قصة قصيرة
صوت القطار
نجيبة الخنيزي * - 4 / 9 / 2009م - 5:00 م - العدد (50)

أسرُّ الصوت، أم سرك أنت؟ ليتك تعود، يا أبي، ويأخذ كلانا طريقه، ويبقى صوت القطار!

لم تكن الشمس قد بزغت، بعد، عندما نهض أحمد من نومه على صوت صفير مزعج، اعتقد أنه صوت القطار البعيد، سار وهو يتمتم بكلمات تنم عن انزعاجه, ليجد والده العجوز مستيقظاً كعادته يصلي الفجر. ألقى تحيته، وتابع قائلاً:

ـ صوتُ ذلك القطارِ مزعجٌ.

نظرةُ تأمُّلٍ من عينيّ والده الغائرتين من عمر السبعين عاماً. تمتم:

ـ أيزعجُكَ صفيرُ القطار؟

وبسرعةِ شبابِ هذا العصر، وبنظرةٍ لا تقف عند مكانٍ أجاب: مزعجٌ جدًّا.

رَدَّ الوالد الكهل بابتسامةٍ وقور: سوف تشتاق يوماً لصوت القطار البعيد.

وكعادة اليوم الدائب حيث تُشرق الشمس من المكان نفسه، وتغيب من آخر، ولا جديد في حياة هذه الأسرة الصغيرة؛ توجه الأبُ إلى المدرسة حيث يعمل حارسًا فيها، فيما أخذ أحمد طريقه مشياً إلى عمله، وكأن صداعاً يلازمه من ذلك الصوت المزعج دون أن يعرفَ له سبباً، أو تفسيراً، فيكفي أن تعيشَ فقرك مع ألمٍ دائمٍ، ويكفي أن تعيش وسط متجرِ مجوهراتٍ غاليةِ الثمن وأنت لا تملك قيمة قطعة واحدة منها. كان يسأل نفسه كل يوم السؤال ذاته الذي لا ينتهي: لو أصبحَ عنده متجرٌ كهذا؛ هل سيكونُ سعيداً؟ ولو تملَّك بيتاً كبيراً في منطقةٍ جميلةٍ محاطة بالبساتينِ والجناتِ، لا يَسمعُ فيها غيرَ صوتِ العصافيرِ وخرير الشلالاتِ؛ ألن تنتهي تعاسته الأبدية؟ وأمام أحلامِهِ هذه وجد نفسه منجذباً نحو الدعاء كي يهب له صانع الحياة أمانيَّه الضائعة في زحمة الحياة، ثم رتَّل مقطوعة الأبد: إن الله يهبُ العطايا، ولا يأخذُ منها شيئاً.

لبث بين اليقظة والخيال! لبث هذا الحلم يتملكه إلى انقضاء المساء.

كل يوم يمر هكذا دون جديد، وصوت ذلك القطارِ يكرر نفسه عند كل صباح، وجرسُ الساعةِ يُشير إليه أن يُسرع في النهوض، كعادته، ليبدأ نفس دورة اليوم، والأحلام الوردية نفسها.

المفاجأة التي غيرت يوم هذه العائلة المكونة من أبٍ يكاد ينتقل لعالم آخر، وفتى يافع يعيد دورة حياةٍ قديمة لأبٍ شاءت الأقدار أن يرث منه طريقته في الحياة. المفاجأة ثملت في ظهور علاماتِ التعبِ على وَجه والده، فتخددت فيه أكثرَ شقوقُ سنينِ التعب.

تبدى القلق من عينيه دون أن يجد نفسه قادراً على الوصول إلى نهاياتِ الخوف, هل ما يراه صحيح؟

رَدََّ عليه والدُهُ بصوتٍ متهدِّجٍ لم يسمعه من قبل:

ـ يأكلني ضعفٌ شديد.

اختفى من ذاكرته جدول أعمال اليوم، وتبعثرت رتابة الوقت، وتاه عن طريقه الذي اعتاده من سنوات، ووجد طريقاً جديداً نحو مستشفى الحكومة, أمله الوحيد، حيث يتساوى الموت والحياة، لم يسعفه الوقتُ كثيراً؛ إذ كانت الأقدار تجري أسرعَ مما يَقدِرُ عليه عقلُهُ التائهُ في أحلام يقظةٍ لا يجد لها منفذاً كي تتحقق؛ فقد رأى والدَهُ ملقًى على الأرض، وما أقسى المحن التي تأتي دون ميعاد ولا إشارة مسبقة؛ ففي لحظة واحدة افترقا عن مكانهما، واختفت تلك النظرات التي طالما تبادلاها.

دارت به الدنيا بين ألمٍ، وذكرياتٍ. كان والدُه كلَّ ما يملك في هذه الدنيا، والآن هاهو يعيش وَحدةً لم يعرفها من قبل.

انتهت دورة العزاء الصغيرة، وعاد إلى نمطه الأول. بات يعيشُ دون والدِهِ، وصاحباه - في هذا النزل الصغير الأشبه بدكان صغير - هما الحُزنُ والصمت المطبق، عدا ذلك الصوت الآتي من باطنه العميق، تتملكه الحَيرةُ، ويزداد اندهاشهُ: (أين اختفى صوتُ ذلك القطار البعيد)؟ أين يجد الجواب وقد رحل من كان يقدم له تفسير كل غامض، غاب الوجه الذي تَمَّحي تحت تقاسيم كلُّ تقاسيم الحياة المعقدة.

ولا جديد، ها هو صباح آخر رتيب، يستيقظُ، ويخرج من غرفته وصورةُ والدِه تحتل خياله، وكأنه يجلس على الكرسي نفسِهِ ينتظر، ولكن ماذا كان ينتظر؟ تدمع عيناه، ويُقرر أن يشرب الشاي كعادة والده في الصباح الباكر. أليس هو معلمَّه الأول؟ أليس هو من رأى العالم من خلاله؟ ولا شيء آخر غير قول الأب، ورأي الأب، وأوامر الأب. يضع إبريق الشاي على الموقد، ويعود إلى ذاكرته سارحاً في أيام والدِه الجميلة. ويا للدهشةِ! صوتُ القطارِ ثانية. من أين يأتي؟ من باطني؟ فأنا أعيش لحظة تأمُّل في هذا العجوز الراحل. يزداد الصوت وضوحاً. تنفرج أسنانه عن ضحكة ساخرة. إنه صوتٌ الإبريقِ يتصاعدُ منه بخارُ الماءِ.

قاصة، السعودية
370314