عبدالرحمن المنصور
تجديد مبكر في اللغة الشعرية
علي بافقيه * - 4 / 9 / 2009م - 4:05 م - العدد (51)

قرأت بعض أشعار عبد الرحمن المنصور من خلال أستاذي وصديقي الكاتب المبدع والإنسان الحميم محمد القشعمي، الذي يمثل ظاهرة نادرة في إخلاصه للكُتّاب والمثقفين في بلده، وفي إخلاصه ودأبه وعطائه من أجل الكتابة والثقافة وتاريخها وروادها، ثم من خلال كتاب الأستاذ محمد السيف الذي تناول حياة هذا الرائد وسيرته وأخرجه من زاوية الإهمال المؤسف.

 وكان غريبا فعلا اختفاء أي ذكر لتجربة المنصور الشعرية عند باحثي التجديد والحداثة الشعرية في المملكة، والسبب أنَّ هذا الشاعر المجدد - منذ ما يقارب ستين عاماً - ترك الكتابة والتواصل مع الصحافة الأدبية، وهو سبب لا يليق بالمتابعين والباحثين، ومن خلال قراءتي دونت هذه الملاحظات.

(1)

لن يمنع الجبلُ الصدى الداوي تردِّده الكهوف

(2)

وفي الرمال النائمات على الظما

الحالمات جفونها بالارتواء

فاح الشذا شذا زهور لا تُرى

(3)

هذان المقطعان من قصيدة للشاعر عبد الرحمن المحمد المنصور عنوانها: «أحلام الرمال»، نشرت بالعدد الأول، السنة الأولى، من اليمامة عام 1372هـ، 1952م، وهو تاريخ مبكِّر للكتابة بهذا الشكل الشعري في المملكة، فإذا كانت قصيدة التفعيلة - أو ما كان يسمى، في تلك الأيام، بالشعر الحر - بدأت في مراحلها الأولى بمحاولة الخروج على البيت، وعلى شكله التناظري؛ فإنها، في المحصِّلة، وعت ضرورتها في بداية السبعينات الميلادية، ونتيجة منطقيَّةً للانطلاق من الأطر أخذت تتلمس طرائق تعبيرية جديدة، وتوصلت الى قيم فنية جديدة، ولغة شعرية أخرى في مراحلها التالية؛ حيث مجرد الخروج على البيت مع البقاء في أطر تعبيرية وفنية قديمة لا يعدو أن يكون عبثاً بالقيم الفنية والجمالية للقصيدة العربية العمودية، ذات الإيقاع التناظري، ولا يعدو أن يكون جهلاً بالعملية الشعرية في جوهرها. لكن البدايات التي اجترحها أساتذتنا الرواد، وعلى رأسهم محمد حسن عواد، كان لا بد منها لفتح آفاق وفضاءات جديدة للدفع بالنتاج الشعري المحلِّي إلى تجليات إبداعية محلية تواكب العصر، وقد وعى المتنورون أهمية ذلك، ولا بد لنا أن نعترف بأن من أهم هؤلاء الأستاذ عبد الرحمن محمد المنصور، الذي اعتبره الشيخ عبد الله بن ادريس بحق «في طليعة الشباب اليقظين». والذي يحسب على نقادنا في المملكة ليس فقط عدم انتباههم لتفرّد هذا الشاعر في مرحلة مبكرة، بل جهلهم بتطورات وتخلُّقات القصيدة الحديثة، وعدم تمييزهم - في معظمهم - بين نصٍّ تتراكم فيه العبارات والمفردات الجافة والراكدة، ونص ينسرب - بين طيَّاته - ماءُ الشعر، وماء الحياة.

(4)

يشير الأستاذ عبد الرحمن العبيد إلى أنَّ عبد الرحمن المنصور: «تجسدت فيه معاني الشاعرية الحرة»، وإلى أنه يميل إلى الواقعية والتجديد، وهو: «موغل في هذا المضمار إيغالاً جدِّيًّا يندر وجوده في أدبائنا المعاصرين»، ويشير الأستاذ عبد السلام الساسي إلى أنه يميل إلى «التجديد والابتكار»، أما الشيخ عبد الله بن إدريس فيرى أنه: «عميق في التشخيص الأسطوري».

إنَّ قصيدة عبد الرحمن المنصور تُعدُّ من البدايات الجريئة والمبكرة للانطلاق بالقصيدة المحلية إلى أفق قصيدة التفعيلة، والذي يحسب - بشكل خاص – لشاعرنا، قبل غيره، هو تفرُّده برؤيته، وبلغته الشعرية الخاصة، المختلفة، تماماً، عن مجرَّد كسر البيت، أو تجزئة البيت، أو مسايرة ظاهرة شكليَّة على نحو سطحي كما حصل، ولا يزال يحصل، لدى الكثيرين.

شاعر- لسعودية.
370314