رسالة إلى الطلبة المغتربين
التحرير - 31 / 1 / 2011م - 10:08 ص - العدد (55)

عديدة هي الصعوبات التي تواجه الطالب المغترب،وبالذات في مراحل غربته الأولى. وتعد الفترة الأولى من أصعب وأخطر المراحل في حياة الطالب. إذ في هذه الفترة يختبر الطالب من خلال سلوكه وعلاقاته القيم والمبادئ التي تمسك بها في مجتمعه الأصلي..

إذ في فترة الاغتراب والانخراط في محيط اجتماعي جديد، تعرض قيم الطالب ومثله على المحك..

والطلبة دائما هم متفاوتون، فمنهم وهم القلة من يخلع قيمه قبل ركوبه الطائرة من وطنه ومنهم من يتركها بعد نزوله سلم الطائرة ومنهم من يتشبث بها أو ببعضها سنة أو بضع سنين ومنهم من يعض عليها بنواجذه فلا يفلتها أبدا..

ولعل أهم الامتحانات التي تواجه الطالب المغترب هو امتحان الاختيار.. وهي أساس الاختبار البشري وسر وجود الإنسان على هذه الأرض وسر منحه العقل..

وهي من أهم الأسئلة التي تلح على ذهب الطالب..

هل يتمسك بقيمه ومبادئه، التي قد لا يدرك كل مضامينها، أم يتخلى عنها ويمارس ما يحلو له بعيدا هم أعين الرقباء والأقرباء.. هنا تأتي مقولة ( الاختيار ) لكي تكون حجر الزاوية لكل هذه الأمور.. صحيح أن الطالب المغترب بإمكانه أن يمارس أي شيء بدون رقابة اجتماعية.. ولكن الله سبحانه وتعالى هو المراقب والمحاسب سواء كنا بين أهلنا أو في الغربة..إن هذه المسألة هي التي ينبغي أن تحضر لدى الطالب المغترب..

فالمطلوب ليس العزلة والانكفاء والتقوقع، وإنما أن يعيش الشاب كل حياته في نطاق الالتزام وفي سياق أن المهم دائما أن لا أقوم بعمل يغضب الرب سبحانه وتعالى..

فالالتزام القيمي والديني، لا يعني العزلة والتقوقع والهروب من المحيط العلمي والاجتماعي.. وإنما يعني أن يعيش الإنسان كل حياته في أروقة الجامعة وبين أصدقاءه ومحيطه الاجتماعي بدون عقد وتردد،ويعمل على القبض على كل أسباب الفهم والاستيعاب والتميز في الدراسة والتحصيل العلمي..

إننا كمجتمع نتطلع إليكم، بوصفكم علماء الغد ونخب المجتمع القادمة، فلا تفوتوا هذه الفرصة السانحة عليكم وعلى مجتمعكم..

إننا نتطلع إلى نجاحكم وتميزكم الدراسي والعلمي، ونطمح أن تعودوا إلينا علماء، ونجباء، قادرين على خدمة أنفسكم ومجتمعكم من موقع التخصص والقدرة العلمية المتميزة. ومن الضروري أن نتذكر دائما، إن التنافس اليوم بين الأمم والشعوب، لا يحسم بمستوى استهلاك سلع الحضارة،وإنما بمدى مشاركة هذه الأمم في المنجزات العلمية والحضارية. وكل هذا بطبيعة الحال بحاجة إلى ثقافة تحترم المنجز العلمي، وتحترم التخصصات العلمية، وتفسح لهم المجال للبروز والتأثير في الفضاء الاجتماعي. وإننا اليوم ومن مواقعنا المختلفة، مطالبون لإعادة الاعتبار إلى العلم، وتوفير كل عوامل الاحترام والتقدير إلى كل العلماء والمبدعين..

فالاحترام ينبغي أن لا يكون منحصرا في علماء الدين،والوجاهة الاجتماعية ينبغي أن لا تكون خاصة برجال الدين. وإنما من الضروري أن نوفر الاحترام والتقدير إلى كل العلماء والمبدعين سواء كانوا علماء دين أو اجتماع أو فلسفة أو فيزياء أو رياضيات أو ما أشبه ذلك.

ومن الضروري أن لا نخاف من العلم ومنجزاته، فالإسلام لم يأت من أجل تقييد العقول، وإنما جاء من أجل إثارة العقول..

وقيم الدين لا تقتل الإبداع، وإنما تحفز على إعمال العقل والتفكير..

لهذا فإن تحرير المجال الاجتماعي من الخوف من العلم والإبداع، من الشروط الأساسية التي تساهم في تقدم الأمم والمجتمعات..

فلنفسح المجال للعلماء للبحث والإبداع، ولنوفر لهم كل مستلزماتهما. وبدون ذلك لن نتمكن من القبض على أسباب التقدم أو استيعاب أسرار المنجز العلمي الحديث..

ومن الضروري العمل على تظهير القيم والمبادئ الإسلامية والإنسانية، التي تحث على التفكير وإعمال العقل والإبداع، وتشجع على العلم والتعلم. لأن هذه التظهير هو الذي يطرد من فضائنا الاجتماعي كل الموانع والكوابح التي تحول دون التقدم وامتلاك ناصية العلم..

ولنتذكر دائما: أن العلم هو جذر الحضارة، فلا حضارة بلا علم. وهو جسر العبور نحو التقدم، حيث لا تقدم بدون علم ومعرفة..

لهذا كله آن الأوان بالنسبة لنا جميعا إلى إعادة الاعتبار إلى العلم، والمساهمة في توفير كل الظروف والشروط المؤدية إلى سيادة العلم ومركزيته في الفضاء الاجتماعي والثقافي..

218066