سماهيج
فضل بن عمار العماري * - 2 / 2 / 2011م - 10:59 ص - العدد (52)

عرّف القدماء “سماهيج” على أنها: «جزيرة، في وسط البحر، بين عُمَان والبحرين»[1] ، وعرّفها المعاصرون على أنها: «هي ما يُـعرف الآن باسم: جزيرة المحرق؛ لأن الجانب الشرقي من جزيرة المحرق ما يزال معروفـاً باسم: سماهيج، واسم المحرق لم يكن معروفـاً عند الأقدمين لهذه الجزيرة»[2] .

وكلّ هذا صحيح فيما يتعلّق بـتـعريف (سماهيج)، بجزيرة (المحرق) بالبحرين، غير أن هذا التعريف لا ينطبق على قول كثـيّر عزّة:

كأن حدائـج أظـعانها

بِغَيقة لما هبطن البِراثا

نواعمُ عُمٌّ على مِيثـب

عِظام الجذوع أُحَلّت بُعاثا

كدُهم الركاب بأثقالها

غدت من سماهيج أو من جواثى[3] 

فهو هنا يصف الظعائن، والظعائن هوادج وإبل كثيرة، وأحمال، ورجال ومؤن، وهي تقطع مسافات بعيدة، راحلة عن موطنها: «غـدت»، محمّلة بالبضائع (التمور - خاصة)، وهذا التحرّك لا يتيح مجالاً للإبل ذات الأحمال: «كدُهم الركاب بأثقالها»، فـتـنـتـقل من تلك الجزيرة الصغيرة، (المحرّق)، فإذا كانت (المحرق) هي (سماهيج)، فأين ستذهب الإبل؟ ولاسيما أن (المحرق) ذاتها لم تكن بهذه المساحة، وكان البحر الفاصل بين جزيرة (المحرق) وجزيرة “أوال” (المنامة) واسعاً جدّاً. وتدل المقارنة بين تحرّك الإبل من «جواثى»: شرق الكلابية، على أن (سماهيج) في الجهة المجاورة لها من الأحساء، وحيث إن الإبل تتحرّك من مكان ذي شهرة في الأحساء، فإن الإبل في الجهة الأخرى تتحرك من مكان ذي شهرة في المنطقة نفسها، ويدلّ الاتجاهان على أن (سماهيج) هذه تقع في شرق (المبرّز)، وكان أن اندثرت، وتلاشى اسمها، ولولا أن «جواثى» كان لها ارتباط تاريخي بمسجد (جواثى) هناك، لآل مصيرها إلى ما آل إليه مصير (سماهيج) بقربها. ولا غرابة أن نجد أسماءً مشتركة بين العضوين المتقاربين: الأحساء – بل القطيف أيضاً – والبحرين المعاصرة، فهناك مثلاً نجد (سنابس) في المنامة، كما نجد (سنابس) - اسماً ليس قديماً - إلى جنب «دارين»، وهناك (الجشة) في الأحساء) وهناك (الجش) بالقطيف.

وهذه التي في شرقي الأحساء، هي التي يقول فيها أبو دؤاد الإيادي في إبـله:

فإذا أقبلت تقول إكام

مشرِفات فوق الإكام إكام

وإذا أعرضت تقول قصور

من سماهيج فوقها آطام

وإذا ما فَجِئتَها بَطْنَ غيب

قلتَ نخل قد حان منها صِرام[4] 

فالأحساء -ذات الامتداد الجغرافي- هي التي تحتمل هذا الوصف؛ فـفيها يمكن أن تكون قصور، جوانبها مرتفعة، و”آطام” (أي: حصون)، وما ذكرى “جواثى” إلا بعضٌ من تاريخها العريق، وليست تلك القرية في جزيرة (المحرق)، فجزيرة المحرق منخفضة، وتخلو تماماً من المرتـفـعات؛ لإقامة (الآطام)، وإنما تـنـتشر المرتفعات في شمال شرق (المبرّز)، أي: شمال “جواثى”، فالقصور على وِهاد من الأرض، وهي قصور كثيرة، لا قصر واحد، وحواليها (الآطام)، وإذا كانت آثار «جواثى» قد اندثرت -على قيمة المسجد بها- فما بالك بـ «سماهيج»؟ إن الصورة عتـيقة جدّاً، ولم يَـعُـد لـ«سماهيج» هذه ذكر بعد حين. يقول أحد الرُّجّاز:

يا دار سلمى بين ذات العُوجِ

جرت عليه كل ريح سيهوج

هوجاء جاءت من جبال يا جوج

من عن يمين الخَطّ أو سماهيج[5] 

وواضح من تلك الصورة أن الرياح قادمة من الشمال الشرقي: من جبال يا جـوج.

أي: بلاد فارس وما وراءها، وهنا لدينا موضعان ذوا شهرة، ومتقاربان، وهما:

الخَـطّ: الساحل الشرقي حتى العقير، بل حتى قطر، و «سماهيج» بمحاذاته، في جهة ليست بعيدة عن «العُقَـير»، والرياح متجهة نحو الجنوب الغربي، حيث «ذات العوج»، ولهذا تلازم الموضعان «الخط» و«سماهيج»:

يا دار سلمى بين ذات العُوجِ

جرت عليه كل ريح سيهوج

لقد ذكر التاج:

«سماهيج: جزيرة في البحر تُـدعى بالفارسية: ماش ماهي، فعرَّبـتـها العرب»[6] .

وهذه صحيح، كما سنتبيّن، ولكنه لا ينطبق على هذه التي بالأحساء.

وأمرٌ آخر، وهو أن هذا الرجز قديم، وقائله رجل من بني سعد، سعد تميم[7] ، الذين يسكنون الرمال، الربع الخالي والدهناء، وهذا واضح من وصف الأطلال هنا، ثم إنه يتحدّث عن معرفة بالأرض، في «الخطّ» والأحساء، وليس عن تلك الجزيرة النائية، والتي لم يعرفها، على تلك الصفة، ودليله اقتران الاثنين: «الخطّ» و «سماهيج»، بالأحساء عنده. ومن ناحية أخرى، فإن البكري يقول: «سماهيج: لعبد القيس»[8] ، ولكن الجاسر يعترض عليه، فيقول: «قول البكري بأن سماهيج لعبد القيس، لعله استنتجه استنتاجاً، من كون كثيّـر ذكرها مع جواثى، وهذه لعبد القيس؛ لأن جزيرة أوال كانت لبكر وائل، وسماهيج من أوال»[9] .

وهنا علينا النظر في قول ياقوت، عدا البكري:

«سماهيج: قرية على جانب البحرين، ومن جواثى»[10] .

فما معنى قوله: «ومن جواثى»؟ ألا يعني ذلك التلازم بين الموضعين: «جواثى» و «سماهيج»؟ ثم ما معنى قوله الأول: «على جانب البحرين»؟ لِـمَ لم يقل «على جانب «أوال» مثلاً؟ والبكري عندما قال: «سماهيج لعبد القيس» لم يقل هذا عبثاً، وإنما قال ما قاله وهو يعنيه، أي: «سماهيج» في جهة «جواثى»، فكلتاهما لعبد القيس، إنهما من (البحرين - قديماً)، أي: الأحساء هنا، وإنها «من جواثى»، أي: لصيقة بها، وكلتاهما يقعان: شرق (الكلابية)، أي: شرق الأحساء. أما قول الجاسر في حاشيته:

«كلمة «ومن جواثى» لا محلّ لها هنا، فسماهيج بعيدة عن جواثى، إذ هي في البحر، وجواثى في واحة الأحساء»[11] . فهو قول من يتمسك بـ«سماهيج» المعروفة، مع أن قول كثيّر نفسه يحمل ذلك المعنى: «غدت من سماهيج أو من جواثى»، أي: أن الموضعين متلاصقان متجاوران، ومنهما تنطلق تجارة التمور، وتمور هجر مشهورة منذ قديم الزمان. ومما هو جدير بالملاحظة أن موضع تصدير التمور في البحرين القديمة هو «هجر»، وبخاصة تلك التمور التي تشتهر بها منطقة الأحساء؛ لأن تمور الساحل -والبحرين، ومنها «سماهيج»- تتأثّر بالرطوبة.

وكذلك قول محققي ديوان ابن مقرب عن «سماهيج» البحرين:

«يبدو من شعر كثيّر عزة أنها كانت مدينة عامرة في وقته، ومشهورة بالتجارة»[12] .

وهذا غير معقول كليةً، من الناحية الجغرافية أوّلاً، وثانياً: أن إنتاج هذا الجزء من (المحرق) - أو هو في الحقيقة (المحرق) بكاملها في ذلك الزمان، وهو الجزء المثمر فقط، إذ لا توجد عيــون ماء إلا به – لا يشكّل مطلقاً تلك الصورة “كدهم الركاب بأثقالها”، مع مشابهة الصورة قبلها:

نواعمُ عُمٌّ على مِيثب

عِظام الجذوع أُحِلّت بُعاثا

هذا فيما يخص «سماهيج» البحرين، أما «سماهيج» الأحساء، فهي التي ينطبق عليها ذلك، ومنها تنطلق القوافل. وبالتأكيد، فإن كثيّر عزة ينقل صورة عتيقة، متوارثة، من صور الشعر العربي المشتركة، حيث لم يعد لـ«سماهيج» الأحساء وجود، وبقي ذكرها مخزوناً في الذاكرة الأدبية، بينما ظلت «جواثى» حتى العهد الإسلامي، وقُدّر لها أن تبقى لما لها من إشارة إسلامية، إذ لم يرد لـ«سماهيج» هجر ذكر في المصادر الإسلامية المبكرة في أثناء الفتوح الإسلامية. ويدل وصف أبي دؤاد على مبانٍ شاهقة وعمران، كتلك التي تحدثوا عنها في وصف حصني «المشقَّر» و «الصفا» مثلاً. وهي آثار تعكس حضارة نشأت يوماً ما على سفوح تلك الآكام، ولكنها حضارة بعيدة في التاريــخ، وبالتأكيد، فأبو دؤاد الإيادي، وهو شاعر ليس قديماً جدّاً (ت 550م)، والذي لم يتصل بالمنطقة، كان ينقل -كذلك- الصورة التذكارية أيضاً من موروث أسبق منه. وصورة أبي دؤاد تقترب كثيراً من صورة كثيّر عزة في التشبيه، وتعميق التشبيه بما يبدو مماثلاً له.

وفي الوقت نفسه يقول محققو ديوان ابن مقرب:

«أسكن بها سابور ذو الأكتاف في حملته على العرب بطوناً من بني تغلب، كما ذكر ذلك الطبري في تاريخـه، ولكن وقع لبس في النص الذي ذكره حيث إن الطبري قال: إن كسرى سابور أسكن بطوناً من بني تغلب الخط وسماهيج فتحرّف اسم هذه القرية على النُّسّاخ إلى واسمها هيج، فصار كأنما المقصود به الخط، وأن الخط هو هيج ولكن الصحيح أنه أراد الخط التي هي القطيف وسماهيج هذه المذكورة هنا»[13] .

وهم يعنون بهذا “سماهيج” تلك التي بـ(المحرق). غير أن نص الطبري كالتالي:

«أسكن من بني تغلب من البحرين: دارين - واسمها هَيْج - والخط»[14] .

فليس في الاسم تحريف، وإنما كتابة موثّقة، صحيحة، ورسمها رسم دقيق، إنه يعني «دارين»، فـ«دارين» هي التي كان «اسمها هِـيج»، و «الخط» يعني (القطيف)، أما «هـيْج»، فاسم فارسي لـ«دارين»، إذ كانت «دارين» معروفة في الجاهلية بهذا الاسم، و«هيج» فارسية غير عربية، أما «سماهيج»، فاسمها بالفارسية، حسبما ذكر التاج «ماش ماهي»، وإنما ينـقل الطبري ذكر الاسم في الفارسية، يعني به:أن عندهم اسمها كذلك، إن كان هذا صحيحاً. ولو كان سابور ينقل من ينقل تأديباً إلى «سماهيج»، لكان الأولى به أن ينقلهم إلى الجزيرة الأكبر «دلمون»!

ومع ذلك، فالخبر عن مسير سابور ذي الأكتاف في حدود سنة (350م) غريب حقّـاً، إنه من باب الأخبار التي لم يَـرِد لها ذكر في التاريخ العربي، ولم يتطرّق لها الشعر بتاتاً؛ فهو من المرويات الفارسية القديمة المتّسمة بالمبالغات[15] ، إذ المعروف فيما يخـص -الآن- «سماهيج»، أنها وما حولها كانت أسقفيّـة، وبجوارها يأتي (الدَّير)، محلّ سكنى الرهبان، وليس منفىً للـعـقاب والتأديب. أما مرويّات الطبري هذه، فتأتي ضمن المرويات الشفوية، كتلك التي تتحدث عن تُـبّع وملوك اليمن القديمة، إضافة إلى أن الموروث الشعبي العربي يخلو من مثل تلك الحكاية.

وأخيراً، فإذا أردنا تعيين موقع «سماهيج» الأثرية في ناحية «الخط» ومن «جواثى»، فإن موقعها هو جهة شقيقتها «جواثى»، تحت آكام (كَـنـزان)، فـ:

«كـنـزان: يقع في الشمال الشرقي من موقع جواثى، البلدة القديمة، وهو آكام ممتدة (جال)، يشاهد من جبل القارة وما حوله، شمال جبل القارة»[16] .

وتـتربع القصور العالية وسط القرية الأثرية المندثرة الآن، كما اندثرت آثارها، وتطلّ عليها من آكامها (الآطام). إن وصف أبي دؤاد الإيادي، وقول كثيّر، والربط بين «جواثى» و «سماهيج»، أي: قولهم: «سماهيج: قرية على جانب البحرين، ومن جواثى»، لبراهين كافية على موقع هذه القرية الأثرية، وما بقاء هذه الآكام إلا دليل آخر على أن أبا دؤاد الإيادي تحدّث عمّـا هو مسموع في الشعر أو الأخبار السابقة، وإما عن نقل جمعي، من واقع كان موجوداً ذات يوم.

أما فيما يتعلّـق بقولهم:

«سماهيج: تُـدعى بالفارسية: ماش ماهي، فعرَّبـتـها العرب».

ففيه عدة أمور:

الأول: أن «ماش» بالفارسية تعني اسماً لنوع من الحبوب ما يزال مستخدماً. و «ماهي» بالفارسية الحديثة تعني السمكة.حتى إن “هيج” بالفارسية تعني الذي لا قيمة له، وهذا لا يتلاءم مع الاسم.

الثاني: أن جزيرة «سماهيج» لا تنتج «الماش»، ولا يُـقدَّم «الماش» طُعماً للسمك، ومحصولها من التمور ربما سدّ احتياجات سكّانها، ولكنه لا يكفي للتصدير بحيث يشكّل أحمالاً.

الثالث: أن الكلمة الفارسية المركبة من «ماش ماهي» لا تأتي هكذا في الفارسية الحديثة، وإنما تأتي «ماهي» اسماً مضافاً، و«ماش» مضافاً إليه، وليس العكس. وهذا لا معنى له أيضاً.

الرابع: أن جذر الكلمة موجود في اللغة العربية، وهو «سمهج»، وله معنى فيها، ومن معاني «السَّمهَج»: الأرض الواسعة السهلة، وهناك «السماهج»، وتُـشبَع الكلمة ياءً، فتصير «سماهيج»[17] ، فالكمة عربية الأصل.

الخامس: أن «سماهيج» الأثرية بالأحساء، تؤكد أن الاسم عربي قديم.

إذن، فلا علاقة لـ«ماش ماهي» بـ«سماهيج»، من حيث المبنى والمعنى، وعلاقتها بالعربية هي الوثيقة. أي: أن اسم الجزيرة الأصلي هو هذا. ويوافق هذا الاسم الاسم الموروث القديم «سماهيج» في الأحساء، أما «ماش ماهي» حقيقة، فهو الاسم الأعجمي لـ«سماهيج» البحرين، وهي «ماشماهيغ» (MASHMAHIG)[18] ، كلمة واحدة، وليست مركبة من كلمتين منفصلتين، فالفرس هم الذين حرّفوا الكلمة، وليس العرب، وليس كذلك، أيضاً ما تردّد أن العرب «عرَّبـتـها العرب»، فصـارت «سماهيغ»، والتي تحوّلت إلى «سماهيج» وبهذا، يتأكد لدينا أن ما تردّد في الشعر العربي لا علاقة له إطلاقاً بالبحرين، وإنما علاقته الصحيحة بالأحساء، وحيث «جواثى»، سواء من قول أبي دؤاد الإيادي، أو قول كثيّر عزة، بل حتى قول الراجز الأعرابي.

ولقد عرف العرب الجزيرة بـ: «سماهيج»، فمصعب بن الزبير يذكرها، وإن ذكر أن سكّانها لم يكونوا عرباً، بل فُـرساً، وكانوا ينتقلون منها إلى الساحل الشرقي للجزيرة العربية، وبالذات «هجر»[19] ، ولعل من هنا سمع العرب نطق التحريف من أفواه الفرس القادمين إلى «هجر».

لقد كان المذهب النسطوري الموالي للفرس والقائل بالطبيعتين للمسيح (الإلهية والبشرية) هو السائد في البحرين القديمة، وكانت الأسقفيات في كل من: «قطر» (بيت قطريا)، و «دارين» (دير عِين)، و «سماهيج»/ ماشماهيغ» تتبع أسقفية «هجر»، وكان الأسقــــف «بَـتَـي» (Batai) يديرها، ثم عزله المجلس الكنسي المعقود سنة (410م)، لرفضه إدخال تغييرات على الكنيسة النسطورية، واستُبدِل بالأسقف «إلياس». ومن الأساقفة المتأخّرين فيها الأسقف (سِرجيوس) الذي مُـنح سنة (576م) مع أسقف «هجر» المباركة الكاثوليكية[20] .

وهذا يعني أن «سماهيج / «ماشماهي»/ «ماشماهيغ» كانت مركزاً نصرانيّـاً فقط، وأن إنتاجها الزراعي كان محدوداً، والواضح أن لها مركزاً دينيّـأ مرموقاً، يصل إلى درجة التقديس، ودليله هذا الوجود الكنسي المكثّف بها.

ولم يُـنسب (الدير) في «سماهيج» إلى أحد، على عادتهم في القول: (دير فلان ) من القساوسة والرهبان، وإنما جاء هكذا مجرّداً، واليوم «سماهيج» قرية، وليست منطقة، إذ حلّ اسم (المحرَّق) محلها، ولعها كانت كذلك، وإنما غلب اسم “سماهيج” على كلّ الجزيرة، فـ(الدير) فيها لابدّ أن يكون قديماً أيضاً، وإذن، ففي هذه المنطقة الرهبانية كانت تنتشر الصوامع (جمع صومعة)، وتقوم فيها كنيسة، أو كنائس، وفيها مخازن للمؤن والحبوب والثمار، والتمور، وغُرَف لمساكن الرهبان، ولابدّ أن الرهبانيين اعتنوا عناية كبيرة بالحقول والبساتين للترفيه عن أنفسهم، كما كان يوجد بها مرافق صحية. لقد كانت «سماهيج» المنطقة بكاملها تعجّ بالحياة الدينية، وهي حياة هادئة، وديعة، منعزلة، تأملية، مسالمة، بعيدة كل البعد عن التجارة وتشييد القصور وإقامة الحصون والأسوار. واللافت في الأشعار التي ذكرت «سماهيج» أنها لم تذكر شيئاً عن تلك الأجواء الدينية على امتدادها، فلم يذكروا النواقيس، ولا صياح الديكة، ولا الراهب، ولا الكنيسة، بينما لم يغفلوا مثل هذه الأمور في أحاديثهم عن المواضع التي كانت النصرانية معروفة بها، وهذا أمر يحيل كل شعر في «سماهيج» إلى «سماهيج» هجـر.

أما اعتراض الجاسر السابق على البكري:

«قول البكري بأن سماهيج لعبد القيس، لعله استنتجه استنتاجاً، من كون كثيّـر ذكرها مع جواثى، وهذه لعبد القيس؛ لأن جزيرة أوال كانت لبكر وائل».

على أساس أن «سماهيج» البحرين كانت معروفة قبل الإسلام لبكر - كما «أوال» في نظره، ونظر غيره، لبكر أيضاً - فإن هذا التجمّع الكنسي لا يؤيده. مع العلم أن البكري يذكرها في القرن الرابع الهجري، ولعله كان متأثّراً بذكر «جواثى»، وهذه لعبد القيس، كما يقول الجاسر، إذ كانت «سماهيج» الأحساء قد اختفت إلا من الشعر، بينما لم تكن «سماهيج» البحرين قبل الفتح الإسلامي لا لبكر ولا لعبد القيس.

المحرق:

يتكرر في الكتابات الحديثة محاولة الربط بين «المحرق» تارة بالصنم «محرق»، وتارة بلقب «المحرق» في الحكّام المناذرة[21] .

 

وهذا الربط يتعارض مع شهرة الجزيرة بـ«سماهيج» / «ماشماهيغ»، غير أن النبهاني يقول:

«المحرق وكانت تسميتها (رفين) وهي مدينة قديمة قيل إن سبب تسميتها بالمحرق هو أن المجوس كانوا يحرقون أمواتهم في ناحية منها لمّـا كانوا مالكيها قبل الإسلام»[22] .

وقد علمنا أنها مركز ديني من مراكز النصارى المهمة، وأن اسمها قبل الإسلام هو «سماهيج». وأما مسمى «رفين»، فما لم تذكره المصادر العربية علَماً عليها، إلا أن التاريخ يذكر تعايش النصارى والمجوس في المنطقة، ولعل سبب تسميتها (المحرق) -حسب تفسير النبهاني- أن العرب المتأخرين هم الذين سموها بذلك الاسم لِـما رأوه من آثار المجوس بها؛ وذلك بعد أن انفردت قرية «سماهيج» باسمها، فـعمّ اسم «المحرق». وأضاف النبهاني:

«آثار قبور داثرة وجوه أصحابها نحو الشمال»[23] .

[1]  شهاب الدين، أبو عبدالله ياقوت الحموي، معجم البلدان (بيروت: دار صادر، 1969م) «سماهيج».

[2]  حمد الجاسر، المنطقة الشرقية (الرياض: مطبعة دار اليمامة، الطبعة الأولى، 1399هـ/1979م) ح2، ص ص 868-869.

[3]  ديوان كثيّر عزة، تحقيق إحسان عباس (بيروت: دار الثقافة، 1391هـ/1971م) ص 211.

[4]  شعر أبي دؤاد الإيادي، تحقيق غوستاف فون غرونباوم (بيروت: دار مكتبة الحياة، 1959م) ص339.

[5]  أبو الفضل، جمال الدين بن محمد بن مكرم بن منظور، لسان العرب (بيروت،دار صادر، د - ت ) «سهج».

[6]  محمد مرتضى الزبيدي، تاج العروس (القاهرة: المطبعة الخيرية،الطبعة الأولى، 1306هـ) «سمهج».

[7]  ابن منظور، لسان العرب، «سهج».

[8]  أبو عبيد بن عبد العزيز البكري، معجم ما استعجم، تحقيق: مصطفى السقا (القاهرة: لجنة التأليف والترجمة والنشر، 1368هـ/1949م) «سماهيج».

[9]  الجاسر، المنطقة الشرقية، ح2، ص ص 868-869.

[10]  ياقوت، معجم، البلدان، «سماهيج».

[11]  الجاسر، المنطقة الشرقية، ح3، حاشية ص 867.

[12]  ديوان ابن مقرب، تحقيق عبد الغني عرفات وآخرَين (بيروت: المركز الثقافي للنشر والتوزيع، 1424هـ/2003م)ج2، حاشية ص1292.

[13]  المصدر نفسه، حشية ص 1291.

[14]  أبو جعفر، محمد بن جرير الطبري، تاريخ الطبري (بيروت: دار الكتب العلمية، الطبعة الأولى، 1407هـ/1987م) ج، م 1، ص400.

[15]  انظر، جواد علي، المفصل في تاريخ العرب (بيروت: دار العلم للملايين، الطبعة الأولى، 1970م) ج3، ص102؛ ج4، ص 486.

[16]  الجاسر، المنطقة الشرقية، ج4، ص 1514. وانظر، ج1، ص429.

[17]  ابن منظور، لسان العرب، «سهج».

[18]  J.Spencer Trimingham, Christianity among the Arabs in Pre-Islamic Times (London: William Clowes & Sons Ltd, 1979) p 280.

[19]  أحمد بن يحيى البلاذري، أنساب الأشراف، تحقيق إحسان عباس (بيروت: المطبعة الكاثوليكية، 144هـ/1972م) ق 4، ص471.

[20]  Trimingham , Christianity among the, p 280.

على أن جواد علي، المفصل في تاريخ العرب، ج8، ص701، يذكر أن «مشمهيغ»، و«هجر» والقطيف، و «دارين»، وعمان (المزون)، كانت تتبع «بيت قطرايا».

[21]  انظر، عبد الله بن خالد الخليفة و عبد الملك يوسف الحمر، البحرين عبر التاريخ (البحرين: الشركة العربية للوكالات والتويع، الطبعة الثانية، 1392هـ/1972م) ج1، ص99، حاشية ص98. جواد علي، المفصل في تاريخ، ج10، ص426.

[22]  محمد بن أحمد بن خليفة النبهاني، التحفة النبهانية (بيروت: المؤسسة العربية للدراسات، الطبعة الأولى، 2004م) ص42.

[23]  المرجع نفسه، ص 43.
كاتب وأستاذ جامعي
319343