الأحساء شمالاً والقطيف غرباً وسنعتمد “سادليير” أولاً»، وفي مكان آخر يقول: «عموماً الغزو الغربي عامة والأوربي خاصة، للجزيرة العربية، ليس هو غايتنا، وهدفنا محدود بالوقوف عند بعض القرى، التي ورد ذكرها في رحلة سادليير وبلجريف الواقعة بين الأحساء والقطيف، موضحين ذلك برسم خط سير كل منهما، والتي لم تعد معروفة بالوقت الحاضر لدى غالبية ساكني المنطقة، خاصة الناشئة من أبنائنا، الذين نعول عليهم في بعث تاريخ المنطقة الغابر». هكذا حدد الأخ الغانم منهجه - كما رأيت - بأنه سيقتصر على البلدات التي ذكرها (سادلير) و(بلجريف). وسنرى إن كان قد التزم بهذا المنهج فاقتصر، فعلا، على البلدات التي ذكرها هذا الرجالان؟ سيتوضح ذلك عبر ما سنعرضه من الطريقة التي قرر بها أو استنتج منها ذكر (سادلير)، أو بلجريف لبعض المواضع، ومنها موقع (مريقب)، وهو - كما هو معروف - موضع واحد من عدة مواضع واقعة في الغرب من سيهات. يقول الأخ الغانم بصدد هذا الموضع بالنص: «مريقب - حسب ترجمة أمين، أن سادليير لم يذكر اسم المنطقة التي بدأ انطلاقته منها، بمساء يوم الثلاثاء 29/ يونيو/1819م، وفي تمام الساعة السادسة، باستثناء عبارة (غرب سيهات). والتي ترجمها العجمي بـ(من قرية سيهات).
الاختلاف في الرأي أمر وارد، وناتج من فهم المترجم للجملة التي يقوم بترجمتها، وبما أنني لم أطلع على النص الأصلي المترجم منه، رغم ذلك أميل إلى نص ترجمة أمين، ومنطقة مريقب ما تزال معروفة باسمها، باقية بمزارعها وآثار عينها التي تقاوم الفناء إلى اليوم، وتجدر الإشارة إلى أن مريقب تعد من الأماكن الأثرية القديمة بالقطيف، التي عفا عليها الزمن حتى أصبحت في عداد النسيان، ولم يعد أحد يذكرها بغير الاسم فقط».
الأخ الغانم، هنا، يقرر أن (سادلير) لم يذكر اسم المنطقة التي بدأ انطلاقته منها باستثناء (غرب سيهات)، ولا إشارة قريبة ولا بعيدة إلى (مريقب)، ومع ذلك فهو يميل إلى نص تلك الترجمة، فيقرر أنها تعني (مريقب)، والأهم من كل ذلك أن الترجمتين (ترجمة عيسى أمين وترجمة الرفاعي) رغم اختلافهما الواضح - في كثير من الصيغ والعبارات، وليس في عبارة (غربي سيهات)، فقط، ليستا بصدد منطقة (مريقب) بتاتًا، فهما لم تذكرا شيئًا ذا صلة بذلك الاسم الذي يميل إليه الأستاذ، وللتأكد سأسوق نص الترجمتين لذات الفقرة من رحلة سادلير مبتدئًا بنص ترجمة عيسى أمين الذي يميل إليه الأخ الغانم: «طريق المسير: في الساعة السادسة مساءً انطلقنا (من غربي قرية سيهات)، وبعد مسيرة ثلاثة أميال وصلنا مخيم الشيخ مشرف المقام حول آبار الماء قرب مزارع النخيل. ص 57». أما نص ترجمة الرفاعي لذات الفقرة فهو: «الطريق: سرنا في الساعة السادسة مساءً من (قرية سيهات) مسافة ميلين نحو الغرب فوصلنا مخيم بدو (مشرف) خلال ساعة ونصف، وهو مخيم متطرف في خيام مجاورة لآبار في الصحراء على أطراف مزارع النخيل التي كنا نسير حولها». فأين ورد ذكر  (مريقب)؟ أم إن منطقة غرب سيهات مصطلح منحصر الدلالة على هذا الموضع فقط، فلا يفهم منه إلا هو على وجه التعيين والتحديد؟ في الغرب من سيهات تقع عدة مواضع منها النابية (القاسمة)، والقرين، والعلاه، والضبية، وكثير غيرها. فعلى أي أساس جزم الأخ بأن المقصود هو (مريقب) دون غيره؟ لا ننسى أن نشير إلى أن المقال معقود لبلدات مجهولة حسب العنوان، و(مريقب) معروف كما يقرر هو ذلك. فما الغرض من ذكره في سياق البلدات المجهولة؟
البدراني:
هذا الموضع وقَف عنده الأخ طويلاً، فأمره، عنده، (سيان) كتب بالمفرد أو المثنى، على حد ما يراه، فهو يقول بالنص: «البدراني: الأمر سيان كتب الاسم بالمفرد أو المثنى، إذا نظر أي من كان بوقتنا الراهن لمنطقة البدراني، لا أظنه يحسبها أنها كانت في يوم من الأيام، واحة وارفة الظلال لكثرة المياه وانتشار الواحات الخضراء فيها، ولفظها (سادليير) بالتثنية (بدران) بدل من عبارة المفرد التي نقول بها حاليًّا (بدراني)، وما أحسبه قال ذلك إلا لسببين الخضرة والماء. كانت المياه متوفرة لنا بكميات كبيرة من آبار (ماء – البدران) القريبة من الجارودية على بعد ميلين من القطيف، و(بدران)، كما نطقه سادلير، وهو اسمها القديم، وهو مثنى، و(بدراني) اسمها الحالي، وهو مفرد».
في ما يتصل بهذا الموقع لا أودُّ أن أعرض المقطع الذي ضمنه الأخ الغانم حدود (البدراني)، وقد مدها إلى صفوى في الشمال، تحاشيًا لما قد تثيره تلك الحدود من إشكالات عديدة نتيجة التداخل الذي ستحدثه في ملكيات المناطق؛ كـ (الحشيفية) التي أشار إليها هو نفسه في مكان آخر من المقال، و(الدويسين)، و(الشعيبي)، في نطاق التوبي و(الهدلة)، و(قصمول: گصمول)، و(الصدرية) و(الثمامية)، و(أم عقيبة)، في نطاق القديح، و(الجميمة) و(عمودة)، والجوهرية، في نطاق العوامية، إلى كثير غير هذه من المواضع المعروفة الواقعة شمال البدراني، وهو نفسه قد نشر بحثًا ذكر فيه بعضًا من أسماء تلك المواقع(8). ومن الأنسب أن أقتصر على التساؤل عن السبب الذي حمل الأخ الغانم على ترجيح اسم (البدران المثنى) على (البدراني المفرد) الذي يعرفه هو وغيره من أبناء بلده؟ وما هو مبرر صرف النظر عن الترجمة الأخرى للكتاب، وهي ترجمة أنس الرفاعي، وهي تسميه (البدراني) كما يسميه الناس حتى يومنا هذا؟ كان ينبغي ألا يقتصر على نص واحد لترجمتين مختلفتين لاسيما وأنهما في حيازته، فلو رجع للأخرى، وهي ترجمة الرفاعي، لوجدها مطابقة للاسم الشائع المعروف، وهو (البدراني). الأخ الغانم يرى أن اسم هذا الموضع أصله (البدران)، وهو مثنى، كما سماه سادليير، لكنه حُرِّف على أيامنا، فصار مفردًا، وكما سلَفَت الإشارة نراه يضرب صفحًا عن الترجمة الأخرى لذات الرحلة، وهي قد رسمت الاسم، كما نرسمه نحن اليوم (البدراني)، والأغرب أنه يقرر أن لفظ (البدران) مثنى، و(البدراني) مفرد، خلافًا لما تواطأ عليه أهل العربية.
لا أظن أن للأستاذ الغانم موقفًا شخصيًّا من ترجمة أنس الرفاعي تحمله على الانحياز لترجمة الدكتور عيسى أمين، بدون سبب، وإنما هو رأي ولصاحبه كامل الحق في إبدائه، لكن هذا الحق ليس ملزمًا للآخرين، ولا مانعًا من الإختلاف معه، وإن كان العدل يقضي بوضعه موضع التقدير والاحترام، وكما قيل: فالحقيقة بنت البحث. من هذا المنطلق أعرض على نظر القارئ الكريم وثيقة عربية ليست مترجمة يجد صورتها في رأس هذه الصفحة، وهي صورة فريضة نخل (البدراني)، وهو النخل الذي سميت المنطقة باسمه، وهي محررة في شهر ذي القعدة سنة 1275هـ، وهو يقابل شهر أيار (مايو) سنة 1859م، وهذا التاريخ قريب جدًّا من تاريخ عبور (سادلير) بهذا الموضع، ومنها يتضح أن الاسم الصحيح هو (البدراني) ، وهو مطابق لترجمة أنس الرفاعي، وليس (البدران) حسب ترجمة الدكتور عيسى أمين التي رجحها الأخ الغانم. وأما الجانب اللغوي الذي أطال فيه معتبرًا (البدران) مثنى، و(البدراني) مفردًا، فحسبي أن أبين رأي اللغويين في (أسماء المواضع)، فهم يقولون: إن اسم المكان؛ إما أن يكون منقولاً، أي إنه نقل من معناه الأصلي الذي وضع له، إلى معنى آخر لا تناسب بينه وبينه، وإما أن يكون مرتجلاً، أي لم يسبق أن استعمل لغير معنى العلميَّة، فيكون نقيضَ المنقول لا عينه(9)، وهو ما أرجحه لهذا الاسم، إذ الواضح أنه من الأسماء المرتجلة غير المنقولة، وأما ما دار أستاذنا الغانم حوله بين المثنى والمفرد، فليس الأمر كما توهم بتاتًا، فـ(البدراني) لا تصير مفردًا لمجرد إضافة ياء النسب إليها، ولا يكون المفرد مفردًا إلا إذا حذفت منه أداة التثنية، وهي (الألف والنون)، فيتحول، عندئذٍ، إلى (بدر). هذا ما يقوله أهل اللغة بشأن المفرد والمثنى، ولعل في هذا ما يكفي.
العرابة:
هذه اللفظة انفردت بها ترجمة الدكتور عيسى أمين، ص 57، ويؤكد الأخ الغانم أن هذه الترجمة هي الصحيحة، وأن (العرابة) قرية، وإنما العجمي حوَّرها لسرٍّ يضمره. فلنقرأ نص ما قاله بهذا الخصوص: «المراجع المتاحة لدي لم تمكني من تحديد المكان بدقة، غير أن الوصف الذي قال به (سادليير): «في السادسة مساء انطلقنا من غرب قرية سيهات، وبعد مسيرة ثلاثة أميال وصلنا مخيم الشيخ مشرف المقام حول آبار الماء قرب مزارع النخيل. توقفنا في (العرابة).
هذا يعني أنها قرية وليس كما ترجمها العجمي “اعراب”. أما العجمي فقد قال: بدل غرب قرية سيهات، من قرية سيهات ملغيًا كلمة غرب سيهات. كما أنه قصر المسافة من ثلاثة أميال لميلين، وحَوْل اسم المكان وصفه بقوله: فوصلنا مخيم بدو (مشرف) خلال ساعة ونصف. وهو مخيم متطرف في خيام مجاورة لآبار في الصحراء على أطراف مزروعات النخيل التي كنا نسير حولها. ملغياً لاسم العرابة، الذي حوله من اسم مكان لصفة، ولعل في ذلك سرًّا يخفيه بهذا التحوير».
بعد ذلك يرشح للعرابة موقعًا بغرب جنوب مجمعات الصرف الصحي، في الوقت الحاضر، غرب الجارودية، ورأيه يقول بالنص: «عموماً إنني أرشح أن تكون العرابة حاليًّا، هي المنطقة الواقعة في غرب جنوب مصلحة المياه الكائنة غرب الجارودية في وقتنا الحاضر».
لم أفهم سببًا للقول بأن لدى العجمي (سرًّا يخفيه)، حمله على تحوير (العرابة) إلى (أعراب)، فالظاهر أن الأخ الغانم ينقل من الذاكرة، ولو أنه رجع لترجمة الرفاعي لوجد أن النص ليس فيه ذكر للأعراب، فلنقرأ ترجمة الرفاعي المقصودة ص 48: «سرنا في الساعة السادسة مساءً من قرية سيهات مسافة ميلين نحو الغرب فوصلنا مخيم بدو “مشرف” خلال ساعة ونصف، وهو مخيم متطرف في خيام مجاورة لآبار في الصحراء على أطراف مزروعات النخيل التي كنا نسير حولها، وهنا خيمنا (عند العرب) واضطجعنا في السهل المترامي الأطراف...».
السياق واضح الدلالة على أنه وصل إلى (مخيم العرب)، وليس (الأعراب). من جهة أخرى فإن سادلير سبق أن تعرض لذكر مخيم (مشرف بن عريعر) هذا في صفحة:   51 من ترجمة الرفاعي طبعة 2005م للمذكرة نفسها المؤرخة في الثامن والعشرين من حزيران (يوليو)، فقال: «أتاني الشيخ مشرف آل عريعر في صباح الثامن والعشرين ليعرض عليَّ دعمه لي بالدواب التي سأحتاجها لنقلي إلى الأحساء وفقًا للوعد الذي أبرمه في الثاني والعشرين من الشهر الجاري، ونظرًا لكوني لا أستطيع أن أعتمد على قوة الرجل التركي الذي استدعي إلى الأحساء الآن، والذي توصم حكومته بالحماقة التامة، فإني قبلت هذا العرض بكل سرور، فأرسل رسولا يطلب الدواب من مخيمه البدوي الذي يبعد عدة أميال عن القطيف».
هذا المقطع من مذكرة سادلير المؤرخة في الثامن والعشرين من حزيران (يوليو)، محذوفة بكاملها من ترجمة عيسى أمين، فقد بدأ ترجمة المذكرة من عنوان: (طريق المسيرة)، مهملا كل ما قبلها وهي فقرة طويلة من المذكرة حافلة بالمعلومات، وهذا من جملة العيوب والنقص التي تزخر بها ترجمة الدكتور عيسى محمد أمين المأثورة لدى الأخ الغانم. إن قراءة المذكرة كاملة تبين، بشكل جلي، أن سادلير لا يتحدث عن (قرية)، وإنما عن مخيم (الشيخ مشرف بن عريعر) الذي نزل به مرافقًا للشيخ، والفقرة التي ترجمها عيسى أمين من هذه المذكرة وجاء فيها ذكر (العرابة) منتزعة من سياق المقطع المحذوف من الترجمة المتعلق بالمخيم نفسه، وليس فيه ذكر لأية قرية. المعروف أن البدو يحطون رحالهم في البر، ولا يستوطنون القرى، ولا المدن، ولا أظنه قد نسي ما قرره، هو نفسه، عن خصوصية البدو تلك، وهذا نص ما قاله: «والروابي بالصحراء هي المكان المفضل عند الأعراب لنصب مخيماتهم، حيث تتيح لهم فرصة متابعة مواشيهم وهي ترعى العشب وقت الاستراحة»، أما المكان الذي رشحه لقرية (العرابة)، وهو جنوب غرب مجمعات الصرف الصحي؛ فأظنه لم يلتفت إلى أن خط سير سادلير بدأ من البدراني متَّجهًا إلى الجنوب الغربي، والمكان الذي رشحه لقرية (العرابة) يقع إلى الشمال من البدراني.
الخطأ الفادح:
ليس هذا كل ما حفلت به ملاحظات الأخ الغانم على ترجمة العجمي فلنقرأ: «ومن الأخطاء التي وردت في ترجمة العجمي وضعه سيهات جنوب الخليج العربي وليس في غرب وسط الخليج، وهنا يكمن (الخطأ الفادح) في عدم معرفة جغرافية المنطقة من قبل المترجمين. وتوصيفها وصفاً دقيقاً». فهل، فعلاً، وضع العجمي سيهات في جنوب الخليج العربي؟ لنقرأ ما يقوله العجمي، وأنا، في هذا، أجاري الأخ الغانم، وإلا فالصحيح أن يقال المترجم أنس الرفاعي: «لذلك نزلت إلى البر في صباح يوم الإثنين الحادي والعشرين من حزيران عند قرية سيهات الواقعة على الجانب الجنوبي من الخليج، وعلى بعد ثلاثة أميال من القطيف». الخليج المقصود هنا - يا أستاذي الفاضل - هو خليج القطيف، وليس الخليج العربي، فقبل هذا الكلام بسطور يسيرة نقرأ ترجمة الرفاعي لقول سادلير في المذكرة المؤرخة في 16 حزيران (يوليو) ص 39: «وقد أنجز الشيخ رحمة وعده بالفعل، فأرسل قاربًا عليه قبطانان ماهران فقادا المركب مع المد الصباحي للبحر عبر قناة جميلة عميقة تمتد إلى جوار أرض رملية صغيرة وضيقة موازية لها ينشأ عنها هذا الطرف من الخليج الصغير». ثم يوالي ترجمة باقي المذكرة حتى رسو زورقه في العشرين من حزيران (يوليو) عند سيهات. الخليج الصغير هذا هو خليج القطيف، وليس الخليج العربي. فمع من «يكمن الخطأ الفادح في عدم معرفة جغرافية المنطقة»؟
الفاقعة وأبو حيل والهميلية:
سأضطر لاقتباس فقرة كاملة من مقالة الأخ الغانم أرى أنها ضرورية لمعرفة الطريقة التي اتبعها في التحليل، لاسيما وأنه حدد منهجه في الاقتصار على المواضع التي ذكرها سادلير وبلجريف، فهذه المواضع الثلاثة لم يرد لها أي ذكر لا عند سادلير، ولا بلجريف، ومع ذلك فقد أدخلها ضمن الأماكن التي مرا منها، وهذا نص كلامه حول الفاقعة: «قال عنها المرحوم حمد الجاسر: منهل يقع غرب لآجام بمنطقة القطيف. الذي نراه أن الفاقعة تقع في الجنوب الغربي من منطقة البدراني، على بعد تقريبي يصل لعشرة كيلو متر، يعزز هذا الاعتقاد عندنا، الوصف الذي قال به (سادليير) حيث ذكر أنه بعد الرحيل من العرابة اجتاز مجرى ماء، ومن رأينا أن هذا المجرى عنى به خور (الهميلية) الواقع بالجنوب من واحة لآجام والمسافة التي قطعها حتى حط عند البئر الذي تزود منه بالماء، ولو أنه لم يذكر اسم المجرى الذي مر به والبئر الذي نزل عليه. فلو كان الخور الذي ذكره الجاسر بغرب لآجام، لذكر سادليير واحة لآجام أو مياه (أبو حيل) الواقع غرب لآجام أيضاً، بما يقرب من خمس كيلو مترات، علماً إن أبو حيل ورد ذكره في كتاب (دليل الخليج) وهذا يدلل على أن رحالة آخر قد اجتاز لآجام لذا ورد ذكر ماء أبو حيل. يقول سادليير: في هذا اليوم - يقصد 29 يونيو عام 1819م المصادف ليوم الثلاثاء - عبرنا مجرىً مائياً وعلى بعد ميلين منه وصلنا إلى بئر ماء حصلنا منها على حاجتنا من الماء. وقال في وصف حدود منطقة البئر: في الجنوب صحراء، أما في الشمال والشمال الغربي فتوجد منازل أقيم حولها مزارع، الواضح أن سادليير وأمين لم يحددا عدد المنازل ولا المزارع. أما سعود العجمي فقد ذكر أنها (سبع) قرى دون أن يذكر اسم واحدة منها. إن المزارع لا تقام إلا على مكان تواجد الماء أما الجزء الغربي والجنوب الغربي من البئر فهي صحراء، وهذا ما يجعلنا نعتقد بأن البئر هو من آبار الفاقعة. والفاقعة تقع بالجنوب الغربي من واحة لآجام».
سأكتفي بالإجابة على هذا كله بملاحظات يسيرة، أولها: أن الجاسر لم يتحدث عن (خور) مطلقًا، وكل ما قاله عن الفاقعة هو: «الفاقعة، على اسم الفاعلة: منهل يقع غرب لاجام بمنطقة القطيف»، وفرق كبير بين المنهل والخور، بل إن سادلير نفسه لم يشر إلى الخور الذي استنتجه الأخ الغانم من كلامه، وكل ما قاله هو مجرى ماء، والفرق بين الخور ومجرى الماء لا يحتاج إلى بيان. أما القرى السبع التي ألمح إليها، فهي موجودة ومعروفة، فسادلير في مذكرته المؤرخة في التاسع والعشرين والثلاثين من حزيران (يونيو) ص: 49 - 50، يشير بوضوح إلى قرى واقعة إلى الشمال والشمال الغربي من خط سيره، وهو، بعدُ، لم يبتعد عن مكان انطلاقته من (البدراني) سوى مسافة 10 أميال، أي ما يعادل 16 كيلاً، ومعنى هذا أن الجهة الشمالية، والشمالية الغربية من خط سيره لم تزل في نطاق القرى الواقعة في الزاوية الشمالية والشمالية الغربية خارج واحة القطيف، وهي: الخترشية، وأم الساهك، وشعاب، والدريدي، وشاهين، وأبو معن، والرويحة، وهذه كل القرى الخارجة من واحة القطيف إذا استثنينا قرية الآجام وقد ذكرها في سياق قرى القطيف، ولا أدل على ذلك من وصفه الصحراء بأنها خالية من القرى باستثناء الشمال والشمال الغربي، ووصفه لهذه القرى بأنها «قرى صغيرة يتراوح سكانها بين خمسين ومائة وخمسين أسرة. ترجمة الرفاعي ص: 50» يمكن حمله على محمل الصحة في زمنه، كما لا يخفى.
المالحة أو مالحة وتل الصدام:
كل الكلام الذي دبَّجه الأخ الغانم حول (المالحة أو مالحة) غير موفق، بكل أسف، وهلُمَّ ندقق في ما قاله تحت هذا العنوان: «سيان كل اللفظين يعرف بهما مكان واحد، إلا ما ورد على لسان سعود العجمي حيث قال، نقلاً عن سادليير: وصلنا خلال فترة قصيرة إلى آبار مالحة عند عزومية. وأظنه قد اشتبه عليه المكان بتسميته عزومية، هو المكان الذي ذكره بالجريف باسم قرية العازمية».
يحرجني، حقيقة، أن أقول إنه هو المشتبه، وليس العجمي، فآبار المالحة المقترنة بعزومية في ترجمة الرفاعي وردت في ص: 53 من الطبعة الثانية لعام 2005م، ضمن مذكرة سادلير لليوم التاسع والعشرين من حزيران (يونيو). وهذه المذكرة، تتحدث عن وصوله إلى (آبارٍ مالحة)، فعلاً، عند موضع سمًَّاه (عزومية). هذه المذكرة مثبتة في ص: 58 من ترجمة عيسى أمين، ولكنها مجتزأة، لذلك لم تذكر فيها لفظة (عزومية). ولعل هذا ما ضلل الأخ الغانم عنها، لكن هذه اللفظة ظاهرة في الخارطة بالإنجليزية بهذه التهجية: (Ozoamiah of Salt wells)، وهذا التركيب في الانجليزية تركيب نعتي (Adjective)، فلا تصح ترجمته إلى العربية إلا بصيغة: (آبار عزومية المالحة)، وهذه تطابق ترجمة الرفاعي، فلفظة (المالحة) هنا نعت، وليست علَمًا. أما الاسم: (المالحة) الذي اختاره وأكد صحته رغم تذبذب الدكتور عيسى أمين فيه بين: (بئر الماء المالحة أو ماء المليحة)، ص 59، ونصه: «ابتدأنا المسيرة في الخامسة صباحًا، وتوقفنا في الساعة السادسة وخمس وأربعين دقيقة قرب (بئر المالحة أو ماء المليحة وشاهدنا (تل الصدام) في جنوب غربي الأحساء»، فلا علاقة له بمذكرة 29 حزيران (يونيو)، وإنما جاء في سياق مذكرة سادلير الأولى لليوم الأول من تموز (يوليو)، المثبتة في ترجمة الرفاعي بالصفحة: 54 من طبعة 2005م بهذا النص: «تابعنا المسير في الخامسة وخمس دقائق من صبيحة اليوم الأول من تموز لنكمل مرحلتنا وتوقفنا في الثامنة إلا ربعًا عند بئر يسمى (المولحة) ورأينا تل الدم». فإذا عُدَّ سادلير مشتبهًا في تسمية الموقع بـ(عزومية) مخالفًا بلجريف في تسميه بـ (العازمية)، فهذا لا يعفي الأخ الغانم من التثبت والتدقيق، خصوصًا وهو في مقام التعقيب والتصويب، فلو أنه اعتمد على مقارنة كل ترجمة بحسب تاريخ المذكرة التي توافقها في الترجمة الأخرى لما وقع في مثل هذا الخطأ.
صحيح إن في البحرين التاريخية قرية باسم (مالحة) ذكرها ابن الفقيه، لكن أين هي؟ وأين القرينة التي تحملنا على الاطمئنان إلى أنها هي المقصودة لا غيرها؟ لاسيما وأن ابن الفقيه متهم بالتحريف(10)؟ وهذا ما لم يأبه له الأخ الغانم، فضم رأيه إلى رأيه فقال: «ورأينا من رأي ابن الفقيه». للإنصاف أقول إن القرية المقصودة في مذكرة اليوم الأول من يوليو (تموز)؛ التي ترجمها الرفاعي: المولحة ص: 54)، وتذبذب فيها عيسى أمين (ص: 59) بين، (المالحة)، التي اختارها الأخ الغانم، و(المليحة) التي أعرض عنها، الصحيح هو ما أعرض عنه للأسف، أي (المُلَيْحَة)، تصغير مُلْحَة، وتقع إلى الغرب من آبار الشكرية(11). يبقى الاسم الذي تخبط فيه المترجمان، والوارد في المذكرة الأولى لليوم الأول من تموز (يوليو)، فترجمه الدكتور عيسى أمين ص 59: (تل الصدام)، واختار الأخ الغانم هذه الترجمة، وترجمه الرفاعي ص 45: (تل الدم)، فصوابه: (تل اللدَّام)، ويقع في الشمال الشرقي من الأحساء(12)، وهذا التل غير ظاهر على الخارطة في الترجمتين.
بلدات أخرى:
ورد في المقال مواضع أخرى بعضها مرَّ بها سادلير، مثل (أم ربيعة)، والأبواب، وبعضها خارج خط رحلته مثل (الحريف)، ولم يرد لها ذكرٌ عنده، وهذه كلها ليس فيها خلاف، ولذا لا أرى داعيًا لإضاعة الوقت فيها، لا سما وأنها معروفة، ومحددة في الخرائط، وكتب البلدان الحديثة(13).
شمس:
يوالي الأستاذ الغانم اكتشافاته للقرى المجهولة فيزف إلينا اسمًا منسيًّا للأحساء، فيقول: «وشمس: على ما يظن، هو الاسم الذي أطلقه ملوك الفرس، على عموم منطقة الأحساء الحالية وفي هذا يقول بلجريف: أرسل شابور الثاني (ملك فارس 310 -379) حملة بحرية ضد عرب هجر (شمس الأحساء الآن). ويقول سادليير: من هذا المخيم [يعني به مخيم العوامر] انطلقنا في مسيرة موازية لسهل الملح ووصلنا إلى مخيم كبير تابع لبني خالد تحت زعامة الشيخ محمد والشيخ ماجد. ومنطقة شمس تقع بالشرق من الأبواب، غير أن سادليير لم يكن على يقين من اسم المكان الذي كان منصوباً به المخيم الخالدي، وقد خلط في اسم المخيم، والصحيح هو [رابية]، والروابي بالصحراء هي المكان المفضل عند الأعراب لنصب مخيماتهم، حيث تتيح لهم فرصة متابعة مواشيهم وهي ترعى العشب وقت الاستراحة، وشمس اسم صنم كان لبني تميم، وكان له بيت تعبده بنو أد كلها: ضبة وتميم وعدي وثور وعكل وكانت سدنته في بني أوس بن محاشن بن معاوية بن شريف بن جروة بن أسيد بن عمرو بن تميم، فكسره هند بن أبي هاله وسفيان بن أسيد بن هلال بن أوس بن محاشن. أما الشمسين: فقد قال عنهم الحموي في معجم البلدان: الشمسين: شمس بن علي وشمس طريق: ونخل بأرض اليمامة عن الحفصي».
إسهاب طويل، واستطراد فضفاض وحشد لمعلومات جغرافية وعقائدية شغل الأخ الغانم بها نفسه وقراءه بدون داعٍ، وكان الأولى أن يقتبس نص الفقرة كاملا كي يُري القارئ فداحة ما فيها من أخطاء، فكلمة (شمس)، هذه، وردت في ترجمة عيسى أمين لمذكرة سادلير الثانية لليوم الثاني من تموز (يوليو) ص: 61، وهي ليست اسم بلد، وإنما هي محض خطأ طباعيٍّ شنيع، واجتزاؤها على هذا النحو يكثف من غموضها عند من لم يطلع عليها كاملة في موضعها من الترجمة، فيجمل أن ننقل منها ما يوضحها بصورة أفضل، فهي تقول بالنص: «من هذا المخيم انطلقنا في صباح الثالث من يوليو في مسيرة موازية لسهل الملح ووصلنا إلى مخيم كبير تابع لبني خالد تحت زعامة الشيخ محمد والشيخ ماجد. كان هذا المخيم في منطقة شمس (أم روبية أو (أم رابية)»، وواضح أن (منطقة شمس أم روبية أو أم رابية) صوابها هو: (منطقة تسمى أم ربيعة). ولدينا قرائن عديدة تؤكد هذه القراءة، أولها: وقوع (الكلمة) خارج الحواصر التي وضعها المترجم، وثانيها: نص الفقرة المقابلة لها في ترجمة الرفاعي لنفس المذكرة، ونفس اليوم، ص: 57، وهذه تقول بالنص: «ثم انطلقنا في الخامسة والثلث من صباح الثالث من تموز. كان هذا المعسكر يقع على حدود سهل ملحي محاط ببعض الهضاب، وفي الثامنة والربع صباحًا وصلنا معسكرًا كبيرًا لبدو قبيلة بني خالد التي يحكمها الشيخ محمد والشيخ ماجد اللذان تطرفا في هذا السهل “المسمى” أم ربيعة». هذه المقابلة بين الترجمتين تظهر بوضوح أن كلمة (تسمى) لحق بها خطأ طباعي حولها إلى (شمس)، و(أكل الأخ الغانم المطب) فظنها اسمًا أطلقه الفرس على الأحساء، ولم يفطن إلى أن سادلير يتحدث عن مخيم بدو في بقعة صغيرة، رجَّح هو نفسه أنها «رابية»، معللاً ترجيحه بأن «الروابي بالصحراء هي المكان المفضل عند الأعراب لنصب مخيماتهم». فكيف شمل اسم هذه الرابية الأحساء كلها؟ وثالثة هذه القرائن على أن (شمس) هي مجرد خطأ طباعي صوابه: (تسمى)؛ أن مثل هذا الخطأ تكرر في ترجمة الدكتور عيسى أمين لرحلة سادلير في أكثر من مكان؛ منها قوله في مذكرة يوم 15 آب (أغسطس) صفحة 87، وسادلير في هذه المذكرة يسرد ملاحظاته على (قصر البرة، بعد أن تجاوز الدرعية والعوينة (العيينة) إلى الغرب: «يوجد برج هنا شيد في ركن من بناء مربع في منطقة شمس (عويرض)»، فهل أطلق الفرس أيضًا هذا الاسم على (شمس عويرض)، أيضًا، كما (شمس الأحساء)؟ ليس هذا فحسب؛ بل إن الفقرة التي اقتبسها من كلام تشارلز بلجريف، عن حملة شابور على هجر هي من السِّنْخ عينِه، فالخطأ الطباعي فيها واضح. إنها تقول بالنص: «أرسل شابور الثاني (ملك فارس 310 -379) حملة بحرية ضد عرب هجر (شمس الأحساء الآن)». تشارلز بلجريف معاصر، فما معنى قوله: «هجر (شمس الأحساء الآن)»؟ هل نفهم من قوله هذا أن هجر، في زمنه، تعرف بـ (شمس الأحساء)؟ في الحقيقة لست محتاجًا لكل هذا الاستطراد في التوضيح، وكان ممكنًا أن أستشهد بنص تشارلز بلجريف في ترجمة أخرى، حيث لا وجود لهذه الـ (شمس) فيها، وإنما هي: (تسمى) كما قلت، وإليك نصها في الترجمة الأخرى لكتاب (ساحل القراصنة) تأليف تشارلز بلجريف: «ومرة أخرى، في عهد شاهبور الثاني - ملك فارس في الفترة من عام 310م وحتى عام 379م - أرسلت قوة بحرية لمواجهة عرب هجر (التي يطلق عليها الآن الأحساء) انتقامًا للغارات التي يشنونها على الساحل الفارسي(14)». ولمزيد من التأكيد على أن كلمة (شمس) في ترجمة عيسى أمين حلت في أكثر من موضع محل: (تسمى)؛ أسوق الفقرة التالية من ترجمته، هو نفسه، لكتاب تشارلز بلجريف، آنف الذكر. هذه الفقرة وردت ضمن عرض فرنسيس لوخ، وهو كاتب المذكرات موضوع كتاب بلجريف، ونقرأ فيها: «في الهند البريطانية كان لفرنسيس لوخ أقارب يحتلون مراكز مرموقة ومهمة، حيث كان جون آدم (عضو حكومة البنغال وابن خاله، وكانت والدته (شمس ماري آدم) ابنة بلير آدم، رب العائلة التي جاء منها أحسن المعماريين آنذاك، روبرت وجيمس آدم(15)». من تكون، بربك، (شمس) ماري آدم هذه؟
على كل حال هذه غفلة لا تضارعها إلا غفلة الدكتور عيسى أمين في ترجمة الاسم (أم روبية أو (أم رابية) بعد أن كان قد ترجم الاسم نفسه في مذكرة سادلير الأولى بتاريخ الأول من يوليو، وترجمه صحيحًا بـ: (أم ربيعة، ص: 50)، ثم عاد فذكره بعنوان: (أم ربيعة) مرة أخرى، في ترجمته لمذكرة يوم الثالث من أغسطس، ص: 82، والأكثر من ذلك أن تهجيتها على الخارطة في ترجمته هو ص: 31 بالانجليزية (Wells of oamer abbeah). نعم قد يعتذر للأخ الغانم بعلمه بوجود موضع في الجزيرة العربية (اسمه شمس)(16)، في ناحية الوشم، لم تكن معرفته به واضحة، فأحدث هذا اللبس.
أقف عند هذا الحد من تعقيبي على مقال الأخ الغانم متجاوزًا الجزء الخاص برحلة وليم جيفورد بلجريف، فهو لم يزد فيها على عرض نصوص منها، أو تلخيصها، وذِكْر عددٍ من أسماء الأماكن، منها الوارد فيها، وغير الوارد، فالوارد لم يضف له شيئًا يوجب التعقيب، وغير الوارد مثل: الزبيدية، البدراني، الظهران، بلدات الظهران، فهو خارج الغرض. نعم تعرض لقرية سماها بلجريف (الهيدية)، وهذه ستكون لي وقفة عليها وعلى غيرها من البلدات والمواضع والأعلام المحرفة، بعيدًا عن آراء الأخ الغانم، أو التعقيب عليها، فإن هذه الوقفة لم تنه كل ما يجب التعرض له مما فعله المترجمون بأسماء بلداتنا وقرانا من تصحيف، فقد أصبحت، بدون شك، مصدر تحريف حقيقي ما لم يتم تداركها بالتصحيح والتنقيح في مصادرها الأصلية.
الهوامش:
* مدير التحرير.
(1) العدد 35، الربع الرابع لعام 2004م، و36، الربع الأول لعام 2005م، و37، الربع الثاني من نفس العام، و38، الربع الثالث من العام نفسه.
(2) الخليج العربي، السير أرنولد ت. ويلسون، ترجمة محمد أمين عبد الله، منشورات وزارة التراث القومي والثقافة بسلطنة عمان، الطبعة الثالثة، 1409هـ، 1988م، ص: 57.
(3) الخليج العربي، السير أرنولد ت. ويلسون، ترجمة الدكتور عبد القادر يوسف، منشورات مكتبة الأمل، طبع مؤسسة فهد المرزوق الصحفية. الكويت، بدون تاريخ ص: 167.
(4) المنجد في العلوم، تأليف فردناند توتل اليسوعي، دار الشرق، بيروت، الطبعة الثانية عشرة، بدون تاريخ، وانظر أيضًا، معجم المؤلفين، عمر رضا كحالة، دار إحياء التراث العربي للطباعة والنشر والتوزيع، لم يذكر رقم الطبعة، بيروت جـ 11/236.
(5) نزهة المشتاق في اختراق الآفاق، محمد بن محمد بن عبد الله بن إدريس الحمُّودي الحسني الشهير بالشريف الإدريسي، مكتبة الثقافة الدينية، القاهرة، بدون تاريخ ص: 386.
(6) نفسه.
(7) ترجمة فيصل الكندري، المجلة التاريخية العربية للدراسات العثمانية العددين 15 أكتوبر، و16 نوفمبر 1997م.
(8) مواقع مجهولة، أحمد مكي الغانم، مجلة الواحة، ع: 19، 2000م، ص: 8 – 19.
(9) انظر: مادة (رَجَلَ)، محيط المحيط، المعلم بطرس البستاني، منشورات مكتبة، مطابع مؤسسة جواد للطباعة، لبنان، بيروت، طبعة جديدة، 1983.
(10) المعجم الجغرافي للبلاد السعودية - المنطقة الشرقية، مرجع سابق، القسم الرابع ص: 1555.
(11) الموسوعة الجغرافية لشرقي البلاد العربية السعودية، عبد الرحمن بن عبد الكريم العبيد، منشورات نادي المنطقة الشرقية الأدبي، الطبعة الأولى، 1413هـ، جـ 2/294، والمعجم الجغرافي للبلاد السعودية - المنطقة الشرقية، مرجع سابق، القسم الرابع ص: 1687، وموقع الجمعية الجغرافية السعودية على الإنترنت، خارطة رقم 6. المنطقة الشرقية، الرابط: http://www.athagafy.com/maps/Fig-06.jpg
(12) المعجم الجغرافي للبلاد السعودية - المنطقة الشرقية، مرجع سابق، القسم الرابع ص: 1531، والموسوعة الجغرافية لشرقي البلاد السعودية، مرجع سابق، جـ 2/237، وانظر أيضًا: geographic map of the western Arabian Golf quadrangle , Kingdom of Saudi Arabia, Max Steineke, T. F. Harriss, K. R. Parsons, and E. L. Berg منشورات وزارة المالية والاقتصاد الوطني، المديرية العامة لشؤون الزيت والمعادن، 1378 هـ، 1958م. وموقع الجمعية الجغرافية السعودية على الإنترنت خارطة رقم 6. المنطقة الشرقية، الرابط: http://www.athagafy.com/maps/Fig-06.jpg
(13) المعجم الجغرافي للبلاد السعودية – المنطقة الشرقية، (البحرين قديمًا)، مرجع سابق،  القسم الأول، ص: 110، 170، والموسوعة الجغرافية لشرقي البلاد السعودية، مرجع سابق جـ 1/146، 164.
(14) ساحل القراصنة، تأليف السير تشارلز بلجريف، ترجمة مهدي عبد الله عبد الرسول، وفاروق أمين محمد، دار الخيال للطباعة والنشر والتوزيع، بيروت، ومؤسسة الأيام، مملكة البحرين،  الطبعة الأولى، 2006، ص: 19.
(15) ساحل القراصنة، تأليف السير تشارلز بلجريف، ترجمة د، عيسى أمين، المؤسسة العربية للدراسات والنشر، بيروت طباعة مؤسسة مصطفى قانصوه للطباعة والتجارة، بيروت، الطبعة الأولى، 2005م، ص: 19.
(16) راجع الأطلس التاريخي للمملكة العربية السعودية، تأليف لجنة من الباحثين. إعداد وتنفيذ مركز نظم المعلومات الجغرافية بدارة الملك عبد العزيز، الرياض، الطبعة الثانية، 1421هـ، 2000م، لم تذكر المطبعة، ص: 135، 136، 163.

مدير التحرير
307106