ابن زيدون
محمد سعيد الشيخ علي الخنيزي * - 1 / 2 / 2011م - 12:51 م - العدد (55)

 عشت مع ابن زيدون أياماً، أسامره في ديوانه، وابن زيدون الشاعر الذي عرف ونبغ وسطع نجمه في سماء قرطبة وأشبيلية، وإن كانت ولادته شرقية حيث ولد في بغداد عاصمة الدولة العباسية[1] ، غير أنّ الأقدار ساقته إلى الغرب فعاش بين أشبيلية وقرطبة يمدح حكامها ويتمتع بما يغدق عليه حكام عصره، وفي ذروة حياته التي حظي بها عند الحاكم وهو منصبه ذي الوزارتين أُتُهِمَ بالخيانة الكبرى - وهو إسقاط الحكم وإنشاء دولة جديدة تخلف الدولة السابقة - وهذه جريمة لا تغتفر فزج به في السجن، وبعد تضرع منه صاغه في قصائد من شعره بواسطة ابن الحاكم حتى أُطلِقَ من ذلك السجن، وعاد لحياة اللهو والطرب، ولقيثارة الشعر يعزف عليها ألحان الحب، فصور في حياته ألواناً من الشعر استلهمها من سماء قرطبة وإشبيلية، فهما مدينتان تتجلى فيهما الطبيعة في أبدع زينتها، وتتبرج بجمالهما، فهما متعتان للناظرين، وقصيدتان أُلِّفَتْ حروفهما من جمال سحري يسمِّر الأبصار، فكيف بالشعراء الذين يحسون بسحر ذلك الجمال، ويشربون منه كؤوساً شفافة تفيض عليهم قصائداً شعرية وأوتاراً غنائية.

وكان لابن زيدون عـلاقة غرامية بولاَّدة بنت المستكفي (الأموي)، كما حدثنا التاريخ عن تلك لعلاقة وذلك الحب الذي ذاب فيه ابن زيدون وانْحَلَّ في سحره كما تذوب ذرات الشمس في الشمس، فالتاريخ يحدثنا - كما يحدثنا ابن زيدون في شعره - عن هذه العلاقة الغرامية، وكيف نشأت، وكيف كان أول لقاء صوره الشاعر؛ فاسمعه يتحدث عن تلك الليلة التي لا يحسبها العشاق من أعمارهم، وإنما هم يرونها من أسعد أيام العمر، وهي فلتة من فلتات الدهر قد لا تتكرر، وربما تكررت عند بعض السعداء الذين يرون العشق سعادة، فالشاعر وصف أول لقاء بحبيبته ولادة، فهو يتحدث ويصف ذلك اللقاء وذلك الجمال، وكيف استقبل حبيبته غصناً وريقاً وأريجاً يضوع، ووردةً لا كالورود، إنما هي تفضل تلك الورود التي نشمُّها، وكيف قضيا تلك الليلة في إحدى الروضات من روضات قرطبة، وعندما غنت لهم عتبة - جارية ولادة - فأسكرتهما، فشربا من خمرة الحبِّ، ومن ألحان الغناء، فهما صبّان متيمان لا يحسان بالزمن، فكانت الساعات تمر عليهما أقصر لياليهما في ذلك العمر، فطلب من عتبة الإعادة، فظهر على ملامح ولادة عدم الإرتياح، فكان بينها وبين حبيبها ابن زيدون عتاب طويل مر، سنشير إليه، ولكنَّ ابن زيدون لم يفته هذا الموقف؛ موقف عتبة جارية ولادة فصوره في هذين البيتين:

أحِبَّتنا إني بلَغْتُ مؤَمَّلي

وساعَدَني دَهري وواصَلَني حِبِّي

وجاء يُهَنِّيني البشيرُ بِقُربِهِ

فأَعطَيْتُهُ نفسي وَزِدتُ لهُ قلبي

* * *

واستمر العتاب بينهما حتى صوَّرته ولاَّدة في قطعة شعرية تجسد موقفها وغيرتها من جاريتها، فاسمعْها وهي تخاطبه:

لو كنتَ تُنصِفُ في الهوى ما بيننا

لَمْ تَهْوَ جاريتي وَلَمْ تَتَخَيَّرِ

وتَرَكْتَ غُصنْاً مُثْمِراً بجمالِهِ

وجَنَحْتَ للِغُصْنِ الذَّي لَمْ يثمِرِ

وَلَقَدْ عَلِمْتَ بِأنني بَدْرُ السَّما

لكنْ دُهيتُ لِشَقوتي بالمُشتري

* * *

هكذا الغيرة الأنثوية التي تثور عند أدنى لمسة شفافة تراها تجرح حبها وتنافسها في عشيقها، وقد وصف تلك الليلة الشاعر ابن زيدون في إحدى رسائله التي نسبت إليه في قطعة شعرية، فاسمعه يتحدث معنا من وراء جدار التاريخ:

ودَّعَ الحُسنَ محبٍّ ودَّعكْ

ضائِعٌ مِنْ عهده ما استودعكْ[2] 

يقرَعُ السِّنَّ على أنْ لمْ يكن

زاد في تلك الخُطى إذْ شيَّعَكْ

يا أخا البدرِ سناءً وسناً

حَفِظَ اللهُ زماناً أطلَعَكْ

إنْ يَطُلْ بَعَدَكَ ليلي، فَلَكَمْ

بِتُّ أشكو قِصَرَ الليلِ معكْ

* * *

إنّ هذه القطعة الموسيقية التي تصور اللقاء والفراق، وكيف كانت تلك الليلة التي شكا فيها الحبيبان قصرها، وكانا يشكيان في ليالي الهجر تطاولها فهما مسهدان على جناح ألم ولهفة للقاء، كما صور ابن زيدون ساعة الفراق؛ فراق الحبيبين الذي لا يدري هل يكون بعد تلك الليلة السعيدة التي التف فيها الحبيبان في حياة شوقٍ وبُرْد هوىً يلفهما من رأسيهما إلى قدميهما، أو قل هما سران في خاطر الظلماء، ولو لا لسان الفجر لما كشفهما أحد، فإنهما مشهد من أروع الشعر الغرامي.

      فاستمرت العلاقة الغرامية بين ابن زيدون وولادة حتى أفسد ما بينهما الوشاة كابن عبدوس حينما تولى الوزارة، وأغدق على ولادة بسخاء منقطع النظير، فهجرت ابن زيدون ورفضته، وصار يتذلل لها تذلل العبد لمولاته وهي ترفضه، وحتى عرض بابن عبدوس وصور ذلك التعريض:

أكلٌ شهيٌّ أصبنا من أطايبه

بعضاً وبعضاً صفحناه إلى الفار

* * *

غير أنه لم يظفر ابن زيدون بولادة حتى نفيَ من قرطبة، ولم يهدأ ذلك العشق والحب الذي تكون عن صدق وعن غرام ملتهب في قلب ابن زيدون لا يطفئه إلا اللقاء، وما أدري هل اللقاء يزيده اشتعالاً أم يخفف من وهج ذلك الحب في قلب ابن زيدون غير أنّ الظروف قست على ابن زيدون فتركته يعيش بعيداً عن ولادة، فصار يصور ذلك العشق وتلك الفترة التي سعد فيها بولادة، فصور تذللـه وخضوعه كخضوع عبد لسيده، فلنسمعه وهو يناجي ولادة في هدأة الليل لعل نسائم الحب توصل تلك النجوى نجوى القلوب إلى قلب ولادة:

يا نازحاً وضميرُ القلبِ مثواهُ

أنستكَ دنياكَ عبداً أنتَ مولاهُ

ألهَتْكَ عنه فُكاهاتٌ تلذُّ بها

فليس يجري ببالٍ منكَ ذِكراهُ

عَلَّ الليالي تُبَقِّيني إلى أملٍ

الدَّهرُ يعلمُ والأيَّامُ معناهُ

* * *

فهذه السيمفونية تصور الهجر المرير الذي يقاسيه العشاق عندما يفارق معشوقهم، ويزيد وهيج النار إذا كان الحب من طرف واحد، فالذي نتصوره ونقرأه من صفحات التاريخ ومن شعر ابن زيدون يصور الغرام والحب من ابن زيدون لا من ولادة، فابن زيدون قيس بلا ليلى، أما ولادة فلم تكن ليلى إنما كانت تُزَجِّي فراغاً، وتقضي سهراتٍ، فمن البليِّة أن تحب من لا يحبك، فالويل لمحب لا يبادله حبيب ذلك الحب، سيظل يعيش في شقاء ووهج نار لا يطفئها عنه أحد، ولا يخففها إلا ذلك الحزن الطويل الذي يحول حياته إلى نغص وشقاء مرير، ولهذا الحب العميق لم يهدأ ابن زيدون، حتى كتب قصيدة يصف فيها ألم ساعة الفراق، فكانت من الشعر الجريح الذي ينز من قلب مُوَلَّه يشتعل وهجاً فإن الفراق مر المذاق ولا سيما عندما يفترق حبيبان على أمل اللقاء فكيف بفراق لا لقاء بعده:

فما صبابة مشتاق على أمل

من اللقاء كمشتاقٍ بلا أملِ

* * *

فالقصيدة التي أشرنا إليها هي لوحة من اللوحات الفنية، وصورة من صور الحب التي جاءت لتعيش، فهي تصور كيف كان الحبيبان يعيشان في جو هناء وسعادة لا يخشيان فراقاً وهجراً طويلاً وإبعاداً قاسياً، واليوم يعيشان وهما هما ولا يرجوان لقيا، بل يعيش ابن زيدان مقصى عن قرطبة، وكل ما حاول أن يعود إليها نثر في طريقه الموت فأصبحت طريقه ملغومة بألغام إذا مر فيها تنفجر فيه تلك الألغام فتقتله، فهاج به الشوق وألَّمه وهج الفراق وكتب هذه القصيدة وأرسلها إلى ولادة، وعن أي طريق كان أرسالها؟ أجهل ذلك، ولم أقف - شخصياً في التاريخ - على طريقة الإرسال ويخيل لي - عندما قرأتها - أن ولادة هزها هذا الشعر هزًّا عنيفاً، وسكرت بتلك الخمرة، وشربت من كؤوس حروفها الشفافة أحلاماً وأحلاما، وهل انتفضت عواطفها وعادت لابن زيدون تبادله حباًّ بحب؟ لا أتصور ذلك؛ فالحب جاء من ابن زيدون فحسب لذلك أصبح في عذاب لا يرق عليه حبيبه، ولا يرحمه، فاسمعه يتحدث:

أضحى التَّنائي بَدِيلاً مِنْ تَدانينا

ونابَ عَنْ طِيبِ لُقيانا تجافينا

ألا وقَدْ حانَ صُبْحُ البَيْنِ صَبَّحَنا

حَيْنٌ فقَامَ بِنا للِحَيْنِ داعِينا

* * *

وقفة معي لنتحدث مع ابن زيدون، وإن كانت وقفة قصيرة، كيف قسى عليك الزمان فأبدلك بالقرب بعداً؟ وليس هو بعد كبعد بعض العاشقين إنما هو نفيٌ إلى محل آخر يفصل بينك وبين الحبيب آلاف الأمتار، فأين إشبيلية من قرطبة؟ فأنت غريب الروح، غريب القلب والجسم، تعيش في آلامك وحدك، تشرب من كؤوسها صاب يسهدك كتسهيد النجوم.

ثم يصف كيف فرقهم الزمان عندما حان صباح الفراق فصبحهم بليل لا فجرَ فيه، فكأنهما غشيهما الموت، وحان حينهما، ويستمر ابن زيدون في قصيدته العصماء، إنّ الزمان الذي كان يضحكهما ويؤنسهما بقربهما عاد يبكيهما، ولكن أي بكاء!؟ بكاء فاقد العاشق لعشيقه، فيغلو الشاعر ابن زيدون في قصيدته فيأتينا بزخم وإبداع، فيصف الصورة التي عاشها مع ولادة، فكأنهما سران في خاطر الظلماء يكتمهما الظلام ولا يفيقا إلا على ذلك الفجر؛ الفجر الذي لا يريدان أن ينبلج، فقال:

سِرَّانِ في خاطرِ الظلماءِ يكتُمُنا

حتى يكادَ لسانُ الصُّبحِ يُفشينا

* * *

ويستمر في هذه القصيدة في صورها الإبداعية التي صورت حياتين؛ حياة وصل فيها فرح وهناء، وحياة هجر مرير وإبعاد قاسٍ فيها جحيم وتسهيد كتسهيد النجوم، بل ربما بلغ حد اليأس من اللقاء:

وقد نكون ولا يخشى تفرقنا

واليوم نحن ولا يرجى تلاقينا

* * *

ما هذه الصورة؟! إنها إبداع ووصف فيه زخم، إنهما عاشا في حياة الحب والغرام، وليس في ذهنهما، أو في حياتهما أن يفرقهما الزمان، فلا يخشيان البعد أو الانفصال من هذه الحياة، واليوم هما هما ولكنهما يائسان من اللقاء ولا يرجوانه حتى ينتهيا من هذا الكوكب المسمى بالأرض.

ويختم قصيدته ختاماً فيه وفاء لحبيبته، وذكرى لحِبه تعيش في قلبه تلتهب مع الصبابة مدام يعيش على هذا الكوكب المسمى بالأرض، وهكذا الأوفياء الذين يوفون لمن يغدر بهم، يقول:

عليكِ منَّا سلامُ الله ما بقِيَتْ

صبابةٌ بكِ نُخفيها فتُخفينا

إنّ لابن زيدون مع ولادة نفحات غرامية وسيرة، فيها لهفة واشتياق حلو ومرير، وقد كتب فيها قصائد غرامية ولعل أحسن ما في شعره قصائده التي تتحدث عن غرامه بولادة؛ لأنها قصائد ولَّدها حب، وبعثتها لهفة، يقول:

باعدْتِ بالإعراضِ غيرَ مُباعِدِ

وزَهَدْتِ فيمَنْ ليسَ فيكِ بِزاهِدِ

وَسَقَيْتني مِنْ ماء هَجْرِكِ ما لَهُ

أصبَحْتُ أَشْرَقُ بالزُّلالِ البارِدِ

هَلاَّ جَعَلْتِ، فدتكِ نفسي، غايةً

للعتبِ أبلُغُها بِجُهْدِ الجاهدِ

لا تُفسِدَنْ ما قد تأَكَّدَ بَيْننا

مِنْ صالحٍ خَطَراتُ ظنٍّ فاسِدِ

حاشاكِ مِنْ تَضييعِ أَلفِ وسيلةٍ

شجِيَ العَدُوُّ لها بِذَنْبٍ واحِدِ

إنْ أجنِهِ، خَطَأً، فقدْ عاقَبْتني

ظُلماً بِأبْلَغَ مِنْ عِقابِ العامِدِ

عُودِي لِما أَصْفَيْتِنيهِ مِنَ الهوى

بدءًا، فلسْتُ لِمَا كَرِهْتِ بِعائِدِ

وَضَعي قِناعَ السُّخطِ عَنْ وَجهِ الرِّضا

كيما أَخِرَّ إليْهِ أوَّلَ ساجِدِ

* * *

وابن زيدون تفنن في شكواه، وكيف يبثُّها، وما يعتلج في صدره من حزن لفراق سيدوم طويلاً، وهجرٍ مريرٍ، وبعدٍ لا يرى حبيبته من خلاله إلا في الخيال، فاسمعه وهو يبث نجواه، وشكواه لولادة لعل من ينقل هذه النبرات إلى حبيبته:

متى أَبُثُكِ ما بي؟

يا راحتي وعَذَابي

متى يَنُوبُ لِساني،

في شرحِهِ، عن كتابي؟

اللهُ يَعْلَمُ أني

أصبحتُ فيكِ لِمَا بي

فلا يَطيبُ طعامي

ولا يسُوغُ شرابي

يا فتنةَ المُتَقَرِّي[3] 

وَحُجَّةَ المُتصابي

الشَّمْسُ أنتِ تَوَارَتْ

عَنْ ناظري بالحِجابِ

ما البَدْرُ شَفَّ سَنَاهُ

على رَقيقِ السَّحَابِ

إلاَّ كَوَجْهِكِ لَمَّا

أضاءَ تحتَ النِّقابِ

وهنا نطوي السيرة الغرامية لابن زيدون بولادة، وفي رأيي أنّ شعره الغرامي

في ولادة وتشبيبه بها؛ هو القمة في شعره، ولعله أحسن ما قال؛ لأنه شعر يمثل حياة غرامية واقعية عاشها ابن زيدون ثم حرم منها، والحرمان يشعل العبقرية، ويفجر الأفكار، ويلهم من ابتُليَ به.

وحديثي عن ابن زيدون قصرْتُه على التعامل مع نصوصه الشعرية، ولم أشر إلى حياته السياسية والإجتماعية، والظروف التي اكتنفت تلك الحياة؛ لأنَّ الحديث قصر على دراسة توضيح بيان الجمال في النصوص الشعرية، وإن مررنا بأفق من حياته الغرامية مع ولادة.

[1]  هذا اشتباه من أستاذنا الخنيزي، فابن زيدون ولد سنة 394هـ، 1003م بالرصافة من ضواحي قرطبة، بالأندلس، وهي الضاحية التي أنشأها «عبد الرحمن الداخل» بقرطبة، واتخذها متنزَّهًا له ومقرًا لحكمه، فهي ليست رصافة بغداد، انظر: ديوان ابن زيدون، شرح وتحقيق كرم البستاني، دار بيروت للطباعة والنشر، بيروت، 1399هـ 1979م، ص: 5. الواحة

[2]  رواية البيت:ودَّع الصبر محبٌّ ودَّعك

ذائعٌ من سرِّه ما استودعكانظر: ديوان ابن زيدون، شرح وتحقيق كرم البستاني، دار بيروت للطباعة والنشر، بيروت، 1399هـ 1979م، ص: 94، وبعض كتب الأدب تروي الأبيات لولادة، انظر: نفح الطيب في غصن الأندلس الرطيب، للمقري التلمساني، ونزهة الجلساء في أشعار النساءـ السيوطي. الواحة

[3]  المتقرِّي: الناسك. الواحة
شاعر وأديب
297984