تطوع الأنبياء في القران الكريم
عبدالله أحمد اليوسف * - 1 / 2 / 2011م - 12:39 م - العدد (55)

مفهوم التطوع في القرآن الكريم

 حثَّ القرآن الكريم في عدد من آياته الشريفة على القيام بالأعمال التطوعية في مختلِف مجالات العمل التطوعي، ودعا إلى المسارعة والتسابق في عمل الخير؛ كما في قوله تعالى: ﴿وَلِكُلٍّ وِجْهَةٌ هُوَ مُوَلِّيهَا فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ أَيْنَ مَا تَكُونُوا يَأْتِ بِكُمُ اللَّهُ جَمِيعًا إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ البقرة: ١٤٨، و قوله تعالى: ﴿فَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ البقرة: ١٨٤.

وأشار القرآن الكريم إلى مجموعة من مصاديق عمل التطوع؛ كالحث على إعطاء الصدقة، أو الأمر بالمعروف، أو الإصلاح بين الناس، كما في قوله تعالى: ﴿لَا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِنْ نَجْوَاهُمْ إِلَّا مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلَاحٍ بَيْنَ النَّاسِ النساء: ١١٤، والشفاعة في فعل الخير تُعدُّ، أيضاً، من الأعمال التطوعية التي دعا إليها القرآن الكريم كما في قوله تعالى: ﴿مَنْ يَشْفَعْ شَفَاعَةً حَسَنَةً يَكُنْ لَهُ نَصِيبٌ مِنْهَا النساء: ٨٥.

والدعوة إلى الخير من الأعمال التطوعية التي يجب أن يقوم بها النخبة المؤهلة من المجتمع، كما في قوله تعالى: ﴿وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ آل عمران: ١٠٤

ومفهوم الخير مفهوم واسع يشمل كل ما يعد - بنظر الشرع والعقل والعرف – خيراً؛ فالصدقة خير، ونشر العلم - بين الناس - خير، وبناء المساجد وأماكن العبادة والذكر خير، وتزويج العزاب خير، ومساعدة الفقراء والمحتاجين خير، وتشييد المستشفيات والمراكز الصحية خير، ودعم المتفوقين للدراسات العليا خير، وطباعة الكتب النافعة وتوزيعها، مجاناً، خير، وتأسيس القنوات الفضائية الملتزمة خير، وتقوية التدين في نفوس الشباب خير، والدعوة إلى المعروف خير، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر خير، ومقاومة الشر وزرع الفضيلة خير، وهكذا... فإن قائمة الخير طويلة وواسعة وشاملة لكل ما فيه رضا لله عز وجل، ومنفعة للمجتمع، وخدمة للأمة والإنسانية.

التطوع في سيرة الأنبياء

ورد في القرآن الكريم مجموعة من قصص الأنبياء (عليهم السلام) تتحدث عن قيامهم بأعمال تطوعية مختلفة، والهدف من ذكرها دعوتنا للاقتداء بأنبياء الله، والسير على نهجهم.

كما يؤكد - من جهة أخرى - قيمة العمل التطوعي في المنظور القرآني، حيث ذكر، بالاسم، مجموعة من الأنبياء العظام الذين مارسوا الأعمال التطوعية بما يرضي الله سبحانه وتعالى، وسنشير إلى أهم النماذج من تطوع الأنبياء الوارد في القرآن الكريم، ومنها:

1- كفالة نبي الله زكريا (عليه السلام) لمريم بنت عمران:

أشار القرآن الكريم إلى تطوع نبي الله زكريا (عليه السلام) لكفالة مريم بنت عمران (عليها السلام)، قال تعالى: ﴿وَكَفَّلَهَا زَكَرِيَّا كُلَّمَا دَخَلَ عَلَيْهَا زَكَرِيَّا الْمِحْرَابَ وَجَدَ عِنْدَهَا رِزْقًا قَالَ يَا مَرْيَمُ أَنَّى لَكِ هَذَا قَالَتْ هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ آل عمران: ٣٧.

والكفالة تعني أن يقوم شخص برعاية شؤون أحد الأطفال، والعمل على تربية، وتوفير احتياجاته حتى يكبر، وهذا ما فعله نبي الله زكريا (عليه السلام)، حيث تكفل برعاية مريم بنت عمران (عليها السلام)، وقام بكفالتها خير قيام، فهو نبي وزوج خالة مريم، وما كان أحد غيره جدير بهذه المهمة في كفالة مريم (عليها السلام).

وكفالة الأيتام هي من أفضل الأعمال التطوعية، وقد ورد في فضلها الكثير من الأحاديث والروايات؛ فقد روي عن الرسول الأعظم (صلى الله عليه وآله وسلم) أنه قال: «أنا وكافل اليتيم كهاتين في الجنة»[1] ، وأشار بالسبابة والوسطى، وقال (صلى الله عليه وآله وسلم) أيضاً: «من قبض يتيماً من بين مسلمين إلى طعامه وشرابه أدخله الله الجنة البتة، إلا أن يعمل ذنباً لا يغفر»[2] .

2- نبي الله موسى (عليه السلام) يساعد المحتاجين:

يشير القرآن الكريم إلى صور عدة من مساعدة نبي الله موسى (عليه السلام) للمحتاجين وطالبي العون والمساعدة؛ إذ تطوع نبي الله موسى (عليه السلام) بمساعدة امرأتين كانتا تستسقيان لرعي أغنامهما، وكان الشبان يقفون أمام منبع الماء، وهما تنتظران من بعيد، فلما رآهما موسى وهو كان قادم من سفره نحو «مَدْيَن» لم يرض بذلك، فتطوع بمهمة السقي لهما، قال تعالى: ﴿وَلَمَّا وَرَدَ مَاءَ مَدْيَنَ وَجَدَ عَلَيْهِ أُمَّةً مِنَ النَّاسِ يَسْقُونَ وَوَجَدَ مِنْ دُونِهِمُ امْرَأتَيْنِ تَذُودَانِ قَالَ مَا خَطْبُكُمَا قَالَتَا لَا نَسْقِي حَتَّى يُصْدِرَ الرِّعَاءُ وَأَبُونَا شَيْخٌ كَبِيرٌ (23) فَسَقَى لَهُمَا ثُمَّ تَوَلَّى إِلَى الظِّلِّ فَقَالَ رَبِّ إِنِّي لِمَا أَنْزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ القصص: ٢٣، ٢٤

وهكذا قام موسى (عليه السلام) بمساعدة المرأتين، وقد اتضح له بعد ذلك أنهما ابنتا نبي الله شعيب (عليه السلام)، وقد زوجه إحداهما تكريماً له، وجزاء لعمله التطوعي.

وفي مقطع آخر من سورة القصص يشير القرآن الكريم إلى مساعدة موسى (عليه السلام) للرجل الذي طلب منه المساعدة، قال تعالى: ﴿وَدَخَلَ الْمَدِينَةَ عَلَى حِينِ غَفْلَةٍ مِنْ أَهْلِهَا فَوَجَدَ فِيهَا رَجُلَيْنِ يَقْتَتِلَانِ هَذَا مِنْ شِيعَتِهِ وَهَذَا مِنْ عَدُوِّهِ فَاسْتَغَاثَهُ الَّذِي مِنْ شِيعَتِهِ عَلَى الَّذِي مِنْ عَدُوِّهِ القصص: ١٥.

فتطوُّع نبي الله موسى (عليه السلام) لمناصرة ومساعدة الذي من شيعته على عدوه فقتله ﴿فَوَكَزَهُ مُوسَى فَقَضَى عَلَيْهِ القصص: ١٥.

3 - نبي الله يوسف (عليه السلام) يتطوع ليكون مسؤول المالية:

أشار القرآن الحكيم إلى نماذج من تطوع نبي الله يوسف (عليه السلام)، ومنها تطوعه ليكون وزير المالية كما في قوله تعالى: ﴿وَقَالَ الْمَلِكُ ائْتُونِي بِهِ أَسْتَخْلِصْهُ لِنَفْسِي فَلَمَّا كَلَّمَهُ قَالَ إِنَّكَ الْيَوْمَ لَدَيْنَا مَكِينٌ أَمِينٌ (54) قَالَ اجْعَلْنِي عَلَى خَزَائِنِ الْأَرْضِ إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ يوسف:54، ٥٥

فتحمل مسؤولية المالية يدل على طموح نبي الله يوسف (عليه السلام)، كما يشير إلى أنه كان يرى نفسه مؤهلاً لتحمل هذه المسؤولية العظيمة والمهمة؛ لذلك تطوع من تلقاء نفسه للقيام بها.

وفي سورة القصص يشير القرآن الكريم إلى أن نبي الله يوسف (عليه السلام) - عندما أدخل السجن - قام بالدعوة إلى الله تعالى، كما تطوع بتفسير الأحلام للسجناء، وقد أشار القرآن الكريم لذلك في قوله تعالى: ﴿وَدَخَلَ مَعَهُ السِّجْنَ فَتَيَانِ قَالَ أَحَدُهُمَا إِنِّي أَرَانِي أَعْصِرُ خَمْرًا وَقَالَ الْآَخَرُ إِنِّي أَرَانِي أَحْمِلُ فَوْقَ رَأْسِي خُبْزًا تَأْكُلُ الطَّيْرُ مِنْهُ نَبِّئْنَا بِتَأْوِيلِهِ إِنَّا نَرَاكَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ (36) قَالَ لَا يَأْتِيكُمَا طَعَامٌ تُرْزَقَانِهِ إِلَّا نَبَّأْتُكُمَا بِتَأْوِيلِهِ قَبْلَ أَنْ يَأْتِيَكُمَا ذَلِكُمَا مِمَّا عَلَّمَنِي رَبِّي إِنِّي تَرَكْتُ مِلَّةَ قَوْمٍ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَهُمْ بِالْآَخِرَةِ هُمْ كَافِرُونَ (37) وَاتَّبَعْتُ مِلَّةَ آَبَائِي إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ مَا كَانَ لَنَا أَنْ نُشْرِكَ بِاللَّهِ مِنْ شَيْءٍ ذَلِكَ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ عَلَيْنَا وَعَلَى النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَشْكُرُونَ (38) يَا صَاحِبَيِ السِّجْنِ أَأَرْبَابٌ مُتَفَرِّقُونَ خَيْرٌ أَمِ اللَّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ (39) مَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِهِ إِلَّا أَسْمَاءً سَمَّيْتُمُوهَا أَنْتُمْ وَآَبَاؤُكُمْ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ بِهَا مِنْ سُلْطَانٍ إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ أَمَرَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ يوسف: 36 - ٤٠

فهذه الآيات الشريفة تشير إلى تركيز نبي الله يوسف (عليه السلام) - حتى وهو في السجن - على الدعوة إلى الله تعالى، وإخلاص العبودية له، وتوحيده عز وجل، ولعله استفاد من حاجة السجناء إلى تفسير أحلامهم بدعوتهم - أولاً - إلى توحيد الله عز وجل بالمنطق والبرهان كما تشير لذلك الآيات الشريفة.

4 - الرسول الأعظم يتطوع في العبادات:

ذكر القرآن الكريم قيام الرسول الأعظم (صلى الله عليه وآله وسلم) بأنواع العبادات من النوافل والسنن والطاعات تطوعاً لله عز وجل، كما في قوله تعالى: ﴿مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ ذَلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَمَثَلُهُمْ فِي الْإِنْجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآَزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوَى عَلَى سُوقِهِ يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنْهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا الفتح: ٢٩

وقد كان النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) - بعد نزول الوحي عليه - كثير العبادة والقيام حتى تورمت قدماه، ويكاد لا يستطيع الوقوف لشدة التعب من كثرة العبادة، فنزل قوله تعالى: ﴿مَا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآَنَ لِتَشْقَى طه: ٢.

خلاصة القول: إن القران الكريم - عندما يشير إلى الأعمال التطوعية التي كان يقوم بها الأنبياء (عليهم السلام) إنما أراد إرشادنا إلى أهمية العمل التطوعي، وأن فيه رضا الله عز وجل، وأنه يساهم في بناء المجتمعات، وتقدم الأمم، وتطور الحضارات.

فلنقتدِ بالأنبياء في ممارسة العمل التطوعي، وليقم كل واحد منا بما يستطيع في خدمة المجتمع، ومساعدة الناس الذين هم بحاجة للمساعدة والدعم والعون، ولنقف إلى جانب الأيتام، قال تعالى: ﴿وَمَا تُقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ مِنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِنْدَ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ البقرة: ١١٠.

[1]  بحارة الأنوار، ج35، ص117.

[2]  ميزان الحكمة، ج8، ص 3708، رقم 22885.
عالم دين
200412