الوطن أولا
التحرير - 2 / 2 / 2011م - 9:50 ص - العدد (52)

ثمة قضايا وإشكاليات عديدة، تثيرها طبيعة الأحداث والتطورات المتسارعة، التي تجري في المنطقة. حيث برزت على السطح كل العناوين التاريخية، وأضحت شعوبنا العربية والإسلامية، مقسمة بعناوين مذهبية سنة وشيعة، أو عناوين قومية عرباً وأكراداً. ولم تقف التشظيات عند هذا المستوى، وإنما استمرت بالانحدار، وبدأنا نسمع عناوين ولافتات أدنى من العناوين المذهبية والقومية.

ومن الضروري، وأمام هذا التشظي المتسارع، والذي يقسم أبناء الوطن الواحد، إلى عناوين فرعية غير جامعة، أن نعمل على تحصين وضعنا الداخلي، وتمتين أواصر الوحدة الوطنية. فالأوطان لا تبنى بعمليات التشظي والتصنيف، كما أن الاستقرار السياسي والاجتماعي، لا يتأتى من صمِّ الآذان عن معالجة القضايا العالقة بين مكونات المجتمع والوطن الواحد.

صحيح أن العناوين المذهبية ذات بعد تاريخي، لا يمكن تجاوزها بسهولة. ولكن هذه العناوين ليست بديلا عن الأوطان. فالانتماء المذهبي حاجة ماسة في حياة الإنسان، ولا يمكن إخراج الإنسان من مقتضيات هذا الانتماء بسهولة، ولكن هذا الانتماء ليس بديلا عن الانتماء إلى الوطن. فكيف نجعل نحن اليوم انتماءاتنا المذهبية منسجمة مع انتمائنا الوطني؟ يبدو أن التحدي الذي يواجهنا باستمرار هو هذا السؤال الذي يبحث عن إجابات أو مشروع إجابات لا يناقض حاجات الإنسان إلى الأمن والاستقرار. ونرتكب خطيئة كبرى بحق إنساننا ووطننا، حينما نجعل الانتماء الوطني بمقاس مذهبية واحدة أو قومية واحدة، وإنما من الضروري أن يكون الوعاء الوطني مستوعبا لجميع العناوين التي ينضوي تحتها كل المواطنين. ففي المجتمعات ذات الأكثرية الشيعية مثلا، من الخطأ المميت أن يكون الانتماء الوطني مساوقا للانتماء المذهبي، وكل من هو خارج من دائرة الانتماء المذهبي هو بعيد عن حقوقه وحاجاته القادمة إليه من الانتماء الوطني. كما إننا في المجتمعات ذات الأكثرية السنية، من الخطأ المميت أن نجعل هذا الانتماء المذهبي هو مقياس ومعيار للانتماء الوطني؛ لأن هذه العملية سواء كانت بعنوان سني أو شيعي، هي عملية تضر باستقرار الوطن وتعبث بأمنه وانسجامه الداخلي.

إننا اليوم وأمام بروز هذه الحالة التصنيفية، والتي نعدها خطرا حقيقيا على كل أوطاننا، من الضروري أن نعيد صياغة العلاقة بين الانتماءات المذهبية المتعددة للمواطنين، وبين انتمائهم الوطني الجامع. وذلك لأن تسعير التوترات وإشعال بؤر العنف بكل أصنافه وأشكاله، وإيقاظ كل التنوعات والخصوصيات بنفَس صِدَامي صارخ، كل هذا يدخل منطقتنا في أتون الصراعات المذهبية التي تدمر كل المكتسبات ولا يخرج منها رابحا إلا أعداء الأمة وأوطاننا الحقيقيين.

فالنزعات المذهبية الضيقة والمغلقة سواء كانت شيعية أو سنية، لا تفضي إلى استقرار مستديم، بل تؤسس لاحتقانات وانفجارات ونزاعات محورها التداعي والتآكل الوحدوي.

إننا اليوم بحاجة إلى تحول نوعي وتطور استراتيجي في فكرنا السياسي والإداري، حتى نتمكن من إدارة هذه الأوضاع المشتعلة أو المتأزمة على نحو لا يخرجنا من مقتضيات الوئام والوحدة.

ولعلنا لا نجانب الصواب حين القول: إن درجة التميز بين العناوين المذهبية وحدته وعمقه الاجتماعي والسياسي وأهدافه وتطلعاته القريبة والبعيدة، مرهون كل هذا إلى حد بعيد إلى طبيعة التعامل الذي نرسي دعائمه جميعا تجاه هذه العناوين والانتماءات. فإذا كان التعامل جافا وبعيدا عن مقتضيات العدالة والمساواة، فإن الشعور بالتصنيف والتميز سيؤدي إلى المزيد من التشبث بالخصوصية، وسيدفعه هذا الشعور العميق بالتميز بتبني خيارات واتجاهات تزيد انفصاله الشعوري والعملي عن المحيط العام. أما إذا كان التعامل مرنا وسياسيا وبعيدا عن عقلية الاتهام والتوجس، فإن درجة الشعور بالتميز تتضاءل وإمكانية الاندماج الطوعي تتعمق وتتواصل.

ويشير إلى هذه المسألة الدكتور سعد الدين إبراهيم في كتابه (تأملات في مسألة الأقليات) بقوله: «ملاحظة التميز في هذه الصيغة أو الصفات المشتركة في أفراد جماعة معينة، وتباينها عن جماعات بشرية أخرى، ينطوي على عنصر ذاتي وعلى عنصر موضوعي؛ العنصر الموضوعي هو وجود الاختلاف أو التباين بالفعل في أي من المتغيرات المذكورة أعلاه (اللغة أو الدين أو الثقافة أو الأصل القومي والمكاني أو السمات الفيزيقية). أما العنصر الذاتي فهو إدراك أفراد الجماعة وإدراك الجماعات الأخرى القريبة منها لهذا التباين والاختلاف. وهو يؤدي إلى الشعور بالانتماء إلى جماعة معينة في مواجهة الجماعات الأخرى».

فدرجة الشعور بالتميز، يرتبط بشكل أساسي بطريقة التعامل السياسي والاجتماعي والقانوني مع الجماعات المذهبية أو القومية. فإذا كان التعامل نابذا ومستخدما لكل أنواع القوة لفرض الاندماج وتغييب التميز الطبيعي، فإن هذا التعامل سيزيد من فرص المشاكل والأزمات. أما إذا كان التعامل السياسي والقانوني والاجتماعي، يلبي متطلبات العناوين المذهبية الثقافية والاجتماعية كما يلبي متطلبات الوحدة والاستقرار، فإن الأوضاع ستكون مستقرة، وستشعر على نحو حقيقي كل هذه الفئات بدورها المتميز في صيانة الأمن والاستقرار.

وعليه نستطيع القول: إن النظام السياسي والاجتماعي المرن والمتسامح، يتمكن من توظيف الشعور بالتميز لدى المجموعات البشرية في بناء الوطن وإزالة كل عناصر التوتر. أي إن التسامح وتوفير متطلبات الانتماء الثقافي والاجتماعي سيجعل دور التميز دورا وحدويا، اندماجيا، بعيدا عن كل أشكال التقوقع والدوائر المغلقة.

ولا بد من القول ومن خلال التجارب العديدة للشعوب والأمم، التي تحتضن أقليات عديدة في مجتمعها، أنه كلما قلت وتضاءلت مستويات الاندماج، برزت في المجتمع مسألة الأقليات وتداعياتها السياسية والاجتماعية والثقافية. بمعنى أن وجود العناوين المذهبية أو القومية في أي فضاء اجتماعي، يتحول إلى مشكلة، حينما يفشل هذا الفضاء في تكريس قيم التسامح واحترام الآخر وصيانة حقوق الإنسان والمزيد من الاندماج الوطني. حينذاك تبدأ المشكلة، وتبرز الخصوصيات الذاتية، وتنمو الأطر التقليدية لكي تستوعب جماعتها البشرية بعيدا عن تأثيرات المحيط.

إن الأقليات المذهبية والعرقية والقومية كمفهوم وواقع مجتمعي، لا يكون في قبال ومواجهة القوميات والوطنيات، ويسيء إلى جميع هذه المفاهيم من يجعل من مفهوم الأقليات مواجها لمفهومي القومية والوطنية؛ لأنه من المكونات الأساسية لكل قومية ووطنية هويات متعددة، إما دينية أو مذهبية أو إثنية أو لغوية.

ويبدو أننا من دون فهم واقع الأقليات والإثنيات في منطقتنا، وبلورة المعالجة الحضارية لهذا الواقع. من دون هذا سيبقى الواقع الداخلي والمجتمعي للعرب والمسلمين، يعاني الكثير من الأزمات والنكبات؛ لأن العديد من الصراعات، تجد جذورها ومسبباتها الواقعية في هذا الواقع الذي يتم التعامل مع الكثير من عناوينه وقضاياه بعيدا عن مقتضيات الوحدة والوئام والمساواة.

فالوحدة القائمة على احترام التنوع ومشاركة كل الفئات في صيانتها، هي التي توفر المناخ الطبيعي لتجاوز كل الحساسيات واستيعاب كل الأطياف والقوى في مشروع الوطن الجامع.

وعلى ضوء كل ما ذكر أعلاه، فإننا نرى أن الأحداث التي تجري في بؤر التوتر اليوم، لا تبنى وطنا، ولا تطرد احتلالا، وإنما هي تفتت الوطن إلى كانتونات طائفية، وتزيد من عمر الصدامات والنزاعات. ومهمتنا اليوم ليس تكريس الاصطفافات الطائفية في المنطقة بهذه الدعوى أو تلك، وإنما على العكس من ذلك، حيث إننا مطالبون وعلى ضوء الأحداث والتجربة من صيانة وحدتنا والقيام بالمبادرات النوعية التي تزيد من فرص الاندماج الوطني.

فالاقتتال الطائفي مدان ومستنكر، سواء صدر من طرف شيعي أو سني. وينبغي أن لا يقودنا إلى تكريس الاصطفافات الطائفية؛ لأن هذا الاصطفاف لعب بالنار، ويؤسس لخيارات خطيرة على مستوى المنطقة بأسرها.

فالانتماءات المذهبية ليست بديلا عن الأوطان، ولا يجوز تخريب الأوطان بدعاوى الاختلافات المذهبية. صحيح إننا بحاجة إلى أن ندير هذه الاختلافات على نحو حضاري وسلمي، ولكن نرتكب جميعا جريمة بحق أوطاننا وأمنها واستقرارها، حينما نتعامل مع الانتماء المذهبي كبديل عن الأوطان.

فالإنسان بطبعه يعتز بانتماءاته التاريخية، ولكن من الضروري أن لا يقوده هذا الاعتزاز إلى تجاوز مقتضيات الاستقرار الوطني.

لهذا فإننا ندعو الجميع ومن واقع حرصنا على الأمن والوحدة، إلى تبني شعار ومشروع الوطن أولا. وهو المشروع الذي يعني رفض الاصطفافات الطائفية، وتبني الأجندة والمصالح الوطنية، وإعطاء الأولوية المطلقة لمصالح واستقرار الوطن.

فالذي يحدث في عالمنا الإسلامي اليوم يدمي القلب والعين، وينبغي لنا جميعا أن لا نوفر له الغطاء الديني والمذهبي. لأنها أعمال شيطانية بصرف النظر عن القائم بها وانتمائه المذهبي. وينبغي أن يكون دورنا على هذا الصعيد هو التمسك بوحدة الوطن ورفض كل أشكال الاقتتال والنزاع.

وجماع القول: إن المنطقة بأسرها تمر بظروف خطيرة وحساسة، ولا يمكن مواجهة هذه الظروف إلا برؤية جديدة وإرادة وطنية جامعة، تجعل من التعدد المذهبي رافدا من روافد تعزيز البناء الوطني وليس موضوعا للتشظي والمزيد من الانقسام. وإن الجواب الوطني الجامع على ما يجري من أحداث مؤسفة، هو في المزيد من تحصين الجبهة الداخلية ورفع مستوى ووتيرة الاندماج الوطني.

232037