الأوقاف: حاجة للتطوير ومناقشة في الاستبدال
القطيف والإحساء أنموذجًا
محمد باقر النمر * - 1 / 2 / 2011م - 12:32 م - العدد (55)

الوقف لغة واصطلاحًا:

الوقف في اللغة: الحبس، ويقال وقف يقف وقفًا[1] .

وفي الاصطلاح: تحبيس الأصل وإطلاق المنفعة. أي منع تملك العين لأحد من الناس وبقاء ملكيتها لله. وهكذا فللناس أو لبعضهم الانتفاع بعوائد العين أو الأصل[2] .

أنواعه:

1) خيري: وهو ما تصرف منافعه في جهة أعمال الخير العامة، كالمساجد والمقابر، أو المحددة، كالعبادات، أو للفقراء والمحتاجين والمسافرين والضعفاء والسجناء والعجَّز والعزاب والأيتام والمكفوفين وغيرهم.

2) ذُرِّي: وهو ما يقتصر على الذكور من الأولاد، فالأحفاد غالبًا أو الأقارب أحيانًا، وقد تحدد نوعية المنفعة كزواج العزاب أو لطلاب العلوم الدينية من الذرية، وهو لا يخرج عن البواعث السامية ذاتها للوقف الخيري من بِرٍّ وإحسان، ومن ثمَّ لا يخلو من حصول الثواب لسبب صلة الرحم والقرابة، إضافة لكونه صدقة، ويرى جميع العلماء أن فضله لا ينقص عن الصنف الأول متى ما تحقق منه فعل الخير والإحسان، وهذا التقسيم للوقف تقسيم حديث، وليس مبنيًّا وَفْق المصطلحات الفقهية.

مشروعيته وشروطه:

وهو عمل مشروع وجائز، وفيه الثواب الدائم والمتجدد ما قصد الواقف التقرب، كما اتفق علماء المسلمين الذين أوجبوا أن ينتفع الواقف من وقفه في دينه لا في دنياه، ويصح بوجود الفائدة والنفع للموقوف لهم.

ويرى بعض الفقهاء بطلان الوقف الذي يضر بالورثة أو يحرمهم من الميراث. كما لا يجوز وقف الشخص السفيه الذي لا يحسن التصرف في ماله. ويشترط في الواقف العقل والبلوغ والقصد والإرادة والاختيار قبل الشروع في الوقف.

والوقف عقد لازم لا يجوز الرجوع فيه من الواقف بعد انعقاده حتى لو لم يرفع يده عنه، فضلاً من غيره. وذلك احترامًا من الإسلام لإرادة ورغبة الواقف في حال اكتمال الشروط، وهو حق قانوني وشرعي، قال تعالى: ﴿فَمَنْ بَدَّلَهُ بَعْدَمَا سَمِعَهُ فَإِنَّمَا إِثْمُهُ عَلَى الَّذِينَ يُبَدِّلُونَهُ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ[3] . وفي حال وجوب الوقف وانعقاده بوجهه الشرعي لا يجوز بيعه أو هبته أو التصرف فيه كملك، وإذا مات الواقف لا يرث الورثة الوقف.

ويصح وقف الأثاث والعقار والمساجد والبساتين والآبار والمصاحف والكتب والأسلحة والفنادق والمستشفيات ودور العلم والمباني والمصانع والطرق والخيول وغيرها مما يصح بيعه والانتفاع به مع بقاء عينه، فلا يصح وقف الشموع مثلاً أو المأكولات والمشروبات التي تفسد في الزمن القصير.

كما لا يصح وقف الأشياء المرهونة أو المغصوبة أو المبهمة أو ما هو خارج المقبوض كالطير في السماء أو السمك في الماء.

ولا يصح وقف الشيء الذي فيه معصية أو ما يعصي الله فيه أو به ولا وقف ما يضر بمصالح الناس ويفسد شؤونهم من قبيل دور اللهو وترويج الضلال وإشاعة المنكر.

وحث الإسلام أتباعه ورغَّبهم في الوقف وجعله من أسمى وأفضل العبادات والمندوبات والقربات وأبعثها للثواب، لما في ذلك من قيمة اجتماعية وتكافلية.

وكان رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) أول من عرف الوقف وسنَّه، وتبعه من بعده الآل (عليهم السلام) والصحابة. قال جابر بن عبد الله الأنصاري: «لم يكن من الصحابة ذو مقدرة إلا أوقف وقفًا»[4] . وهكذا شاع عند المسلمين، على مدى التاريخ الإسلامي القديم والحديث، الوقف كمظهر من مظاهر العطاء الإنساني.

فوائده:

أمر الإسلام بكل ما هو نافع للفرد والمجتمع في مختلف الأمور والشؤون العامة والخاصة، كما شرع وأرسى الإسلام القوانين الخاصة بالوقف لوجود الفائدة العامة والخاصة.

ولا شك أن للوقف فوائد، نذكر منها:

1) الفائدة الشخصية: يعود على الفرد الواقف ثواب عظيم متجدِّد ومستمر، فعن أبي هريرة أن الرسول الأكرم قال: «إذا مات الإنسان انقطع عمله إلاَّ من ثلاث: صدقة جارية، أو علم ينتفع به، أو ولد صالح يدعو له»)[5] .

وقد أجمع علماء المسلمين أن الصدقة الجارية هنا هي الوقف.

وفي حديث آخر: «من احتبس فرسًا في سبيل الله إيمانًا بالله وتصديقًا بوعده فإن شبعه وريه وروثه وبوله في ميزانه يوم القيامة»[6] .

والوقف انعكاس لمصداقية البر والإحسان لدى الواقف. وهو إنفاق دائم يستوجب الثواب من الله وفيه تحقيق لقوله تعالى: ﴿لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ[7] .

2) الفائدة الاجتماعية: فالوقوفات التي تُدار بالأسلوب الصحيح تنمِّي وتوازن الاقتصاد وتخرجه من دائرة النفع الفردي إلى دائرة النفع الجمعي، وتارة من القادرين والميسورين للضعفاء والعاجزين والمحتاجين ليبقى على مدى سنين طويلة وأجيال متتابعة مما يؤدي بالضرورة إلى إيجاد مواقع ومشاريع ذات منفعة عامة، أو لفئة من العموم بعد أن كانت مقتصرة على فرد واحد أو أفرادٍ محدَّدين، مما يساهم ويساعد في إشاعة الأعمال الخيرية الجماعية ووجود قواسم مادية مشتركة من أجل التكافل الاجتماعي.

يقول العلامة الدكتور عبد الهادي الفضلي: إن للوقف الإسلامي دورًا وأثرًا في تغطية جوانب من المتطلبات الاجتماعية في النواقص الاقتصادية ودفع التنمية الاقتصادية والمتطلبات الدينية في العمل على استمرارية الفكرة الإسلامية واستمرارية مسيرة الأمة الإسلامية[8] .

إذًا، بالوقف تتحقق معاني الخير والغيرة على المصالح الاجتماعية العامة لتكون في سلم الأولوية على حساب المصالح ذات النزعة الفردية. وهذا يعكس نظرة ثاقبة وعمقًا وحسًّا إيمانيًّا يتمتَّع به هؤلاء المعطاؤون السابقون منهم واللاحقون.

3) (أما الوقف الذُّري) فهو تأمين مستقبل لجيل أو أجيال من الأقارب بموارد ثابتة، ورأس مال لا يصرف، قد يحفظ ماء وجه الذرية ويكفيهم ذُلَّ سؤال الآخرين. كما من شأن الوقف الذري أن يجمع العائلة ويلم الشمل ويخلق الشعور بوجود الهدف المشترك بين أفراد الأسرة الواحدة.

ونظرًا لأهمية الأوقاف ومكانتها عند المسلمين، فقد أنشئت في كل الدول الإسلامية وزارات ومؤسسات خاصة تُعنى بشؤون الأوقاف وإدارتها وتنظيم شؤونها ومتطلباتها فضلاً عن الهيئات واللجان الأهلية المساندة.

ففي المملكة قرَّر مجلس الوزراء في جلسته المنعقدة بتاريخ 26 محرم 1429هـ الموافقة على إنشاء صندوق الوقف الصحي، وفقًا لتنظيمه المرفق صيغته بالقرار.

ومن أبرز ملامح التنظيم:

1. يهدف إلى تشجيع فعل الخير وبذل المساهمات الطوعية في مجال الرعاية الصحية، وإبراز أهمية الرعاية الصحية بوصفها وجهًا من أوجه فعل الخير الذي يستحق أن يخصص له أثمن الأوقاف والتبرعات، والإسهام في تمويل البرامج الوقائية والأبحاث الصحية التي تهدف إلى مكافحة الأمراض وعلاجها.

2. تتكون موارد الصندوق من الأعيان، والصكوك المالية، والأسهم، والأموال النقدية التي يوقفها أصحابها لأغراض الصندوق، والتبرعات النقدية والعينية، وغلال أوقاف الصندوق واستثماراتها، والإيرادات المحصلة من استثمارات الصندوق، أو من تشغيل المرافق الصحية التي يشرف عليها، وما تقرره الدولة من إسهامات نقدية أو عينية، كالأراضي وغيرها[9] .

كما تعقد سنويًّا المؤتمرات والندوات المتخصصة في كثير من البلدان الإسلامية، وتنشر الدراسات والبحوث المفصلة، وأسست المكتبات وأصدرت المجلات، ومنها مجلة (أوقاف) الصادرة عن الأمانة العامة للأوقاف بدولة الكويت، وللعلم، فإن هذه الأمانة من أنشط المؤسسات المهتمة بالشأن الوقفي، حتى أصبحت الكويت هي الدولة المنسقة للوقف في العالم الإسلامي. وفي إيران مجلة (وقف) باللغة الفارسية وفيها شيء من العربية.

ويمكن القول أن سائر الأمم تقرّ فكرة الوقف، وإنْ بمسميات أخرى، فلا توجد أمة إلاَّ ولها ما يشبه نظام الوقف ومدلولاته، فكثرت المستشفيات والمدارس الخيرية والملاجئ والمبرات وغيرها... كما سنّت القوانين المدنية في كل الدول والأمم.

فالقانون المدني الفرنسي يحوي على الهبة المتنقلة التي تشبه إلى حدٍّ كبير الوقف الذري لدى المسلمين، فيجوز للوالد أن يهب أو يوصي بالعقار للولد من بعده، ثم باقي الأولاد والأخوان، وهكذا.

وفي أمريكا صندوق الائتمان الذي تستفيد منه شريحة معيَّنة ومحدودة، كالأيتام والمعوقين وغيرهم، والمستشفيات التخصصية لعلاج الأورام أو الحروق وغيرها، وتتكفل هذه بالحالات المستعصية من أين كانت.

وجاء قانون 1947م اللبناني بمواد كلها في سياق تنظيم الوقف، وأجاز للإنسان أن يقف كل ما يملك على من يشاء وكيف ما شاء[10] .

ولدى عموم الأمم احترام وقدسية إلى الأوقاف أو المحبوسات، فهي لا تنهب ولا تصادر في الحروب والاقتتال، لذا كان بعضٌ من المماليك المسلمين المتقاتلين سابقًا على الحكم يكثرون من الأوقاف الذرية خاصة لمنع مصادرة أموالهم وعقارهم إذا غلبوا[11] .

وإجمالاً، فالوقف هو من موضوعات الأحوال الشخصية، وعليه فمرجعيته تكون للقضاء الخاص بالأحوال الشخصية.

الناظر والولي:

أمر الإسلام بالولاية والنظارة على الوقف، وإن لم تكن هناك شروط منصوص عليها محددة إلاَّ أن العقل والبلوغ والعدالة، والحد الأدنى من النزاهة والكمال الإنساني والأخلاقي والإدارة والأمانة كل تلك الصفات ينبغي أن تتوفر في الولي والناظر، وذلك منعًا للعبث والتلاعب.

وحفظ الإسلام للعامل على الوقف والعامل في الشأن العام حقوقهم في الدنيا قبل الآخرة، قال تعالى: ﴿إِنَّا لَا نُضِيعُ أَجْرَ مَنْ أَحْسَنَ عَمَلًا[12] .

فللولي المخلص القائم على الوقف أجرٌ عادلٌ ونصيبٌ من الثواب على أداء الوظيفة، وينص بعض الواقفين حين الوقفية على نسبة من الريع للمتولي تصل إلى العشر أو العشير، كما يسميه البعض في منطقتنا، وذلك بعد إخراج مصاريف الصيانة والإصلاح.

الاستبدال:

الاستبدال في اللغة: «استبدل الشيء بغيره وتبدله به إذا أخذه مكانه. والمبادلة: التبادل والأصل في التبديل تغيير الشيء عن حاله، والأصل في الإبدال جعل شيء مكان شيء آخر»[13] ).

وفي الاصطلاح: مبادلة العين الموقوفة شرعًا بعين أخرى بعد بيعها والشراء بثمنها عينًا أخرى تكون وقفًا بدلها[14] .

اختلف فقهاء المسلمين، السنة والشيعة، في موضوع الاستبدال، والحديث هنا ليس عن بيع واستبدال الأوقاف العامة كالمساجد والمقابر والمؤسسات والمعاهد الخيرية، بل عن الأوقاف الخيرية الأخرى المحددة منها، والذرية لما في العامة منها من شروط واستثناءات ووضعية خاصة، وهذه ليست محل البحث –هنا-.

وعمومًا، فالأصل في أحكام الأوقاف هو عدم البيع، يتضح ذلك من آراء كل الفقهاء، والبيع والاستبدال إنما هو استثناء يحتاج إلى مسوِّغ وحجة لتنفيذه.

وقد منع الشافعية البيع والاستبدال إطلاقًا بما فيها أوقاف الذرية، ولدى المالكية شروط لجواز البيع هي موافقة الواقف أصلاً، أو أن يكون الوقف من نوع المنقول، أو للضرورة توسيع مسجدٍ أو طريق وما شابه[15] . والأحناف هم الذين فتحوا الباب واسعًا أمام إشاعة هذا النوع من التصرف بالعين الموقوفة[16] .

ومع تفاوت شروط جواز البيع والاستبدال فإن المتأخرين والمعاصرين من فقهاء الإمامية يرون الجواز فقط في حال تحقق الخراب وخشية تلف الأصل[17] .

ويمكن تلخيص رأي الإمامية وتبريرهم في البيع حسبما ذكره الشيخ محمد جواد مغنية:

1) أن لا تبقى للعين الموقوفة أية منفعة للجهة الموقوف عليها، كالجذع البالي يجف ولا يثمر، والحصير الخلق لا يصلح إلا للنار، والحيوان إذا ذبح لم يعد صالحًا إلا للأكل.. وليس من شك أن هذا سببٌ مبرر للبيع.

2) قال السيد أبو الحسن الأصفهاني في وسيلة النجاة: أن الآلات والفرش، وثياب الضرائح، وأشباه هذه، إن أمكن الانتفاع بها مع بقائها على حالها لا يجوز البيع، وإن استغنى عنها المحل، بحيث يستدعي بقاؤها في الضياع والتلف جعلت في محل آخر مماثل، فإن لم يوجد المماثل، أو وجد، وكان في غنى عنها، صرفت إلى المصالح العامة. أما إذا لم يكن الانتفاع بها إلاَّ ببيعها، ولزم من بقائها ضياعها، أو تلفها بيعت، وصرف ثمنها في ذلك المحل، إن احتاج إليه، وإلاَّ ففي المماثل، ثم في الصالح العام.

3) أن يخرب الوقف، كالدار تنهدم، والبستان لم يعد صالحًا للانتفاع به، أو كانت منفعته ضئيلة أشبه بالعدم، فإن أمكنت عمارته، ولو بإجاره إلى سنوات فذاك، وإلا جاز البيع، على أن يستبدل بثمنه عين تحل محل العين الأولى، كما يأتي.

4) إذا اشترط الواقف أن تباع العين إذا اختلف الموقوف عليهم، أو قل ريعها، أو غير ذلك من الشروط التي لا تحلل حرامًا، ولا تحرم حلالاً اتبع شرطه.

5) إذا وقع اختلاف بين أرباب الوقف يخشى منه على ضياع الأنفس والأموال، بحيث لا ينحسم النزاع إلاَّ بالبيع جاز، ووزع الثمن على الموقوف عليهم، وإذا لم ينحسم النزاع إلاَّ بهذه السبيل.

هكذا قالوا.. ولا أعرف له مدركًا إلاَّ ما ذكروه من دفع الضرر الأشد.. ومعلوم بالبديهة أنه لا يجوز دفع الضرر عن النفس بإدخاله على الغير، وفي البيع ضرر على البطون اللاحقة.

6) إذا أمكن أن يباع من الوقف الخرب، ويصرف الثمن لإصلاح الجزء الآخر جاز.

7) إذا هدم المسجد فأحجاره وأخشابه وأبوابه، وسائر أدواته لا تأخذ حكم المسجد، ولا حكم العقار الموقوف لصالحه من عدم جواز البيع إلاَّ بمبرر، بل يكون حكمها حكم أموال المسجد، وناتج أوقافه تمامًا كإجار الدكان يتبع فيها المصلحة التي يراها المتولي[18] .

التحدي الكبير:

يذكر السيد حسن العوامي، وهو من ذوي الخبرة والاختصاص (إن الأوقاف تشكل 60% من مجموع حقول القطيف)[19] .

ولعل مثلها أو قريبًا من ذلك في الإحساء.

ولا أدلك على شاهد من وقف أرض الرامس الزراعية في سيحة العوامية بالقطيف بمساحة أكثر من (ثمانية) مليون متر مربع، الذي يُعدُّ من أكبر أوقاف منطقة الخليج قاطبة، أوقفه شيخ العوامية حينذاك الحاج سلمان بن محمد الفرج لعموم منافع بلدته كان ذلك سنة 1299هـ.

إن حجم وكثرة الأوقاف وعدم وجود الجهة المتخصصة في الاستثمار والتخطيط السليم تتطلب التفكير الجاد لإيجاد جهاز جادّ ومتخصص وشجاع للأخذ بهذه الأوقاف التي أغلبها أراضٍ زراعية آلت للتلف والخراب، وبعضٌ منها دور خَرِبَة، فبالأمس كان البستان له ريع وافر ومستقبل زاهر، ولا يملكه إلاَّ الثري من الناس.

هذه البساتين الوقف التي كان يشكل ريعها رافدًا لأنشطة وأدوارٍ دينية وإنسانية كبيرة، أصبحت اليوم قاعًا صفصفًا، وأراضٍ بور جرداء تشكل خطرًا حتى على البيئة، ومنظرها غير لائق يجلب الهمَّ والحزن، فبعد أن كانت مسطحات خضراء تبعث الأمل ويفوح منها شذى العطر الزكي وحولها جداول المياه وتتغناها الطيور، كل ذلك الجمال أصبح ماضٍ، حاضره ينكسر القلب له ألمـًا، فلا تكاد تسمع إلاَّ نوبات الاجترار والتذمر والتلاوم، ولكن على من؟ لا أحد يدري، تارة على الحكومة التي من شانها تنظيم وسنِّ القوانين لتفعيل الأوقاف، وأخرى على القضاة المخولين وأصحاب القرار، وعلى المتولين الذين هم بداية ومفتاح الحلول، تارة ثالثة،... إلخ.

وأوقاف الإحساء والقطيف اليوم أمام تحدٍّ شائك وكبير، فمع هذا التطور والنمو الاقتصادي وارتفاع أسعار العقار في هذه المناطق ينبغي استنهاض الهمم والاستفادة من الفرص، وأن لا تكون هذه الأوقاف فرطًا أو ضياعًا، وأن لا يقف الواقف ووقفه يوم القيامة خصمًا لمن تسبَّبَ في الضياع، وبذلك يكون الموقف صعبًا.

إن المشهد اليوم باعث على التشاؤم إذا استمر الحال كذلك، فأغلب الأوقاف، سيَّما الزراعية منها مهجورة وأيَّما هجران، وأكثرها يمكن أن يطلق عليه خَرِبَة، ومع ضياع المعالم تحولت تلك البساتين إلى أراضٍ سبخة يُرثى لها، ولم يَعُدْ لدى بعض أصحابها سوى أوراق ومستندات، أكثرها لا يعلم حَدُّها ولا عَدُّها، أما البعض الآخر فلا يملك حتى وثيقة تثبت الوقفية فضلاً عن حجة الاستحكام.

الأوقاف الزراعية اليوم أمام خيار الاستمرار في الانهيار، سببه الإهمال تارة، والظروف المعيشية وتحول المجتمع من ممتهن للزراعة إلى ممتهن للصناعة والتجارة، وإذا كان هذا التحول طبيعيًّا استجابة لمتطلبات الحياة فعلينا الآن الاستجابة لتطور الزمن والنهوض وتحمل ثقل المسؤولية الملقاة، وهذا بإرادة النظار والقائمين خاصة، ثم القضاة ومستشاريهم، كما نتمنى على الجهات الحكومية كالبلدية والمحكمة عناية أكثر وتسهيل أمور التسجيل واستخراج حجج الاستحكام لعموم الأوقاف.

وأظن موضوعيًّا وعقليًّا أن البيع لغرض الاستبدال هو الخيار الوحيد لكثير من العقارات الوقف التي ينطبق عليها الخراب وممتنعة عن الريع منذ زمن ومن غير المؤمل تحقيق الريع في المنظور القريب، وفي حال التعذر فالتخطيط خيار ثانٍ.

إن حرص المتولِّين على حفظ العين من الضياع غير كافٍ، إنما النَّماء والريع ضروريان لتحقيق الغرض.

إن مبادرة أولياء الأوقاف المخلصين منهم في اتجاه دفع القضاة والجهات الشرعية ثم تنظيم عمليات التطوير والاستبدال من قبل الجهات المختصة لا شك أنه سيكون ذا مردود مادِّيٍّ ومعنويٍّ، وينبغي التفكير الجاد والمبادرة الشجاعة لاستبدال كل ما هو تالف أو في طريقه للتلف لما هو أنفع وأصلح، ليتحول الوقف لعقار نافع أو منشأة عامرة ذات مردود أو مصنع منتج، وفي حال التعذر فلا بُدَّ من خطط استثمارية طويلة الأجل، مع اشتراط التعمير والتشييد، ثم يعود التأسيس للوقف، كل ذلك حسبما تمليه الحاجة المشروعة. وأتمنى على القضاة الدفع والتشجيع على مثل هذه المبادرات.

فعلى سبيل المثال لا الحصر، كم هو جميل مجمع أسواق الأوقاف الخيرية بمنطقة قصر الحكم بالرياض الذي يضم عشرات المحلات التجارية والمكاتب الاستثمارية وريعها بملايين الريالات.

أما العقارات المستثمرة لصالح الأوقاف في مكة المكرمة والمدينة المنورة فلا تُعدُّ ولا تُحصى، وتمثل في مجملها تجربة تستحق الدراسة وتقديمها أنموذجًا للآخرين.

لقد آن الأوان أن تنبري السواعد لشحذ الهمم والعزائم، فعجلة الحياة سريعة وسريعة جدًّا، ولم تعد أمور اليوم كالأمس، فالتعقيدات الإدارية وسبل إدارة الموارد الاقتصادية باتت تتطلب جهودًا وخططًا جمعية ومنظمة.

وقد نشطت خلال العقدين الماضيين حركة استبدال أوقاف في المنطقة، واستطاع بعض أولياء الأوقاف استبدال عيون أوقاف ضعيفة لا ريع لها إلى عيون أخرى ذات ريع وافر وكثير لصالح أوقافهم، والاحتفاظ برأس المال وتنميته تنمية مثالية تبعث على الاطمئنان لنجاح تجارب الاستبدال، سيَّما أن الشروط والضوابط المتبعة في الاستبدال كانت في الغالب بمستوى حرص القضاة وإدراكهم بخطورة وأهمية الاستبدال في آنٍ واحدٍ.

خطوات الاستبدال:

1) رغبة الولي، ويحرِّرها رسميًّا ويقدِّمها لقاضي محكمة الأوقاف والمواريث، ويرفق حجة الاستحكام سارية المفعول والرفع المساحي والإرشادي والولاية.

2) موافقة هيئة الأعواض، وهي لجنة خبراء على أصل البيع بعد خروجهم على الطبيعة فيكتبون تقريرًا مفصلاً لاطِّلاع القاضي، وإبداء مرئياتهم، وجدوى البيع من عدمه والقيمة المقررة بصفتهم مستشارين. وهنا أدعو لبيع العقار في مزاد علني، وبإعلان مسبق مما يحقق مكسبًا أفضل للعقار.

3) موافقة القاضي في حال تحقق الغبطة للوقف وعدم وقوع الغبن أو التفريط، كما يتحرَّى القاضي الدقة في كل المسوِّغات الشرعية للاستبدال وانتهاء الانتفاع وتحقق الخراب وعدم إمكان العمار.

4) الإجراءات الشرعية من بيع العين الخربة أو التالفة وقبض الشيكات المصرفية، ثم الشراء للعين الجديدة، بعد ذلك تتم صيغة الوقفية على حكم وشروط الوقفية الأولى بلا تبديل.

5) الإجراءات الإدارية المتبعة من استلام وتسليم، ويتم ضبط ذلك في سجلات وإنهاءات محكمة الأوقاف واستخراج الصكوك الشرعية اللازمة، كما يتضح من إذن بيع مرفق صورة ضوئية منه مع صفحات هذا المبحث.

إن عدم وجود الإحصاء الدقيق والصحيح حتى الآن لكثير من الأوقاف، وجهة وقفيتها حتى لدى محكمتي الأوقاف سبَّب المتاعب والإحراج للقضاة بسبب عبث بعض ضعاف النفوس المريضة واختلاسهم منافع الوقف أو الوقف بعينه.

لاشك أن للواقف غرض الأجر والثواب، وهو متحقق بإذن الله تعالى، وعليه ينبغي للولاة أولاً، ثم القضاة، السعي للوفاء لتحقيق إرادة الواقف، وأن يكون لكل وقف ريع يصرف على جهته، وأن لا يكون أحدٌ سببًا في منع هذه الإرادة تحت أيِّ مسوِّغ مخالف للشرع أولاً، والعقل ثانيًا.

توصيات ومقترحات:

1 / حبَّذا لو أنشئت مجالس خيرية أو نفعية أهلية مرتبطة بالمحكمة وبتوجيه من القاضي في كل قرية ومدينة وناحية، على غرار صندوق الأوقاف الخيرية بمدينة الرياض، لرصد الأوقاف، ويتفرع من هذه الجالس أو يوازيها مجالس أوقاف العوائل التي لديها كم من الأوقاف.

2 / تقوم تلك المجالس بتحديد وإدراج البيانات الأولية ووضع بطاقة لكل وقف تحوي على:

أ- اسم الوقف، ونوعه، ومساحته، وعنوانه.

ب - اسم الواقف، وتاريخ الوقفية.

ج - جهة الوقفية.

د - اسم الولي الحالي وعنوانه.

هـ - مقدار الريع السنوي أو الموسمي وسجل الوارد المنصرف الحالي.

و - معرفة ما إذا كان للوقف حجة استحكام من عدمها، وحث الولاة على استخراجها، وفي حال التعذر فإن الرفع المساحي بالحدود والأطوال والمساحة ضرورة ملحَّة وعاجلة.

3 / المساهمة في تقديم المشورة للقاضي لتولية الأصلح للأوقاف التي لا ولي لها.

4 / عمل الإحصاءات العلمية والبرمجة والاستفادة من الوسائل التقنية كالحاسب الآلي وجوجل ايرث وغير ذلك.

5/ تطوير تلك الحالة لتقديم المشاريع والخطط الاستثمارية المجدية والمنظمة ودراسات الجدوى من خلال أفراد وجهات مختصة، ورصد ميزانية خاصة لتلك الدراسات والاستشارات، وهذا يعني وجود فريق هندسي، وآخر مالي متفرغ، أو إحالة ذلك إلى شركة استشارات مالية، كل ذلك سيكون لمنفعة الوقف وتنميته كما ينبغي.

6 / وضع نصوص داخلية وتفسير للوائح المحكمة الداخلية والانفتاح على تجربة وزارة الشؤون الإسلامية والأوقاف خاصة الاستثمارية منها.

7/ الاستفادة من تجارب الآخرين من خارج القطيف والإحساء، كما أشرت في أعلاه إلى تجارب الرياض العاصمة، ومكة المكرمة والمدينة المنورة، والى خارج المملكة، وبخاصة الدول ذات الطبيعة المشابهة، كالبحرين والكويت فيما يتعلق بالاستثمار والتنمية أو في مسائل الضبط والنظام والإدارة وإصدار الولايات يتبع ذلك كله تسجيل وتوثيق وإثبات الأوقاف شرعيًّا وإداريًّا، واستخراج حجج الاستحكام ولا بُدَّ من وجود جهة شرعية وإدارية مخوَّلة تحاسب وتسائل بالوسائل العلمية والإدارية الولاة والناظرين على الأوقاف وتولية الأكفاء والبصيرين بالإدارة لا توريث الولاية كما هو حاصل غالبًا.

8 / وتتطور هذه المجالس لوضع الفقهاء في صورة ما يجري لهذه الأوقاف الشرعية من مخاطر التلف النهائي بسبب الطبيعة أو التلاعب وعرض المقترحات والحلول عليهم واستئذانهم بالتصرف والتبديل لما يعود بالمنفعة الحقيقية للأوقاف، ومطالبتهم بالنظر في هذه المسألة التي كثر الحديث فيها، وذلك لحماية هذا النشاط الخيري والإنساني من بواعث الأنانية والنكران والانحراف على المقاصد السامية والنبيلة.

وختامًا، لا بُدَّ من الإشارة إلى أن في منطقتنا أوقافًا في صورة مثالية، وهي من حسن إلى أحسن، بفضل حسن إدارة الولاة وتدبيرهم وإخلاصهم ورعاية القضاة، ولكن نسبة ذاك الكم من ذلك الأصل لا تذكر، والله من وراء القصد.

[1]  المنجد في اللغة والأعلام ص904 ط26 دار المشرق بيروت.

[2]  اختلفت المصطلحات الفقهية في شرائع الإسلام للحلي واللمعة الدمشقية للشهيد الأول ووسائل الشيعة للعاملي. فبعضهم يراه عقدًا جائزًا، وآخر يراه لازمًا، وهناك من لايراه في الأصل عقدًا.

[3]  سورة البقرة: الآية181.

[4]  مستدرك الوسائل ج14 ص 47 حديث 16073.

[5]  صحيح مسلم كتاب الوصية باب ما يلحق الإنسان من الثواب بعد وفاته، حديث 1631.

[6]  صحيح البخاري كتاب الجهاد والسير باب من احتبس فرسا ج2 ص236 حديث 2853.

[7]  سورة آل عمران: الآية 92.

[8]  مجلة الكلمة، بيروت العدد 13.

[9]  وكالة الأنباء السعودية بتاريخ 25 محرم 1429هـ.

[10]  د. محمد جعفر شمس الدين /الوقف وأحكامه ص271 دار الهادي، بيروت، ط1 2005.

[11]  محمد أبو زهرة /مشكلة الأوقاف ص512.

[12]  سورة الكهف: الآية 30.

[13]  ابن منظور/ لسان العرب جزء 1، مادة بدل ص،176 ط دار الجيل.

[14]  د. جمال الخولي /اغتصاب الأوقاف ص 21 دار الثقافة العلمية الإسكندرية.

[15]  الشربيني، مغني المحتاج ص292 (بتصرف).

[16]  د محمد جعفر شمس الدين/ الوقف وأحكامه ص 271 دار الهادي بيروت ط1 2005

[17]  زبدة الأحكام للسيد الخميني، والمسائل الإسلامية للسيد الشيرازي.

[18]  محمد جواد مغنية /الفقه على المذاهب الخمسة، ص 621، دار الصادق طهران.

[19]  مجلة الواحة، بيروت العدد 9.
رئيس التحرير
232037