ما استفدته من أبي
مريم عبد الرحمن المنصور - 4 / 9 / 2009م - 4:10 م - العدد (51)

لم يخطر ببالي يوما أنني سأمسك القلم وأكتب عن والدي، أو بالأحرى عن روح والدي رحمه الله، وماذا عساي أن أكتب؟

إن والدي (رحمة الله عليه) شخصية عظيمة لا يمكن لقلمي المتواضع أن يعطيَه حقه. نعم؛ فوالدي – باختصار - هو الأبوة بكل ما تحمله هذه الكلمة من معان، ويكفي أنه - الى آخر يوم في حياته - كان يعمل بهمة الشباب؛ فها هو يُفيق من الصباح الباكر، وهو الشيخ الذي تجاوز الثمانين، ليعطينا درسا في الكفاح، وقيمة العمل؛ فالحياة - في نظره - كفاح وجِدٌّ متواصل لتحقيق الأهداف، ولست أنسى، ما حييتُ، نظرةَ الفرح والفخر التي تكسو مُحيَّاه حين يراني أدرس وأجتهد لأثلج صدره بنجاحي وتفوقي، وحتى عندما انتقلت الى المرحلة الجامعية لم يكن يُخفي قلقه وتعطشه لنجاحي، وفي نفس الوقت لم يكن يذَّخر سبيلا لإسعادي.

لقد كان - بالنسبة لي وما زال - مثالا رائعا لكل من لا يؤمن بشيء اسمه المستحيل، وكنت كلما أحسست بلحظة ضعف، أو يأس، وتذكَّرت أنني ابنة ذلك الرجل، رجل الإرادة - كما تسميه أمي - أنهض من عثرتي، واستجمع قواي، وأسقي تلك البذرة التي زرعها لي والدي، وفي كل مرة كنت أزداد قوة ونجاحا.

فما أجملَ أن يكون للانسان، بعد الله، ملاذٌ قويٌّ، وشخصية عصامية كشخصية والدي (رحمة الله عليه)، وكما قلت في بداية حديثي؛ فإن كلماتي هذه ما هي الا نقطة في بحر عطائه؛ فقد كان (رحمه الله) يقول لي دوما: >إنني لا أطلب شيئًا من الله سوى أن يمد في عمري لكي أفرح بنجاحك وتخرجك يا دكتورة<، علما بأنني أصغر أبنائه وبناته، وقد استجاب الله دعاءه؛ فقد توفي بعد تخرجي بأشهرٍ قليلة، ورحل عن هذه الحياة وهو يحمل قلب شاب طموح، سعيد بنجاحه في تربية أبنائه، وجسد شيخ في الثمانين من عمره.

وفي ختام حديثي لا يسعني الا أن أقول له: سامحني، لم يسعفني الوقت لرد جميلك وأفضالك عليَّ؛ فقد كنت كريما إلى آخر لحظة في حياتك.

370314