متغيرات اليوم والوعي المطلوب
التحرير - 4 / 9 / 2009م - 4:34 م - العدد (50)

في عالم اليوم حيث المتغيرات السريعة الضاغطة بقوة على الموقف؛ من الصعوبة أن يبقى أو يكون موقف الإنسان متوازناً أو تكون رؤيته واضحة، إن المتغيرات السريعة، تثير الكثير من الضباب حول التصورات والرؤية، كما إنها تجعل الواقع متغيراً وكأنه رمال متحركة مما يصعب اتخاذ القرار والرأي الصائب.

ففي عالم اليوم حيث التطورات النوعية والكمية يغلب على تصوراتنا ومواقفنا القلق والخوف من المجهول وسهولة وصف الواقع وإشكالياته وصعوبة بلورة ملامح الحل والمعالجة.

لهذا من الضروري، أن يتسلح الإنسان بوعي عميق ورؤية بعيدة المدى، حتى يتسنى له تبديد الغبش، واختراق الركام الذي يحول دون صفاء الرؤية واستقرار التصورات.

وبطبيعة الحال فإن هذه المسألة ليست وصفة جاهزة وقابلة للاستعارة أو الاستيراد، وإنما هي عبارة توفر جملة من القيم والاهتمامات تمثلها وتجسيدها في حياة الإنسان هو الكفيل بتحقيق الوعي العميق والرؤية الصائبة.

لأن الإحاطة بالمتغيرات ومتوالياتها الواسعة في مساحتها والمعقدة في تركيبها والمتداخلة في خطوطها، تستلزم حضور العقل والوعي في كل اللحظات الزمنية، وأي غفلة أو تراخ في هذا الصدد هو خروج عن المعايشة، وغربة عن الحدث وتعقيداته وتشابكاته.

لذلك فإن آفة الوعي والحضور هي الغفلة لأنها تؤدي إلى استقالة العقل في لحظات مصيرية وحاسمة وتزيد من إرباك الوعي في وقت أحوج ما يكون إليه الإنسان إلى صفاء الرؤية وصلابة التصورات.

ولا نعدو الصواب حين القول؛ إن الغفلة بمعناها العام والعميق هي من المشاكل الكبيرة في الواقع العربي والإسلامي حيث ألقت بآثارها الثقيلة على طبيعة الاهتمامات في هذا الواقع حيث في زمن الغفلة تكثر الاهتمامات الجانبية وينشغل بها الناس وتأخذ الكثير من الوقت والتفكير والجهد على حساب الاهتمامات الكبرى أو ذات الأولوية.

ولا حاجة لنا لبيان المخاطر والآثار السيئة الكثيرة المترتبة من هذه الظاهرة، ولكن يكفي القول إن الغفلة بآثارها النفسية والمجتمعية تضر بحاضر الأمة ومستقبلها لأنها تلغي فهم متطلبات الواقع وطبيعته من هنا نرى أن أحد تجليات مفهوم السياسة أنه فن التحسب للآتي بالتخطيط والمتابعة أمّا تسجيل الموقف أو البوح بالقول ثم الدخول في نوم عميق بانتظار ما تسوقه المقادير فذاك من أردأ السياسات.

لذلك يمكننا تحديد معنى الغفلة وآثارها الخطيرة في النقاط التالية:

سيادة الفهم السطحي للظواهر المجتمعية الذي ينظر إلى الأمور من زواياها الظاهرة والفوقية بعيداً عن عمق الظاهرة وجذورها الحقيقية. ولا ريب أن السطحية في التفكير وتقويم الأمور تزيد من تدهور الوعي وتكبح كل مبادرة تسعى نحو تبديد الغيوم التي تحول دون الوعي العميق والفهم الواقعي.

1)       الاستقالة من المسؤولية وسيطرة الرؤية الجبرية التي لا ترى للإنسان أي دور في توجيه التطورات والمتغيرات بحيث تكون في صالحه بدل أن تكون ضد مصالحه وقضايا أمته. وفي العادة يكتفي المرء بقول رأي أو تسجيل موقف، ويتراخى عن الالتزام بمسؤوليته، وحين تنطبق رؤيته والواقع يرى أنه قام بواجبه ولكن جهل الناس أو عدم التفاتهم إلى وعيه وعبقريته هو الذي ضيع عــليهم العديد من الفرص.

2)       عدم المتابعة الدقيقة والمستمرة والواعية لتطورات عالم اليوم وبالتالي فهو يتأخر في وعيه وإدراكه ونمط تفكيره عن تطورات الساعة مما يؤدي إلى سيادة الرؤية العقلية النمطية التي ترى أن ما يقوله هو محور الكون والتطورات حتى لو تجاوزت الأحداث مضمون ما يقوله أو ينادي به.

إن سرعة التطورات وشموليتها من جهة، وسيادة الغفلة في واقع الإنسان من جهة أخرى يجعل الإنسان بعيداً كل البعد عن فهم مجريات الأحداث وتطورات الساعة ويعيش في عالم يختلف كليا أو في أغلب أموره عن عالم الراهن ومتطلباته.

3)       غياب الرؤية الإستراتيجية التي تتابع تطورات اللحظة وتسعى نحو التأثير أو المشاركة فيها دون إغفال التخطيط للمستقبل وامتلاك رؤية عميقة للزمن الآتي.

وإن احد تجليات أو معاني الغفلة هو اللهاث الدائم وراء الأحداث والتطورات الوقتية دون السعي إلى التأثير أو المشاركة فيها.

وغياب أي رؤية أو نظرة تحليلية إلى تطورات الغد ومتطلباته، إنها “ الغفلة “ ركض وراء ما يفعله الغير بدون رؤية راهنة أو مستقبلية.

وإزاء هذه الحالة التي تبدد الطاقات بسكونها وتقضي على الآفاق والإمكانات بسباتها وعدم يقظتها من الأهمية بمكان القول إن تطورات اليوم تتطلب يقظة تامة لإدراكها وفهم آليات عملها كمقدمة ضرورية للتأثير أو المشاركة فيها.

وينبغي أن ندرك أن مسألة اليقظة هي مسألة الحياة فليس هناك في الحياة شيء لا يتطلب يقظة وحضوراً.

وهذا يتم عن طريق الآتي:

العمل المؤسسي:

لعله من البديهي القول أن التطورات التي تتلاحق بشكل هندسي في مختلف المجالات لا يمكن فهمها واستيعابها إلا بعمل مؤسسي يأخذ على عاتقه جمع الطاقات والكفاءات وتوفير كل الامكانات المتاحة حتى يتسنى لها فهم تطورات اليوم ومتغيرات الراهن.

إن العمل المؤسسي القادر على استيعاب هذه التطورات ليس ذلك العمل الذي يتحرك ببطء أو تعوقه معوقات ذاتية عديدة، وإنما هو ذلك العقل الذي يسير على هدى خططه وإستراتيجياته، ويستثمر كل الفرص الواقعية لكي يتحول هذا العمل إلى حياة تنبض وتنمو وتتراكم لكي تكون قادرة على استيعاب تطورات اليوم وإن الجهد المطلوب من العمل المؤسسي هو استثمار كل الامكانات والطاقات لكي تتحول هذه المؤسسة إلى بلورة عمل ونشاط وحيوية ومركز إشعاع وتخطيط وموقع لامتصاص خبرات العصر وإمكاناته.

إننا في هذا العصر لا يمكننا أن نحقق مفهوم اليقظة ونطرد من واقعنا آثار الغفلة إلا بعمل مؤسسي يراكم الخبرة، ويكثف الوعي والحضور ويزيد من فرص وآفاق الشهود المعرفي والحضاري.

الخروج من شرنقة الأنا:

كما إنه لا يمكن أن يتم استيعاب تطورات اللحظة التاريخية بدون العمل المؤسسي الذي يجمع كل الطاقات ويوجهها في بؤرة واحدة وإلى هدف محدد. كذلك لا يمكن تحقيق الوعي المطلوب والمنسجم ومتطلبات الراهن إلا بالخروج من شرنقة الأنا، إذ إن الانطواء على الذات والانحباس في قضاياها اليومية يمنع -بشكل كبير- انطلاقة العقل نحو القضايا الإستراتيجية والعامة.

وهذا بطبيعة الحال لا يعني أن لا يعتني الإنسان بقضاياه، وإنما ينبغي إعطاؤها الحجم الطبيعي، وعدم الانغماس في قضايا الأنا المختلفة، لأن تضخيم الأنا يعني -على المستوى الفعلي- بروز الأنانية وهي لا شك من المعوقات الأساسية التي تحول دون انطلاقة العقل لاستيعاب التطورات، وإدراك وبلورة مشروع الاستجابة لتلك التطورات.

إننا -في العالم العربي والإسلامي وأمام هذه المتغيرات المتلاحقة- بحاجة إلى خروج كل واحد منا من شرنقة أناه، والانطلاق في رحاب العالم وآفاق الأمة والإنسانية.

239424