الإيدز ومعضلة مكافحته
يوسف أحمد الحسن * - 4 / 9 / 2009م - 5:09 م - العدد (50)

يعاني العالم اليوم من انتشار مرض نقص المناعة المكتسب (الإيدز) في مختلِف المناطق بعدد يُقدَّر بحوالي 40 مليون مصاب، وكان أول اكتشاف لفيروس نقص المناعة المكتسب (الإيدز) في العام 1981م في أوساط المثليين في الولايات المتحدة الأمريكية، لكنه ما لبث أن انتشر في كافة أنحاء العالم. وينتشر الإيدز عبر عدة وسائل منها:

* العلاقات الجنسية المتعددة دون استخدام الواقيات الذكرية.

* نقل الدم الملوَّث بالفيروس.

* استخدام الإبر الملوثة بالفيروس خاصة عند استخدامها في تعاطي المخدرات.

* انتقال الفيروس من الأم إلى الجنين عبر الحبل السري، أو الإرضاع الطبيعي من أمٍّ مصابة.

* عبر أدوات الحلاقة، (أو أدوات أطباء الأسنان) غير المعقمة.

وقد انتشر الفيروس بشكل كبير في بعض الدول إلى حدٍّ يمكن معه إطلاق لفظ (الوباء) عليه، والمشكلة التي تواجه العالم مع هذا المرض هي أنه لا تقتصر الإصابة به على المجرمين والشاذين ومدمني المخدرات، بل يتجاوزهم إلى أبرياءَ ربما لا علاقة لهم بأي ذنب سوى الصدفة، أو القدر الذي ساقهم إلى المرض، أو ساق المرض إليهم؛ مثل الأجنَّة في بطون أمهاتهم، والأزواج إلى بعضهم البعض، وكذلك حالات نقل الدم المصاب إلى أبرياء، أو انتقال المرض من عيادة أسنان، أو من حلاق لا يقوم بتعقيم أدواته.

ورغم تكاتف عدد من المؤسسات المحلية والإقليمية والدولية لوقف انتشار المرض إلا أن هناك عددا من العقبات التي تقف في وجه ذلك؛ من أهمها ثلاث مشكلات هي: الإنكار والوصم والتمييز ضد المصابين بالمرض.

فبالنسبة للإنكار، قام عدد من الخبراء بدراسة سرعة انتشار المرض في مختلف البلدان، فتوصلوا إلى عدة نتائج منها أن المرض يبدأ في الانتشار في بلد ما بشكل خفي جدًّا بحيث يصعب ملاحظته، وتنحصر الحالات التي يتم اكتشافها في الصدفة لا أكثر، حيث يتم اكتشاف الإصابة به عرضا عند فحص المريض بأمراض أخرى. وتسمى هذه المرحلة بـ(مرحلة اللاوعي)، وفي هذه المرحلة تقدر نسبة الإصابة بالمرض في مجتمع ما بحوالي واحد في المائة فقط حسب الإحصاءات الرسمية المقدرة في البلدان محل الدراسة، لكن هذه النسبة غالبا ما تكون كاذبة، لا يكشفها سوى زيادة عدد حالات الإصابة التي ترجع إلى وزارات الصحة في تلك البلدان. عندها تأتي (مرحلة الإنكار) والتي يحاول فيها مسؤولو الصحة في ذلك البلد - أو أي جهة أخرى (يمكن أن تكون سياسية) - التغطية على ذلك، ومحاولة إنكار الإصابة به لعدة أسباب وعوامل منها محاولة عدم إظهار تفشي الزنا أو العلاقات غير الشرعية في ذلك البلد أو حتى انتشار تعاطي المخدرات باستخدام الحقن الطبية. كما يشجع ذلك بعض الفهم المغلوط للدين حيث يتم توظيف بعض الأدلة الشرعية لدعم حالة الإنكار كالآية القائلة ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَن تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آمَنُوا...

لكن هذه المرحلة غالبا ما تنقشع عندما تتم ملاحظة ازدياد حالات الإصابة بالمرض من قبل حتى غير المتخصصين ليصل ذلك البلد إلى (مرحلة الصدمة) التي يعقبها نوع من التحركات الفردية غير المنظمة في المجتمع، في وقت تكون حالات الإصابة فيه وصلت إلى حد لا تكفي معه هذه التحركات، بل هي بحاجة إلى حركة جماعية منظمة، وعلى مختلف الصعد الشعبية والرسمية. بل إن المستويات الرسمية قد لا تكفيها جهود وزارات الصحة (إدارة الإيدز)، بل تتخطاها إلى (هيئة وطنية للإيدز)، ثم إلى وزارة للإيدز كما في بعض دول العالم.

إذن، فعادةً مَّا ترافق بداية انتشار الفيروس - في بلدٍ مَّا - حالة من الإنكار له كونه مترافقا مع حالة من الشعور بالعار، أو نوعا من إثبات انتشار عدم العفة في ذلك البلد، ولعمري لو علم هؤلاء المنكرون تبعات هذا الإنكار لتركوه إلى ما سواه.

إن حالة الإنكار تعني، فيما تعنيه، عدم الاعتراف بوجود المشكلة، وهو ما يستتبع عدم أخذ الاحتياطات اللازمة لمنع انتشار المرض، مثل العفة الجنسية، وتشجيع استخدام الواقيات الذكرية، وتأسيس جمعيات دعم لمصابي الإيدز، ويمكن اعتبار الإنكار نوعا من المكابرة لا ينهي المشكلة بل يؤجلها إلى الوقت الذي يصعب فيه السيطرة عليها.

أما بالنسبة للوصم والتمييز فهما سلاحان يتم استخدامهما ضد المصابين بالإيدز بهدفٍ نبيل، وهو تقليل الإصابة بالمرض، ويعتقد من يقوم بهذين الأمرين أنه - بذلك - إنما يساهم في تقليص إقبال الناس على الجنس المحرم، وبالتالي تقليل أعداد المصابين بالإيدز. ورغم أن هذا النهج صحيح إلى حدٍّ مَّا لحل بعض المشكلات الاجتماعية، إلا أن له آثارا كبيرة على زيادة انتشار الإيدز أكثر مما يفيد في التقليل منه. أما لماذا فهو للتالي:

إن قيام الناس بوصم مريض الإيدز يبعد الناس عن ذلك المريض، وبالتالي يعزله عن المجتمع ويحاصره، لكن المشكلة مع هذا المرض تختلف عن مشكلات أو سلبيات أو ذنوب أخرى مثل ترك الصلاة، أو ارتكاب ذنبٍ مَّا؛ ذلك أن تكريس الوصم للمصابين بالمرض يدفع بالمصاب الذي لا يعلم عن إصابته بعدم إجراء الفحص اللازم للتأكد من الإصابة أو عدمها، حتى لو شك في ذلك، وحتى لو ظهرت لديه بعض أعراض المرض، وذلك بسبب خوفه من الوصم، وهذا - بدوره - يؤدِّي إلى مزيد من حالات الإصابة الجديدة بالمرض، فلو لم يكن هناك وصم للمصاب لكان اكتشف المريض إصابته بالمرض، وجنَّب آخرين العدوى منه مثل زوجته، وربما بعض أقربائه، أو من قد يتبرع لهم بالدم. صحيح أن هناك بعض الفوائد من استخدام الوصم سلاحًا ضد الإيدز - مثل تحذير الناس من الجنس الحرام - لكن سلبياته أكثر وأشد خطرا من ايجابياته.

إن الحقيقة غير المرئية في الإصابة بالإيدز هي أنَّ هناك نسبةً ليست بالقليلة من المصابين بالمرض أبرياء، ولم يصابوا به جراء ممارسة الجنس الحرام، فكيف يمكن أن نصم هؤلاء بالعار، وبالزنا وهم لم يقوموا بذلك؟ فضلاً عن أن تركيز حالة الوصم على المصابين بشكل عام يجعل الكثيرين يفضلون عدم إجراء فحص الإيدز، والإصابة بالمرض، وربما الموت من مضاعفاته دون التجرؤ على إعلان الإصابة به حتى لأقرب المقربين منهم؛ خشية الفضيحة، وعملا بالمثل القائل (الموت ولا الفضيحة).

إن الحقيقة التي ينبغي أن يتم توضيحها، هي أنه حتى الشخص المصاب بالإيدز نتيجة لعلاقة غير شرعية لا يمكن أن يستمر وصمه بالعار طوال حياته؛ فلدينا في الدين الحنيف أبواب عديدة للعودة إلى الله، والتوبة، و(من تاب تاب الله عليه)، وحتى من لم يتب فقد أمرنا الله تعالى بالستر على الآخرين ما داموا غير مجاهرين بالفسق، حيث نهانا الدين الإسلامي عن مجرد غِِيبتهم، إلا أن يجهروا بالفسق.

إن الدين الإسلامي دين رحمة ومحبة وتسامح؛ لذا يجب عدم التفريق بين المصابين بالمرض مهما تنوعت وتعددت أسباب إصابتهم بالمرض، ويجب تحويل النظرة العقابية لمرضى الإيدز إلى نظرة بالرحمة باعتبار أن الإيدز مرض مثل سائر الأمراض الأخرى، وتعتبر اختبارا للإنسان. كما لا ينبغي أن تعتبر الدعوة إلى عدم الوصم والتمييز نوعا من التشجيع على الجنس الحرام، أو عدم العفة، بل هي أساليب ووسائل علمية قام بدراستها بعض الأطباء النفسانيين في بعض دول العالم، وتوصلوا إلى أن هذين السلاحين ليسا الأنسب في هذا المرض على الأقل، بل إنه قد يرتد عكسيًّا في مسيرة مكافحة المرض. وهذا كله لا يمنع ولا يتناقض مع ايجابيات ومحاسن العفة والإخلاص للزوج أو الزوجة والالتزام بتعاليم الدين الإسلامي.

نائب مدير التحرير
239864