قصة قصيرة
جزاء الصبر
بهية بوسبيت * - 13 / 10 / 2007م - 4:50 م - العدد (46)
لا تيأس من رحمة الله، ولا تلقِ بنفسك إلى التهلكة، ولا تضعف أبدا، جفف دموعك.
انفض عن وجهك الكآبة، ارسم على محياك الابتسامة، اضحك كثيرا من قلبك، فقد آن الأوان، وحان رحيلك من محطة الانتظار التي بقيت سجينها سنوات. أخيرًا وصل قطار الحظ ليقلَّك إلى الجنة الموعودة، والحياة الجديدة، فقد نجحت فى أصعب امتحانٍ امتحنك الله به. انهض، انهض، فقد جاءك جزاء الصبر.
أفاق يوسف من نومه الذي أشبه ما يكون بغفوة يقظة، فقد كان يحسُّ نفسَه بين اليقظة والنوم، ورغم ذلك كان ينصت لهذا الهاتف الغريب الذي ظل يلازمه لثلاثة أيام متتالية. جلس مفكرا شاردا في ما سمع، ثم مضى يحدث نفسه قائلا: هل ما سمعت صحيح؟ وهل حقا جاء الفرج؟ وهل هذه نهاية الرحلة؟ ولكن كيف يحدث هذا بعد كل تلك السنين؟ وهل فعلا ما تنبأت به زينب ذات يوم وقالته لي حقيقة؟ يا إلهي، كم تعذبني هذه الأسئلة ولا جواب شاف لها؟ وبينما هو على هذه الحال فى مد وجزر بين الإكاره وتساؤلاته، رن الهاتف رنات متواصلة، مد يده في تكاسل وعدم مبالاة.
ألو! السلام عليكم.
وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته، من المتكلم؟
ما بك؟ ألم تعرفني؟
ضحكت في رقة وعذوبة وتابعت؛ أم إنك تقصد ذلك لتسمع ردي على تجاهلك؟! وضع يده على رأسه كمن يتذكر شيئا، ومرت لحظة صمت ثقيلة حسبتها دهرا ثم قال: آه، زينب!
نعم زينب، ما بك؟ هل تشكو من شيء، وخرج سؤالها مضطربا يشوبه الخوف والقلق والحيرة معا. لا، لا أشكو من شيء.
يوسف، أنا أعرفك جيِّداً، لا بد أن هناك شيئا ما يقلقك؟
والله أنا بخير.
ولكنك لم تعرف صوتي، وهذا ليس من عادتك، ويبدو من صوتك أنك متعب. قل ما بك؟
كان الخوف يتأرجح فى صوتها: قلت لك لا شيء، المهم كيف حالك؟ أنا بخير والحمد لله، وتابع: وما هي أخبارك؟ لن أخبرك بشيء حتى تخبرنى ما بك؟
أنت لست طبيعيا، هناك شيء ما تخفيه عني، وقد يكون بسبب خوفك علي ورحمة بى.
ندت عنه آهة حرى أعقبتها لحظات صمت رهيب، ثم قال بأسى: لا فائدة من الفرار من أسئلتك. أجل لا فائدة.
أنت تعرفني جيدا.
مضى يحكي لها ما حدث بالتفصيل، كانت تصغي لحديثه، وتوازن بين ما يقول وبين رؤياها التى تشبه رؤياه إلى حد كبير، وما إن انتهى من حديثه حتى صرخت بصوت يغلب عليه الحبور والدهشة قائلة: يوسف سأقول لك شيئا لا يصدق، لقد رأيت ليلة الأمس رؤيا تشبه رؤياك، ولدَيَّ إحساس كبير بأن الفرج أصبح على قيد خطوات منا. ابشر، لقد قرب مجيء الفرج بإذن الله.
كل هذا وهو ينصت إليها فى سرور وبهجة. تابعت:
ألم أقل لك إن لكل شيء نهاية؟ ونحن صبرنا، وتعذبنا، وتألمنا طويلا.
وظلت تحدثه عن المستقبل المشرق، والأمل الأخضر، وهو يحلق بأحلامه إلى البعيد، وحين انتهت من حديثها سألته: ما بك لا تعلق على رؤياي؟ أيقظه سؤالها من رحلة خياله. ما بك لا تجيب؟ فيمَ تفكر؟
هه! لا شيء.
بغضب مصطنع كيف لا شيء؟ بل هناك أشياء، هيا اختصر الطريق وأخبرني بصراحتك المعهودة؛ ما الذي يشغل فكرك؟ قال: بصراحة، إنا أفكر في رؤانا التي مللناها لكثرتها، وفي كل مرة يتحول الأمل الى سراب، والحلم يظل حلما بينه وبين الواقع مسافات ومسافات.
ردت عليه، وقد تجلت المرارة والأسى في صوتها: وما يدريك؟ لعل هذه الرؤيا تحمل في طياتها - هذه المرة - الواقع الذي سنعيشه عما قريب.
ولكن، وصمت قبل أن يكمل. ولكن ماذا؟ سألته بألم.
 قال: أقصد كيف يتحقق والمشكلة لا زالت قائمة؟ والبحر الذي يفصل بيننا لا يزال هو الآخر عميقا، والجسر لم ينته بعد؟
انحدرت من عينيها دمعتان وكأنهما تؤيدان صدق منطقه. قالت، وقد بدت في نبرة صوتها شعلة أمل جديد: لماذا لا تحاول من جديد؟ لن نخسر شيئا. ربما يصدق الهاتف.
قال: ولكني خائف، خائف عليك من النتيجة، وخائف من تلقي جرح جديد، وخيبة أمل جديدة.
مضت لحظات ثقيلة قبل أن تقول رأيها، سمعت صوتًا يناديها من داخل البيت، استأذنته، ثم أقفلت الخط. بينما رحل هو بذاكرته الى الوراء بعيدا، بعيدا، يوم تقدم إلى والدها خاطبا، فقبل به دون اعتراض على أي شيء فيه، وكان الأمل، ساعتئذٍ، يتراقص أمام عينيه، والحياة أمامه فاتحة ذراعيها له، ولكن فوجئ بأمله - الذي بدأ يخطو خطواته الأولى على أرض الحياة - يموت فجأة في غمضة عين، وحين راح يستقصي عن سبب موته المفاجئ؛ صُدِم بأن الأم هي التي قتلته دون أن تعطي ابنتها حق السؤال والاختيار، شرعت في إصدار حكمها، والتصدي له دون أن تدرك فداحة ما تفعل، مضت بهما الشهور، الواحد تلو الآخر، وكل منهما يعيش على أمل. في حين وقف والدها حائرا عاجزا مقيد اليدين بين رفضه، وخسرانه له كزوج صالح لابنته، وبين رفض زوجته المريضة وإصرارها على رأيها الخاطئ، وهي التي لا تقوى على الصدمات، ولا تتحمل أي ضغط من أي نوع، فيسعى والدها إلى تطييب خاطره وانتشال المخاوف من فؤاده وفكره بوعوده له، وطلبه أن يصبر وينتظر لعل الله يأتي بالفرج. في ساعة ضيق خرج يجر خطواته جرا، وبصيص من الأمل ينير له طريقه المظلم الذي سار فيه.
 مرت أربعة أعوام وهو يقاسي، ويـتألم، ويقاوم أمرَّ وأشدَّ أنواع العذاب النفسي، والقلق الفكري، والألم الروحي، بالإضافة إلى ما تكرمت الحياة بمنحها إياه من المشاكل والمتاعب الحياتية التي لا تنتهي وكأنه أبدا إنما خلق للشقاء. يخرج من مرض ليستضيف آخرَ أسوأ منه، ويتخلص من مشكلة ليقع فى أخرى، وكأن الله أراد له هذه الحياة الشقية، وقدرها عليه ليمتحن حسن بلائه، وقوة صبره، وعمق إيمانه، وعظم إرادته. فكان التلميذ الجاد المكافح الذي يعمل ليومه وغده وآخرته بأعمال الخير التي يقدمها في صمت وخفاء. فكان - رغم ما يلاقيه ويصادفه في حياته من شقاء وعذاب - قويا كالجبل الشامخ الصامد الذي لا تهزه ولا تزعزعه أشد العواصف وأقوى الرياح، بل كان إيمانه يكبر يوما بعد يوم.
عاد بذاكرته من رحلة الماضي، على رنات الهاتف المتواصلة التي تدل على أن صاحبها قد فقد الصبر. رفع السماعة:
ألو، ألو، الو، من يتكلم؟
لم يأته أي جواب، أقفل الخط حين رفع السماعة، عاد من جديد يفكر في كيفية حل المشكلة، وهل ستحل هذه المرة ويتحقق الهاتف والحلم؟ وبينما هو على هذه الحال، رن الهاتف. كان المتحدث والدها. كان صوته مضطربا قلقا.
خير إن شاء الله؟ ما بك يا عمِّي؟
هكذا كان يدعوه منذ أن تقدم لخطبة زينب، لقد نسي السلام فى غمرة خوفه:
ماذا هناك؟
خير، اطمئن، كل الخير، ولكني أريدك أن تزورني الليلة لأتحدث معك.
تتحدث معي؟ الليلة؟ في ماذا يا تَرى؟ هل خُطِبت زينب، ويريد أن يعتذر لي عن سابق وعده؟ أو هل؟ أو هل؟
كان يحدث نفسه بذلك تائها عن باقي الحديث. ألو، ألو، ما بك يا ولدي؟
هه! لا، لا شيء. ولكن فيمَ ستحدثني؟
قال: الموضوع لا يسمح بالحديث عنه بالهاتف. ستعرف عندما تأتي، ثم ودعه، وأقفل الخط. مرت الساعات بطيئة عليه كأنها دهر طويل مر وهو قلق الفكر، كثير التساؤل. أقبل الليل بخطاه الوئيدة، وهدوئه الساكن، وطبيعته الجميلة، الساحرة. ذهب يوسف خافق الفؤاد، معتلج النفس. طرق الباب وهو يردد بينه وبين نفسه:
الله يستر، وما أن جلس حتى بادره عمه بالسؤال عن صحته وأحواله، وركز في السؤال عن حياته الخاصة. فمضى يوسف يشكو وهو يحترق ألما ووجداً. ثم راح عمه يبتسم له وهو يطيل النظر، بين فترة وأخرى، وكأنه بهذا يمهد لأمر غاية في الخطورة حتى لا يكون وقع المفاجأة عكسيًّا عليه، ثم مضى يحدثه كيف أن الظروف ساعدت على قطع جذور مشكلته، وكيف أن والدة زينب اقتنعت اقتناعا تاما بزواجهما، بل أكثر من ذلك أنها أبدت أسفها، وندمت على أنها كانت سببا فى شقائهما. كان يوسف ينصت غير مصدق ما تسمع أذناه، وكأنه في حلم، تابع الوالد حديثه قائلا: لقد أدركت ذلك بعد أن رأت أن عددًا من بنات قريباتها ومعارفها تزوجن برجال سبق لهم الزواج من قبل، وعاشوا في سعادة مع أزواجهم. كما رأت وسمعت عن عدد آخر من الزوجات اللاتي تم طلاقهن بعد زواجهن بفترة قصيرة على الرغم من أنهن تزوجن من رجال لم يتزوجن من قبل لأسباب واهية لا تستدعي الطلاق، فأدركت، عند هذا، وبعد هذه السنوات، أن السعادة لا تقاس بمقياس واحد، وأن التوفيق بيد الله تعالى، وأن التفاهم والانسجام والمودة بين الزوجين والقناعة هي أهم أسباب السعادة الزوجية، وأن الرجل إنما يقاس بأخلاقه ودينه وصلاحه ورجولته وشخصيته، وليس بشبابه أو جماله أو ماله.
قفز يوسف من مكانه فرحا وقبل رأس عمه شاكرًا حامدًا الله أن عوضه بعد صبره، وحقق أمنية عمره بزواجه من زينب التي وجد فيها فتاة أحلامه.
كاتبة
322880