عينين (عين أم سبعة)
فضل بن عمار العماري * - 4 / 9 / 2009م - 4:36 م - العدد (50)

عينين

قال الراعي

يحثُّ بهن الحاديان كأنما

يحثّان جَبّاراً بعينين مُكرَعا[1]

ويأتي تحديد «عينين» عند القدماء على النحو التالي:

قرية بالبحرين، كثيرة النخل[2].

مكان بِشِقّ البحرين، كثير النخل[3].

ماء من مياه العرب، في ديار عبد القيس[4].

أما التحديد المعاصر، فيراه الجاسر: «بلدة عينين كانت معروفة بهذا الاسم إلى منتصف القرن الماضي، حيث عُرفت باسم الجُبَيل، شمال القطيف»[5]، وهذا القول غير صحيح، إطلاقاً، فـ«الجبيل» كانت معروفة بهذا الاسم قبل منتصف القرن الماضي، وظلت معروفة به حتى الآن، وتُبيّن القصة التالية حقيقة هذا الموضع، قال ياقوت: «أما يوم عينين بالبحرين؛ فكانت بنو منقر بن عبد الله بن الحارث، خرجوا ممتارين، فعرضت لهم بنو عبد القيس، فاستعانوا بني مجاشع، فحمَوهم حتى استنقذوهم»[6]، وقال الهجري: «البحرين بها عين هَجَر، بلد خُليد عينين، الشاعر»، واستشهد على ذلك بقول الراجز:

يتبعن عوداً قالياً لعينين

راح وقد مَلّ ثواء البحرين[7]

وفي هذا الرجز دلالة واضحة على أن «عينين» في شِقّ البحرين، في أطرافها، ثم إن الجبيل ليس كثير النخل، كما وصفوه، بل فيه نخل قليل الآن، وكان قبلاً أرضاً جرداء، لا يوجد بها سوى بعض الشجيرات البرية، ولا يمرّ بها سوى البدو الرحل الذين يأتون لها طلباً للماء من عيونها القريبة[8]، وقولهم: «بِشِقّ البحرين»، يعني أن «عينين» من البحرين، وفي شِقّ البحرين: في طرفها، الملتصق بها، وهذا معنى «شِقّ» في تعبيراتهم، ومسألةٌ لها قيمة هنا، وهي أن عبد القيس قبل القرن الأول الهجري، عصر خليد عينين، ومع بدايات الإسلام، كانت قد انزاحت تماماً من أطراف الأحساء الغربية، أي طرف السُّودة الجنوبية الشرقية حتى (عين دار)، ودخلت إلى حواضر الأحساء، ذكر ياقوت: «هذه المواضع دون هجر، في بلاد بني سعد، وكانت قبل لعبد القيس»[9]، وذكر كذلك: «صُلاصل: ماء لعامر بن جذيمة، من عبد القيس، في واد يقال له: الجوف، به نخيل كثيرة، ومزارع جمّة»[10].

على أن الأمر يتجاوز ذلك التعميم مرة، والتخصيص مرة أخرى، إلى قول الهجري: «البحرين: بها عين هَجَر»، ولا مكان في المنطقة الشرقية معروف بأنه «هجر» سوى (الأحساء - الآن)، ويأتي دليل آخر تأكيداً على هذا في قوله بعد ذلك: «البحرين: بها عين هَجَر، بلد خليد عينين»[11].

فإذن؛ «عينين» بهجر، بالأحساء، وهي بلد خليد عينين، ولا دخل للجبيل بها، على أن الجاسر يعلّق على هذا، فيقول: «وهذا غريب حقّّاً»[12]، وما الغرابة في ذلك؟ إن الغرابة تأتي من تشبُّثنا، نحن، بربط «عينين» بـ(البوعينين)، وبالجبيل فقط، أما ما يوثّق كون «عينين» بهجر، حسب تحديد الهجري، فهو قول جرير يهجو خليد عينين:

كم عمة لك، يا خليد، وخالة

خضر نواجذها من الكُرّاث؟

نبتت بمنبته فطاب لريحها

ونأت عن القيصوم والجَثجاث

وإنما هجاه بالكُرّاث؛ لأن عبد القيس يسكنون البحرين، والكراث من أطعمتهم[13]، وهذا دليل قاطع على أن بلد خليد عينين هي هجر (الأحساء)، وليست البادية، خارج نطاق الأحساء، في ديار عبد القيس الأولى في غربها، أو حتى في شمال السُّودة التي تضم الجبيل، فالمنطقة منطقة زراعية، تنتج البقول، ويعمل أهلها بالزراعة، وهم مستقرّون في ديارهم، وحقولهم. ويواصل جرير تهجّماته على خليد، ملصِقاً إياه بالحاضرة، فيقول:

لقد علقت يمينك قرنَ ثور

وما علقت يمينك باللّجام[14]

كما يقول:

أقول ولم أملك سوابق عبرة

متى كان حكم الله في كَرَب النخل[15]؟

ويدافع خليد عن نفسه، مثبتاً هذه الصفة فيهم، فيقول:

أعيرتنا إن كانت النخل مالنا

وودّ أبوك الكلب لو كان ذا نخل[16]

كما هجاه الراعي، ناسبا إياه إلى الدعة والسكون، فقال:

أخليد إن أباك ضاف وسادَه

هَمّان باتا جَنبَةً ودَخيلا[17]

 ومن هنا قال أحد العبديّين:

ألا حبّذا الأحسا وطِيب هوائها

ورَكّالها غاد علينا ورائح[18]

و«الرّكّال» هو «الكراث» نفسه، أو «الرَّكَل» أيضا في لغة أهل العامّة القدامى بالأحساء. إنها الأحساء، هجر، بلد خليد عينين التي تنتج تلك البقول، ولقد اتفق الوصف الجغرافي، والوصف الزراعي، والتحديد النّسَبي، على هذا، حتى إن التحديد الزمني يؤيده أيضاً، بل التخصيص المكاني بالأحساء، وإضافة إلى ما ذكره ياقوت عن إزاحة عبد القيس عن مناطقها في غرب الأحساء منذ العهد الإسلامي، فإن أقدم من ربط خليد عينين بالأحساء هو ابن سلاّم (ت 231هـ) في قوله مرتين: «خليد عينين، من أهل هجر»[19]، وتلاه بعد ذلك المبرِّد (285 هـ) في استشهاده بهجاء جرير وقول أحد العبديّين سابقاً، وبعدهم الهجري (من رجال أواخر القرن الثالث الهجري)، بعد المبرّد. وأخيراً قول البكري: «خليد عينين العبديّ الهجري»، ثم قوله: «خليد عينين، وكان ينزل قرية بالبحرين يقال لها: عينين»[20]، وهذا إثبات قاطع بنسبة خليد إلى هجر وحدها، وليس إلى سواها، وبهذا، فلا مجال لأخذ «خليد عينين» إلى الجبيل، الأرض الجرداء التي لا تنبت النخل بكثافة، إذ يتطلّب ذاك ماءً دفّاقاً، لا ينقطع، وهو مصداق قول الراعي:

يحث بهن الحاديان كأنما

يحثّان جَبّاراً بعينين مُكرَعا

النخيل غارق، مرتَوٍ من المياه الوفيرة التي لا تنقطع «مكرعا»؛ ولهذا؛ فالنخيل ليس كثيفاً فحسب، بل «جَبّارا، أي: طويل، سامق، ضخم، شاهق، وكل هذه الأوصاف لا تتمتّع بها نخيلات الجبيل، والبيت مع بيت آخر منسوبان لكعب بن زهير في قوله بعد البيت الأول:

غُلب الرقاب سقاها جدول سَرب

نخل بعينين ملتفّ مواقير[21]

وهذه صورة نقلها كعب الذي لم يَرَ «عينين» قطّ من التراث، وكذلك فعل الراعي الذي لم يزر هذه الناحية من البحرين، والبيت ليس في شعره، الأمر الذي يرجّح نسبته إلى كعب بن زهير، وإذا عددنا قول الراجز السابق: «راح وقد ملّ ثواء البحرين» على أنه يعني «هجر» (الأحساء - الآن)؛ فذلك؛ لأنهم كثيراً ما ربطوا بين «هجر» والبحرين، فهي قصبتها، وإليها تَرِد البادية، وهذا مما يعضّد كون «عينين» هي تلك.

عينين = عين هجر

إذا ما استقرّ الرأي على أن «عينين» بهجر (الأحساء - الآن)، فإن قولهم: «البحرين بها عين هَجَر»، وقولهم: «بِشِقّ البحرين» يضعنا أمام حالة واحدة فقط وهي: «عين مُحَلِّم».

فهذه التي اشتهرت بها «هجر»، وارتبط ذكرها بالبحرين، وكما تبيّن من قولهم: «شِق البحرين»، أي: طرف هجر هنا من ناحية البرية الغربية، ولا توجد «عين في طرف الأحساء ذاك يفيض ماؤها، إلا (أم سبعة)، وهي التي تؤدّي نحو الغرب مباشرة. إن (عين أم سبعة)، تأتي إلى الشمال الغربي من المبرّز، ومنها ينتقل المسافر إلى الغرب، وهي، كما في الطبيعة تقع في طرف هجر، أي: «شِقّ البحرين»، وهو التعبير المعتاد المتّفِق مع واقع (عين أم سبعة)، وهذا يضيّق من مجال الخلاف حول تحديد «عين محلِّم» (عين أم سبعة)، إذ إن (عين الحارّة)، مثلاً، تأتي إلى الشمال الغربي من المبرّز مجاورة له، والمسافر المتّجه من البطّالية نحو الغرب، وتحديداً نحو الحَفَر، وهي منطقة بني مجاشع شرقاً، سوف يسلك طريق (عين أم سبعة)، وتتبّع عبد القيس للمتسوّقين من الأحساء، في إقبالهم على الصحراء، هو حتى تلك الناحية، تاركين قرية المبرز و(عين الحارة) على شمالهم، وهذه أبعد نقطة يمكن للمطاردِين اللحاق بأولئك، حتى لا يقعوا في الدهناء.

على أن الإشكال جاء من قول البعيث:

ونحن منعنا يوم عينين منقراً

ولم ننبُ في يومي جدود عن الأصل[22]

وقول الفرزدق:

ونحن أجزنا يوم حزن ضرية

ونحن منعنا يوم عينين مِنقرا[23]

وكما تقول القصة السابقة: «أما يوم عينين: بالبحرين، فكانت بنو منقر بن عبد الله بن الحارث، خرجوا ممتارين، فعرضت لهم بنو عبد القيس، فاستعانوا ببني مجاشع، فحموهم حتى استنقذوهم»، ويعني «خرجوا ممتارين» أنهم استكملوا بضاعتهم من سوق هجر، وسوق هجر المعروفة هي التي تقع في (الأحساء) التي قامت قرية (البطّالية) على أنقاضها، ثم مضوا متّجهين نحو البادية، أي: نحو الدهناء، فالصمان، غرب الأحساء، ويتوقّف المدّ الزراعي عند حدود (العيون) شمالاً غرباً، وحيث يمكن لعبد القيس أن تعترض طريقهم، وهم في ديارهم، وليس خارجها؛ ولكن في مسافة تمكنّهم من النَّيل منهم، ولهذا نصّوا على أن: «البحرين: بها عين هَجَر، بلد خُليد عينين، الشاعر»، أي: هي الآن: «عين محلم» (عين أم سبعة)، غير أن ما جعلنا ننصرف، كليَّةً، عن الربط بين «عين محلم» (عين أم سبعة) و«عينين» - أو عن هجر بعامة - هو إلحاحنا الشديد على الجبيل، وأمر آخر له أهميّة هنا، وهو أن القدماء أنفسهم كانوا غير دقيقين في التعريف، فهم جَرَوا على تعريف «عين محلم»: «عين محلم: نهر عظيم بهجر». ولكنهم، في الوقت نفسه، كانوا - إذا تحدثوا عن «عين هجر» - تحدثوا عنها وكأنها غير هذه، بينما الواضح أنهم يقصدون الأولى ليس غير، وزاد الأمر لَبساً أنهم ذكروا «عينين» مثنّاة، فرحنا نبحث عن التثنية؛ لأن المفرد هو المتكرّر في قولهم: «عين هَجَر، بلد خُليد عينين، الشاعر».

على أنها عين واحدة، وليست اثنتين، ممّا يستبعد «عين محلم» (عين أم سبعة)، ويزداد الأمر تعقيداً بهذه الإضافة: «عين هَجَر، بلد خُليد عينين، الشاعر»، فلدينا (عين)، وتبدو غير ذات علاقة بالثانية، وهذا صريح في هذا النص، إلا أن ابن سلام قال: «خليد عينين، وكان ينزل قرية بالبحرين يقال لها: عينين»، وهذا يجعل الإضافة لمكان اسمه «عينين»، ولِحَلّ هذا الإشكال الذي لا يعنينا كثيراً - بعد أن تأكدنا من «عين هَجَر»، بلد خُليد عينين» (عين أم سبعة) - هو أن الإضافة جاءت من تثنية الاسم، وهذا كثير في أشعارهم يثنّون المفرد، وهم لا يريدون به إلا الواحد، بحيث يضطرنا إلى استبعاد «عين هجر»؛ «عين محلم»؛ (عين أم سبعة) فقط، ويزداد الأمر غموضاً باستشهادهم بقول الراجز السابق:

يتبعن عوداً قالياً لعينين

راح وقد مَلّ ثواء البحرين

غير أن الهجري نفسه هو الذي ذكر توًّا: «البحرين؛ بها عين هَجَر، بلد خُليد عينين، الشاعر»، أي: إن «عين هجر»، «عين محلم» - كما نرى الآن - هي (عين أم سبعة). أما التثنية، فإلى جانب إرادتهم المعروفة بالاثنين واحداً، فإن العين الأخرى هي (عين الحارة)، وهم أطلقوا مسمى «عينين» لتقارب العينين، غير المتباعدتين، وكانت شهرة «عين هجر» هي الماثلة، فذكروها مفردة، على حين غابت عن الذكر (عين الحارة)، ومع ذلك، فإن الحلّ الحاسم لكون «عين هجر» هي «عين محلم» (عين أم سبعة) هو رسم الطريق من (البطالية)، حيث سوق هجر إلى الدهناء فالصمَّان، وهي الطريق المؤديّة مباشرة نحو الدهناء والصمّان، وحيث منازل بني مِنقَر، وليست (عين الحارّة) في طريق يسيرة كتلك، لقد حدّد نصر الإسكندري: «العين: بهجر، وهي عين محلم»[24]، وهذا يقطع الطريق على أي تفسير يفرِّق بين «عين هجر» و«عين محلم».

ومشكلة أخرى يثيرها قول ابن سلاّم الأول: «خليد عينين، وكان ينزل قرية بالبحرين يقال لها: عينين»، فهنا «قرية بالبحرين يقال لها عينين»، مع أننا صادفنا الحديث عن «عين هجر»، فالآن لدينا «قرية»، ويبدو الإشكال محلولاً حين نضع في حسابنا أن كل عين حذاءها قرية، أو في وسط قرية، و(عين أم سبعة) تضم نخيلاً شرقها وجنوبها، وهي التي اتخذت اسم «عينين»، أما شماليّها وشماليّها الجنوبي، فمحاط بالرمال.

لقد بحث المعاصرون عن مسمى لـ «عينين» في «هجر»، فلم يجدوه، وعرفوه موجوداً إلى وقت قريب في الجبيل، فظنّوه هو، ولم يحاول أحد أن يبحث عنه في هجر؛ والسبب - كما اتّضح - هو عدم تعيين تلك العين، والسبب الآخر هو التثنية فمدلول قرية.

لقد ارتبطت البحرين بالعين، وارتبطت قصبتها هجر بها، فكانت الإشارة دوماً إليها، فهي:

«نهر عظيم، عين فوّارة، لها مجارٍ واسعة، و«عين هجر» أيضاً: عين يفيض ماؤها، فيسقي أرض الناس»[25]، وربما كان ترجيح كون (عين الحارّة) مبعثه قول الأزهري: «عين محلم: تسقي نخيل جواثى وعسلَّج، وقُرَيّات من قرى هجر»[26]؛ على أساس أن (عين أم سبعة) في الشمال، وهي متطرّفة في «شِقّ البحرين»، مع ملاحظة هذه الصفة، متطرفة.

«الصفا» (عين الحارّة)

يرى الجاسر أن «عين محلم» هي «عين هجر» المذكورة ههنا[27]، أما عبد الله شباط، فيرى أن «عين محلم» هي (عين الحارة)[28]، وإذن، فهي بلدة «خُليد عينين»، ولكن هذا يُلغي كون (عين الحارّة) هي «عين محلم»؛ لأن صفات «عين محلم» تنطبق على (عين أم سبعة)،ويرى الرأي نفسه محققو ديوان ابن مقرب على أساس ما جاء في ديوان ابن مقرب من الظرفية في: «بين النهرين محلم وسليسل»[29]، وما ذكره الأزهري من سقيا «جواثى» و«عسلّج»، واستحالة ذلك بالنسبة لـ (عين أم سبعة)[30]، فإذا وضعنا في الحسبان أن الحديث ليس عن عين، وإنما الحديث عن: «نهر عظيم، ذي خُلُج كثيرة تتخلّج منها»، أي: أن هذا النهر المتدفِّق تنحدر بعض مياهه نحو القرى في الجنوب الشرقي من مجرى النهر الأساس بصورة من الصور نحن لا نعلمها حقّ العلم اليوم لتغيّر التضاريس، ولا ينطبق القول: «نهر عظيم، كأنه نهر بَلْخ (بخراسان)[31]؛ لاتساعه، وضخامته، وامتداده، إلا على (عين أم سبعة)؛ لأن (عين الحارّة) تنقطع في بحيرة (الأصفر)، بينما (عين أم سبعة) هي التي يمكن أن تجري نهراً حتى الشرق, يصب في البحر، و(عين الحارّة) ليست في الطرف القصيّ من الأحساء، وإنما بمحاذاتها، أو لعل تعميماً جرى في ذلك من قبل الأزهري؛ لأن المنطقة كلها كانت مغمورة بالمياه، والواقع أن محققي ديوان ابن مقرب أنفسهم حائرين في التحديد؛ فلقد واجهوا الظرفية بشيء من الافتراض حين ذهبوا إلى (عين الحارّة)، مستبعدين (عين الخدود)، و(عين الحقل) اللتين ينبع منهما (سليسل)، وكان الأولى افتراض ذلك، لا الذهاب إلى (عين الحارّة) لمجرد أنها تقع في مستواهما الأفقي، مع ما بينهما من تباعد، وإذا جاز ذلك الافتراض؛ فإنه من الجائز، أيضاً، أن تكون (عين أم سبعة) هي «عين محلم»، حتى إن آل عبدالقادر يستبعد أن تكون أي عين من العيون الموجودة الآن بالأحساء هي التي تسقي «جواثى»، و«عسلج»[32]، مما يفتح الباب لوجهة النظر المطروحة هنا من كون «نهر الصفا» هو (عين الحارّة).

نهر (الصفا)

لقد وصف ياقوت «الصفا» بأنه: «نهر بالبحرين، تخلّج من عين محلم»[33]، ويرى ابن بليهد أن «الصفا» هو «المبرَّز»[34]، غير أن الجاسر لا يوافق العبد القادر في رأيه بأن: «الصفا: قطعة من الأرض بين مدينة الهفوف ومدينة المبرز، تسمى: الصُّفَيّا». فيقول: «ما أرى الصفيا تنطبق عليها أوصاف الصفا، فهي مكان مرتفع، ولا أثر لمجرى النهر فيها، وليست بقرب عين أم سبعة، نهر محلم»[35]. أما محققو ديوان (ابن مقرب)، فيرون أنَّ: «الصفا: جبل صغير يقابل جُبيل رأس قارة من الشمال الشرقي منه بمسافة 700م تقريباً، ويدعى اليوم باسم جبل أبو الحصيص الواقع للشمال من قرية التويثير الملاصقة لقرية القارة، وجبيل أبو الحصيص هذا هو - بلا شك - التل أو الجبيل الذي كان يقوم عليه، وفيه حصن الصفا»[36])، وهكذا، فعل الجاسر، إلا أنه احتاط بالجمع بين الحصن والنهر، وإن لم يحدده، فقال: «حصن الصفا، أو نهر الصفا»[37].

أما من أين جاء تعريف «الصفا» (النهر) بأنه «جبل»، فالمصادر لا تذكر هذا إطلاقاً، فيما يختص بـ«هجر»، وإنما تحديد القدماء واضح بأنه «نهر: يتخلَّج من عين محلم»، فإذا كانت «عين محلم» هي (عين الحارة) الواقعة شمال غربي (المبرز)، فإن «الصفا» الواقع جنوباً منها، وبعيداً عنها، لا ينطبق على «الصفا» (النهر)، كما يؤكدون، والجاسر نفسه استبعد كون: «الصفيا تنطبق عليها أوصاف الصفا، فهي مكان مرتفع، ولا أثر لمجرى النهر فيها، وليست بقرب عين أم سبعة، نهر محلم»، ولو ذهب إلى ما ذهبنا إليه هنا من قرب (عين الحارة) من (عين أم سبعة) على أساس أنها «عين الصفا»، لبدا ذلك مقبولاً إلى حدّ ما.

وحيث رأينا الأوصاف تنطبق كلها على (عين أم سبعة) على أنها «عين محلم»، فإن العين الأخرى القريبة منها هي (عين الحارة)، وهي التي لها الشهرة كشهرة «عين محلم»، ومهما كانت حقيقة: «تخلج منها»، فإنه يبدو أن ما في ذهن القدماء هو هذه، وبهذا يترجّح رأي ابن بليهد، إلا أنه ليس (المبرّز)، وإنما (عين الحارة)، وعلى العموم؛ فإن قول ياقوت: «الصفا: عين تخلج من محلم» يلغي أية صلة لـ(جبل قارة) بـ(عين الحارة). أما كون «الصفا» نهراً، فرعاً من نهر أكبر، حسبما وصف ياقوت، وليس جبلاً، فهو قول لبيد:

بين الصفا وخليج العين ساكنة

غلب سواجد لم يَدخُل بها الحَصَر[38]

فهنا «العين» «عين محلم»، كما اتّضح هذا، وبينهما كانت مزارع كثيفة في ذلك الزمان، وهنا كان الجمع بين (عين أم سبعة) و(عين الحارة) «عين محلم والصفا»، كما قال لبيد أيضاً:

سُحق يمتِّعها الصفا وسريّه

عُمٌّ نواعم بينهن كروم[39]

وقال كذلك:

فرحن كأن الناديات من الصفا

مزارعها والكارعات الحواملا[40]

وكذلك قول امرئ القيس:

أو المكرعات من نخيل ابن يامن

دوين الصفا اللائي يلين المشقّرا[41]

على أساس أن «الصفا» (نهر) (عين الحارة)، وأن هذه النخيل مما يلي (عين أم سبعة) «عين محلم»، ولاسيما أن هذه المنطقة الموصوفة بهذا النوع من النخيل كفيلة بأن تغطي مساحة تجمع بين (المبرز) و(القرين) غرب (عين أم سبعة)، التي يأتي جزء منها «نخيل ابن يامن»، ومن ثم، يكون لدينا نهران يبدوان متفرعين؛ الواحد عن الآخر، في عهود قديمة كانت الأحساء غارقة بالمياه؟

حصن (الصفا)

أما «الصفا» المذكور في هجر سوى «العين»، فهو الذي جاء في قول ياقوت: «والصفا: حصن بـ(هجر)»[42]، وهذا «حصنٌ» حقيقةً، واستعمل ياقوت حرف العطف (الواو)، لتمييزه عن (النهر)، وهُم كثيراً ما أشاروا إلى «محلم» بأنه «العين»، كما في قول لبيد السابق: «بين الصفا وخليج العين» - ولاحظ الظرفية - ولبيد وصف «الصفا» بأنه (نهر) كقوله السابق: «يمتِّعها الصفا وسريّه»، وتجنّباً لذكر كثير من الأشعار التي تقرن «المشقَّر» بـ«الصفا»، فإنه يكفي قول جرير:

تركتم بوادي رحرحان نساءكم

ويوم الصفا لاقيتم الشِّعب أوعرا

الذي يجعله الجاسر، هذا الذي بالأحساء، كما ذكره ياقوت، وكما أكده ابن بليهد[43]، وهذا ليس بصحيح، ويكفي أن يقول جرير «الشِّعب»، ليعني «يوم جبلة» بنجد، وهو ما يثبته قوله قبله: «والشعب ذا الصفا».

المشقَّر / (المبرَّز)

حدّد القدماء «المشقر» على النحو التالي:

«قصر بالبحرين؛ مدينة عظيمة قديمة في وسطها قلعة، على قارة، وفي أعلاها بئر تثقب القارة حتى تنتهي إلى الأرض، وتذهب في الأرض، وماء هجر يتحلَّب إلى هذه البئر في زيادتها، وتحلُّبها: نُقصانها»[44].

«حصن بالبحرين يلي حصناً آخر يقال له: الصفا قِبَل مدينة هَجَر، وبين الصفا والمشقر نهر يجري يقال له: العين»[45].

وحدّده المعاصرون، بإجماع، على أنه، كما يرى الجاسر، جبل (القارة)[46]، وبهذا يتفق المعاصرون كلهم على وسط الأحساء. أما الجاسر، فكان قد حدّد «محلم» على أنها (عين أم سبعة)، وهذه تقع جنوب قرية (القرين)، أما محققو ديوان ابن مقرب، فيرونها (عين الحارة)، والسؤال هو: كيف تكون الظرفية «بين»، فتجمع (القارة) و(عين أم سبعة) أو (عين الحارة) و(القارة)؟ فنحن أمام عدم اتفاق في التحديد، وهذا مشكل؛ فإذا أخذنا بأقوال القدماء، حسبما نقل ياقوت: «بين الصفا والمشقر نهر يجري يقال له: العين»، سواء كان هذا هو (عين أم سبعة)، أو (عين الحارّة)، حسب وجهات النظر، فإن «الصفا»، هنا، ليس عيناً، وإنما حصن، وباستخدام الحجة نفسها التي قدّمها محققو ديوان ابن مقرب، في كون «بين» تعني الامتداد نفسه، فإن «الصفا» الذي حدّدوه بـ(جبل التويثير) لا يقع في موازاة (عين الحارة) «عين محلم»، كما يرون. أما الجاسر، فأغفل ذلك تماماً.

على أن ياقوتاً ذكر: «الصفا: قصبة هجر»[47]، وابن بليهد يراه: «الصفا: قصبة المبرز»[48]، وهذا يقرّبنا كثيراً إلى (عين الحارة)، القريبة من (المبرز)، بحيث تكون (عين الحارة) هي نهر «الصفا»، أما «المشقر»، فإن قولهم: «بين الصفا والمشقر نهر يجري يقال له: العين»، ينقلنا إلى «العين»/ «عين هجر»/ «عين محلم» (عين أم سبعة)، ويكون «الصفا» المذكور في قول ياقوت هو الحصن، وبالقرب من (المبرز) جبل (بريقة) جبل (الشعبة) يقوم عليه الحصن، «المشقر»، وعلى مرتفع (الصُّفَيّا) يقوم «حصن الصفا»، وبينهما تجري «العين» التي تشير دوماً إلى «عين محلم» (عين أم سبعة»، اندثر، و«المشقر» هو أخيراً الذي حلّ اسم (المبرّز) محله، فـ«المشقَّر» تحرّف إلى (المبرّز)، كما تحرفت أسماء عدّة في المنطقة نفسها، وفي غيرها.

نهر محلِّم وابن المقرب
وشارحو ديوانه

واضح أن ابن مقرب وشارحي ديوانه بعيدون، كل البعد، عن معرفة حقيقة «محلم»؛ فمع أن ابن مقرب ذكر «المشقر» و«الصفا»، في قوله:

 وما ضرني مع قربه أن منزلي

وقومي بأكناف المشقر والصفا[49]

فهو إنما يذكره ترديداً، لا عياناً، وكذلك ما ذكره شارح ديوانه؛ ذلك أنه –كما حّقق الجاسر - انقطعت عنا أخبار «محلم» بعد القرن الأول الهجري، حتى إن الأزهري، كما يقول – ينقل تعريفاته عن غيره نقلاً دون مشاهدة[50].

لقد واجه الجميع معضلة «نهر الصفا»، ولجأوا إلى الحصن بدلاً من النهر، فألغوا النهر إلغاءً؛ لأنه يتعارض مع نتائجهم، وحين الربط بين (عين الحارة) «نهر الصفا» و«العين»؛ «عين محلّم»، نجد الأوضاع كلها تتسق في نطاق واحد على ذلك النحو السابق، واضعين نصب أعيننا أن شرح ديوان ابن مقرب ذكر «محلم» حدساً، وليس يقيناً. أما «الصفا» (جبل أبو الحصيص)، شمال قرية (التويثير)، فليس واقعاً بين (عين الحارة) و(نهر سليسل)، وكذلك، فإن جبل (القارة) له تعريفه الخاص في المعاجم، بحيث لا يكون هو «المشقر»، ولا تتوافق مع وصفهم: «على قارة، وفي أعلاها بئر تثقب القارة حتى تنتهي إلى الأرض، وتذهب في الأرض، وماء هجر يتحلَّب إلى هذه البئر...»، وإنما يتوافق مع «بين الصفا والمشقر نهر يجري يقال له: العين»، فـ «العين» هي (عين أم سبعة)، و«الصفا» نهر هو (عين الحارة)، و«المشقر» حصن فوق جبل (بريقة)، و«الصفا» حصن فوق مرتفع (الصُّفَيّا)، وشارح ديوان ابن مقرب كان بعيداً عن واقع المكان، فزجّ بـ«محلم» زجًّا، بينما لا أحد يعلمه في عصره، حتى الشاعر نفسه، والواضح أن في ذهن الشارح عيني (الخدود) و(الحقل) على أن إحديهما «عين محلم»؛ لأن (عين الحارة) بعيدة عن الاثنتين، ولا علاقة لـ«عينين» بالمدينة، بـ«عينين» في هجر، فتلك أكمة لا تنبت نخلاً)[51].

البوعينيّون

قال سليمان الدخيل، فيما يخص «عينين»: «سمّيت بلدة البوعينين بهذا الاسم؛ لأن أول من احتلّ تلك الأرض رجل من العرب كان يُعرف بالبوعينين، سنة 1200هـ/1785م، من قبائل العجمان التي تسكن قطر، وعسى أني لم أخطئ فيما ذكرته، والله أعلم»، وعلّق محمد بن عبد الرزاق القشعمي على هذا بقوله: «قال أبو عبد الرحمن: هو لم يخطئ، ولكنه أكثر الكذب، وهذا النصّ كله من أوله إلى آخره خيالات من خيالات الدخيل – رحمه الله – منزوع الفائدة، قليل الجدوى»[52].

فهل يستحق الدخيل، وقد احتاط ذلك الاحتياط الأخير، أن يتهجَّم عليه أبو عبد الرحمن ذلك التهجّم؟ وما الحق في نظر الظاهري؟ هل الحق ما نقله أبو عبد الرحمن عن الجاسر: «هذه البلدة معروفة بعينين، وهي بلد خليد عينين، وقد سمّيت أخيراً بالجبيل»[53]؟

كان الجاسر - في كثير من مواضع كتابه، شمال المملكة - يلمز الدخيل لمزاً، مع أن كثيراً من المواضع التي يذكرها، في منطقة حائل، مصدرها الدخيل نفسه، وجاء أبو عبد الرحمن ليكيل الصاع صاعين في مسألة لم يكن الرأي قد استقرّ عليها بعدُ؛ فهل يعلم أبو عبد الرحمن بن عقيل الظاهري أن «عينين» كانت، حقًّا، كما ذكر الدخيل؟ وأن الدخيل لم يكن يكذب في حديثه عنها؟

ويرى الجاسر: «بلدة عينين: كانت معروفة بهذا الاسم إلى منتصف القرن الماضي، حيث عُرفت باسم: الجُبيل، شمال القطيف، ومن أشهر الأسر التي عُرفت من أهل هذه البلدة بالثراء والفضل آل بوعينين، تنتمي إلى بني تميم»[54].

وهذا القول غير صحيح في أغلبه، فـ(الجبيل) -وبحسب اعتراف البوعينين أنفسهم: «قبل قرن من الزمان تقريباً، وبالتحيد قبل عام 1327هـ /1910م كانت منطقة الجبيل منطقة ساحلية خالية من السكان، حيث لا يوجد على أرضها سوى بعض الشجيرات البرية، ولا يمر بها سوى البدو الرحل الذين يأتون لها طلباً للماء من عيونها القريبة»[55].

ولأن جماعة من العرب معروفة باسم (البوعينين)، أي: آل بوعينين، ذهب المعاصرون إلى أن هذا الاسم هو اسم البلدة قديماً، ولم يستوطن البوعينيون الجبيل إلا في الربع الأول من القرن الرابع عشر الهجري، أي: أوائل القرن العشرين، وصاحَب وجودهُم، بعد ذلك، ازدهار ميناء الجبيل في بداية الحكم السعودي.

وليكن الدخيل «يكذب» في هذه المسألة، فهل كان ابن بليهد أصدق منه، حينما نقل مثلما نقل الدخيل، فقال: «وقد حُدِّثتُ حديثاً من عينين أن عينين التي على ساحل الخليج غير عينين المشهورة في المعاجم، والذي حدّثني عنها أن هذا الموضع سُمّي باسم الذين بعثوه، وهم قوم نزحوا من منامة البحرين، يقال لهم: آل أبوعينين، فُسمِّي هذا الموضع باسمهم. وقد قال شاعر من شعراء النبط، وهو صالح السِّكنيّ:

وراني ما غَرِّب واركب الغوص للبحرين

وخَلِّي ديار الفقر يلعب بها الجن

واعاين مديد حددوا لم أبوعينين

وتقطع علوم الدار واخبارها عن

فقلت للذي حدثني: إن صحَّ أن الذين بعثوها يقال لهم: أبوعينين، قبل نزولهم فيها، فالصواب معك، وإن كانوا لم يظفروا به إلا بعد نزولهم بها، فهذه حُجّة عليك لا لك، فقال: إن أهل المعاجم إذا ذكروا موضعاً، وهو على ساحل البحر، ذكروه، وذكروا البحر الذي هو ساحله، وذكر ياقوت والبكري الموضع الذي منه خليد عينين، فيه نخيل، وهذا الموضع ليس به نخيل، وعينين تُعدّ من قرى البحرين، وهي عند أهل نجد يُطلق عليها اسمان: الأول: عينين، والثاني: الجبيل»[56].

ويُقِرّ البوعينيون بهذا، فيقول راشد البوعينين: «تمّ النزوح إلى الجبيل على دفعتين، الأولى عام 1327هـ، أما نزوح الدفعة الثانية، فقد تمّت في أواخر عام 1340هـ»[57].

فالدخيل وابن بليهد متّفقان على النقل، وهما متفقان على أن البوعينيين نزلوا (الجبيل) متأخراً، وحسب ما نقل ابن بليهد: «هذا الموضع سُمّي باسم الذين بعثوه، وهم قوم نزحوا من منامة البحرين، يقال لهم: آل أبوعينين»، فإن نسبة البوعينين إلى (الجبيل) نسبة حديثة، والبوعينيون معروفون في بلدان الخليج، فقد مرّ أنهم بقطر والبحرين، قبل أن يكونوا في (الجبيل). وقد عدّهم الدخيل من العجمان، بينما جعلهم الجاسر من بني تميم، وهم جماعة عربية، عريقة في منطقة الخليج، ولاسيما قطر والبحرين، والجبيل، ولكنهم «البوعينيين» جماعة، وليسوا البوعينيين مكاناً، وحتى راشد البوعينيين لا يعلم صلة جماعته بأي من القبيلتين، فهو يورد قول لمحمد بن راشد آل بوعينين:

بنو دارم ذروة تميم وتنتمي

لفرع الندى موري سناها ضيوفا

ويعلّق عليه: «وهذه الأبيات توضِّح أن «عينين» هي الموطن القديم لهذه القبيلة قبل رحيلهم عنها إلى قطر، وعودتهم إليها مرة أخرى، كما يتضح أن اسم هذه القبيلة اقترن مع موطنهم «عينين» منذ القدم»[58]، إلا أنه يقول: «ويُنسب إلى عينين الشاعر الأموي خليد عينين، من عبد القيس، من ولد عبد الله بن دارم بن مالك»[59].

فخليد من عبد القيس، وليس من تميم، وإن تشابهت الجدود في الاسم «دارم»، يشير راشد إلى قول لوريمر: «آل بوعينين: فرع من فخذ صبيح، من قبيلة بني خالد المقيمين في قطر، في الوكرة، وفي البحرين، في الحرق»، ويعلّق راشد على هذا القول، فيقول: «كانت تربطهم ببني خالد علاقة حلف ومصاهرة فقط»[60].

وبالتأكيد، لم تكن أية جماعة تستطيع السكنى في المنطقة البرية، دون حماية، لولا أنهم احتاطوا - مع عزّتهم ومنعتهم الذاتية - بإقامة الأسوار[61]، وليس لأن البوعينيين عادوا إلى موطنهم الأصلي، وهذا ما لم يحدث في التاريخ إطلاقاً، بعد تلك القرون الطوال الماضية، من القرن الثاني الهجري حتى القرن الثالث عشر الهجري. لقد كان اختيار (الجبيل) صدفة، ولم يكن مقصوداً، يقول راشد البوعينيين: «أشار عبد الله بن عبد الرحمن المسحل آل بوعينين إلى وجود موقع مناسب كان يتّخذه (بندراً) أي: مرسى للسفن في رحلات الغوص التي كان يقوم بها بالقرب من ساحل الجبيل»[62].

إذن، فكما يقول راشد: «الجبيل: اسم حديث لم تكن تعرف به هذه المنطقة من قبل، وقد سميت بهذا الاسم نسبة إلى الجبل البحري الواقع في الزاوية الشمالية الشرقية من الجبيل»[63].

أما اسمها القديم، فلا علاقة له بخليد عينين، وليس له علاقة بقريته، وليس في الجبيل إلا عين واحدة معروفة هي (عين طوية)، مما لا يساعد أبداً على تمثيل ذلك الوصف للنخيل، كما هو في الشعر، الأمر الذي يعني أن «عينين» في منطقة وفيرة المياه، متدفّقة دون انقطاع، تغمر مساحات شاسعة من الأرض، وذات نخل كثير، غير بعيد عن هجر (الأحساء)، وهي بلاد «خليد عينين». يقول مبارك بن علي العيوني آل بوعينين:

لاقفن كما جول القطا فر طاير

من قصر عينين أومي على خير[64]

فالآن هنا (قصر عينين)، وهو قصر أقامه البوعينيون أنفسهم، فنِسبته لهم. ويدلّ قول مبارك هذا على أن الاسم (الجبيل) لم يكن معروفاً بعد، وأن «عينين» هو الاسم السابق عليه نسبةً إلى هؤلاء القادمين الجدد، وليس لأن الاسم قديم أبداً؛ بل إن الاسم لا علاقة له حتى بوجود عينين بها، وهما اللتان يذكرهما راشد: «عين العبد الله، وعين العيد، وتقعان على بعد ثلاثة أميال من الجنوب الغربي للجبيل»[65]، ولم يكن الموضع معروفاً بهما، وإنما جاءت التسمية كما صرّح بذلك الدخيل وابن بليهد من نسبة الموضع إلى البوعينين.

وعند هذا الحد، فهل كان سليمان الدخيل «يكذب» فيما يخص «عينين»، أم هو من الصادقين؟ أما تحديد الدخيل لزمن نزوح البوعينيين، فالدخيل، كما نقل أبو عقيل ينقل من الأخبار[66]، ولهذا، فصحيح أن البوعينين لم يأتوا إلى الجبيل إلا –كما حدده راشد – مع مطلع القرن العشرين، ولم يسبق لهم وجود قبل ذلك، وكان سبب نزوحهم لأوضاع خاصّة بقطر، وقد بيّن الدخيل سبب تسمية (البوعينين) التي لا دخل لها بـ«عينين» المكان[67].

وسواءٌ أكانت «عين هجر» / «عين محلم» / «عينين» هي (عين أم سبعة)، كما هو مطروح هنا، أم كانت (عين الحارّة)،

كما يتصوّر محققو ديوان ابن مقرب، فإننا الآن في الأحساء، وتحديداً في الجزء الشمالي الغربي منها، بعيداً جدّاً عن (الجبيل).

ويبدو - أخيراً - أن لا صلة لـ (البوعينين) حتى بخيليد عينين، وفقاً للمكان، وإنما تعود التسمية إلى شؤون أخرى، ذكرها الدخيل، وأشار إليها ابن بليهد، وذكر راشد البوعينين أن نزوح البوعينين إلى (الجبيل) حديث، وأن اسمهم كان أسبق من ذلك، وهم إن لم يكونوا من (العجمان)، أو من (بني خالد)، أو من بادية تميم، فليس لهم علاقة بعبد القيس حاضرة الأحساء، وتحديداً بخليد عينين من عبد القيس، أو خالد عينين الذي صغّره جرير سخرية[68].


[1] شعر الراعي النميري، تحقيق نوري حمودي القيسي، وهلال ناجي، مطبعة المجمع العلمي العراقي، بغداد، 1400هـ،1980م)، ص: 221.

[2] أبو عبيد بن عبد العزيز البكري، معجم ما استعجم، تحقيق مصطفى السقا، لجنة التأليف والترجمة والنشر، القاهرة، 1368هـ/1949م) «عينان».

[3] المصدر نفسه، «يحموم».

[4] محمد بن موسى الحازمي، الأماكن، تحقيق حمد الجاسر، المطابع الأهلية للأوفست، الرياض، 1415هـ، جـ2/707.

[5] حمد الجاسر، معجم البلاد السعودية، المنطقة الشرقية، مطبعة دار اليمامة، الرياض، الطبعة الأولى، 1399هـ/1979م) جـ3/1245.

[6] شهاب الدين، أبو عبد الله، ياقوت الحموي، معجم البلدان، دار صادر، (بيروت، 1969م) «عينين».

[7] الهجري، أبحاث الهجري، تحقيق حمد الجاسر مطبعة اليمامة، الرياض، الطبعة الأولى، 1388هـ/1968م) ص: 206، وانظر، ياقوت، معجم البلدان، «عينين».

[8] راشد سالم البوعينين، مطابع الصناعات المساندة، الجبيل، الطبعة الأولى، 1994م) ص: 14، وانظر ص: 26.

[9] ياقوت، معجم البلدان، «الرمانتان».

[10] المصدر نفسه، «صلاصل».

[11] الهجري، أبحاث الهجري، ص: 206.

[12] الجاسر، المعجم الجغرافي، المنطقة الشرقية، جـ3/1293.

[13] أبو العباس، محمد بن يزيد المبرد، الكامل، تحقيق: محمد أبو الفضل إبراهيم، مطبعة دار النهضة، القاهرة، 1980م، جـ3/116.

[14] ديوان جرير، تحقيق: نعمان أمين طه، دار المعارف، القاهرة، 1971م، جـ2/577.

[15] أبو عبيد، عبد العزيز البكري، سمط اللآلىء، تحقيق: عبد العزيز الميمني، مطبعة لجنة التأليف والترجمة والنشر، القاهرة، 1354هـ، 1936م، جـ2/766.

[16] المصدر نفسه، جـ1/98.

[17] أبو علي، إسماعيل بن القاسم القالي، الأمالي، دار الكتب المصرية، القاهرة، 1344هـ1926م) جـ2/259.

[18] المبرد، الكامل، جـ3/116.

[19] محمد بن سلام الجمحي، طبقات فحول الشعراء، تحقيق محمود محمد شاكر، مطبعة المدني، القاهرة، 1384هـ/1965م، ص: 345، 385.

[20] البكري، سمط اللآلىء جـ1/589.

[21] ديوان كعب بن زهير دار الكتب المصرية، القاهرة، 1369ه/1950م)، ص: 252.

[22] البكري، معجم ما استعجم، «عينين».

[23] ديوان الفرزدق، عناية عبد الله إسماعيل الصاوي مطبعة الصاوي، القاهرة، الطبعة الأولى، 1352هـ/1936م) جـ1/238.

[24] نقلاً عن الجاسر، المعجم الجغرافي للبلاد السعودية، المنطقة الشرقية، جـ3/1209، وهو مما سقط من تحقيق الجاسر لكتاب أبي الفتح، نصر بن عبد الرحمن الإسكندري، الأمكنة والمياه والجبال والآثار، مركز الملك فيصل، الرياض، الطبعة الأولى، 1425هـ/2004م) ص: 283.

[25] وكيع، محمد بن خلف بن حيان، أخبار القضاة، تحقيق عبد العزيز مصطفى المراغي، مطبعة الاستقامة، القاهرة، 1366هـ /1947 م، ص: 278.

[26] أبو منصور، محمد بن أحمد الأزهري، التهذيب، تحقيق: عبد السلام هارون، الدار القومية للطباعة، القاهرة، 1384هـ/1964م)، جـ5/108.

[27] الجاسر، المعجم الجغرافي، المنطقة الشرقية، جـ3/1209.

[28] عبد الله بن أحمد الشباط، صفحات من تاريخ الحساء، الدار الوطنية للنشر والتوزيع، الخبر، الطبعة الأولى، 1409هـ، 1989م) ص: 49، 53.

[29] ديوان ابن مقرب، تحقيق عبد الغني عرفات وعبد الخالق الجنبين وعبد الله البيك، المركز الثقافي للنشر والتوزيع، بيروت، 1424هـ 2003م، جـ2/968.

[30] المصدر نفسه، حاشية، ص: 276-277. وانظر، ص: 976.

[31] الهمداني، الحسن بن أحمد بن يعقوب، صفة جزيرة العرب، تحقيق محمد بن علي الأكوع الحوالي، دار اليمامة، الرياض، 1397هـ، ص: 306، وانظر ص: 281.

[32] محمد بن عبد الله آل عبد القادر، تحفة المستفيد الناشر العربي، الرياض، 1419هـ، 1999م)، جـ1/52.

[33] ياقوت، معجم البلدان: «الصفا».

[34] محمد بن عبد الله بن بليهد، صحيح الأخبار، مطبعة السنة المحمدية، القاهرة، الطبعة الثانية، 1392 1972م، جـ3/279.

[35] الجاسر، المعجم الجغرافي، المنطقة الشرقية، جـ3/972.

[36] ديوان ابن مقرب، حاشية، جـ1/532.

[37] الجاسر، المعجم الجغرافي، المنطقة الشرقية، جـ4/1631.

[38] ياقوت، معجم البلدان: «الصفا».

[39] شرح ديوان لبيد بن ربيعة، تحقيق إحسان عباس، مطبعة الحكومة، الكويت، 1962م)، ص:60.

[40] المصدر نفسه، ص242.

[41] ياقوت، معجم البلدان، «المشقر».

[42] المصدر نفسه: «الصفا».

[43] الجاسر، المعجم الجغرافي، المنطقة الشرقية، جـ3/972. وانظر، ابن بليهد، صحيح الأخبار، جـ1/58.

[44] البكري، معجم ما استعجم، «المشقر».

[45] ياقوت، معجم البلدان، «المشقر».

[46] الجاسر، المعجم الجغرافي، المنطقة الشرقية، جـ4/1383، وانظر، ديوان ابن مقرب، حاشية جـ1، ص: 272، 531، وجـ2/1623.

[47] ياقوت، معجم البلدان، «الصفا».

[48] ابن بليهد، صحيح الأخبار، جـ1/58.

[49] ديوان ابن مقرب، جـ1/531.

[50] الجاسر، المعجم الجغرافي، المنطقة الشرقية، جـ4/1638.

[51] البكري، معجم ما استعجم، «عينين»، وانظر: البلادي، معجم معالم الحجاز، جـ6/202.

[52] محمد بن عبد الرزاق القشعمي، المؤرخ سليمان الدخيل، مجلة الحرس الوطني، ع 232، سنة، 23 (رجب 1422هـ، أكتوبر 2001م) ص: 89.

[53] أبو عقيل الظاهري، مسائل من تاريخ الجزيرة العربية، دار الأصالة، الرياض، الطبعة الأولى، 1413هـ/1993م، ص: 264.

[54] الجاسر، المعجم الجغرافي، المنطقة الشرقية، جـ3/1245.

[55] البوعينين، الجبيل، ص: 14، وانظر: ص: 26.

[56] ابن بليهد، صحيح الأخبار، جـ4/234.

[57] البوعينين، الجبيل، ص: 15، 17.

[58] المرجع نفسه، ص: 9.

[59] المرجع نفسه، ص: 21.

[60] المرجع نفسه، ص: 20.

[61] المرجع نفسه، ص: 16.

[62] المرجع نفسه، ص: 15.

[63] المرجع نفسه، ص: 20.

[64] المرجع نفسه، ص: 76.

[65] المرجع نفسه، ص: 23.

[66] الظاهري، مسائل من تاريخ الجزيرة العربية، ص: 261.

[67] المرجع نفسه..

[68] انظر، المبرد، الكامل، جـ3/116، وحمد الجاسر، خليد عينين، العرب، س 17 (القعدة - الحجة 1420هـ، سبتمبر – أكتوبر، 1982م) ص: 333-339
كاتب وأستاذ جامعي
323531