في (وجه المرايا)
غربة الشاعر وأسبابها
صالح مهدي الخنيزي * - 4 / 9 / 2009م - 5:05 م - العدد (50)

الديوان: (وجه المرايا)
الشاعر: سعود عبد الكريم الفرج
الطبعة: الأولى، 2007م.
الناشر: دار الكفاح للنشر والتوزيع، الدمام. 

صدر مؤخرا ديوان شعر بعنوان (وجه المرايا) للشاعر والكاتب الأستاذ سعود عبد الكريم الفرج. يحتوي الديوان على اثنين وسبعين قصيدة تتنوع ما بين الرومانسية، والوجدانية، والوطنية.

خلال إبحاري في (وجه المرايا) وجدت أن الشاعر قد تفوق كثيرا في هذا الإصدار عن سابِقَيه (بوح الشعور)، و(ربما أمل)؛ ففي هذه التجربة وجدت مساحاتٍ شعريةً يانعة تجبر القارئ على الاقتراب بحنو شديد ليقتطف من لذيذها ويتفيَّأ بظلالها.

أكثر ما لفت انتباهي في الديوان القصائد النثرية التي بثّ الشاعر فيها نفحات صادقة يعكس فيها مرايا وطنه وأرضه والواقع الذي يعيش، بأسلوب نثري مكتمل البناء.

في الحقيقة أنني أثناء تصفحي للديوان وقفت كثيرا عند مجمل تلك النثريات حيث جعلتني أدخل في دوامة من الاستعادات الشعرية من (رباعيات الخطّي)، و(قطرات ضوء) الإصدار الأول للشاعر الشيخ عبد الحميد الخطي F، والآخر للشاعر عبد الله الجشي وهما شاعران من نفس مدينة الشاعر.

ما يهمني في هذه الورقة هو قراءة غربة الشاعر في وطنه، وأسباب تلك الغربة حيث تتجلى - من وجهة نظري - في سببين وهما فرقة المجتمع، ووأد الطبيعة والفنون، وكلّ ما يتعلق بالجمال مقارنا غربة الشاعر بغربة (الخطّي) (والجشّي) مستعيدا بعض الأبيات من الرباعيات السابقة الذكر. ونلفت نظر القارئ الكريم الى أنه ليس من الضروري أن الشاعر قد قرأ أعمال الشاعرين، أو تأثر بتجاربهما، فالشاعر، أولا وأخيرا، ابن بيئته، وما يراه حوله قد يراه آخرون بنفس الطريقة، وقد يختلف معهم فيما يراه، والأهم من ذلك أن الشعراء الثلاثة يجمعهم نفس المكان، وشهدوا أحداثا متقاربة في وطنهم.

أولا: غربة الشاعر في موطنه:

في قصيدة (النوافذ المشرعة) يقول الشاعر

جلست وحيدا أتأمل

ليس حولي سوى الصمت

وبقايا قمر بدأ يتوارى

نخيل الخط تتثاءبُ حوله

وأنا أشكو غربة ليلي

أبحث عن وطنٍ

وأنت توصدين الأبوابَ

تُشرعين المنافي[252]

نحن هنا أمام صورة درامية مدهشة حيث ينتقل سأم الشاعر من انتظار حبيبته إلى القمر الذي «بدأ يتوارى»، ولا يقف السأم عند هذا الحدّ بل ينتقل إلى «نخيل الخط» التي شعرت، هي أيضًا، بالسأم الذي يحسه الشاعر.

ومن ثمّ يبث الشاعر همومه وهو يبحث عن وطن بداخل وطنه، ولكن حبيبته توصد الأبواب، ولا يتبقى أمامه سوى تلك المنافي المشرعة، ولا ننسى أن الحبيبة، هنا، هي واحدة من أفراد مجتمع الشاعر؛ فكانت من أحد الأسباب التي جعلت الشاعر يعيش الغربة في وطنه.

يقول عبد الله الجشي في (الوطن):

لا تقل إخوتي وأهلي وقومي

ربّما كنت بينهم مهجورا[253]

ويقول الخطّي في (هزار وسط غربان):

إني إلى كلّ مخدوع بها عظة

فقد أقمت غريبا بين إخوانِ[254]

ثانيا: أسباب غربة الشاعر في وطنه:

1- فرقة المجتمع، وانشغالهم في أمجادهم السابقة، وعدم مواكبتهم الأمم المتقدمة:

يقول الشاعر في (تراتيل الوجع):

وجدت نفسي

على هامش تراتيل الوجع

والمنفى

وصيرورة ما سيكون

أمة

ملأت الدنيا كلاما

لم أرَ أمامي سوى

خرائط متداعية

تقف شاحبة

على حائط الذاكرة

وبقايا أطلال

من حلم قديم[255]

هكذا يعبِّر الشاعر عن واقعه وواقع مجتمعه. أما الأمم الأخرى فقد شقت طرقها نحو النجاح، فعبرت المحيطات، ووضعت بصماتها في شتى المجالات. كما يبين الشاعر في نفس المقطوعة حيث يتجلى سبب نجاح تلك الأمم من وجهة نظر الشاعر:

لا يحملون ذاكرة مترهلة

ولا زيفا

من واقع معاش[256]

يبين لنا الشاعر، هنا بطريقة غير مباشرة، أن الذين يحملون» ذاكرة مترهلة، وزيفا معاشا» هم أبناء أمته. فلنعد قليلا لبداية القصيدة، ونسأل أنفسنا: «لماذا يجد الشاعر نفسه على هامش تراتيل الوجع والمنفى وصيرورة ما سيكون أمة...؟» لأنه بلا شك بسبب هذه الذاكرة المترهلة، والزيف الذي يثقل أبناء المجتمع، والشاعر، هنا، يحث الأمة للسير في خطى الأمم السابقة. وصورة الذاكرة المترهلة والزيف قريبة من قول (الخطّي) في (هزار وسط غربان):

لا تقدر العلم والآداب في رجلٍ

ما لم يُحصّن بتزويرٍ وبُهتان[257]

غير أن الاختلاف، هنا، يتجلى في أن الشاعر يتحدث بصيغة الخطاب المباشر. وفي قصيدة (عبث) يقول الشاعر:

في هذه الأحياء الرتيبة

يدفعني الفضول

بكل ما هو عبثي

فعند ما تتقدم في دروبها

تستمع لهذا الخُواءِ

تستمع لصدىً آخر

مثير للتقيؤ

الناس فيها غير جادين في صنع السفينة[258]

في استماع هذه الأحياء الرتيبة للأصداء الأخرى المثيرة للتقيؤ

يقابل (الفرج) (الخطّي) في رباعيته (لَحْد الفن) التي يقول فيها:

تفتح السمع إلى ناعبة

وتسدّ السمع عن لحنٍ رطيب[259]

فالأمة، هنا، غير جادة أيضا، وكيف تكون جادة وهي تتقدم في دربها لتستمع للأصوات المنفرة. إلى أين سيقودها ذلك التقدم يا ترى؟

2- وأد الطبيعة والفنون وكلّ ما يتعلق بالجمال، يقول الشاعر في (ولادة متعسرة):

يولد الإبداع

في قريتي

من مخاض الطموح

لكنه يموت

عندما يراها

لأنّ جسدها (بحار من العطش)[260]

في هذه القطعة يولد الإبداع، ولكنه يموت عندما ينظر إلى الحال المزري في تلك القرية، فهي التي تحث الإبداع على الموت السريع، وينهي الشاعر نثريته بصورة جميلة مجيبا على تساؤل القارئ: «لماذا يموت الإبداع بعد ولادته مباشرة؟» لأن جسدها «بحار من العطش»، أي إن هذا الإبداع وغيره من الإبداعات لا تستطيع أن تروي تلك القرية؛ فتموت متأثرة بعطش القرية الذي لا يرحم.

يقول الشاعر (الجشي) في رباعيته (غربة):

ما عاد يجمعها سوى

وأد المواهب والفنون[261] 

ويقول الشيخ (الخطّي) أيضا في رباعيته (لحد الفنّ):

لم تكن مهداً لفنٍّ، إنّما

خُلِقَت لحدًا لفنّ وأديب[262]

والخطاب في هذه الأبيات موجه للمدينة على عكس الخطاب في (ولادة متعسرة)، لكننا ندرك أن القرية جزء لا يتجزأ من المدينة ككل، فتعم الصور بقية القرى لتشمل المدينة (بحار العطش) لتموت بعد ولادتها مباشرة.

و(الفرج) يشابه (الجشي) في «صورة الوأد»؛ حيث يصور الطبيعة بالفتاة البريئة التي تقتل «تئد» بدون ذنب كما يتبين لنا في قصيدة (الوأد) حيث يقول:

تهاجر آلاف النوارس خوفا من الوأد

إلى قوله:

لم تعد أمامي جداول تتراقص[263]

ويقول في (شلال العتمة):

أماّ بحيرات البجع

فتشكو من وأد الزمن[264]

ويقول في (ضجيج العتمة):

يستيقظ العطش

رافعا صوته

أقفاص الحديد تمنع الغناء

والحاجز الوهمي

يقف عبر ذلك المنظر المنسوخ

الممتلئ بضجيج العتمة والوأد

حيث طبول القبيلة

تُعلن الانتصار على الحبّ[265]

وصورة الوأد، هنا، لا تشمل الطبيعة والفن حيث “أقفاص الحديد تمنع الغناء” بل تسري إلى الحب حيث طبول القبيلة تسحق الحب وتنتصر عليه.

في الختام أقول إنني قرأت بعض ملامح غربة الشاعر في وطنه وأسبابها،

ولا يعني هذا أنني قد أبرزت جميع تلك الملامح؛ فهنالك الكثير في قصائد عديدة أذكر منها (السلب)، (منفى الذاكرة)، (ليلة الأصفاد)، (غربة)، (الجدب)، (خواء وضياع).

وتتجلى ملامح الغربة واضحة في بعض القصائد، وتكون ذائبة بين حنايا النص في قصائد أخرى حيث تحتاج لقراءة متأنية ليتم قطفها بعناية.

شاعر
216906