الأديب الكاتب عبد الله آل سيف
من ذكريات أديب
عقيل بن ناجي المسكين * - 4 / 9 / 2009م - 4:53 م - العدد (50)

في منزله بمدينة عيسى في مملكة البحرين، التقيتُ الأديب والكاتب والصحافي عبدالله آل سيف بمعية الزميل والباحث في الشؤون الإسلامية الأستاذ حسن الغسرة، وأجريت معه هذا الحوار ضمن سلسلة (من ذكريات أديب) حول بعض القضايا الثقافية، وحول بعض كتاباته عن التراث، وعن المجتمع البحراني.

إضاءات:

- عبد الله آل سيف.

- مواليد عام 1946م

- متزوج، وله ولدان وثلاث بنات.

- عمل بوزارة التربية والتعليم مدة ثلاثة عقود ونصف، حيث شغل خلالها وظائف تعليمية وقانونية.

- وفي يوليو من عام 2002م تقاعد عن العمل مبكراً.

- المؤلف حاصل على ليسانس في التاريخ، وليسانس في القانون.

- كما يحمل إجازة محاماة.

- مارس الكتابة الصحفية هوايةً على مدى ثلاثة عقود، وما زال، حيث نشر العديد من التحقيقات الصحفية، والدراسات، والبحوث في العقائد، والتاريخ، والإدارة، والقانون، والتراث، وفي شتى المواضيع من خلال الصحافة المحلية، ولاسيما جريدة العهد التي يعمل فيها حاليًّا.

- أصدر أول مؤلفاته كتاب (المآتم في البحرين)، الجزء الأول عام 1995م، وهو دراسة توثيقية عن ظاهرة «المؤسسة الحسينية في البحرين».

- من مؤلفاته كتاب (طوائف ومعتقدات)، و (أعلام صنعوا التاريخ)، و(المآتم في البحرين، الجزء الثاني)، و(الإسلام والمسلمون).

- ولديه مشاريع كتب أخرى مخطوطة في التاريخ، والتراث، بعضها سيرى النور قريباً.

الحـــــــــــوار

1- هاجس الكتابة لدى المثقف البحراني له أصوله في التاريخ العلمي، والحضاري للبحرين، تَرى؛ إلى أيّ مُحفّز ومُشجّع نُرجِع ميلَك للكتابة عن البحرين وتراثها وتاريخها من خلال تجربتك؟

ج - إن الظروف التي عاشتها بلادي، البحرين، ماضياً وحاضراً، هي أكبر محفز ومشجع لأبنائها للتوجه إلى اعتناق الكتابة، ما داموا يملكون الاستعداد لسلك هذا التوجه، فلو استوعبنا حضارة هذا البلاد العريقة التي كانت رقعتها تمتد من البصرة بجنوب العراق شمالاً، إلى عمان جنوباً، وكذلك لو استعرضنا الحياة الثقافية لهذا الوطن، وعمرها يزيد على خمسة آلاف عام حيث حقبة دلمون التي بدأت في 3200 ق. م وانتهت في 330 ق. م، تليها حقبة تايلوس، فأوال، فالعهد الإسلامي الممتد حتى اليوم، كيف لا يستغل إنسان هذه الأرض، وجلجامش وأرض الخلود، والأرض المقدسة، وعلاقتهما بمدن جنوب العراق (سومر، أكاد، بابل)، ثم تطالعنا الحقبة العربية الجاهلية الثرية بحياة البحرين الأدبية حيث نقرأ طرفة بن العبد، الحارث بن حلزة، والمثقِّب العبدي، وغيرهم، وما أن حلّت المرحلة الإسلامية حتى رأينا فقهاء ومراجع وعلماء وأدباء وشعراء على امتداد أربعة عشر قرناً هو عمر الإسلام، فكيف لا يحفّز هذا الثراء الحضاري والثقافي على العطاء الفكري بجميع نواحيه؟

هذا الرصيد الثقافي الضخم بجانب التحديات التي دأبت على تجاهل وتشويه وإقصاء الحقائق لإحلال الزيف والنفاق والتسييس للتاريخ والتراث الأصيل على أيدي الغرباء والجهلاء، كل ذلك هو الذي أملى عليّ الميل إلى الكتابة التاريخية والتراثية.

2- أساليب الكتابة عن التراث المقول والمنقول تتراوح بين القديم والجديد، ما الأسلوب الذي تميل إليه للتجديد في عملية الرصد للتراث وحفظه؟

ج – أنا أميل إلى الوسطية والاعتدال والتوفيق بين الماضي والحاضر الذي هو حلقة واحدة، كما أميل إلى المزاوجة والمصالحة بين القديم والجديد لأخرج بأسلوب يقوم على القديم المتجدد – إن صح التعبير – لأنه لدينا مثل يقول: «من ليس له ماضٍ ليس له حاضر»، ومن أجل هذه الغاية عملت على رصد التراث وحفظه، ولم أسمح للحداثة – المُزيّفة - بإقصاء ما هو مخزون في الذاكرة، ولم أسمح للماضي أن يكون أسيراً لماضيه ويناكف التطوّر، والمستجدات، ومتطلبات الحاضر.

3 – انتقالات العوائل والأُسَر عبر التاريخ بين القطيف والبحرين وسواحل إيران المطلة على الخليج؛ هل لها أثر على التركيبة السكانية؟ وما أثرها على الثقافة والحَراك الاجتماعي على المسرح الجغرافي؟

ج – قبل أن أجيبك على هذا السؤال أنقل إليك أقوال الناس وليسوا من أهالي هذه المنطقة، أو هذا الإقليم، إلا أنهم قالوا الحقيقة بأمانة وموضوعية، حيث يقول الرحالة (ابن المجاور) في كتابه (تاريخ المستنصر) في العام 630 هـ الموافق 32- 1233م عن أوال: «وتسمى الجزيرة جزيرة أوال، وبها ثلاثمائة وستون قرية إمامية المذهب ما خلا قرية واحدة»، ولم يذكر مذهب هذه القرية، وابن المجاور هذا (601- 690هـ الموافق 1205-1291م) هو يوسف بن يعقوب بن محمد بن علي الشيباني الدمشقي، ألّف كتابه قبل سنة 630 هـ الموافق 1233م، ويقول الرحالة الشهير ابن بطَّوطة في كتابه (تحفة النظار في غرائب الأمصار) ص 291 عن القطيف: «ثم سافرنا إلى مدينة القطيف، كأنه تصغير قطف، وهي مدينة كبيرة حسنة، ذات نخل كثير، تسكنها طوائف العرب، وهم رافضية غلاة، يظهرون الرفض جهاراً، لا يخافون أحداً، ويقول مؤذنهم في أذانه بعد الشهادتين: «أشهد أن عليًّا ولي الله»، ويزيد بعد الحيعلتين: «حي على خير العمل»، ويزيد بعد الكبير الأخير: «محمد وعلي خير البشر، من خالفهما فقد كفر»، وابن بطوطة هذا هو أبو عبد الله محمد بن عبد الله بن محمد بن إبراهيم اللواتي الطنجي، بدأ رحلته عام 725 هــ الموافق 1324 م، حيث طاف ببلاد المغرب ومصر والشام والحجاز والعراق وفارس واليمن وإقليم البحرين، وتقول الشيخة مي الخليفة في صفحة 246 من كتابها (محمد بن خليفة 1813- 1890م الأسطورة والتاريخ الموازي)، وهي تتحدث عن رحلة أسرتها آل خليفة من موطنها الأفلاج بقلب نجد، تقول في صفحة 245: «ومثلما اختلف الرواة على أسباب الهجرة اختلفوا أيضاً على مسارها، فالبعض يقول إن وجهتهم الأولى كانت الزبارة في برِّ قطر، ورأى آخر أنهم قصدوا الأحساء، وكانت أول محطة لهم حيث النخيل والماء الذي اعتادوه في واديهم، غير أن سكان الأحساء، وغالبيتهم شيعة لم يستحسنوا بقاءهم، فشدوا الرحال إلى الزبارة كما ترجح معظم الروايات».

من كلِّ ما تقدَّم نستنتج أن بلاد البحرين الطبيعية، أو ما يعرف تاريخيًّا بـ(إقليم البحرين)، وأهم مناطقه الأحساء والقطيف وأوال، وهي مملكة البحرين الحالية - أن هذا الإقليم، في العصور المتأخرة، وقع تحت حكم ونفوذ أسر وافدة عليه، فأدى ذلك إلى التغيير الديموغرافي السكاني من خلال فتح الباب على مِصراعيه للهجرة الأجنبية، التي صاحبها - في بعض الأحيان - اعتداءات، ومُصادرات لممتلكات السكان الأصليين، خصوصاً خلال الغزوات العمانية لبلدان هذا الإقليم، مما دفع أهالي الإقليم للفرار من هذه الأوضاع، وتمثل ذلك في نوعين من الهجرات؛ هجرة أُطلق عليها داخلية أي داخل بلدان إقليم البحرين نفسها؛ كأن يهاجر بعض أسر أوال إلى القطيف أو الأحساء، وبعض أسر القطيف يهاجرون إلى الأحساء، أو أوال (البحرين)، أو تهاجر بعض أسر الأحساء إلى القطيف أو أوال، لأنهم يشكلون مجتمعاً واحداً، ويرجعون في أصولهم إلى قبائل واحدة هي عبد القيس، وبني تميم، وبكر بن وائل، كما أن عاداتهم وتقاليدهم وحرفهم الشعبية واحدة، لهذا نرى الأسرة العربية المسلمة الشيعية لها امدادات أو فروع في القطيف والأحساء والبحرين، وهناك هجرة ثانية أنا أطلقت عليها هجرة خارجية أي تتوجه إلى خارج بحرانيتها الطبيعية كالعراق وعمان وإيران والمحمرة، بل وصل بعضهم إلى الهند والسواحل الأفريقية، يقول المرحوم المؤرخ محمد سعيد المسلم في كتابه «ساحل الذهب الأسود» ص 99: «ومن الملاحظ أن هذه المنطقة تعرضت في فترات من تاريخها لهزات عنيفة، نتيجة لاضطراب الحوال الاجتماعية والسياسية فيها، فكان السكان يتعرضون لتلك الهزات المختلفة فتتقاذفهم الهجرات البعيدة المدى أحيانا، وكثير منهم مَن نزح إلى العراق وإلى منطقة عربستان «المحمرة» حتى في عهد متأخر، ومازال في العراق حي كبير يؤلف كتلة عظيمة من مهاجري سكان القطيف في لواء المنتفق يُسمى حي القطافة، يتكون سكانه من أكثر من عشرين ألف نفس». هذا عن الهجرة إلى الخارج، أما عن الهجرة الداخلية فيقول في نفس الصفحة: «وكانت جزيرة البحرين في الأيام الماضية تتناوب هجرات السكان بينها وبين القطيف، فإذا ارتبك الوضع السياسي فيها قذفت ببعض سكانها إلى القطيف، وبالعكس تحصل النتيجة إذا اضطربت الأوضاع هنا، ولذلك نجد كثيراً من الأسر المعروفة في القطيف، والتي تتمتع بمكانتها الاجتماعية كانت من أصل أوالي (البحرين)، وحتى إن بعض تلك الأسر مازلت تتقاسمها كل من البحرين والقطيف حتى وقتنا الحاضر». أما من حيث أثر الهجرات الأجنبية على ثقافة المنطقة، وعلى حراكها الاجتماعي فأعتقد أن هناك تأثيرًا متبادلاً في هذا المنحى؛ حيث أنَّ الوافدين يحملون أصنافاً من العادات والتقاليد والآداب بدأ يتمازج وثقافة الداخل وتراثه وعاداته وتقاليده مما ولّد ثقافة وحراكاً اجتماعيًّا «مُولّداً» -إن صح التعبير- إلا أنه حافظ على الخصائص التي تمتاز بها البيئة البحرية والزراعية البحرانية، ومنها الطيبة والبساطة والتسامح.

4 - العمل الصحفي والمحاماة في تجربتك أيهما مِلتَ إليه أكثر؟ وماذا عن تجربتك في الصحافة؟ متى بدأت، وإلى أين وصلت؟

ج - بدأتُ العمل الصحفي، متعاونًا، منذ عام 1969م، حينما كنت أعمل مدرساً لدى وزارة التربية والتعليم، حيث كنت أساهم في مجلة (هنا البحرين)، خلال طباعتها في المطبعة الشرقية الواقعة قرب باب البحرين، وكنت، حينها، أدرّس مجموعة من المواد في مقدمتها اللغة العربية، ثم توسعت مساهماتي الصحافية حيث شملت مجلة (المواقف)، و(صدى الأسبوع)، و(الأضواء)، و(أخبار الخليج)، وفي عام 1984م حصلت على مؤهِّل ليسانس في الحقوق، وأنا أعمل إداريًّا بوزارة التربية والتعليم، حيث انتقلت للعمل في الشؤون القانونية، وفي عام 2002م أقدمت على التقاعد المبكر، وحصلت على رخصة لمزاولة مهنة المحاماة حيث مارستها فترة من الزمن بعد أن قبل مكتب الأستاذ محسن مرهون المستشار القانوني أن يتعاون معي، إلا أن العمل الكتابي والعمل الصحافي طغى على العمل القانوني والمحاماة، وقد استفدت من خلال عملي الصحفي من الأستاذ أحمد كمال الذي كان رئيساً لتحرير «أخبار الخليج»، والأستاذ علي سيَّار صاحب مجلة (صدى الأسبوع)، كما استفدت من خلال عملي في كل من مجلة «البحرين» التي تصدرها وزارة الإعلام، وكذلك مجلة (المواقف) التي يرأس تحريرها الأستاذ منصور رضي، وصحيفة (الأيام) التي كان يرأس تحريرها الأستاذ نبيل الحمر، والآن الأستاذ عيسى الشايجي.

لقد كانت نتيجة هذا العمل الصحفي ستة مؤلفات هي: (المأتم في البحرين)، وهو جزءان، حيث غطّيتُ المجتمع البحراني الشيعي، وتناولت فيه قصة المأتم في مدن وقرى البحرين القديمة من حيث الموقع، والإعلام، والحرف، والسكان، والأسر، ودور العبادة؛ من مساجد، ومآتم، وكذلك العيون، والبساتين، والمقابر، والكتاب الثاني هو (أعلام صنعوا التاريخ)، وهو عن تراجم لرجال التفُّوا حول رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وحول آل بيته، فجسدوا الوفاء والإباء والكرامة والشرف وكل خصال الإنسان النبيل، والكتاب الثالث هو (الإسلام والمسلمون)، وهو عن سيرة الإسلام، ورجاله وتضحياتهم حتى عم المعمورة، وكذلك تناولت انقسام المسلمين إلى فرق ومذاهب وجماعات وأسباب ذلك، بأسلوب موضوعي متجرد من العواطف والنزوات والقلم الخشبي.

وأنا الآن أعمل كاتبًا وصحفيًّا في صحيفة (العهد) الأسبوعية التي يرئس مجلس إدارتها وهيئة تحريرها الأستاذ حمد بن رجب، حيث أشرف على تحرير الصفحة الثقافية، وصفحة القرية، وأعلام ومعالم، وصفحة البحرين في أسبوع، إضافة إلى الإشراف اللغوي.

5 – كتبتَ عن المآتم الحسينية. ما النظرة العامة التي تلخّص بها أهمية هذه المآتم في الحفاظ على الهوية؟.

ج – إن المآتم الحسينية في البحرين، والمنطقة بوجه عام، هي جزء لا يتجزأ من هذه المجتمعات، وأصبحت في وجدان وأعماق المسلم الشيعي، وهي جزء من تراثه، ومن تاريخه، وقد قدَّمَت له خدمات جليلة من حيث صموده، وصمود هويته من الذوبان والإلغاء والإقصاء والتهميش، بل إن هذه المؤسسات الحسينية هي التي حافظت على الهوية، وعلى الامتداد إلى أعماق هذه الأرض، وأصبح هذا الإنسان لا يسمح باقتلاعه من جذوره على أيدي الرياح الهوجاء.

6 - كيف رأيت التعايش بين فئتي الشيعة والسنة في الوطن الواحد في أيام صباك وشبابك وكيف ترى ذلك الآن؟

الإجابة على هذا السؤال تبرز من خلال التقائي بأحد الأشقاء السنة الذين عرفتهم، وعرفوني في الحي المشترك، حيث الطفولة والصبا، والمصير الواحد، والتاريخ المشترك، والآلام الواحدة، والقلق المشترك حيث صنع لنا الآباء والأجداد مجتمعاً فسيفسائيًّا جميلاً كأنه «الجسد الواحد، إذا اشتكى منه عضو تداعت له سائر الأعضاء بالسهر والحمَى»، ولم يخرب هذه الحديقة الإجتماعية الجميلة إلا المتطرفون، الظلاميون، التكفيريون الطارئون على الإسلام، وعلى الوطن، وعلى هذا الشعب المضياف.

عضو هيئة التحرير
232037