حلم امرأة
تهاني حسن الصبيحة * - 13 / 10 / 2007م - 9:44 ص - العدد (46)

اهتم العرب بالشعر ليؤدي دوراً قياديًّا في حياتهم، ويبرز كأهم وسيلة إعلامية تربطهم بالعالم المحيط بهم، وتنقل حضارتهم وأفكارهم ومناسباتهم التاريخية إليه، واحتل الشاعر مكانة عظيمة بين قومه يحترمونه، ويجزلون له التكريم، ويسعى الكثيرون لاجتذابه، ونيل رضاه علّه يضمّن أسماءهم أو أفعالهم بين ثنايا أبياته، وبرز الشعر خلال الدعوة الإسلامية سلاحاً قويًّا يجابه أعداء الدين، ويثير قلقهم حين يعجزون عن الرد أمام سيل من الكلام الرفيع، وطود من الحجج البليغة؛ مما جعل رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) يشجع الشعراء على تسليط ألسنتهم لمطاردة الأعداء، والنيل منهم؛ إذ إن للكلام تأثيرا على النفس أوقع من «حد السيف». فحين مدح حسان بن ثابت رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) في قصيدته:
عدمنا خيلنا إن لم تروها
تثير النقع موعدها كداءُ
فإن أبي ووالده وعرضي
لعرض محمّدٍ منكم فداءُ
 قال له رسول الرحمة «بالمعنى»: «لا فُضّ فوك».
وأهدر رسول الله دم كعب بن زهير حين هجاه، وحين دخل عليه مجلسه يستعطفه قائلاً:
إن الرسول لنورٌ يستضاء به
مهندٌ من سيوف الله مسلولُ
عفا عنه ثم خلع بردته الشريفة وأهداها إياه.
كان (صلوات الله وسلامه عليه) له نظرة رائعة في قداسة ميول الشاعر وتوجهاته «السيكولوجية» النفسية؛ فحين سمع شعر عنترة ويقال أنه سمع منه قوله:
وأغض طرفي إذ بدت لي جارتي
حتى يواري جارتي مأواها
قال، بالمعنى: «ما سمعتُ بأعرابي جاهلي قط فأحببت أن أراه إلا عنترة».
ولذا كان الشعر المعطاء الفاعل في مجتمع الإسلام - والذي هو وسيلة لتحقيق غايات سامية، وخدمة أهداف مقدسة - شعرًا محاطًا بهالة من النوارنية والسموّ.
ولا زلنا - حتى يومنا هذا - نبحث عن الإنسانية في كل ما يكتبه الشاعر، وفي كل ما يصدر عنه من قول أو سلوك، وحين نلاحظ تباينا بين سلوك الشاعر وشعره الذي يكتبه، ويستولي به على عقول الناس؛ نفقد الثقة به، ونتراجع عن إيماننا بأفكاره، ومبادئه، وتوجهاته، ليكون شاعراً «مذموماً» يقع ضمن النعت الوارد في الآيات الكريمة التي وصفت الشعراء في قوله تعالى: ﴿وَالشُّعَرَاء يَتَّبِعُهُمُ الْغَاوُونَ * أَلَمْ تَرَ أَنَّهُمْ فِي كُلِّ وَادٍ يَهِيمُونَ * وَأَنَّهُمْ يَقُولُونَ مَا لاَ يَفْعَلُونَ * إِلاَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَذَكَرُوا اللَّهَ كَثِيرًا وَانتَصَرُوا مِن بَعْدِ مَا ظُلِمُوا وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنقَلَبٍ يَنقَلِبُونَ. إنه واقع نعيشه وقد أحال إشراق الشعر إلى عتمة تبعث على الكآبة، وتفاقم الألم من خلال قصة “تراجيدية” عايشتُها في حياة إحدى الزميلات.
كانت تحلم بأن تتزوج شاعراً يشبع شغفها بهذا الفن، ويمطر عليها وابل الكلمات الجميلة، ويحترم أنوثتها بصدق التعبير وشفافيَّة الإحساس.
وأخيراً تزوجَتْهُ بعد طول انتظار. تزوجتْ الشاعر الذي كانت تحلم به، وتتخيل حياتها معه أسطورة تخلدها روايات الرومانسيين، ومذاهبهم المتعددة في الهوى. ستعيش، الآن، حياة تحسدها عليها آلاف الفتيات، تفتتح صباحها على نغم قصائد العشق العجيبة التي تنهي وجودها، وتستولي على تفكيرها، وتأسر مشاعرها المرهفة، وستمشي على بساط من الورد المتناثر عند قدميها، فتهون لديها كل المتاعب، وتتلاشى أمامها كل الصعوبات الحياتية، وتنعم برغد العيش، ولذة السعادة.
كانت تتصور أن حياتها ستسير بطريقة مختلفة عن باقي البشر؛ فإذا أسدَلتْ شعرَها جَنّ عليهما الليل، وإذا بكتْ تلبّدت السماء بالغيوم، واختفى ضوء القمر، وإذا ابتسمتْ بزغ الفجر معلناً ولادة يوم جديد، وستزداد الرابطة عمقاً بعد امتلاء البيت بالأطفال، وهم زينة الحياة الدنيا، ومصدر الرحمة والإنسانية في المنزل، وسيحرص الشاعر على أن تكون أنفاسه «الشعرية» هي دِفء البيت، وهي نبض حيويته ونشاطه، وكل هذا بدا «أضغاث أحلام»، أو «سرابًا بقِيعة يحسبه الظمآن ماءً حتى إذا جاءه لم يجده شيئاً».
المفاجأة أن الشاعر بدا «كتلةً من الثلج» لا يعرف شيئاً عن الحب، ولا يدرك سبيلاً للهوى، ويكره أن يخفض من كبرياء رجولته نحو امرأة هي «ملك له»، وهي طوال العمر ملزمة بتلبية حاجاته، والسهر على خدمته ورعايته. أصبح الشاعر يقضي معظم يومه في جلسات جماعيَّة يناقش فيها قضايا الأدب، ويتعرف خلالها على البديع في عالم الكتابة، ويحرص هناك على الاستزادة بكل ما هو جديد يزخر ذهنه بجمال المعنى، وإشراق النص؛ بينما تبيت الزوجة ليلها ساهرة، حزينة، مكتئبة من ذلك الواقع المرير الذي يطاردها، ويخيفها، ويسعى لافتراس رهافتها، ونقاء أحاسيسها.
لم تشعر «منى» بالفرحة أو الغبطة في إحدى الأمسيات التي حضرتها “صدفة” لزوجها الشاعر، بل خرجت تكفكف دمعاتها، وتداري احمرار وجنتيها وكآبة روحها.
خرجت لتختفي عن الأنظار هروباً من أي تساؤل يشعرها بمرارة الواقع الأليم الذي تعيشه، والذي لا يصدقه الناس، وقد يعللون بوْحها به أنه خوف من «الحسد» بينما كان الجمهور يصفق بحرارة، وينثر على منصته الورد والرياحين ابتهاجاً بكلماته الغزلية المؤثرة في محبوبته، وكادت “النساء” تُجن تعلّقاً بهذه الروح العذبة التي كلامها يشبه “السحر” في حلاوته وتأثيره على المتلقّي.
أخيراً.
لا نريد شاعراً مجرَّدًا من الإنسانية. “شاعرًا شكليًّا” يسعى لجذب الأضواء، ولفت الانتباه، وإثارة المشاعر، وتحريك النفوس لتميل إليه، وتسعى للاقتراب منه، وربما استغلال بعض المواقف من أجل تحقيق مصالحه وحاجاته.
(لا نريد عبداً لذاته)
لا نريد مخلوقاً انتهازيًّا يعيش عُقَداً نفسية، ومعاناة مع شخصيته المريضة، بحيث يخبّئ كل هذا خلف عباءة الشعر الذي هو موطن القداسة، والرحمة، والعطاء.
نريد «رجلاً حرًّا» يهب قلمه لخدمة الآهات المنبعثة من نفوس المتعبين، ويضحِّي من أجل من حوله، يشاطرهم الأنَّات، ويقاسمهم الابتسامات التي تنعش القلب، وتجدِّد جريان الدم في الأوردة.
بهذا ستولد «روح» تحلّق بنا إلى ما بعد الأفق.

 

كاتبة
323559