قراءة في (الجنون اللذيذ) للحمادي
محمد الخباز * - 4 / 9 / 2009م - 4:23 م - العدد (51)

اسم المجموعة الشعرية: الجنون اللذيذ.

اسم الكاتب: محمد مهدي الحمادي.

عدد الصفحات: 175 صفحة من القطع A 5.

الطبعة الأولى 2007م.

الدمام: دار الكفاح للنشر والتوزيع. 

يقسِّم الغذامي في كتابه الذكي (الكتابة ضد الكتابة) حضور المرأة في الشعر السعودي المعاصر إلى ثلاثة أنواع، تمثل التطور الذي مر به الشعر السعودي في معالجته لموضوع المرأة. النوع الأول هو المرأة/الموت: وفيه تكون المرأة محصورةً في جسدها، مسلوبة الإرادة وواقعة تحت سلطة القبيلة المتمثلة في الأب أو الزوج أو القبر الذي يرادف الستر والحجب في حياتها قبل أن تُحجب بالتراب في مماتها. وهذا النوع من الحضور للمرأة في الشعر هو النوع المسيطر في النصوص التراثية أو النصوص المعاصرة المتأثرة بالتراث، والتي نطلق عليها عادةً النصوص الكلاسيكية أو التقليدية. والغذامي يختار نص (قولا لذات اللمى) للشاعر حسين سرحان نموذجاً لهذا النوع يبين من خلال تحليله طبيعة حضور المرأة فيه وفي التراث. النوع الثاني هو المرأة/ الحياة: وفيه تكون المرأة ليس جسداً فقط يتمتع بالمفاتن، بل المرأة فيه أنثى، حاضرة ككائن روحي، يهب الشاعر الضوء والطمأنينة والحياة والأمل، ويعالج روح الشاعر الجريحة، ويداري مشاعره الحزينة. وهذا النوع من الحضور هو ما جاءت به المدرسة الرومانسية التي يكون فيها الشاعر حزيناً وجريحاً والأنثى بالنسبة إليه هي البلسم وهي الحياة التي تبعث روحه. ويختار الغذامي نموذجاً لهذا النوع قصيدة القصيبي (اللؤلؤة السمراء) الذي ينتمي للمدرسة الرومانسية والذي تأثر بمدرسة (أبواللو) المصرية وخصوصاً بالشاعر إبراهيم ناجي. النوع الثالث من أنواع حضور المرأة هو المرأة/ المعنى: وفيه تكون المرأة ذات حضور وجودي فاعل وواعي في النص، وذات حضور واقعي يواجه القيود الاجتماعية ويتحداها، ويسعى نحو تغييرها. إن حضورها هنا ليس حضوراً حُلمياً كما في النوع السابق بل هو حضور حياتي يهب المعنى لوجودها كإنسان له حقوقه المسلوبة والتي عليه استردادها. وهذا النوع من الحضور هو الذي كرَّسه جيل التسعينات من شعراء الحداثة كالعلي والثبيتي والصيخان والعمري الذين دافعوا عن قضية المرأة بنصوصهم. وقد اختار الغذامي نموذجاً لهذا النوع قصيدة (خديجة) لمحمد جبر الحربي.

ويمكننا بعد هذه المقدمة تصنيف شعر الحمادي في مجموعته (الجنون اللذيذ) في النوع الثاني من الأنواع التي ذكرناها، أي المرأة/ الحياة، حيث تحضر المرأة فيها كمعشوقة مدللة تهب الأمل والضياء والحياة. فالحمادي إذن ينتمي للمدرسة الرومانسية في مجموعته كلها وهي مجموعة موضوع نصوصها كلها هو الحب والمرأة من دون استثناء، إذ لا وجود لنصوص اجتماعية أو سياسية أو رثائية أو غير ذلك، فالنصوص كلها تتكلم عن ذلك الجنون اللذيذ الذي عُنونت به المجموعة.

وهذا الثبات في الموضوع يرافقه ثبات في طريقة المعالجة -كما سنفصل القول لاحقاً- وفي المستوى الفني، أي أن النصوص ذات صبغة واحدة ونفس واحد لا اختلاف بينها ولا تباين، إن استثنينا الشكل الموسيقي، حيث بعض النصوص مكتوبة على شكل تفعيلة والأخرى عمودية وهي الأقل على ما أظن، دون وجود أي قصيدة نثر في المجموعة، وهذا يتناسب مع ما أشرنا إليه من أن الحمادي ينتمي إلى جيل ما قبل الحداثة، الجيل الرومانسي الذي يميل إلى اللغة الواضحة والسهلة والصور الخفيفة، رغم أن الحمادي من الشعراء الشباب، وليس كالقصيبي الذي تكون شعرياً قبل تيار الحداثة.

وتتجلى النزعة الرومانسية في شعر الحمادي في عدة ظواهر، أحب أن أركز منها على ثلاث، أرى أنها الأبرز، ألا وهي:

1- طبيعة الخطاب:

ينزع عادةً الشاعر الرومانسي إلى الحديث عن جراحاته وآلامه ويأسه وضياع آماله، يقول مثلاً الحمادي في قصيدته (شكراً لحبك مرتين):

كانت كآباتي سطوراً

في كتاب البائسين

كانت حياتي والمنى

رهناً بكف العابثين

.

.

إني نثرتُ بواعث

الهم التي تغتالني

في حضنك المملوء

بالحب الذي لا ينتهي

يبقى على مر السنين

لكن بما أن موضوع النص لدى الحمادي هو المرأة فالحمادي لا يسترسل في الكلام عن نفسه، بل ينصرف إلى المرأة. لكن هذا الانصراف دائماً ما يكون على شكل خطاب موجه من الذات الشاعرة إلى المرأة، أي أن هناك نمطية في طريقة كتابة القصيدة لدى الحمادي، ونمطية في معالجة حضور المرأة، فالمرأة دائماً عبارة عن مُخاطب في القصيدة عليها أن تستمع لما يقول لها شاعرها العاشق لها، إنها امرأة لا تتكلم أبداً، إنها مصغيةٌ فقط. وإذا دققنا النظر وجدنا أن القصيدة لدى الحمادي عادةً ما تبدأ بالخطاب نحو الأنثى من الشاعر. يقول مثلاً مفتتحاً قصيدة (شكراً لحبك مرتين) ذات العنوان الخطابي:

شكراً لحبك مرتين

هذا فؤادي طائر غنى الهوى حتى ظهرتِ وكنت في زمنٍ حزين.

ويفتتح قصيدته (قصة حب عذرية) مخاطباً أنثاه:

غوصي في عمق شراييني يا أحلى من كل نساء الكون ويا أحلامي الوردية.

ويفتتح قصيدته (لوحة بألوان الطيف) مخاطباً أنثاه أيضاً:

رسمتك فوق قرص الشمس ألوناً تبوح ببعض أسراري.

ويفتتح قصيدته (جراحكِ مشنقتي) مخاطباً أنثاه أيضاً وأيضاً:

جراحكِ تستفزُّ الروح سيدتي وتلهب حرفي الشفاف، تدميني وتلهبني.

وهكذا دواليك، في أغلب قصائده، تتجلى النمطية في طريقة الكتابة، حيث يخاطب الشاعر حبيبته في البداية، وينصرف أحياناً إلى آلامه، ثم يعود لحبيبته ليطلب منها أن تخلصه منها وتكون له البلسم الشافي. دون أن يفسح مجالاً لهذه الحبيبة أن تتكلم أو أن تعبر عن مشاعرها أو عن وجهة نظرها. إنها تمثل بهذا حضور الغياب أو غياب الحضور كما يعبر الغذامي.

نستثني من ذلك قصائد قليلة العدد. منها قصيدة (روحي وما أملك لك) حيث تكون فيها الأنثى هي المتكلمة، فتقول:

أحبك سيدي أهواك يا نبضاً ويا أملاً يداعب صمت وجداني.

لكنها كما ترى تبدأ بخطابٍ أيضاً، ولا تجد بينها وبين القصائد الباقية أي فرق سوى تبديل ضمير المخاطب، فبعد أن كانت كاف الخطاب تتوجه للأنثى أصبحت للذكر، لتسير القصيدة على ذات منوال القصائد الأخرى. ومنها قصيدة (بوح ملهم) حيث يفتتح الشاعر القصيدة بقوله:

وقالتها: حبيبي، فازدهت بالحب أيامي ودوَّى اللحن من حرفي.

وهي المرة الوحيدة التي نطقت فيها الأنثى، ولم تنطق إلا بكلمة وحيدة هي كلمة (حبيبي).

2- صورة المرأة/ الحياة:

أوضحنا في كلامنا السابق أن هذه الصورة للمرأة هي الصورة الأساسية في الشعر الرومانسي، لكنها لا تظهر بهذا الشكل في كل مرة، بل تلبس أردية مختلفة من البلاغة، لكنها تبقى هي الأصل والصور الباقي هم التفريعات، أو هم النسخ التي تتولد من الصورة الأصل. فالمرأة تحضر مثلاً بصفتها أملاً في قصيدة (ذوبان):

أنت حتماً هذه الأشواق في صدري وأنت الأمل الساكن فيه.

وتحضر بصفتها الحلم المنقذ في قصيدة (مناجاة الحنين):

الأمنيات الآن تسكنني وأنت الحلم يا أملي وطيفك في سكون الليل أيقظني وأحياني.

وتحضر بصفتها الضوء الذي يضيء ظلام الشاعر في قصيدة (أنشودة الصباح):

صباح الخير يا ألقاً يضيء ظلام أيامي.

إلى غير ذلك من الصور التي هي مرادفة للصورة الأساسية التي هي صورة المرأة/الحياة التي تنقذ الشاعر مما هو فيه.

3- المرأة في النصوص امرأة مثالية لا واقعية:

طبيعة النصوص الرومانسية أنها ذات طبيعة حالمة تعيش في الخيال ولا تعيش في الواقع، ولذلك فمن الطبيعي أن تكون المرأة فيها امرأة مثالية لا عيب فيها ولا نقص، فهي جميلة كل الجمال وكاملة من كل الجهات ولا شبيه لها ولا مثيل، يقول الحمادي في قصيدته (أميرة النساء):

أميرتي رائعةٌ نقيةٌ طاهرةٌ شفافةٌ من قلبها مناهل الصفاء..

أميرتي ليس لها مثال

أميرتي شيء خرافي غريبٌ عانق السماء.

إنها امرأة خيالية، مثالية، غير موجودة إلا في قصص ألف ليلة وليلة، إنها امرأة لا تضجر ولا تأكل الهمبرغر ولا تدخل إلى دورة المياه ولا تتلفظ بالألفاظ القبيحة، إنها امرأة مفارقة للواقع، لأنها من إنتاج مدرسة مفارقة للواقع، ولذلك سميت بالمدرسة الرومانسية.

هذه هي الثلاث المظاهر التي تتجلى فيها الطبيعة الرومانسية لشعر الحمادي، وكلامنا عنها لم يكن من باب أنها مآخذ على الشاعر أن يتجنبها، فللشاعر خياراته في كيفية كتابته وطبيعتها، نحن فقط قمنا بالتحليل، ولا نريد هنا أن ندخل في التقييم، لأن ذلك يجرنا إلى مباحث ثقافية لا نريد الدخول فيها هنا.

شاعر وناقد - السعودية
370314