من أسباب توقف الصحف المبكرة في المملكة
محمد عبدالرزاق القشعمي * - 4 / 9 / 2009م - 4:56 م - العدد (50)

استضافني البرنامج الإذاعي (المنتدى الثقافي) مع الأستاذين علي بن عبد الله الصانع، ابن مؤسس صحيفة «القصيم» قبل خمسين عاماً، وسعد العتيبي، الكاتب والباحث، مساء يوم الأحد 17/5/1428هـ، وقد أدار اللقاء الأستاذ الشاعر عبد الله الوشمي، وكان عنوان الحلقة (أسباب توقف الصحف المبكرة في المملكة)، وقد أبلغت بالموضوع قبيل الموعد بليلة واحدة، وسجلت بعض الملاحظات السريعة التي لم يتح لي استعراضها لضيق الوقت ولتشعب الحديث، ولهذا فقد رغبت أن أنشر الموضوع ليستفيد منه من لم يسمع البرنامج.

أولاً: توقفت الصحف لأول مرة في المملكة بسبب قيام الحرب العالمية الثانية من عام 1360هـ وحتى 1365هـ بسبب نفاد الورق من السوق وصعوبة استيراده، ومن هذه الصحف التي توقفت بهذا السبب؛ «صوت الحجاز»، و «المدينة المنورة»، ومجلة «المنهل». أما الجريدة الرسمية «أم القرى» فقد أمر جلالة الملك عبد العزيز وزير المالية عبد الله السليمان بسرعة توريد ورق لها من الخارج بالطائرة، فلم تتوقف سوى ثلاثة أسابيع، وأصبحت تصدر أسبوعيًّا بورق صغير بحجم الدفتر المدرسي، وبأربع صفحات. وكان رئيس تحريرها أثناء الحرب محمد الطيب الساسي، وتحضرني طُرفة سمعتها من أستاذي عبد الكريم الجهيمان بالمناسبة، يقول: كنا، أثناء الحرب، نجلس بظل الكعبة بالحرم المكي، وكان معنا حمد الجاسر، ومحمد الطيب الساسي، وبعض طلبة العلم، فقال الساسي للجاسر: ماذا تقول بجريدة «أم القرى»؟ فرد عليه: هل تريدني أن أصفها لك شعراً أم نثراً؟ فقال: بل شعراً فأنشد:

جريدة صغرة

تحكي جناح اللقلق

كم قد حوت من صور

وخبر ملفَّق

فتظاهر الساسي بالغضب، وقال: أهكذا تصف جريدة الحكومة، والله! وباللهّ وتالله! لو لم أكن رئيس تحريرها لقلت صدقت وبالحق نطقت. طبعاً استؤنف صدور الصحف المتوقفة بعد نهاية الحرب العالمية الثانية، فقد عادت جريدة «صوت الحجاز» للصدور لكن باسم (البلاد السعودية)، وتولى رئاسة تحريرها الأستاذ عبد الله عريف، والذي كان يدرس بمصر، وقطعت البعثة بسبب الحرب، وعاد مع حمد الجاسر، والعطار وغيرهم دون إكمال تعليمهم، وكان عبد الله عريف مهتمًّا بالصحف وتطويرها، وكان يرى بالصحفيين المصريين محمد التابعي رئيس تحرير آخر ساعة، وفكري أباظة رئيس تحرير المصور مثلاً يحتذى، فقد أدخل التطور الحديث في الصحيفة، وحولها من جريدة أسبوعية إلى جريدة تصدر مرتين وثلاث مرات في الأسبوع، ولم يتركها إلا بعد أن أصبحت تصدر يوميًّا، وقد نهج نهجاً جديداً في النقد للمؤسسات والوزارات المقصرة، فأصبح يكتب باسمه المستعار (أبو نظارة) في زاوية بوسط الصفحة الأولى تحت عنوان (همسة اليوم)، وقبلها (قرصة اليوم)، مما استدعى إبعاده من الجريدة بعد مضي عشر سنوات أو تزيد.

ثانياً: جريدة (الفجر الجديد)، التي صدرت بالخبر في شهر رجب عام 1374هـ، ورئس تحريرها يوسف الشيخ يعقوب، وصدر منها ثلاثة أعداد أوقفت قبيل صدور العدد الرابع بسبب حملتها الشديدة على أرامكو، وانتقادها لبعض المؤسسات الرسمية.

وقد ذكر لي رئيس تحريرها برسالة خاصة نشرت في كتاب أصدرته قبل خمس سنوات عن صحافة المنطقة الشرقية قال: بدأنا في طبع الجريدة، ولما وجدنا إقبال القراء عليها؛ ضاعفنا العدد الثاني على ثلاثة آلاف نسخة. أما العدد الرابع الذي جرى إيقافه ومصادرته من قبل مدير الأمن العام، والذي لم يوضح لنا الأسباب، فقد كانت الأعداد الجاهزة للتوزيع أربعة آلاف نسخة. أما عن أسباب الإيقاف فحتى الآن لم نعرف تلك الأسباب، وقد كثرت التخرصات والأقاويل؛ فمنهم من خمن أو ظن أن الحديث، والمقابلة التي تمت بين الأستاذ محمد الهوشان ورئيس الأرامكو المستر (باركر) حول البترول، وقلة عدد توظيف السعوديين، وعدم تشجيعهم، ربما كان السبب... إلخ.

ثالثاً: جريدة (أخبار الظهران)، وكان يتولى رئاسة تحريرها أستاذنا الشيخ عبد الكريم الجهيمان، أصدرها مع صديقه السفير عبد الله الملحوق عام 1374هـ، وتولى الجهيمان جميع مسؤولياتها عند انتقال الملحوق إلى لبنان، وقد استمرت (أخبار الظهران) تصدر حيناً وتتوقف حيناً حتى بلغت سنتها الثالثة بصدور 44 عدداً الصادر في 29 رمضان 1376هـ.

يقول الجهيمان إن سبب إيقاف الجريدة، وتوقيف رئيس تحريرها نشره موضوعًا يطالب فيه كاتبه بتعليم المرأة؛ فيقول في رسالة مماثلة وجهها لي عند تأليف كتاب (البدايات الصحفية في المملكة -1- المنطقة الشرقية) «... أما كيف تركت هذه الصحيفة ورئاسة تحريرها؛ فالسبب في ذلك أنني نشرت فيها مقالاً عن تعليم المرأة بتوقيع (محمد بن عبد الله)، وقامت بسبب هذا المقال زوبعة من النقد لهذا المقال، وألِّفت لجنة سألتني من كاتب المقال. فأجبت: بأنني لا أعرفه. فقيل لي: إذاً فأنت المسؤول عما فيه فأجبت بنعم.. فقيل لي: أما تعلم أن تعليم الفتاة والدعوة إليه سابق لأوانه؟ فقلت: إنني نشرت هذا المقال لعله يجدد هذه الفكرة، ويهيئ الجو لهذا الاتجاه، ولكن اللجنة لم تقنع بالمبررات التي قُلتُها، وقرَّرت إيقاف الصحيفة، وإيقاف رئيس تحريرها، وقال إنه عندما أطلق سراحه بعد ثلاثة أسابيع عاد للرياض للعمل بوزارة المعارف. ونجده، بعد ذلك، يعود لنشر الموضوع نفسه في جريدة صديقه حمد الجاسر (اليمامة)، وبالعنوان نفسه (نصفنا الآخر)، وذلك بالعدد 125 وتاريخ 21 ذي القعدة 1377هـ، وقد أعاد نشره في كتابه الشهير (أين الطريق؟)، الذي يضم معظم مقالاته التي نشرها في جريدة اليمامة، وقد طبع الكتاب في بيروت عام 1383هـ.

رابعاً: مجلة (الإشعاع) التي أصدرها، بالخبر، الشاعر سعد البواردي لتخلِفَ صحيفة (الفجر الجديد) المحتجبة، وقد استمرت من شهر محرم 1375هـ حتى شهر ذي القعدة 1376هـ، فنجده يقول في رسالة لي مماثلة لما سبق: «... بدأت الأقلام تتوالى. جلها أقلام شابة واعدة مليئة بالحماس والتدفق الوطني. طوت صفحة عامها الأول. دالفةً إلى عامها الثاني، وقد أخذت حجماً أكبر في مقاسها. كان لسانها في بعض الأحيان لاسعاً ينقصه الدفء. الأقلام مشبوبة تتعامل مع ما حولها بجرأة حادة تفتقدها صحافة اليوم؛ لأنها لا تعيش عصر تحولات سياسية واجتماعية، ومن هنا جنت براقش على نفسها، وجاءت القشة التي قصمت ظهر البعير يوم أن وقفَتْ متصدية لبعض التجاوزات بحماس زائد عن الحد.

صديق، وزميل يعمل في حقل الأدب كان السبب.. هكذا أوحى المرحوم الشيخ عبد الرحمن القويز لبعض المقربين منه. قال بأمانة النقل: «... إن صاحبنا حمل العدد الثالث والعشرين من مجلة الإشعاع الصادر في شهري ذي القعدة عام 1376هـ إلى المرحوم الأمير عبد الله بن عبد الرحمن واضعاً إصبعه على الدمل كما يعتقد قائلاً لسموه: «انظر ماذا يقول سعد البواردي عن وعن...». وهنا ثارت ثائرة سموه، وفي حضرة من المرحوم الملك سعود توسعت دائرة الإشكال، والسؤال، والمساءلة.

في الهجيع الأخير من الليل كان الطارق على الباب، وكانت الضيافة التي أشهد أنها كريمة تعاملها وتداولها باستثناء أسبوعها الأول الذي كنت فيه أناجي السقف والنوافذ الموصدة، والأرض العارية.

شهران وبضعة أيام كان أمامي الخيار الصعب: أن أظل داخل ضيافتي، أو أن أعود إلى مسقط رأسي لمدة عام جزاء لي على سلاطة اللسان، وردعاً لأمثالي، واخترت تراب شقراء، ومنه إلى الرياض حيث تحول مجرى حياتي 180 درجة من بائع قطع غيار سيارات إلى بائع كلمات أكثرها لا يستحق الشراء...».

خامساً: مجلة (الجزيرة) التي أصدرها الشيخ عبد الله بن خميس بالرياض عام 1379هـ، والتي طرحت بعض المواضيع المهمة والجريئة مثل: تعليم البنات، ونظام من أين لك هذا؟ وتحرير الرقيق، ونظام الحكم، وبلادنا والزيت، وكانت القشة التي قصمت ظهر البعير كما يقال مقاله الافتتاحي للعدد السادس من السنة الرابعة لشهر جمادى الأولى لعام 1383هـ /سبتمبر 1963م (أين تذهب ثروة العالم العربي؟)، وقال في مقابلة صحفية مع محمد الوعيل نشرها في الجزيرة بتاريخ 16/4/1401هـ «كتبت موضوعاً كافتتاحية للمجلة تحت عنوان (أين تذهب ثروتنا القومية)، وقبل نشرها ذهبت به إلى الوزير المختص وأطلعته عليه وأجاز الموضوع، وبعد أيام فوجئت ببرقية من الوزير بعد طبع الملزمة الأولى تقول: (أوقفوا نشر المقال)، ولكني أصررت على نشره لعدة أسباب أهمها أن المجلة كانت على وشك الصدور، ولأن الموضوع يحمل وجهة نظر وطنية لا أبعاد فيها، وفعلاً تم نشره، وبعد صدور المجلة جاءت برقية أخرى من الوزير نفسه تقول: «أوقفوا المجلة إلى إشعار آخر».

سادساً: جريدة (الأضواء) التي أصدرها بجدة الأساتذة محمد سعيد باعشن، وعبد الفتاح أبو مدين، ومحمد أمين يحيى، وقد ذكر الأستاذ عبد الفتاح أبو مدين في كتابه (وتلك الأيام) أن الجريدة قد تعثرت فإحدى تلك العثرات توقف الأضواء من 12/3/1377هـ إلى 15/4 من العام نفسه إثر مقال كتبه محمد أمين يحيى عن (المولد النبوي)، ثم كانت المعركة الكبرى مع شركة (الأرامكو).

وبالعودة لأعداد الجريدة نجد العدد ما قبل الأخير يحمل عنواناً كبيراً يقول: (لن نخضع يا أرامكو..)، وفي صدر الصفحة الأولى أيضاً صورة رجل كتب حوله (سالم يشتري نفسه.. الأضواء تجري أهم تحقيق صحفي عن أول عبد يشتري نفسه من سيده). العبد يصرح بأنه خرج مع الصبية ليلعب، فسرقته عصابة باعته بثمن بخس لتجار الرقيق. وهكذا توقفت (الأضواء)، منهم من يقول إن ضغط شركة أرامكو وتأثيرها هو السبب، ومنهم من يقول: إن موضوع (سالم يشتري نفسه) هو السبب.

سابعاً: قيل: إن سبب دمج جريدة (الندوة) لأحمد السباعي مع جريدة (حراء) لصالح جمال هو إن السباعي F قد طرح مسألة الطوافة والمطوفين، وطالب بتأسيس نقابة للمطوفين، وكذا أنشئ في الصحيفة ركن للمرأة باسم (رواق السيدات).

ثامناً: مجلة (اليمامة) ثم صحيفة اليمامة للشيخ حمد الجاسر هي الأخرى تعرضت للكثير من التهديد بالإيقاف، ومنها مقال نشره عبد الله الطريقي في السنة الثانية من عمرها بعنوان (إلى أين نحن مسوقون؟)، وكذا عند نشر الأستاذ عمران بن محمد العمران مقالاً ينتقد فيه الآغا خان فاحتجت باكستان، وأوقفت الجريدة لمدة شهرين، ومثله عندما كتب مرحِّباً بقدوم الرئيس الهندي جواهر لال نهرو وجعلت عنوان العدد (مرحباً برسول السلام)، وهكذا.

ولعل من المهم أن نلقيَ نظرة سريعة على آخر عدد صدر من بعض الصحف التي كانت تصدر أثناء صحافة الأفراد، وقبيل صدور صحف المؤسسات، نجدها تقول مثلاً:

* جريدة (القصيم) في عددها الأخير 216 الصادر في 26 شوال 1383هـ يكتب صاحبها صالح العمري افتتاحية العدد بعنوان (هذه الجريدة..)، ويعدد فيها المصاعب التي تتعرض لها صاحبة الجلالة، ويودع القراء بألم، ويذكر أنواع التضحيات التي قدمها، والمشاكل التي تعرض لها.

* أما جريدة (الأسبوع التجاري) لعبد العزيز مؤمنة فنجده يكتب افتتاحية العدد الأخير (67) ليوم السبت 16/10/1383هـ بعنوان (لست مودِّعاً) قال فيه: «ليس هناك ما يبرر إقفال هذه الصحيفة، ولا غيرها...» واختتم بقوله: «ولكن، وحتى لو حدث ما أكره. ويكره القارئ. فإن قلمي سيظل كقلبي، يؤدي دورَه في تجديد الحياة للعقل. أنا لست عبداً لصحيفة واحدة انتهي معها يوم تغتالها يد القدر. أنا لست أحيا بامتياز صحيفة، وإنما يحيا الامتياز، وتبقى الصحيفة بي أنا. أنا لست، (العدم) أنا (الوجود)، أنا أحيا اليوم، وغداً، لن أموت - عبد العزيز مؤمنة».

* ونجد شيخ الصحافة أحمد السباعي يكتب في العدد الأخير من مجلة (قريش) في 26 شوال 1383هـ (لا. ليس وداعاً): «أي قارئي، لا أريد أن تسمِّيَه وَداعاً؛ فإننا نستطيع أن نلتقي، ونلتقي، وإذا تعذر علينا غداً أن نلتقي على هذه الصفحات من قريش فليس معنى هذا أننا فقدنا الأمل في التلاقي. إنها رحلة جديدة إلى شيء جديد. فأملك عليك نفَسَك، ودعني أتفق معك على اللقاء قبل أن توادعني...» ويختتم السباعي مقاله الوداعي قائلاً: «... ومع هذا فهي خطوة. هي تجربة لا بد منها لتتسع أفهامنا لحقائق الحياة.

لا تنسى أن بعض الصحف اشتطت قبل اليوم في فهم ما تعنيه حرية الكلمة فدعنا نجرب التخطيط الجديد لنرى إلى أي حد يمكنه أن يحترم هذه الحرية ويبني لأغراضها الهادفة ما يصون كرامتها.

ثم؛ لا تنس - قبل هذا أو بعده - أن المشرعين احتاطوا لما عسى أن تخشاه فأباحوا لنظام المؤسسات أن ينقل الامتياز إلى تخطيط آخر إذا لم يتبين له نجاح أصحاب المؤسسة.

دعنا يا صديقي، إذن، نساير الركب، ولا تفجعْني بإعلان الفراق. وإذا أبيت إلا وداعي فليكن وداعاً، ولكن إلى ملتقى» - سباعي.

* وصالح جمال يكتب في آخر عدد من (الندوة) في 29/شوال 1383هـ تحت عنوان (حقيقة، وشكر) ينفي ما أشيع أنه رشح أسماء لمؤسسته الصحفية المرتقبة، فنجده ينشر الأسماء ويختتمها بقوله «لعنة الله على الكاذبين.. ولا يسعنا، ونحن نختتم صلتنا بالقراء بهذا العدد من الندوة، إلا أن نعرب لجميع من آزرونا بأقلامهم وأفكارهم ومقالاتهم في معركة الندوة في سبيل الإصلاح العام وزملائنا المحررين والمراسلين، ولأصدقائنا القراء الذين كتبوا إلينا بعواطفهم الأخوية؛ عن جزيل شكرنا وأكيد ودنا. وذكرنا الدائم لتعاونهم معنا، بارك الله فيهم وعليهم ووفقهم وإيَّانا لخدمة البلاد والعباد». صالح محمد جمال.

* وأبو مدين ومجلته (الرائد) نجده يكتب في عددها الأخير في 11/10/1383هـ تحت عنوان (و.. نودع)، ومنها يقول: «.. وليس في المجال أسف، ما دمنا نعلم أن لكل بداية نهاية؛ لأن الفناء من طبيعة الحياة. لا أسف إذن. فالزوال أساس ومبدأ.. في حياتنا...» واختتم مقاله بقوله: «.. ومهما أخطأنا، ومهما أصبنا عن حسن نية أو عن عنت، عن شيء في النفس فإن قبل هذا، وبعد ذلك، إرادة الله، وإرادة الله تصحح الأخطاء، وتحاسب عليها، وإن الله لا يأمر بالفحشاء، وسبيل الخطأ الصواب، وليس سبيل الصواب الخطأ:)وفي الأرض آيات للموقنين، وفي أنفسكم أفلا تبصرون( أبو مدين».

* وفي (المدينة) أيضاً في عددها الأخير ليوم الجمعة 29 شوال 1383هـ نجد العنوان الرئيس (يد تودع ويد ترحب)، (علي وعثمان حافظ يكتبان كلمة وداع للقراء، وترحيب بالمؤسسة) «... نمد أيدينا لنصافح إخواننا القراء والكتاب والجمهور مودعين، ونمدها، أيضاً، لنصافح إخواننا أعضاء مؤسسة المدينة مرحبين، لم نكن طلاب مال أو ثراء، ولكنا أصحاب عقيدة وإيمان، لم يدفعنا كفاحنا إلى تأسيس جريدة المدينة المنورة فحسب، أسسنا أول مدرسة في الصحراء ببادية هذه المملكة، ليس امتياز الجريدة مفتاح كعبة يخلد في أيدينا...» واختتم المقال الموقع من صاحبيها: علي وعثمان حافظ بعد استعراض ظروف تأسيس الجريدة، وإنشاء مطبعتها، وما صاحبها من عوائق وخسائر مادية باهظة. فنجدهما يقلان: «... ثم فكرنا، وقلنا. لماذا الذهول، ولماذا هذه الدهشة؟ فالحكومة لن تظلمنا، وسوف تعوضنا بما لحقنا من أضرار، وليس امتياز الجريدة مفتاح كعبة يخلد في أيدينا، إذا لم تر الحكومة ذلك فهي التي ملكت الإعطاء والمنع، وهي التي تملك الأخذ والإعطاء مرة أخرى، ولسنا كما قدمنا أفضل، ولا أثقف، ولا أعلم ولا أقوى من غيرنا من الزملاء والإخوان، ولا شك أن الاثنين أقرب إلى الصواب من الواحد، والثلاثة أقرب لـه من الاثنين، والجماعة أقرب من الثلاثة، ويد الله مع الجماعة، وما رأت الحكومة فيه الخير والبركة؛ ففيه الخير والبركة إن شاء الله.

وإنا نبارك هذه الخطوة، ولن نخرج من ميدان الكفاح، والخدمة العامة، إن شاء الله، حتى النهاية؛ سواء كنا أصحاب امتياز أو كنا في أي مجال آخر، ونرجو أن نرى (المدينة) كأقوى صحيفة، وأن تحقق الأهداف، التي يعمل ويضحي من أجلها رجال الدولة والفكر والرأي المخلصين لله ولرسوله.

وبعد فإننا نمد أيدينا لنصافح إخواننا القراء والكتاب والجمهور مودعين، ونمدها لنصافح إخواننا أعضاء مؤسسة المدينة مرحبين، داعين الله لهم بالتوفيق، وفي أمان الله والسلام على الجميع ورحمة الله وبركاته - علي حافظ، عثمان حافظ».

* نجد العدد الأخير من جريدة (عكاظ)، يحمل الرقم (196) الصادر بتاريخ الأربعاء 28/شوال 1383هـ الموافق 11 مارس 1964م، وفي الصفحة الأولى، تحت عنوان: (مؤسسة عكاظ الصحفية): «تبلغت عكاظ من وزارة الإعلام، ظهر يوم أمس الثلاثاء 26 شوال 1383هـ، أن تقدم مسرداً بأسماء أعضاء مؤسسة عكاظ الصحفية غير المسرد الأول الذي قدمته في 9 رمضان 1383هـ، وقرار وزارة الإعلام يقضي بألا تصدر صحيفة - من غرة ذي القعدة 1383هـ - إلا إذا أصدرتها مؤسسة صحفية.

وبما أن إعداد مسرد يحوي ألمع وأكبر من الأسماء السابقة يحتاج إلى زمن، والوقت قد أزف، وقرار الوزارة الذي أشرنا إليه نافذ؛ فإن عكاظ ستحتجب عن الصدور حتى يتم تكوين مؤسستها، فتصدرها يومية إذا أراد الله خلال الأيام القريبة القادمة.

وإن صاحب عكاظ ورئيس تحريرها ومحرِّريها ومراسليها وموظفيها يودعون قراء عكاظ المملوكة لفرد، مؤملين لقاءهم على صفحات عكاظ اليومية بفضل الله الذي نبتهل إليه أن يوفقنا لما يحب ويرضى».

* وفي العدد (1556) لجريدة (البلاد) ليوم الجمعة 29 شوال 1383هـ الموافق 13 مارس 1964م، يفتتح العدد الأخير من جريدة البلاد بكلمة (للتاريخ) «... ولهذا ما نظن أن هناك من يجرؤ على الهمس، أو اللمز لموضوع اليوم الذي نرى أنه من الواجب علينا أن نسجله في آخر عدد من جريدة (البلاد) في عهدها الآفل.

فبعدد اليوم، الجمعة، نودع عهداً عشناه بأعصابنا، وسرنا فيه بمبادئ واتجاهات لا تشوبها أية شائبة.. مهما قال الحاقدون، والموتورون.

وبعدد الغد نستقبل عهداً جديداً نعلق عليه الآمال الكبار، ونترقبه، ونرجو من الله أن يجعله عهداً جديداً في الانطلاقات الصحفية...».

وفي الختام، فإنني أعيد وأذكر أن هذه المعلومات والأحداث قد مضى عليها خمسون عاماً، أو أكثر، لكننا نستخلص منها العبر والفوائد، ونستذكر جهود الرواد الأوائل من صحفيينا وإعلاميينا.

* باحث
200412