التحول الاقتصادي في القطيف بعد النفط
عبدالعلي آل السيف * - 4 / 9 / 2009م - 4:48 م - العدد (50)

منطقة القطيف، أو السهل الساحلي الممتد من جبال «الظهران» حتى «رأس تنورة» كانت -ولا زالت- أرضا خصبة تحيط تجمعاتها السكنية أطواق من النخيل والأشجار المثمرة الكثيرة.

ساعدها على ذلك توفر المياه من الينابيع المنتشرة في هذا الامتداد العمراني، وقد يستفاد من بعض الآبار غير العميقة باستخدام السانية (الجازرة) وسيلة لاستخراج المياه لري المزروعات.

إن المجتمع الزراعي كانت ملامحه متكاملة في القطيف؛ فالإقطاعيات الزراعية، وان كانت ليست بالمساحات الشاسعة لضيق المساحة في السهل الخصيب، ولكنها موجودة.

هذه الحيازات يمكن الحديث عنها بوصفها محرِّكًا للنشاط الاقتصادي في الفترة التي نتحدث عنها، وهي أملاك تحت يد مالكيها، أو ورثتهم، سواء كان مالكوها من أهل القطيف أم من غيرهم ممن هو معلوم في دفاتر أملاك الدولة بالقطيف.

وهناك أوقاف وبجميع أنواع الحبس الشرعي للخدمات للدينية والذرية، وللعبادة، والعلم والعلماء، وغيرها من الأنشطة الشرعية التي يحث فيها الشارع المقدس على الوقف فيه وهي -الأوقاف- كثيرة جدًّا أيضا واقفوها من القطيف، أو من غيرهم.

يجب أن ننوه على أن هذه كلها تمثل الحزام الزراعي الذي يحيط بكل بلدة وقرية من قرى القطيف، وأوراق ملكياتها ووقفياتها تتجاوز تواريخها المائة عام بكثير.

وهناك حيازات صغيرة كانت في الأصل كبيرة مثل سابقاتها ملكا، وصغرت بفعل تقسيمها على ورثة متعددين.

وكما أسلفت إن هذه تمثل المحرك الاقتصادي؛ فإنها يعمل فيها أعداد غفيرة من الأيدي العاملة في إعداد الأرض وزراعة المنتجات الزراعية المختلفة والأعلاف كالبرسيم، ورعاية ومتابعة النخيل «ترويس»، وتأبير، و«تحدير»، وخراف (جنْي)، وقطع، وتسليق، ونشر، وتعبئة، وتكديس في الكناديج (الكناديد)، ونقل المنتج بين مناطق القطيف والخارج بالنقل البري والبحري.

في بداية الموسم الزراعي يدخل مجموعة من هؤلاء العمال في المزارع للحراثة، وتخطيطها حسب رغبة القائم عليها، ونوع الزراعة التي سيضيفها؛ فتختلف أحواض البرسيم عن (شروب) الخضروات، وفي هذه المرحلة يتم تنظيف المكان، وحرق مخلفات الموسم السابق، إضافة إلى بدء غرس الفسيل والأشجار -في أوائل الخريف- وتقليم القديم، ومثل هذه الأعمال لا تتوفر للمالك أو الولي على الوقف الأعداد التي تقوم بهذه الأعمال، فينفتح مجال للعاملين للعمل، وبأجور كانت مجزية يستفيد منها العامل طوال سنته.

وفي الشتاء يدخل العمال دورة أخرى لـ(ترويس) النخيل، ثم تأبيرها (تنبيتها)، ثم (تحديرها)، وفي نهاية الموسم قطع العذوق بعد أن تصبح تمرًا، ويستأجر العمال لجمعه ونشره على (باريات) أو حُصُرٍ كبيرة، ثم يأتي دور من (يسفُّون القلال) التي يحفظ فيها التمر، ويكون ذلك بعد جفافه فتعبأ القلال، وتداس بأرجل نظيفة، وتقدر زنة القلة بـ(مَنَّين) 36 كيلو غرامًا، والعمل الأخير هو إيداع هذه القلال في الكناديج (الكناديد).هذا العمل يستمر من يناير من كل عام إلى أكتوبر، وبذلك ندرك كم حجم العمالة التي تؤدي هذا العمل.

وهناك عمل كان، والى ما قبل خمسين سنة، قائما، وهو طبخ البسر في قدور كبيرة وناتجه يسمى “سلوقًا”، كان يصدر الى الهند، ودول الخليج الأخرى لتصدره الى عملائها في العالم.

والنقل البري بين مناطق القطيف، والبحري عن طريق الميناء للتصدير على شكل تمر أو سلوق؛ فميناءا القطيف ودارين كانا يستقبلان سفنا كبيرة يسمى الواحدة منها (بوم) تنقل عادة هذه المنتجات.

في أواخر الستينات وأوائل السبعينات من القرن الرابع العشر الهجري انضافت إلى هذه الحيازات -المروية بالينابيع الطبيعية- مزارع جديدة توفر لها الري آبار ارتوازية فازدادت بذلك الرقعة الزراعية – ولا ننسى أنه بدأ في نهاية السبعينات من القرن المذكور إقطاع حكومي للمزارعين بالمقاولة بالربع؛ بحيث يحيي المزارع الأرض فيملك ثلاثة أرباعها مقابل ربع للدولة.

وهناك برار كانت تزرع ببعض الخضروات، ولأنها خارج نطاق الري من الآبار الطبيعية فتسقى بالسانية (الجازرة)، وهي دلو يجره حيوان يستخرج به الماء. وفي أماكن أخرى تسقى بالدلاء وتسمى (العدة)، وهي حطبة في طرفها الأعلى دلو والطرف الأسفل فيه ثقل يساعد الساقي على رفع الدلو وقت غرفه من القليب, وهذه لا تستخدم إلا في بعض المنتجات الموسمية التي تتحمل الأملاح مثل الجزر البلدي والبقل والفجل ومنتجات أخرى بسيطة.

ولأن العمل الزراعي هو المحرك الأساسي للنشاط الزراعي، هناك مالكو الحيازات الزراعية، وهم يمثلون الوجاهة والمكانة المتقدمة في مجتمعهم الصغير، وهناك الباعة والصناع يوفرون حاجاتهم في المأكل والملبس وأثاث المنازل ونسج وخياطة ما يلبسون. وهناك من يحيي أفراحهم وأتراحهم من خطباء وقراء، وهناك من يعلم أولادهم وبناتهم في الكتاتيب، وقائمة طويلة مما يحتاجون توفر لها من يقوم بإيجادها لهم كالصاغة والصفافير والحلاقين وغيرهم.

فلا نكاد نرى فئة من فئات المجتمع إلا ولها قدر من الإسهام في إسناد الفلاح بما يلزمه وما يحتاج إليه حتى أن العلماء، وهم القادة الروحيون، لا يخلو نشاطهم من صلة بالفلاحين كإرشادهم، وهديهم لأمور دينهم ودنياهم، وإجراء عقود أنكحتهم وأحوالهم الشرعية الأخرى، فهم من نسيج المجتمع ينحدرون من قطاعاته، فعالم الدين ابن للتاجر أو المالك أو غيره ممن يقوم بهم أود المجتمع.

المهم أن هناك من يوفر لهم المال للإنفاق على الزراعة حتى تحصد فيسدد المالك دينه من الإنتاج، ويكون الفاضل مكسبه، وهؤلاء هم الذين يعملون بإقراض الناس حاجاتهم من الأموال بطريقة التورق الشرعي، ولقد سبقت القطيف في مثل هذه المعاملات.

هذا المجتمع الزراعي كان هو الذي تراه في أية منطقة من مناطق القطيف حتى دخول شركة البترول إلى المنطقة في أربعينات القرن الماضي الميلادي حيث اندفع الآلاف من العمال الزارعين، والمتصلين بالعمل الزراعي إلى الانخراط في العمل الجديد، وكانت الانتكاسة الأولى للنشاط الزراعي، وبدأ ينحسر شيئًا فشيئًا، فلم يعد النشاط الاقتصادي هو الأهم في حياة الناس.

أول نتائج هذا الانحسار أن المزرعة لم تعد تدر الدخل الذي كان يتقاضاه المالك قبل سنين، فيكتفي بما يقوم به العامل من رعاية للمزرعة، وحفظها من الخراب، وأزعم أنه من هذا الوقت بدأ الناس يستعينون بعمال للزراعة من الأحساء ليسدوا بذلك ما سببه انخراط القطيفين في عمل شركة البترول، وكانت أجور العمال ليست متدنية بسبب قدراتهم، وقوَّتهم على أداء العمل حتى وصلت أولى دفعات العمال من اليمن الشقيق، وكان فيما أدركته شخصيًّا في أوائل الستينيات من القرن الميلادي الماضي.

إلى جانب الآثار السيئة التي خلفها استخراج البترول، وسحب مياه العيون للتعويض، حماية لبئر البترول من الانهيار، فبدأ يضعف الماء من العيون حتى أصبح في وضع لا يغني في الزراعة، واستعاض الناس بالآبار الارتوازية لري نخيلهم، فزاد الطين بلة.

هذا التحول غيَّر كثيرًا من أنماط السلوك؛ صاحبه تحسنٌ في صحة الناس لتوفر العلاج من قبل الشركة الوافدة، وكانوا يرزحون تحت أمراض مزمنة كثيرة لم تكن للكثيرين منهم طرق ولا مال لعلاجها مات من هذه الأمراض الكثير.

كان الناس يتكدسون في غرف: العائلة الواحدة المكونة من أب وأم وأولادهما في غرفة، وبجانبه إخوته كلهم في غرفة واحدة، وانفتح التمدد العمراني مشرقا مغربا، وفي جميع الاتجاهات لتجد المساكن الواسعة، وانتهى زمن التكدس. وليس إلا الرقعة الزراعية مجال لتوفر هذه المساحات المرجوة للتمدد العمراني فبدأت تختفي -رويدًا رويدًا- المزارع القريبة من السكن ثم التي تليها، وهكذا.

وهنا بدأ النشاط الحكومي بالتبلور من خلال الإدارات التي افتتحت، وحاجة هذه الدوائر إلى موظفين، ولم يكن في ذلك الزمان مدارس ولا معاهد تمد هذه الدوائر بالموظفين إلا الكتاتيب، بل حتى حين بدئ بافتتاح المدارس أحجم الناس عن الالتحاق بها إلا القليل. وحين بدأ التعليم في القطيف يستقطب الطلبة، اضطرت الحكومة لاستقدام المعلمين من فلسطين، ثم من مصر.

ثم ظهرت حاجة شركة أرامكو إلى العمال الفنيين المهرة المحليين تستعيض بهم عن الأجانب الذين كانوا يتقاضون رواتب عالية جعلتها تفكر جدِّيًّا في هذا الكم الهائل من المتقدمين للعمل من أهل القطيف، ومنهم من يقرأ ويكتب ففتحت معاهد لتعليم اللغة أولا في الظهران ورأس تنورة وبقيق، ثم أضافت لها للمتقدمين من الطلاب دراسة في الفيزياء والكيمياء والرياضيات كي يكون المتخرج بنجاحه قد أنهى الثانوية على النظام الأمريكي، ومن ثم قامت بابتعاثهم إلى الولايات المتحدة الأمريكية للحصول على درجات البكلوريوس، والشهادات العليا، ومن لم يواصل عاد بدبلوم متخصص في مجال تحصيله.

الوافدون إلى سوق العمل على تقادم العقود إنما أتوا ليسدوا حاجات فرضتها ضرورات فنية لتسيير عجلات المصانع، وما يرتبط بها؛ فنرى مئات المهندسين في مختلف تخصصاتهم، والإداريين المتخصصين والمتمرسين في وظائف خاصة بهم في حفر الآبار البترولية، وغيرهم في تخصصات تحتاجهم صناعة النفط.

واستمر العمل في شركات البترول يغير من ثقافة الناس، وعاداتهم؛ سواء بسبب الاتصال بالعاملين من دول أجنبية وعربية، وهم الذين تولوا الترجمة قبل أن يكون هناك مترجمون من أبناء البلد، أو بسبب العيش في أمريكا مددا لا تقل عن أربع سنوات ترافق الطالب في بعض الأحيان زوجته وأولاده، وينتقلون من مزارعين الى عمال مصانع، وشركات خدمات، وهو المجتمع الذي لا يتفق، عادة، مع مجتمع التراص والتعاون والتقارب النفسي والاجتماعي الذي يمثله المجتمع الزراعي.

لعل أول مظاهر هذا التغير القبول بالسكن في مناطق العمل مع عوائلهم، والعيش المستمر مع أجانب ليسوا مسلمين، وتأثر الكثير منهم من هذا الاحتكاك، وبدأت اللكنة الأجنبية تطغى على صفاء لغة هؤلاء، ويرون حياتهم السابقة حياة متخلفة لا تليق بهم، ولهذا بدأوا بالابتعاد عن مجتمعهم الأصلي، وبدأ تفتيت الأسر من حينها.

العدد الكبير من حملة المؤهلات العلمية الذي صاحب شركة أرامكو أول تأسيسها، وكانوا في الغالب، من الشام، لهم سابق خبرات مهنية وتعليمية ولغوية، وهؤلاء أكثرهم خرجوا من رحم التحديث الذي مس الشام بعد الاستعمار، وكانت إشعاعات أتاتورك القومية في تركيا تحفز هؤلاء على تبني القومية العربية، والأفكار العلمانية، وبناتها من الفكر اليساري المنتشر في تلكم الأيام، وهؤلاء صحبوا معهم بعض الكتب، وبدأوا بالسماح للعمال من البلد بقراءتها، وتأثر بعضهم بهذه الأفكار. ولا يعني هذا أن القطيف في ذلك التاريخ كانت معزولة عن الثقافة الحديثة، فما ظهر من مدونات سبقت تلك الحقبة تكشف صلة أهالي القطيف بتلك الثقافة، كما أن السجالات التي كانت دور بين المثقفين إبَّان الحرب العالمية الثانية بين مؤيدي الحلفاء، ومعارضيهم مؤيدي المحور تظهر اتصالاً وثيقًا بالثقافة الحديثة. وإنما وصول تلك النخب من المثقفين وسع من انتشار تلك الأفكار.

ثم كان التوسع في إنشاء مدن جديدة لم تكن في السابق، فهذه الخبر والدمام تحولتا من قريتين كانتا مهملتين يسكنهما بعض صيادي الأسماك إلى أحدث مدينتين في شرق المملكة، وهذه الجبيل مثلهما. أما رأس تنورة وبقيق والظهران فهن من المستحدثات بسبب العمل في البترول.

وكما أسلفت تمددت التجمعات السكنية في القطيف ومناطقها المختلفة: «سيهات» و«تاروت» و «صفوى» و«عَنك» وأم الساهك وأبو معن والنابية، وغيرها من القرى والبلدات كثيرا، واحتاج هذا التوسع إلى مدارسَ، ومستوصفات، ومستشفيات، ودوائرَ للدولة في جميع أنشطة وزاراتها إلى أعداد هائلة من الموظفين الذين يكونون جميعا المجتمع الحالي.

ودخلت الزراعة مرحلة جديدة في هذا التحول للنشاط من الزراعة إلى الصناعة، والخدمات إلى مرفق من مكونات اقتصاديات البلد فرضها التوسع في استحداث المساحات الزراعية في فضاء القطيف، وامتدت مئات الكيلو مترات باتجاه الجبيل و«أبو حدريَّة»، وفي تخوم الصحراء خلف النابية والآجام، أصبح من مكونات النشاط، ولم يكن كسابق عهده المحرك الأساسي للنشاط الزراعي.

باحث وأديب
200412